قالوا عن مزاب - موقع آت مژاب ... للحضارة عنوان

مزاب الوادي المثل

مزاب الوادي المثل

الأستاذ سعد بو عقبة

جريدة الشروق اليومي

Icon 09

شهادة للكاتب الصحفي الأستاذ سعد بو عقبة في مقال جميل في جريدة الشروق اليومي تحت عنوان " مزاب الوادي المثل" القائل فيه :

هل كان من الصدفة أن يكون أحسن شاعر للثورة الجزائرية من ميزاب و هو المرحوم مفدي زكرياء!!وهل كان صدفة أيضا أن يكون أرق شاعر يكتب كلمات ثورية لوردة الجزائرية حول الثورة هو المرحوم صالح خرفي من وادي مزاب أيضا!!

و هل هناك أجمل ما قيل في الثورة الجزائرية من " قسما بالنازلات الماحقات" التي يقردف لها الجميع !!وهل هناك أجمل من قصيدة يا حبيبي ذكريات الأمس لم تبرح خيالي أو قصيدة من بعيد أدعوك يا أملي !!

ان المنطقة التي تنجب أمثال مفدي و خرفي لا شك أن السر فيها هو أنها لاتعيش أزمة هوية و لا أزمة تمزق حضاري أو اجتماعي أو حتى اقتصادي.!

وادي مزاب هو المنطقة الوحيدة في الجزائر التي يمكن أن تؤخذ كنموذج للتوازن الحضاري و السياسي ,فهي تعيش الانسجام التام مع الموروث التاريخي و تعيش التوازن نفسه مع الموروث الحضاري ,وتتعامل مع لبتفتح بما يليق بالتفتح و لذلك تنجب أمثال مفدي و خرفي..

و لو كان بعض الممسوخين يأخذون المثل من منطقة وادي ميزاب و ليس من باريس ,لو كان ذلك لوفروا عليهم و علينا مشاكل كثيرة نحن و هم في غنى عنها !!

و لكن ملأى السنابل تنحني برؤوسهن تواضعا *** و الفارغات رؤوسهن شوامخ!. 

CLAUDE PAVARD

Icon 08

كتبواعنمزاب

Lumieres du Mzab  Claude pavard

كلود بافار .هو المستشرق الفرنسي صاحب كتاب  Lumières du M'Zab   أضواء مزاب ألف كتابه في السبعينات من القرن الماضي ، مطبوع على ورق سميك وجميل تحدث فيه عن تاريخ المنطقة وكتب عن المشاهد التي عاينها وزينه بصوره التي التقطها فيها وتعد صورا هامة من زمن السبعينات لبعض مشاهد مدن مزاب لشوارعها وأزقتها و أسواقها وواحاتها ولسكانها ومنها التي صورها من الجو ، وقد أظهر غرامه بمنطقة غرداية /تغردايت بكﻻم ملفت ..فيقول عن مزاب في هذا الكتاب :" أهرع إليه من باريس جوا وبرا وبحرا وحتى بالأوتوسطوب، إن مزاب سحر وهيام ! بل إن داءه يشغلني وينتابني منذ ذلك اليوم الذي أصبت فيه بنظرة منه نفذت إلى صميم قلبي وكأنها آتية من العالم الآخر "...وقال كذلك : "وإنّني كمصورلم أر في الغرب كله منظرا خلابا بجماله مثل جمال هذه المدن المعجزات التي برزت في الصحراء بإرادة الإنسان.."

وقال : " إن هذه المدن تعبر منذ عشرة قرون *عما تستطيع عبقرية الرجال إنجازه يغذيها إيمان قوي راسخ .فواحات مزاب حدث حضاري فريد في العالم ، وتاريخ مزاب ملحمة بديعة من تلك المﻻحم التي يحلو للإنسان أن يروي أحداثها في ليالي السمر تحت النجوم المتلألئة وهو يبدأها بقوله : كان فيما مضى من الأيام .."

ويختم كلامه بقوله " وإنّ على هذه الصّور ، كثير من كل النصوص ، أن تتحمل مسؤولية عظمى وهي أن تحفظ أثرا حيا لتأثر بالغ شعر به ذات يوم من أيام الصيف الجميلة رجل أوروبي ولد في الأرض الجزائرية حين اكتشف جنة من جنان الأرض...."

لقد وصف مؤلف كتاب : أضواء مزاب (Lumieres du Mzab)  كلود بافاغ CLAUDE PAVARD هو مستشرق فرنسي، مزاب بأن له أضواء وسحرا خاصا، حيث قال :

لقد ذهبت إلى مزاب في مطلع هذا العام (إحدى سنوات السبعينات)، ثم رجعت إليه في الربيع، ثم ذهبت إليه في الصيف مرتين، إن لمزاب سحرا خاصا يجذبني إليه من أعماق باريس

وقال : وإنني أنا كمصور لم أر في بلاد الغرب كلها أجمل من مزاب.

قال هذا في إحدى صفحات كتاب أضواء مزاب (Lumieres du Mzab) 

..............................

*قوله عن عشرة قرون بمعنى إعتباراً بأقدم القصور المزابية الباقية الآن وهي تجنينت /العطف. وإﻻ فإن البدايات للوجود المزابي متقدم عن عشرة قرون بتلك المنطقة كما تدل الآثار الشاهدة لمساكنهم الأولى كأغرم ن تليزضيت وأوخيرة وأولوال وأقنوناي وغيرها...

نورالدين فخار

آلبــير كامو والمزابيون

Icon 08

كتبواعنمزاب

Albert Camus

آلبــير كامو والمزابيون

في رواية "الرجل الأول" الـتي خَطَّها آلبير كامو بقلمه في أواخر أيام حياته نستطيع تلمُّس مقاطع سردية تتغلغل عميقا في جسد المجتمع لترسم معماريته وجغرافيته.. يتساءل "كامو" كعادته.. ويطرح جدليات تنغرز في متاهة الوجود والوعي الإنساني؛ من قبيل:

لماذا أرغِمتُ على العيش؟

ولماذا في أرض بعيدة؟

من أكون؟

وما الجدوى من الحياة؟

إلى أين أسير؟

وأي شاطئ يمكنه أن يستقبل مرساتي؟

Icon 08

هي أسئلة كثيرة شكَّلت الطابع الفريد الذي تميَّزت به خطاباته السردية، وهي تستند إلى التوظيف الفني للتفاصيل اليومية البسيطة المنتزعة من الواقع، إذ تستفيد من حيوية عناصره وجمالية عناصره في رسم لوحة فنية تضجُّ بالحرارة والقلق والاغتراب.

ومن ضِمن ما ورد في الرواية لفظة "المزابي"...

 

فهي ترد في سياقات شحيحة لكنها مع ذلك تتساوق مع بعضها البعض لتُشكِّل رؤية مَّا. فيأتي الكاتب إلى تقديح خاله المسمَّى "أرنست" بالبخل والشُّح. ولا يجد مُعادِلا لغويا مناسبا يمكنه من أن يجسد هذه الحمولة الدلالية إلا لفظة #مزابي.

فالإيحاءات تتلاحق تباعا من خلال الحيوية التي تتمتَّع بها الكلمة. فهي تساهم في تشكيل فضاء متخم، أين يمكننا التقاط المشاهد من زوايا مختلفة في الرواية. فالمزابيون حسب ما ورد في الرواية هم بقَّالو الحي، يأتون من أماكن بعيدة جدا يُطلق عليها "المزاب". فهم معدومون، ويعتاشون بواسطة التجارة الصَّارمة. لا يملكون نساءً في دكاكينهم الخلفية.. يدعون نساءهم في قراهم في عمق الصحراء. ينعزلون عن متع الحياة، ويرتدون وشاح الجد والصرامة والعزلة. محلاَّتهم تفوح منها رائحة الزيت والقرفة والتوابل الجافة...

 

Icon 08

وتتساوق الصور السردية في الرواية تباعا لتجسِّد الآخر على أنه فردٌ مزابي بخيل شحيح، يلبس لباسا صوفيا قديما، أو برنوسا أصفر تحيط به التشققات والثقوب. همه الأول هو جني المال وتكديسه حتى ولو كان ذلك على حسابه أحيانا.. ولا مفاوضة في ذلك أبدا... إنهم مسالمون، لا يريدون الأضواء.. يفضلون العيش على الهامش.. يخافون قمع المجتمع المحيط بهم.. فلطالما وصفوهم بالمتزمِّتين أو الهراطقة(1)..

وتتظافر مقاطع سردية أخرى لتحدَّ من الدَّور الفاعلي الذي يمكن أن يُعزِّز من سلطة المزابيين في الفضاءات التي تحوي اغترابهم. فكانت النظرة الدونية تلاحقهم خاصة في أراضي الشمال، فهم قليلو المخالطة، كانوا مضطهدين عبر التاريخ من طرف الآخرين.. فكان أن اختاروا مكانا بعناية في أقاصي الصحراء المقفرة، بحيث لا يمكن لأحد أن ينازعهم عليه، وكانوا بعيدين كل البعد عن العالم شبه المتحضِّر في الساحل... ويكتسب هذا التهميش مشروعيته ومرجعيته بالاستناد إلى ذريعة "أنهم مختلفون عنهم"...

وهل الحياة إلا اختلاف... ‼

 

بقلم  Omar Ben Aissa

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)الهرطقة هي: الخروج عمَّا هو متدَاوَل، أو السعي إلى تغيير عقيدة أو المساس بمنظومة متعَارف عليها، أو إقصاء أجزاء منها.. وغالبا ما يكون هذا متعلقا بالدين.

القيم القرآنية في المجتمع المزابي

القيم القرآنية في المجتمع المزابي العزابة نموذجاد

د.إبراهيم بحاز

عندما نتحدث عن حلقة العزابة في المجتمع الإباضي وفي المجتمع المزابي الجزائري بخاصة، إنما يكون حديثنا عن القرآن تلاوة وترتيلا وتعليما وتلقينا وتحفيظا، وحديثا عن القرآن قيما وعبادة ومجتمعا وثقافة واقتصادا...
في مداخلتي هذه عن القيم القرآنية في المجتمع المزابي بواسطة حلقة العزابة ودورها في التعليم القرآني، سأتناول تعريفا سريعا عن حلقة العزابة ثم أعرج على دور هذه الحلقة في التعليم القرآني وتثبيت قيمه في النفوس.


أولا : حلقة العزابة النشأة والتسمية والمهام


نشأت حلقة العزابة عام 409هـ /1018م ، على يد المفكر المبدع أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسُطائي النفوسي (ت 440هـ/1049م)[1] على أرض الجزائر، في بلدة اعمر، دائرة تقرت ولاية وادي سوف التي كانت مع وادي ريغ (منطقة تقرت) آهلة بالإباضية في تلك الأزمنة من القرن الخامس الهجري وما يليه، العاشر للميلاد وما يليه، نشأت بغار تينّسلي ببلدة اعمر الذي بني خصيصا لانطلاق العمل على منهج العزابة الذي وضعه مؤسِسُه أبو عبد الله محمد بن بكر بعد اعتكاف دام أربعة أشهر جَاء المولود بمُسمَّى حلقة العزابة لأن من شروطه وضوابطه العزوبة عن الدنيا دون رهبانية والتفرغ لخدمة كتاب الله وخدمة المجتمع على القيم القرآنية بالتبع.
وفي معجم مصطلحات الإباضية نقرأ « نظام العزابة وحلقة العزابة وهيئة العزابة ومجلس العزابة كلها مصطلحات تستعمل في المراجع مترادفات وهي أصلها تمثل مراحل تطور النظام»[2].
ويضيف المعجم « والحلقة بدأت تربوية علمية محضة، بحيث يجلس التلاميذ إلى شيخهم في شكل حلقة دائرية، ويبدو أن هذا النظام سرعان ما تطور ليصبح بمثابة نظام اجتماعي سياسي للجماعات الإباضية في مناطقها ببلاد المغرب الأدنى والأوسط(في تلك الأزمنة)، أما مصطلح العزابة فأطلق على تلاميذ الحلقة، ثم اقتصر على شيوخ الحلقة بعد ذلك»[3].

إذن فهذا النظام يبدأ نظامًا تعليميًا دينًيا بحتًا، ثم تطور بعد انتقاله من وادي ريغ إلى وادي مزاب، ليصبح نظاما شاملا، يهتم بكل نواحي الحياة الفردية والجماعية، دينًا واجتماعًا واقتصادًا وسياسة[4] شرعية.
أما عن أصل التسمية بالعزابة، فهو من العزوب عن زخارف الدنيا دون رهبانية، فالعزابة كلهم بلا استثناء يتزوجون وينجبون ويربون ويشتغلون بالفلاحة أو بالتجارة أو بالمهن الأخرى، دون أن يكون ذلك همهم الأول أو شغلهم الشاغل، لأن مقصدهم هو خدمة مجتمعهم تعليما وتربية، ويعطون من أنفسهم القدوة للآخرين في التواضع والورع، ومراقبة النفس وحب العمل والتفاني في إتقانه مهما كان تعليما أو فلاحة أو تجارة أو صناعة أو بناء أو مهنًا أخرى.
أما مهام العزابة فمتعددة، فهناك المهام الدينية والاجتماعية والتعليمية التربوية والاقتصادية وغيرها.
يقول الدكتور محمد ناصر: « يصعب على المرء في الواقع عندما يتحدث عن مهام العزابة أن يفصل بين ما هو مهام دينية وبين ما هو مهام اقتصادية مثلا، لأن الدين الإسلامي دين يتغلغل في كل مناحي الحياة في المجتمع الإسلامي الحق»[5]، وبما أن الحلقة نشأت في عصر غاب فيها الحكم الراشد، جاءت لتكون بمثابة القدوة في المجتمع، فبات طبيعيا أن يكون من مهامها وصلاحياتها التشريع والتنفيذ والحكم، فقادت المجتمعات الإباضية في شمال إفريقيا لقرون عديدة ووجَّهَتهم وحَمتهم خاصة في العهد الاستدماري. ولا تزال حلقات العزابة تؤدي دورها الديني والاجتماعي والتربوي إلى اليوم[6]،
? فهي التي حافظت على قيمة تمسك المجتمع بالدين اعتقادا وممارسة،
? وحافظت على قيمة القضاء الإسلامي وقبوله عند التخاصم،
? وحافظت على قيمة الهندام الإسلامي والتمسك به إلى اليوم،

? وحافظت على سمت المرأة المسلمة الطاهرة العفيفة، وأسست لها هيئة تسمى هيئة “تيمسيريدين” وملتقى سنويا هو ملتقى “سيوت لا إله إلا الله” (انظر المصطلحين في معجم مصطلحات الإباضية) لتدَارسِ شؤون المرأة من قبل المرأة نفسها،
? وحافظت على التعليم القرآني وقيمه عند الناشئة، بل أُسّستْ الحلقة لذلك الغرض ابتداء،
? وحافظت على الهيئات المنبثقة عنها مثل “إيروان” وهم حفظة القرآن، و”الكرثي” و”الأعيان” و”العشائر” و”أمناء العرش” الذين يتولون مهمة مراقبة أعراف البناء وضوابط السيل،
? وحافظت على الشباب وجمعيات الأحياء “تيسكريوين” توجيها وإرشادا،
? وحاربت الاستدمار الفرنسي حربا جهادية في سطاوالي وسيدي فرج وفي بقاع الجزائر المختلفة شرقا وغربا، كما حاربته حرب مقاطعة لمدارسه ولباسه ومأكولاته ومياهه وكهربائه حتى تبعده عن ولوج المنازل والاحتكاك بالناس... وهذا سر بقاء المؤسسات العرفية والبُنى القاعدية للمجتمع المزابي إلى اليوم.
? وحافظت على الأوقاف ميراثا من الماضي ـ بما في ذلك مقابرهاـ واستثمرته ولا يزال يؤدي دوره الاجتماعي والتربوي إلى اليوم دون انقطاع.
كل هذا وغيره انطلق من المنظومة التربوية التي أنشأها مؤسس الحلقة واستمر عليها الخلف اقتداء وتطويرا حتى بلغت ما بلغته اليوم، فما هي أسس حلقة العزابة في التربية والتعليم؟


ثانيا: دور حلقة العزابة في التعليم القرآني:

يقول الدكتور محمد ناصر في كتابه حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، متحدثا عن المهام التربوية لحلقة العزابة: « كانت المسؤولية هي أهم ما تقوم به الحلقة في عهود نشأتها الأولى، بل إن تربية النشء والعناية بتحفيظهم القرآن الكريم، وتعليمهم اللغة العربية والشريعة الإسلامية، كانت المهمة الوحيدة التي كانت الحلقة قد أنشئت من أجلها، وهذا إدراك من علماء المذهب وشيوخه أن التربية هي أهم الوسائل التي تنشئ الأجيال المسلمة عقيدة وعملا وهي من الطرق البليغة التي تضمن الاستمرار للمجتمع المحمدي مذهبا وسلوكا، وإن الدارس عندما يعود إلى طبقات الدرجيني (ق7هـ/15م) ليعجب حقًا لهذا النظام الدقيق الذي وضعه مؤسس الحلقة أبو عبد الله محمد بن بكر (في وقت مبكر نسبيا) في القرن الخامس الهجري (11م) في هذا المجال»[7].
يقول الدرجيني تحت عنوان ” ذكر لمع من سير الحلقة وما ينبغي لأهل طريق العزابة أن يلتزموه وأن يَعْلَمُوه... ”
إن أبا عبد الله محمد بن بكر مؤسس الحلقة «جعل للعزابي الذي نظمه هذا الاسم في سلك المتدينين، واعتزل عن دناءة الأجلاف الدنيويين علامات ليُعرفوا بسيماهم ويتميزوا عن سواهم:
فمنها أنه أول ما يتجرد من طريقة أهل الدنيا بحلق شعر رأسه ثم لا يتركه يطول أبدا، فالعزابة من نشأتهم عدم الشعور، ومنها ألا يلبس ثوبا مصبوغا إلا البياض»[8].
ثم فصل في اللباس وهو على الطريقة المتداولة اليوم في وادي مزاب وبعد ذلك فصل الحديث في أهل الحلقة وقال « وأهل الحلقة صنفان:
? آمر ومأمور...
? فالآمر اثنان: شيخ الحلقة أو مستنابه، والعريف.
? فالعريف اثنان: منفرد وغير منفرد،
? فالمنفرد اثنان: عريف أوقات الختمات والنوم، وعريف أوقات الطعام
? وغير المنفرد: العريف أو العرفاء وهم من حملة القرآن يكون منهم من يكتب عليه طلبة القرآن ألواحهم ويصححونها ويحفظونها... فهؤلاء لا يحصيهم عدد،

والعريف على أوقات الدراسة ربما كان واحدا وربما أكثر فهو على قدر الاحتياج إليه ونحو ذلك،
والمأمور ثلاثة:
? طلبة القرآن،
? وطلبة فنون العلم والأدب،
? والعاجزون، ولجميعهم أوقات... »[9].
وبعد أن تطرق لمهام الحلقة وهي عديدة متنوعة[10]، تتجاوز مهام مدير مدرسة ابتدائية أو متوسطة اليوم، تناول مهام العرفاء بمختلف تخصصاتهم، ثم بعد ذلك تطرق إلى أنواع الطلاب أي العزابة في الحلقة[11]، وقد ضبطها الدكتور الأردني المتخصص في الدراسات الإباضية عوض خليفات ضبطًا متميزا وأخرجها إخراجا تربويًّا معاصرًا بحيث رتب مهام الشيخ في ثمانية مهام أساسية، ومهام عريف تعليم القرآن في ثلاث، ومهام عريف أوقات الدراسة في خمس، ومهام عريف الختمات وأوقات النوم في خمس أيضًا، ومهام عريف الطعام في سبع، وصنف الطلبة في الحلقة كما جاءت عند الدرجيني إلى ثلاثة ثم جاء بسير الحياة اليومية في الحلقة وختم بالاختبارات والامتحانات وأنواع العقوبات[12].
? مهام الشيخ عالم وحافظ للقرآن الكريم
1. تعيين العرفاء
2. قبول الطلبة الجدد
3. اعتماد المناهج والخطط الدراسية للطبقات العليا من التلاميذ
4. الجلوس للطلبة من الصفوف العليا
5. الجلوس للطلبة المبتدئين والمتقدمين في الدراسة في أوقات معينة عند الختمات
6. الاجتماع بالطلبة جميعهم مرتين في الأسبوع
7. الفصل في المنازعات والمشاكل
8. الأمر بالصرف من أموال العزابة والأوقاف
? مهام عريف تعليم القرآن:
1. تدريس التلاميذ المبتدئين القرآن الكريم وعددهم لا يزيد عن عشرة ولا يقل عن اثنين
2. الإشراف على تلاميذه من الناحية الخلقية
3. إنزال العقوبات الخفيفة بالتلاميذ عند الضرورة
? مهام عريف أوقات الدراسة:
1. الإشراف على انتظام الطلبة في الصفوف الدراسية
2. المحافظة على النظام والهدوء
3. تعويض عريف تعليم القرآن عند غيابه

4. مراقبة الطلبة عند الاستفتاح أي عند القيام في الثلث أو الربع الأخير من الليل لتلاوة القرآن والدعاء
5. عدم السماح بتناول الطعام اختيارا في غير الأوقات المحددة للأكل
? مهام عريف الختمات وأوقات النوم
1. إعلان انتهاء فترة الدروس الصباحية
2. الدعوة إلى نوم القيلولة إجبارا
3. دعوة الطلاب إلى حضور ختمة المغرب
4. الدعوة إلى الختمة اليومية النهائية بعد صلاة العشاء
5. إعلان ابتداء النوم الليلي
?? مهام عريف الطعام
1. تنظيم جلوس الطلاب عند الأكل
2. التأكد من أن جميع الطلبة قد حضروا إلى الأكل باللباس الرسمي الخاص بهم
3. مراقبة تطبيق آداب الأكل عند الطعام
4. تسجيل الغياب عن الطعام ومعرفة أسبابه
5. إعلان انتهاء الأكل ويكون ذلك بالدعاء والشكر لله على نعمته
6. الإشراف على توزيع الهدايا التي يتصدق بها الأغنياء والمحسنون
7. الإشراف على الوجبات الإضافية وعددها اثنتان في اليوم: وقت الضحى وبعد صلاة العصر
8. الإشراف على الوجبات التي تكون خارج الإقامة كالولائم في بيوت المحسنين.


أما الطلبة في المدرسة فإنهم يُصنفون عادة إلى ثلاث مجموعات:
1. طلبة تعليم القرآن
2. طلبة العلوم والآداب
3. العجزة


والحقيقة أنهم كلهم طلبة القرآن الكريم، فالصنف الأول هم صغار التلاميذ المبتدئين والصنف الثاني هم الذين استظهروا القرآن وانتقلوا إلى تعلم علوم القرآن الأخرى، والصنف الثالث هم العاجزون عن حفظ كتاب الله، هم المتخلفون الذين كبرت أعمارهم وبقوا يراوحون مكانهم في السور القصار أو بعدها بقليل.

أما عن سير الحياة اليومية في الحلقة أي المدرسة، فيبدأ العزابة آمرون ومأمورون يومهم في الثلث الأخير من الليل أو ربعه الأخير لتأدية الاستفتاح، فيتوضؤون ويأخذون في تلاوة القرآن مع الشيخ أو فرادى حتى أذان الفجر، فيسيرون جميعا إلى المسجد لأداء صلاتي الفجر والصبح ويعودون إلى مدرستهم لتناول طعام الفطور ثم يبدؤون دروسهم اليومية المعتادة حسب تصنيفهم وبرنامجهم.
يجلس الطلبة في صفوفهم على هيئة حلقة غير مستندين إلى شيء ولا مكثرين من الحركة والالتفات، وإنما عيونهم على ألواحهم المسندة إلى الأساطين، ويعمل العريف على اختبار تلاميذه فيما حفظوه مما تعلموه وحفظوه في يومهم السابق وبعد ذلك يملي عليهم ما يجب حفظه في اليوم التالي.
وبعد انتهاء الدروس الصباحية يقوم عريف الختمات فيجمع الطلبة لتلاوة دعاء الختمة الصباحية معلنا بذلك انتهاء الدروس الصباحية.
ثم تكون فترة أسئلة يجيب عنها شيخ الحلقة ثم صلاة الضحى ثم تناول الطلبة لوجبة خفيفة من الفواكه أو التمر، وهذه الوجبة مشروطة بالجواب على ثلاثة أسئلة يطرحها العريف ومن لم يجب يُحرم من هذه الوجبة.
بعدها يأمر عريف الختمات والنوم التلاميذ بالذهاب إلى نوم القيلولة ولا يتخلف عن هذا النوم الإجباري إلا أصحاب الأعذار وبموافقة العريف، ومن اكتشف أنه لم ينم أو أزعج من نام فالعقوبة مصيره.

بعد ذلك تأتي صلاة الظهر وتناول الغداء، ثم تبدأ دورة الدراسة المسائية وتستمر حتى العصر ويتخللها تناول وجبة خفيفة كوجبة الضحى، ثم الاستمرار في الدراسة حتى صلاة المغرب، وحينها يعلن عريف الختمات عن الختمة المسائية إيذانا بانتهاء الأعمال اليومية الإلزامية، ثم يصلون صلاة العشاء ويتناولون طعام العَشاء ثم استراحة حرة لمدة قصيرة ثم حضور الختمة النهائية حيث يقوم أحد التلاميذ بتلاوة شيء من القرآن الكريم، ثم يدعو دعاء الختمة المعتاد وبعد ذلك يقوم أحد الطلبة بإلقاء كلمة وعظية إرشادية ثم يستغفرون ويدعون ثانية فينصرفون إلى النوم.


أما أوقات العطل الرسمية فهي يوم الجمعة من كل أسبوع.
وفي وقتنا الحاضر تقوم ما يُعرف بالمحاضر وهي مدارس قرآنية تعد بالعشرات في قصور وادي مزاب وكذا المعاهد العليا مثل معهد الحياة بالقرارة ومعهد عمي سعيد بغرداية ومعهد الإصلاح بغرداية ودار القرآن التابعة لمؤسسة عمي سعيد بغرداية كذلك بمهمة تحفيظ كتاب الله، فضلا عن الدراسات المرتبطة بالقرآن، وقد استظهر في العام الدراسي 2011ـ 2012م، على سبيل التمثيل 128 مستظهرا ومستظهرة منها 53 فتاة([13]) ومثل ذلك في معهد الإصلاح ومعهد عمي سعيد.
هكذا عملت حلقة العزابة بالقرآن الكريم على صياغة الشخصية المزابية وهم جزء من المجتمع الجزائري الكبير وأقصد بالشخصية المزابية كل المتجاورين عربا ومزابيين في منطقة غرداية الذين حظوا بولوج هذه المؤسسات الحديثة والتخرج فيها والانضباط بنظامها، ولا تزال الدراسة مفتوحة للجميع منذ أن فتحت أول مدرسة في وادي مزاب وهي مدرسة الإصلاح بغرداية، ومعهد الحياة بالقرارة عام 1925م.
[1]) انظر ترجمته في معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، تأليف إبراهيم بجاز و آخرون، دار الغرب الإسلامي، بيروت 2000م. العَلَم رقم : 803.
[2]) إبراهيم بحاز وآخرون: معجم مصطلحات الإباضية، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، مسقط 1429هـ/2008م ج2 ص702.
[3]) نفسه: معجم المصطلحات الإباضية ج2 ص 699.
[4]) محمد ناصر : حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، مكتبة الضامري 1410هـ/1983م، ص 17.
[5]) نفسه، ص 17.
[6]) لمزيد من الاطلاع على حلقة العزابة وأدوارها ومهامها، انظر خاصة كتاب صالح بن عمر سماوي: العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بمزاب، جزءان، نشر جمعية التراث، المطبعة العربية – غرداية ط1: 1426هـ/2005م (الكتاب في 1162ص).
[7]) محمد ناصر: المرجع السابق، ص31.
[8]) الدرجيني أبو العباس أحمد: كتاب طبقات المشايخ بالغرب، تح إبراهيم طلاي المطبعة العربية. غرداية. ط2 بلا مكان و تاريخ نشر، ج1 ص 172-173.
[9]) الدرجيني: طبقات، 1/173.
[10]) نفسه 1/173/174.
[11]) نفسه 1/178-184.
[12]) عوض خليفات المرجع السابق، 65 -85.
[13] ) مجلة الحياة عدد 16 رمضان 1433هـ/ أوت 2012م ، المطبعة العربية غرداية 2012م آخر المجلة
د. إبراهيم بحاز
المصدر: موقع أعيان غرداية

شروق أونلاين تاريخ مزاب

من نحن المزابيون :


المزابيون : نحن شعب أصيل ، سكنا منذ أقدم العصور بمنطقة الشبكة و نسبت إلينا و هي منطقة صخرية صحراوية تقع جنوب الجزائر بـ 600 كلم و هي منطقة قديمة جدا منذ العصور الحجرية و قد وجدت أكثر من 2900 أداة استعملها جدّنا الإنسان المزابي البدائي في المنطقة .
نمتاز بالتمسك بالدين و الإلتزام و الخلق الحسن و لا نصدر أمرا إلا إذا وافقه الدين و الشرع .
ننحدر نحن المزابيون من قبيلة مصعب الأمازيغية من قبيلة زناتة ، و كلمة -مزاب- محرفة من كلمة - مصعب - و سبب تحريف مصعب إلى مزاب أن الأمازيغ و نحن المزابيين خاصة نحرف الصاد زايًا في العربية ، كالصلاة مثلا التي نسميها تْزَالِّيتْ .
من هنا جاء التسلسل النطقي للكلمة ، فقلنا مصعب ثم مصاب ثم مزاب و مزاب.
و مصعب هو مصعب بن بادين انتقل بنوه إلى الوادي في العصر الحجري و استقروا به مع أولاد عمهم عبد الواد و عائلات أمازيغية أخرى فيه نظرا للظروف الملائمة للعيش به.
و قد نسبت المنطقة إلينا نحن المزابيين فسميت : بادية بني مصعب أو وادي مصعب أو وادي مزاب أو مصاب .
نقرأ القرآن الكريم كأهل المغرب برواية ورش عن نافع .
إداريًا يقع وادي مزاب في ولاية تغردايت ( التي حرفت إلى : غرداية ) تحت الرقم : 47 .
و للتعرف أكثر على تاريخنا اذهب إلى صفحة تاريخنا .


من نحن الأمازيغ:

نحن الأمازيغ أبناء مازيغ بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام .
كنا أول عهدنا في العصور البدائية بالشام مع أبناء عمنا فلسطين فوقعت بيننا و بينهم حروب ، فهاجرنا نحن الأمازيغ من الشام ، و سرنا إلى المغرب عبر مصر و استوطناه في العصر الحجري و عمرناه من غرب النيل إلى المحيط الأطلسي .
ننقسم نحن الأمازيغ إلى قسمين : البرانس و البتر ، كل فرع يتشعب إلى قبائل كثيرة لا تحصى ، فشعب زناتة الذي ينتمي إليه بنو مصعب هو أحد شعوب البتر .

و قد كان المصعبيون يسكنون بجوار منطقة نفوسة في ليبيا ثم إلى جبال الأوراس بالجزائر ، ثم إلى منطقة مليانة ثم إلى ورجلان (ورقلة) ثم إلى وادي مْزاب .

لغتنا المزابية:


أصل لغتنا المزابية زناتية و هما تتفرعان من اللغة الأمازيغية الأصلية الأصيلة ، و لغتنا المزابية قريبة من القورارية و الشاوية و الشلحية و النفوسية.
من خصائصها الإبتداء بالساكن للأسماء مثل قولنا (تْمَارْتْ) للِّحية و ( تْفُويْتْ) للشمس و من خصائصها كذلك اجتماع ساكنين في نهاية الكلمة كما في المثالين السابقين.
تاء التأنيث تكون في أوّل الإسم فنقول )تَبَجْنَ) للرأس . و قد يكون المؤنث في لغتنا المزابية مختوما بتاء كذلك ، و من ذلك قولنا (تْوَارْتْ) لأنثى الأسد.
كما أنّ من خصائصها عدم وجود صيغة التثنية و تستبدل بصيغة جمع كما في كثير من اللغات .
إن لغتنا المزابية غنية بالأمثال التي تغني عن الكلام الطويل مما يدل على حكمة أجدادنا مثل :

( وِيُّوفِينْ وَلْيَطِّيفْ أََدِبْرَسْ وَلْيَتِّيفْ) و معناه : من وجد و لم يقبض بَحث و لم يجد ، و نضربه لمن يضيع الفرص .
و من الكنايات المزابية قولنا : ( يَقَّنْ سْوُولْمَانْ) ومعناه : مربوط بخيط واهن ، و هو كناية عن عدم إحكام الأمور .
و لنا نحن المزابيين قصائد شعرية نتغنى بها في المناسبات كوقت الدرس للفلاحين ، و أوقات النسج للنسوة ، و في الأعراس ، و الأعياد الدينية.
تأثرت لغتنا المزابية كثيرا بالعربية لغة القرآن الكريم ، لكن الألفاظ المقتبسة منها لم تبق على هيئتها الأولى بل صغناها على قواعد لغتنا و ركبناها تركيبا جديدا ، فانسجمت مع لغتنا المزابية ، و صارت جزءا منها ، و خرجت من نطاق اللغة العربية ، لا ينتبه إليها إلا من عرف أصلها ، فكلمة (أَمْبَارْشْ) أصلها مبارك ، وكلمة (يَتْزَالَّ) أصلها يصلي.



قصور وادي مزاب

 من مظاهر حضارة المزابيين مدنهم و فنها المعماري , و عدده المدن الرئيسية العامرة إلى الآن سبعة ، باستثناء القصور التاريخية العتيقة ، و التي لم يبق منها سوى بعض الآثار .
و ستجدون صورا لمختلف هذه المدن في صفحة صور مزاب.
الملاحظ في مدن مزاب السبع بأن خمسًا منها و هي : تَجْنِينْتْ , آت بونور , تَغَرْدَايْتْ , آتَمْليشْتْ , آت اِيزْجَنْ , متجاورة من بعضها البعض , و لا تبعد عن بعضها سوى ببضع كيلومترات ، و تعرف بالقرى الخمس , أما مدينتي : آت ايبَرْ?ـان , و تيـ?ْرار , فهما بعيدتان عن المدن السبع السابقة , آت ايبَرْ?ـان :45 كلم شمالا , و تيـ?ْرار : 110 كلم شرقا .
و قد بنيت كل هذه المدن فوق مرتفعات , لأهداف كثيرة , و بهندسة معمارية مميزة جذبت المهندسين من جميع أنحاء العالم. تتعرف عليها في صفحة : الهندسة المعمارية .
و في ظروف غير معروفة ، حُرِّفت أسماء هذه المدن إلى أسماء عربية و أعرابية ، ومازالت أسباب هذا التحريف محل بحث من طرف الشبكة المزابية .

1 - تَاجْنِينْتْ :
تُعد من أقدم القصور السبع , يقصد بهذه الكلمة المكان المنخفض , أسسها الشيخ خليفة بن آبغور سنة 402 هـ 1012م , تقع على بعد سبع كيلومترات من آت بونور ، حُرِّف اسمها إلى : العطف .

2 - آتْ بونورْ :
أُنشئت سنة : 457 هـ - 1065 م , و اسمها نسبة إلى القبيلة المصعبية التي بَنَت و سكنت هذه المدينة قديما , تتميز آت بونور بأنها مبنية فوق ربوة صخرية منيعة جدا ، مما شكل لها سورا طبيعيا تقع قرب آت ايزجن ، حُرِّف اسمها إلى : بونورة .

3 - تَغَرْدَايْتْ :

أُنشِئت سنة 447 هـ - 1053م , و أول من سكنها الشيوخ : بابا وَالجَمَّة , و أبو عيسى بن علوان و بابا سعد , وأصل تسميتها : تَغَرْدَايْتْ بالمزابية و هي القطعة المستصلحة من الأرض , والواقعة على حافة الوادي , وتوجد عدة قرى تحمل نفس الدلالة في أرجاء المغرب الإسلامي ، و هي أول مدينة تُشاهَد عند القدوم من الشمال ، حُرِّف اسمها إلى : غرداية .

4 - آتْ اِيزْجَنْ :
أُسّست سنة : 720 هـ - 1321 م ، و اسمها نسبة إلى القبيلة المصعبية التي سكنت المدينة .
تعتبر آت ايزجن , من عواصم العراقة العلمية و الدينية , و هي المدينة الوحيدة التي حافظت على أصالتها المزابية من كل النواحي إلى اليوم ، و تعتبر المدينة المزابية المثالية ، و من أهم مميزاتها ، سورها الذي لايزال قائما إلى اليوم ، و تقع بعد آت امْليشْتْ .

5 - آ ت مْلِيشْتْ :
أسست عام 756 هـ - 1355م , اسمها نسبة إلى " مْلِيكْشْ " أحد زعماء قبيلة زناتة التي تنتمي إليها قبيلة بني مصعب تقع على هضبة مرتفعة نسبيا بين قصري تغردايت و آت ايزجن ، يستطيع الناظر منها أن يرى القصور الثلاث : تغردايت ، آت ايزجن ، و آت بونور .

6 - تِيـ?ْرَارْ :
أسست سنة : 1040 هـ - 1631م , معنى تسميتها : الجبال البيضوية التي بجانبها سهول صغيرة مقعرة بستقر فيها الماء .
تقع على بعد حوالي 110 كلم شرق القرى الخمس ، وهي على أرض طينية ، على خلاف المدن الأخرى التي تقع على جبال صخرية ، و تشتهر بواحتها الشاسعة التي يسقيها وادي ز?ْرير .

7 - آت ايبَرْ?ـان :
أُنشئت سنة : 1060هـ - 1690 م , و هي خيمة مصنوعة من الوبر , وقد كان أهلها ذوي خبرة في نسج هذا النوع من الخيم .
تقع في تقاطع الأودية الثلاثة : بالُّوحْ ، السّودان ، و وادي نْ سَا .

اللباس التقليدي القومي المزابي :

لا يمتلكها سواه , و منها بضع الخصائص الرئيسية التي ما فتئ المزابيون يدافعون عنها بكل ما أوتوا من قوة ضد تيارات الغرب المفسدة , و من مظاهر تمسك المزابيين بأصالتهم , لباسهم التقليدي , و الذي يواظب المزابيون على ارتدائه إلى يومنا هذا سواء في المناسبات أو غيرها , و عادة ما يعتبر من لم يلتزم بهذا اللباس في مزاب غريبا و شاذّا عن المزابيين و لو كان مزابيا .

و هذا الإلتزام إن دل على شيء , فإنما يدل على الروح المزابية الإسلامية الأصيلة , التي تأبى إلا المحافظة على الأصالة العريقة , و الوحدة و الأخوة التي يلتزم بها المزابيون , إذ أن ارتداء جميع المزابيين لباسا واحدا , بحيث لا يتميز غنيهم عن فقيرهم , يدل على روح الوحدة و الأخوة , و أنهم طبقوا حقا قول الله تعالى : " و اعتصموا بحبل الله جميعا و لاتفرقوا " , و يدل على أنهم رفضوا تماما التيارات الغربية المنضوية تحت اسم : ( العولمة ) , التي فسخت الشباب الإسلامي تماما إناثا و ذكورا للأسف الشديد .

يتكون اللباس المزابي التقليدي من سروال مترابط غير مفصل على الرجلين و هو منتشر في بوادي مصر و الشام , و طاقية بيضاء تطبيقا لسنة الرسول (ص) في تغطية الرأس ، و هناك كذلك القميص المزابي المعروف بـ : تاجربيت ، و قد تقلص استعماله إلى المناسبات .
يكون سروال أبيضا في المناسبات و الأعياد و أوقات الصلاة و الإجتماعات , أما في وقت العمل , فيرتدي المزابيون سروالا ملونا حفاظا على النظافة , و لا ينزعون الطاقية .
في أوقات الصلاة يرتدي المزابيون اللباس السابق ذكره , و يرتدون فوقه جبة بيضاء تعبر مرة أخرى على اتحاد المزابيين , و لايدخل مزابي المسجد عادة دون جبة بيضاء .

أما النساء , فهن يرتدين جميعا لباسا موحدا , عبارة عن قطعة قماش كبيرة تلفها المرأة حول جسمها كله , بحيث لايظهر منها شيء , و لا تترك إلا فتحة صغيرة حول العين لترى بها ، في صورة مميزة لتطبيق التعاليم الإسلامية .
لعل البعض يظن أن فرض اللباس الشرعي المحتشم على النساء جمود و جفاف ديني من المزابيين , إنما هو اتباع لتعاليم الدين الحنيف بحذافيره , دون أي مزايدة , كما أمر ربنا عز و جل .

لماذا الأبيض ؟ :

يرتدي المزابيون الأبيض لأنه هو الذي حبّب إليه الرسول (ص) في قوله : " عليكم بالبياض , ألبسوه أحياءكم , وكفنوا به أمواتكم " .
كما أن الأبيض جميل من أصله, لأنه لونه التفاؤل و الخير لدى كثير من المجتمعات , و الله يأمرنا بالزينة في المسجد في محكم آياته , إذ يقول : " خذوا زينتكم عند كل مسجد " , و لا يخفى على أحد أن الزينة تكون باللباس الأبيض الجميل , ثم أن اللون الأبيض سريع التأثر بالألوان , فإذا ما أصابته نجاسة سهلت رؤيتها و التعرف عليها .


 --------------------------------

echoroukonline.com

عالم مزاب المسحور

مزاب  منذ 31 سنة عالم مزاب المسحور

مجلة العربي رحلة إلى الصحراء الجزائرية

Icon 09

عندما تعثر فجأة على قطعة من التاريخ الحى ,لا تملك سوى ان تحتفي بها وتتأملها وخاصة اذا كانت مثل مدن وأدى مزاب في قلب الصحراء الجزائرية ,عندما ترى نظاما اجتماعيا دقيقا , وتشاهد الاهالى بلحاهم الطويلة , وتقاليدهم وعاداتهم السائدة , وترى طراز عمارتهم وتخطيط مدنهم , فكأنك تطل على القرن الخامس الهجرى ..

وما اشد ما تغرى على التجوال والبحث والتقصي....

قادني إلى هذه الجولة كلمات قرأتها للكاتب الفرنسي شار جوليان في كتابه حول شمال افريقيا ..

تقول ..((اعترض الحكم العربي في المغرب تحد من خلال الإسلام , عندما انحاز البربر في القرنين الثامن والتاسع إلى شقاق يهدف إلى المساواة , ويدعوا إلى اختيار الخليفة من جموع المسلمين بصرف النظر عن اى ميزة عرقية , ودامت الثورة ما يزيد عن قرنين , ولم يتم التغلب عليها سوى بعد عام 375هـ , عندما تشتت البقية الباقية منهم في صحراء الجزائر وتونس بعد انهيار مملكة تاهرت سنة 909م.

وبقى اليوم احفادهم يعيشون جماعات منكمشة مغلقة في جزيرة جربة وفى ورقلة وخاصة في مزاب التى تقوم فيها مدن غاردايه ومليكة وبنى يزقن الطاهرة ذات الصوامع العارية من كل زخرف )).

وكانت هذه الكلمات بداية رحلة ذهنية بيت الكتب قادت إلى جولة وادي مزاب , تبينت خلالها مدى اقتراب كلمات الكاتب الفرنساوى من الحقيقة ,وقمت برحلة شيقة مليئة بالفن والسحر والتاريخ , شاهدت خلالها عالما بأكمله من التاريخ الحي .

لم يكن الوصول ال وادى مزاب سهلا , بل يشبه سباق تخطى الحواجز , وانتهت متاعبنا لدى وصولناإلى مطار غاردايه الذي يبعد عن العاصمة نحو 600كيلو متر في قلب الصحراء , وفى الطريق من المطار إلى البلد ومنذ الخطوات الاولى من رحلتنا , اخذنا بالمكان وما يحمله من اءيحات جمالية وتاريخية .

يمتد امامك وادى,, مزاب وترى صورة بانورامية للوادى ومدنه القائمة فوق التلال يحيط بها اللون الاخضر لاشجار النخيل في خلفية المكان على امتداد الوادى , تظهر بوضوح ثلاث مدن فوق ثلاث تلال , اقيمت بنظام دقيق ,في اعلى قمة التل يقوم الجامع بصومعته المربعة ذات الطراز الخاص – اى المنارة كما يطلق عليها في المغرب العربي -, وهى على نفس اقدم المساجد التى بقيت على حالها في الجزيرة العربية , وهو مسجد سيدنا عمر في منطقة الجوف , تتحلق حول الجامع بيوت الاهالى ,كل حلقة بارتفاع واحد وطراز معمارى خاص , والعمارة هنا اكثر ماتكون شبها بعمارة شيئام وسيئون في حضر موت باليمن الديمقراطية , ويغلب على المدينة المزابية اللونان الازرق والابيض , وعندما تصل المدينة إلى نهاية التل يحيطها سور من حوله الأبراج على مسافات متساوية .

وامام هذا المشهد أتذكر فجأة آلة الزمن تلك الحيلة التي أخذها خيال السينمائيين , والتي تعود بالمشاهد إلى اى مرحلة من مراحل التاريخ تنقل أحداثه ومشاهده , ولا يفوتها طراز المباني ولا نوع الازياء ومظاهر الحياة وطعمها الخاص , فهنا يمكن الاستغناء عنها جميعا عندما تشاهد التاريخ مجسدا أمامك بكل تفاصيله.

وقد ساهم في إقامة هذا الوادي ومدنه كل من العقيدة والبيئة والتاريخ... ففي هذا المكان البعيد عن العمران , والذي يقع بين جبال جرداء صخرية , تكونت على مر الأيام هذه المدن في بطء وصبر , وهى تبدوا من بعيد وكأنها خلية نحل في التنسيق والنظام والدقة .

ويبعد هذا الوادى عن المعمور حوالى 300كيلو متر – اى عن الاغواط اقرب المدن اليه - , ويقطنه 100000الف نسمة , وساهمت عزلته هذه في تكوين طابعه الخاص , فالوديان في الصحراء مثل الجزر في البحار كثيرا ما تضم وتحافظ على بقايا التاريخ الحى ,وساهمت حالة التوجس والخوف التى عاشها هذا المجتمع في الايغال بالتمسك بالماضى , مما امده بهذه الطاقة التاريخية على الدوام والاستمرار , وشحذ الذاكرة التاريخية لاهل مزاب وجعلها حادة واضحة....

جاءت إقامتنا في غرداية في فندق يطلق عليه اسم(( الرستميون)) , أقيم على الطراز العربي وصممه احد المعماريين الفرنسيين مكان قلعة فرنسية قديمة كانت تحتل موقعا استراتيجيا , وتشرف على غاردايه, عاصمة المزاب , واكثر مدنه تقبلا للتغيير , وبقدر ما فتحت غاردايه ابوابها للغرباء , بقيت المدن المزابية الأخرى موصدة الأبواب , وكأن غادايه قد اختارت أن تدفع الضريبة عنهم , فاتسعت وتمددت خارج الاسوار , وهدت محلات حديثة وبنوكا ومكاتب حكومية وفناددق , وبها مقر حزب جبهة التحرير ( الحزب الحاكم ) , ويسكنها رجال الادارة والعاملون في كل المشاريع الجديدة ..

يزدحم الفندق بالسياح , واغلبهم من الفرنسيين , يتوقفون في غاردايه اهم محطاتهم في الطريق الذي يصل من العاصمة إلى تمنراست بلد جبال الحجار ( الهوكار ) والطوارق (2000كيلو متر ) , عندما يسلكون الطريق الوطنى رقم 1, او طريق الوحدة الافريقية – اهم مشاريع الجزائر والذى بداء عام 73 وينتظر ان يكتمل خلال عام واحد – وهو يحول الصحراء من نقطة فصل إلى نقطة اتصال مع الدول الافريقية جنوب الصحراء .

وما زالت الصحراء الجزائرية اهم التحديات التى واجهت الجزائر , فاستهدف المستعمر الفرنسى فصل الصحراء التى تبلغ مساحتها اربعة ملايين ونصف مليون كيلو متر مربع والتى يسكنها عدد قليل من السكان المبعثرين في واحات متباعدة , وخضعت الصحراء لادارة الجيش الفرنسى مباشرة , وجعل لها وضعا قانونيا خاصا , بل واجرت فرنسا تجاربها النووية فيها , اما منطقة الساحل إلى تمثل عشر مساحة الجزائر فقد سكنها المستوطنون الفرنسيون ( الكولون ) واستأثرت بكل المشاريع الفرنسية .

وكان الطريق الذي يقطع الصحراء هو الرد الوطنى على فصل الصحراء , ويصل هذا الطريق إلى كل من النيجر ومالى على شكل حرف (y) مقلوبة , ويعيد طريق القوافل القديم إلى ((تمبكتو )) ويساهم من جديد في نقل البضائع والأفكار , ويقدم لكل من النيجر ومالى طريقا إلى البحار المفتوحة وخاصة انه ليس لاى منهما مرافىء.

وبالفعل ساهم ما انجز من الطريق في إقامة العديد من المشاريع الصناعية الهامة , كما وضعت الخطط لتوطين البدو وقيام حياة جديدة في الصحراء .

يتحدث السياح في الفندق بشاعرية عن الصحراء , قال رجل فرنسي في خريف العمر : ((تبحث عن الصحراء عما في داخلك , فهي لا تكشف أسرارها لكل من يرتادها , بل ولا كنوزها ولا أعاجيبها )).

وقالت فتاة رشيقة تصحبه ..(( ما أجمل ليل الصحراء , فالسماء والقمر والنجوم لها طابع وميزة لا تراها على هذه الصورة في اى مكان من العالم )).

وعاد الرجل يصف لحظة وصوله إلى الوادى قائلا : (( فجأة تظهر الواحة بلونها الأخضر مع خيوط أشعة الشمس الذهبية , وكلما اقتربنا وظهرت تفاصيل اكثر , رأينا المدن المزابية وكأنها مدن تاريخية مسحورة في احدى روايات الف ليلة وليلة )), ويستطرد قائلا (( ان الرحلة التي تقطعها السيارة تستغرق أسبوعين من العاصمة حتى تامنراست تمثل خلالها الواحة لحظة الوصول إلى الحياة , والاتصال بالعالم الخارجي وهى في هذا تشبه مكاتب التلغراف التي تصلك بالعالم في فضاء لانهائي )).

الرستميون

اسم الفندق وموقعه له ايحاء خاص , فاسمه زء من التاريخ الحى , ومن هذا الفندق نطل على التاريخ , فهو يحمل اسم حكام دولة بنى رستم الاباضية , والتى تشكل قصة قيامها وانهيارها في وجدان ابناء الوادى الحلم الضائع والجنة المفقودة .‍‍‍‍

وتكشف صفحات التاريخ الكثير مما يجرى حولنا فالوادى وسكانه من بقايا الدولة الرستمية التى قامت في الماضى , وما زال اهل الوادى متمسكون بكل ما تمثله دولتهم القديمة , وقد استمرت هذه الدولة حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجرى , وكانت(( تاهرت)) هى عاصمة الدولة ,وامتدت لتشمل المناطق الداخلية , وحدودها الاراضى الوعرة والصحراء الشاسعة , ووصلت حتى مشارف طرابلس الغرب.

والآن حان الوقت لنكمل جولتنا في المدن المزابية – وهى في الواقع قرى اكثر منها مدنا - , يشدنى العمل الشاق الذي بذل وما يحمله الوادى من لمسات الفن والجمال , ففى هذا الركن المفقود من الصحراء تتوزع مدن مزاب الخمس وهى غارداليه ( غار- دايه ) ومليكه( اسم ابنة احد الحكام ) والعطوف وبنى يزقن وبونوة في دائرة لا يزيد نصف قطرها عن سبعة اميال فوق خمس تلال , (( وهذه المدن نشأت في فترات زمنية متتالية , وعندما اكتملت وضاق الوادى بسكانه , اقيمت المدينتان هما القرارة وبريان , تبعد الاولى عن غاردايه مائة كيلو متر والثانية 48 كيلو متر , وتضاف اليهما متليلى وهى مدينة مشتركة يتعايش داخلها في انسجام كامل كل من ابناء المذهب المالكى وامذهب الاباضى ..

تشاهد امامك قرى بعمارتها وازقتها واسوارها وابراجها وعادات اهلها وتقاليدهم ولباسهم المميز – العمة والسروال – ولحاهم الطويلة وكأنهم استمروا هكذا لم يتغيروا منذ ما يقارب التسعمائة عام ويخيل اليك انك ترى ذات البشر القدماء..

محو الامية

ولا يخرجك من التاريخ سوى احد الملتحين بسرواله التقليدى يمرق من جانبك بدراجته البخارية ثم بعض السيارات الحديثة التى تقف عند الاسوار , والطرق المرصوفة التى تنقلك من مدينة إلى اخرى ,فما اصعب مقاومة رياح التغيير والحاح العصرية ..

في هذا المجتمع يزاد كبار السن بلحاهم الطويلة البيضاء , وتكاد تختفى المرأة من ازقته , مجتمع لا تجد فيه اميا واحدا , بل ويندر ان تجد فيه من لا يتحدث العربية بطلاقة إلى جانب اللغة البربرية المحلية , ولديه نظامه الخاص في التكافل الاجتماعى , ونظامه في حل الخلافات التى تظهر بين افراده , مجتمع يأخذ نفسه بالشدة ويتمسك بتعاليم الدين الحنيف .

وساهم الماضى في تمسك افراد هذا المجتمع يكل ما فروا من اجله إلى هذه المنطقة النائية ,مما يؤكد ان الاضطهاد والملاحقة لا يقضيان ابدا على الفكرة بل يساهمان في الحفاظ عليها والتمسك بها .

ومع بداية جولتى حذرنى صاحبي بقوله ( ان العديد من معتقداتهم تعتبر من خصوصياتهم التى لا يرحبون بالكشف عنها , ولا يرحبون بالغرباء كثيرا , وعندما توجه سؤالا لاحدهم لا تتلقى الاجابة الا بعد استشارة شيخهم...)), وعندما التقيت بعدد منهم وجدت الكس تماما , ولقيت منهم الحفاوة والترحيب , والرد على جميع استفساراتي , فالفارق لديهم كبير بين الأجنبي والعربي , بل لاحظت ان الكثيرين منهم يتابعون بشغف إحداث المشرق العربي , ويناقشون قضياه باهتمام بالغ .

وأكثر ما جذب اهتمامي بعد البشر ونظمهم معالم العمارة التي يؤكد الخبراء ان وأدى مزاب يضم المجموعة الاسلامية الهندسية الرئيسية في الصحراء , وأقدمها جميعا . وهى تتميز بدقة وجمال لا في المسكن فحسب بل وفى اعمال الرى والدفاع أيضا , واول ما يلفت النظر التناغم والانسجام بين التل والمبانى من فوقه , فهنا العمارة عمل أصيل وانعكاس تلقائي للبيئة والفكر والاجتماعي والتقاليد والوضع الاقتصادي .

قادنى صاحبي إلى جامع سيدى ابراهيم على مشارف بلدة العطوف اقدم المدن الزابية والتى تبعد عن غاردايه سبعة كيلو مترات وهو اول مسجد اقيم في مزاب إلى مكان اثرى , يبدوا شكل الجامع وكأن المعمارى الذي اقامه كان يطوع الحجر ويلاينه ويخرج منه هذا العمل الفنى الذي جمع بين الابداع والبساطة , فالمبنى على نفس شكل الحجر , ويتسق مع البيئة من حوله .

والجامع لديهم ليس مكان للعبادة فحسب بل ومركزا للحياة , يأخذ هذا الجامع بفكرة القبلة المفتوحة والتى تتجه إلى الفضاء الواسع , ولديهم تقليد فريد بالا يقوم في المدينة سوى جامع واحد , يتسع مع اتساع المدينة , فلا يقام سواه فوحدة الجامع تعنى وحدة المجتمع والعقيدة .

ويؤكد مرافقى مسؤلول الاثار في مزاب الفنان عبد الحميد عرعور : (( ان عددا كبيرا من المعماريين الفرنسيين يجدون هنا الكثير الذي يتعلمونه من هذا الجمال المعمارى المتكامل , وهذا الانسجام بين الوظيفة والشكل )).

ويقف وراء كل هذا الفن ذلك الإنسان الذي عمل بيديه المجردتين في صراعه الطويل مع البيئة ومواد البناء , لكي يتمخض من هذا الصراع ذلك الجمال المعماري القائم , ويأتي جمال الشكل من التوافق والتوازن الذي يعبر عن الوحدة والمساواة في ظل الأيمان , وترى هنا كيف تمثل الزخرفة الفطرية القديمة جمالا باقيا , لم تصل إليه بعد التشكيلية المصطنعة الحديثة .

احد بيوت مزاب

من الصعب ان تدخل احد البيوت المزابية بلا سابق معرفة , بل ومن العسير ان تلتقط الصور لابناء مزاب الذين لا يزالون يعتقدون ان التصوير يخالف الاعراف والتقاليد ..

اخذنا مرافقنا إلى بيت مزابي قديم خارج الاسوار , يستأجره احد الفرنسيين المولعين بمزاب , مظهر البيت الخارجى بسيط لكنه متناسق , شيد وفق احتياجات المعيشة اليومية ولمسايرة جميع التقلبات المناخية على مدار فصول السنة , وتلحظ درجة عالية من الانسجام بين مكوناته الاساسية , وكل خط فيه يعبر عن مصممه , وكما يقول المعمارى الدكتور حسن فتحى حول عمارة المزاب...(( حركة اليد لا تصدر عن العقل وحده بل وعن الشعور أيضا , وذكاء الاصابع ذكاء روحى قبل كل شىء ))..

وهو كالثوب المحكم على صاحبه , ليس بفضفاض ولا ضيق , وهو ما تفتقده العمارة الحديثة , فيكتفى كل ما هو ضرورى دون ادخال ما يزيد عن الحاجة ..

ومن خصائص البيت المزابي انه بلا اثاث , والمبنى يوفى بكل الاحتياجات , وربما لان الوادى ليس به اخشاب سولى اعجاز النخيل , وليس للدار المزابية نوافذ بل فتحات في اعلى المبنى , وداخله انفصام كامل بين حياة الرجال والنساء , ويوجد في جناح الزوجة (( النول )) في مكان رطب تنسج عليه المرأة الزرابي واعمال الصوف المختلفة ..

وعندما سألت ساكنه الفرنسى : هل يوفى البيت بأحتياجاتك .. وقال ( بعد فترة من التعود وجدته اكثر راحة وانسجاما من كل اشكال العمارة الحديثة )).

ولكبار القوم في مزاب داران , احدهما في السهل بين اشجار النخيل والاخرى فوق الجبل داخل الاسوار , ويهاجر جموع السكان كل صيف إلى الغابات , إلى الجو الافضل وسبق اهل مزاب بهذا التقليد اهل زماننا , كما يوجد مسجد في الغابة وآخر في المدينة , ويميز مسجد المدينة الصومعة التى لاتوجد في مسجد الغابة .

في غابة النخيل

التلال – اقصد المدن – محاطة بغابات من النخيل من كل جانب , فقد كان اول ما اجه اليه السكان بعد استقرارهم في الوادى البحث عن مصادر المياه ثم العمل على خزنها , ثم تقسيمها والاستفادة منها قبل ان تضيع في الصحراء , وكان على بقايا الدولة الرستمية اللجوء إلى مكان يصعب على غيرهم الوصول اليه , ولايغرى ندرة الماء فيه سواهم من العابرين , واختاروا قلة المياه مقابل الامان , كانت هذه مجرد البداية التى سريعا ماتطورت بالجهد المبذول في توفير المياه وتخزينها , ولذلك ليس لسدودها وآبارها وقنواتها ونظام توزيع المياه بها مثل في نواحى الصحراء الجزائرية كلها , فقد ابتكروا اساليب معمارية خاصة , والسدود القائمة هنا يعود تاريخ بعضها إلى سبعمائة او ثمانمائة عام , وتهدف إلى تخزين وتحويل مجرى المياه في الوادى إلى كروم النخيل , اما السدود الباقية الواقعة في نهاية الوادى فتهدف إلى نشر المياه وتوزيعها على المنطقة كلها لملء الآبار القائمة , وتبقى الاقنية جافة طيلة ايام السنة , بأستثناء بعض ساعات تنهمر فيها الامطار , واذا زادت تتحول إلى تهديد خطير , وكثيرا ما دمرت السيول القرى الصحراوية , ولهذا يخالط فرح الاهالى بهطول المطر قلق من تحولها إلى سيول .

كما احتاج توزيع الكميات المحدودة من المياه إلى معرفة جيدة بالاراضى واساليب ريها , ووضع نظام صارم يحقق عدالة توزيعها , وشاهدنا في نهاية كل غابة عند ملتقى شعاب الاودية واليابسة , سواقى مبنية تلتقى فيها مياه الامطار , وتوزع فتمر في سواقى عريضة في مدخل كل مزرعة , وتمر من خلال فتحة تضيق تتسع حسب مساحة أراضها في دقة وعناية وعدالة , ثم تنتهي تلك السواقي لتصب خلف سد , بعد أن تمر وتتخل حدائق النخيل جميعها , وتعود وتغذى الآبار ويستخرجها الفلاح من البئر , ويروى بها نخيله لعام أو عامين آخرين وحتى يهطل المطر من جديد , وقد اسطاعوا ان يحفروا في الوادي ما يزيد عن أربعة آلاف بئر , يتراوح عمقها بين 25 و 60 مترا , وغرسوا 170 ألف نخلة .

وروى لى احد أبناء الوادي , وهو يقف أمام بئر عتيقة قائلا : (( هذه البئر حفرت على مدى ثلاثة قرون , بداء العمل الجد وواصله الابن ثم الحفيد وابن الحفيد وكانت الآلة المستخدمة في الحفر لأتزيد عن قرن غزال ..)) وهى كلمات بسيطة تعكس شعور أهل مزاب بالجهد المبذول في حفر الآبار على مدى عدة أجيال ..

بنى يزقن

وتجولنا طويلا في بنى يزقن , نموذج للمدينة المزابية كما كانت عليه منذ القدم , المدينة على شكلها الهرمي ترتفع صومعة المسجد المربعة عند القمة ..

السور ما زال على حاله يحيط بالبلدة , ويصل ارتفاعه إلى نحو ثلاثة أمتار , وتدخل إلى البلدة عبر بوابة يقف أمامها حرس خاص , ويبلغ طول السور ألفين وخمسمائة متر , التضامن والحاجة الملحة للشعور بالأمن هي التي أقامته .

ولا يفوتك ان تلحظ بعدا هاما في كل أرجاء مدن مزاب ألا وهو الاهتمام البالغ بالاستعدادات الدفاعية ,ليس في الأبراج والأبواب فحسب , بل في تخطيط المدينة ذاتها فالأزقة ملتوية التواء لا تستطيع أن تتبين متى ينتهي , والأبراج بنيت من أربعة أو خمس طوابق حتى يتبين رجال الحراسة الخطر وينذروا به الاهالى , وتمتد هذه الابراج على طول نقط متقابلة تنقل صيحات التحذير من واحد إلى آخر , وتحولت مع الوقت إلى إشارات ضوئية ثم إلى طلقات البندقية , والأمن هنا لا يقتصر على غارات البدو , بل ومواجهة خطر السيول والفيضانات , فطلقة واحدة عندما تبداء السيول وطلقتان عند هجوم العدو .. أليست هذه مدنا للإنتاج والدفاع معا ؟ وهو ما ينبغي مراعاته أمام الأخطار المتلاحقة التي تواجه المدن العربية في عصرنا الراهن .

ممنوع التدخين

وتدلف إلى بنى يزقن من بوابتها الضخمة , وأول ما تشاهده لافتة تتضمن مجموعة من التحذيرات باللغات الثلاث العربية والإنجليزية والفرنسية , تبداء بطلب الامتناع عن التدخين والامتناع عن تصوير المارة , وعدم دخول منازلهم , وارتداء ملابس(( الحياء )) وعد تقديم الحلويات للأطفال .

واتجول في المدينة التاريخية تشدنى وحدة الفكرة المعمارية وتناسقها , والتى قدمت الضرورى على الكمالى , ووحدة الفكر التى اقامت هذه العمارة والتى تؤكد انه اذا توجه المعماريون نحو البساطة وكانت البداية هى دراسة المنطقة التى يعملون بها , لتحققت هذه الوحدة , ويعود الجمال الغائب إلى العمارة الحديثة , البيوت متساوية الارتفاع تتراوح بين الوانها بين الابيض والازرق والاصفر , الابيض يعكس الحرارة , والازرق يحمى البيت من الحشرات خاصة البعوض والاصفر لون الصحراء.

وسيلة المواصلات هى هنا ركوب الحمير التى يمكنها وحدها الانتقال في هذه الازقة الضيقة , ويصادفك الباعة المتجولون ينتقلون في هذه الازقة وبضائعهم مكدسة فوق حميرهم , وحتى موزع البريد ينتقل في ازقة المدينة على حمار حكومى لتوزيع البريد.

وفى ساحة كبيرة سط المدينة يجلس الشيوخ بلحاهم البيضاء امام بيوتهم , ويعقد في هذه الساحة مزاد كل يوم ثلاثاء ساعة الغسق , يباع خلاله كل ما هو قديم , فمثلا هنا ينتقل الاناء او الموقد بين ايدى اكثر من اسرة خلال هذا المزاد الاسبوعى , مما يكشف الحس الاقتصادى والحرص الشديد الذي يتمتع به اهل الوادى , بل وعندما يشترك كل من في الساحة في المزد ..

ولا يمكن للاجنبى البقاء في بنى يزقن بعد الغروب , واذا صادف ولمحت احد نساء مزاب فن لتفات بعباءة بيضاء لايظهر منهن شىء , وحتى البئر تغطى كى تلجه المرأة ولا يتمكن الفضوليين من رؤيتها , وسمعت مثلا جزائريا يعبر عن كانة المرأة فى الوادي يقول(( للمزابى سبعة قبور وللمرأة قبر واحد))...رغم ان المرأة المزابية تتولى الأشراف على شؤون الأسرة فاغلب الرجال يسافرون بعيدا للعمل و للتجارة خارج الوادي , كما ساهمت المرأة إلى جانب الرجل في مواجهة الظروف التاريخية القاسية , وهى وحدها التى تصنع تلك المنسوجات الصوفية المختلفة , اذ تعيب التقاليد على الرجل المشاركة في نسجها , وتنتج مزاب اشكالا فنية بديعة , كانت تشتريها في الماضى القوافل , ويولع بها اليوم السياح الذين يدفعون فيها مبالغ طائلة .

حلقة العزابة

هذا عن مظاهر الحياة المختلفة التى لمستها في مدن مزاب , وهى لا تنفرد بالعادات والتقاليد والازياء فحسب , بل لديها نظام اجتماعى خاص . مازال يحكم علاقاتها الاجتماعية والاقتصادية كل مدينة بها جماعة تقودها تسمى(( حلقة العزابة )) وهو نظام قائم منذ ما يزيد عن تسعة قروو وربما يمتد إلى ايام الدولة الرستمية ,(( والعزاب )) اى الذين يعزبون عن الدنيا عن الدنيا ومغرياتها , وينتقى لهذا المجلس صاحب صاحب المعرفة والسيرة الصالحة ويشترط ان يكون حافظا للقرآن الكريم وملتزما بأحكام الشريعة الاسلامية , ويتكون المجلس من 12 عضوا , وتقوم حلقة العزابة بالفتوى فيما يختلف عليه الاهالى , ووضع قواعد مقررة للمشاكل الجديدة , ويتولى مجلس العزابة الاشراف على تدريس القرآن لابناء المدينة , ورئيس الحلقة هو الشيخ او المفتى الذي يتولى التدريس والخطابة في الجامع , وتضم الحلقة ثلاثة معلمين لتعليم الصغار , ويفصل اعضاء العزابة في المنازعات في جلسات تعقد في صحن الجامع بين صلاتى الظهر والعصر , كما تقع على عاتقهم مسؤولية الحراسة داخل الاسوار وينظمون الاسواق والمسالخ , وسواقى المياه والسدود , ولا يتقاضى اعضاء مجلس العزابة اجرا على اعمالهم هذه .

ولاعضاء العزبة أيضا دورهم الاجتماعى , فلا يقع في مدن مزاب ما يقع في غيرها من اختلافات بين العروسين على المهر او الشبكة , فأعضاء العزابة وحدهم هم الذين يحددون المهر , مها تكن اسرة العروس او جمالها , ومهما كان غنى الزوج , ويترك لاسرة العروسين تحديد موعد الزفاف فحسب , اما اذا شاء الزوج ان يزيد , فليفعل ذلك بعد الاشهر الاولى من الزواج .

ويسود شعور بامكانية الاستغناء عن الحكومة المركزية , وبالفعل كان لاقامة مخفر للشرطة في بنى يزقن بعض اوجه المقاومة من الاهالى... وهذه الحلقة تساعدها حلقتان فرعيتان احدهما للنساء اللاتى يقمن ببعض المسائل الاجتماعية مثل دفن الموتى من النساء , والحلقة الاخرى منظمة ((اروان )) اى الطلبة .

والدليل الحاسم على نجاح حلقة العزابة هو الغاء الامية في مزاب , ففى الجوامع يتعلم ابناء القرية مبادىء الكتابة واللغة العربية ويحفظون القرآن الكريم , وهى صورة فريدة , فالنجاح في القضاء على الامية حلم غال لم تنجح في الوصول اليه العديد من اصحاب النظريات الحديثة .

مجلس عمى سعيد

ويشكل ممثلو حلقات العزابة في مدن مزاب مجلسا اعلى يسمى مجلس عمى سعيد وهو يضم عدد 16 عضوا عن بلده , وهذا المجلس يبحث المشاكل الطارئة , ويقوم بالصلح بين القبائل وهو هنا بالاصطلاح الحديث مجلس استئناف , واطلق عليه مجلس عمى سعيد لانه يجتمع بمسجد الشيخ عمى سعيد بن على الجربي , وتتلى قراراته على الناس في المساجد , اما من اين يستمد سلطته وهو الذي لا يملك وسائل السلطة المعروفة ..؟ انه يكتفى بالقوة المعنوية للمذهب واذا تمرد اى طرف على قراراته يقوم العزابة(( بالعصيان المدنى )) اى يمتنعون عن القيام بمهامهم ويعتصمون في المسجد , فيتحرك الرأى العام ضاغطا .

ويتوازى مع حلقة العزابة , ومجلس عمى سعيد مجلس رؤساء العشائر , وهذا المجلس يضعف شأنه ويقل تأثيره كلما زاد نفوذ مجلس عمى سعيد .

وهذه المؤسسة القديمة وما تصدره من قرارات ينبغى ان تكون محل دراسة مستفيضة من علماء الاجتماع العرب وخاصة ان الكثير من اعمالها مدونة .

مملكة تاهرت

والآن حان الوقت لنستعرض القصة الكاملة للدولة الرستمية , ونقلب صفحات التاريخ لكى نستكمل ابعاد مانرى...

قامت الدولة الرستمية بعد جهاد طويل , وهى امتداد لمحاولات شهدها المشرق العربي , فبعد زوال دولتهم في البحرين وحضر موت والطائف واليمن سنة 72هـ , وبعد ان لجاء اصحاب المذهب الاباضى إلى التنظيم والدعوة كبديل عن اعمال التمرد الفاشلة , تضمن هذا الاسلوب ارسال الدعاة إلى المناطق البعيدة عن حاضرة الدولة, الاسلامية هذا بعد تجارب عديدة , وبعد ان لجاء اباضية المشرق إلى اساليب الدعوة السرية والتنظيم السياسى بعد فشل حركة عبد الله بن اباضى التميمى في عهد مروان بن عمر الاموى , واخذوا يبعثون من مركزهم في ((البصرة)) دعاتهم إلى الامصار المتطرفة , ونجحت هذه الجهود في جنوب الجزيرة العربية في المغرب , وهذا ما يفسر التشابه القائم بين عمارة مزاب وعمارة كل من سيئون وشيئام في حضرموت , وقد سقطت دولة الكندى في جنوب اليمن سنة 130هـ , وتمركز المذهب في عمان والذى مازال قائما هناك حتى اليوم...

انتشر الدعاة في المغرب واخذوا يدعون لمبادئهم التى تقود على العدل والحرية , وتعرضوا للاضطهاد بعد ان قامت مبادئهم على التحريض على الخروج ضد الامام الجائر , والاجماع على جواز الامامة لكل مسلم عالم بالكتاب والسنة بغض النظر عن اصله وجنسه ..

((واستقبلت هذه المبادرىء بالحفاوة مما تنطوى عليه من تمسك بالشريعة , وثورية في قوامها السياسى , وبساطة في جوانبها الفكرية , كما لقيت مناخا مواتيا في ظروف المغرب الاسلامى وطبيعة سكانه )),كما جاء في كتاب الدكتور محمود اسماعيل ((الخوارج في المغرب ))..

وتذكر المصادر الاباضية في كتاب سير الائمة واخبارهم ))لمؤلفه ابو زكريا يحى بن ابى بكر والذى تشرته وحققته المكتبة الوطنية في الجزائر : ((ان اول من جاء يطلب مذهب الاباضية ونحن بقيروان افريقيا سلمة بن سعيد...)) واضاف ..قدم علينا من ارض البصرة ومعه عكرمة بن عباس على بعير )).

وادت تلك الجهود المتواصلة إلى نجاح عبد الرحمن بن رستم في تأسيس دولة تاهرت سنة 161هـ (777م) وامتد نفوذها لتضم اباضية المغرب , ويلاحظ انه في هذا الماضى البعيد غابت وسائل الاتصال الحديثة , ورغم ذلك كان العالم الاسلامى مترابطا , اذا انطلقت فكرة من البصرة على الخليج سرعان ما تجد صداها في اقصى المغرب , فقد سبق وتوجه عبد الرحمن بن رستم إلى البصرة مع عدد من المغاربة في حلقة ابي عبيدة مسلم بن ابي كريم سنة 135هـ , 752م وتلقى على يديه اصول المذهب وخطة العمل .

وعندما قامت دولته اختارتاهرت القديمة التى تعيش حولها قبائل البربر من هوارة

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

منقولمن مجلة العربي الصادرة من الكويت العدد 286 سبتمبر 1982م

غرداية جوهرة الجنوب الجزائري

غرداية تتحدى الزمن وتختصر التاريخ  جوهرة الجنوب الجزائري

جريدة المساء

Icon 09

مضت ألف سنة، وتعاقبت أحداث تاريخية غيرت كثيرا من ملامح العالم وتقاطعت تأثيراتها الطبيعية والبشرية لترسم في كل مرحلة شكلا يميز حضارة المدن.. فمدينة غرداية قاومت عشرة قرون من الزمن لتبقى وفية لمؤسسها الشيخ بابا سعد خلال القرن الحادي عشر الميلادي، وظلت تأسر زائرها حتى في القرن الواحد والعشرين بسحر الأصالة وتعطيه شعورا بأنه يسافر في التاريخ دون ان يبرح جغرافيته، فيقف على التماسك الاجتماعي الذي يعتصم به سكان غرداية والنابع من الاعتصام بحبل الله والاتفاق على ما ورد في سنة نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولولا بعض المظاهر العصرية التي لاحت بالمدينة على غرار السيارات والهواتف المحمولة ومقاهي الانترنت لانتابك شعور بأن المدينة قد أسرت الزمن ولم يغيرها الزمن.

ومن اجل ولوج أعماق مدينة غرداية التي تعد من أعرق المدن الجزائرية وأكثرها حفاظا على انسجامها الاجتماعي والعمراني والثقافي وحتى الاقتصادي وتعلق سكانها بمظاهر اللباس واللغة والمعمار وأسلوب الحياة، كان لزاما علينا الاستعانة بالمرشد السياحي، حيث تم اختيار ''عمي ناصر'' صاحب دكان بيع التحف التقليدية المرتبطة بالمنطقة المتواجد بقلب ساحة السوق بغرداية،الذي قال أن المدينة المشهورة بوادي ميزاب أو شبكة ميزاب هي منطقة صحراوية تقع في جنوب البلاد على بعد حوالي 600 كلم من العاصمة وتشمل احياء بريان، مليكة، بني يزغن، بونورة والعطف، وهي عبارة عن قصور.

تاريخ المدينة

كانت نشأة هذه الأحياء في أوائل القرن الخامس هجري الموافق للقرن الحادي عشر ميلادي والتي قامت بعد سقوط الدولة الرستمية، والملاحظ في أحياء ميزاب السبعة بأن خمسًة منها وهي تَجْنِينْتْ، آت بونور، تَغَرْدَايْتْ، آتَمْليشْتْ، آت اِيزْجَنْ، متجاورة ولا تبعد عن بعضها سوى ببضعة كيلومترات، وتعرف بالقرى الخمس، أما : آت ايبَرقان، وتيقْرار، فهما بعيدتان عن الأحياء السبعة السابقة، (آت ايبَرْقـان :45 كلم شمالا، وتيـقرار: 110 كلم شرقا) وفي ظروف غير معروفة، حُرّفت أسماؤها وأصبحت على ما هي عليه اليوم.

وقد بنيت كل هذه الأحياء على مرتفعات لأهداف كثيرة وبهندسة معمارية مميزة جذبت المهندسين من جميع أنحاء العالم. وتعتبر مدينة تاجْنِينْتْ من أقدم القصور السبعة ويقصد بهذه الكلمة المكان المنخفض، أسسها الشيخ خليفة بن آبغور سنة 402 هـ 1012م، تقع على بعد سبعة كيلومترات من آت بونور، تسمى اليوم بمدينة العطف. . وآتْ بونورْ أُنشئت سنة 457 هـ - 1065 م، واسمها نسبة إلى القبيلة المصعبية التي بَنَت وسكنت هذه المدينة قديما. وتتميز آت بونور بأنها مبنية فوق ربوة صخرية منيعة، مما شكل لها تحصينا طبيعيا وتقع قرب آت ايزجن وحُرِّف اسمها إلى بونورة.

وتَغَرْدَايْتْ التي أنشِئت سنة 447 هـ - 1053م، وأول من سكنها الشيوخ بابا وَالجَمَّة، وأبو عيسى بن علوان وبابا سعد، وأصل تسمية: تَغَرْدَايْتْ بالمزابية هو القطعة المستصلحة من الأرض، والواقعة على حافة الوادي، وتوجد عدة قرى تحمل نفس الدلالة في أرجاء المغرب الإسلامي، وهي أول مدينة تُشاهَد عند القدوم من الشمال وحُرّف اسمها إلى غرداية.

وآتْ اِيزْجَنْ أُسّست سنة: 720 هـ - 1321 م، واسمها نسبة إلى القبيلة المصعبية التي سكنت المدينة وتعتبر آت ايزجن، من العواصم العلمية والدينية العريقة، وهي المدينة الوحيدة التي حافظت على أصالتها من كل النواحي إلى اليوم، وتعتبر المدينة المثالية، ومن أهم مميزاتها، سورها الذي لايزال قائما إلى اليوم.

أما مدينة آت مْليشْتْ فأسست عام 756 هـ - 1355م، اسمها نسبة إلى ''مْلِيكْشْ '' أحد زعماء قبيلة زناتة التي تنتمي إليها قبيلة بني مصعب، تقع على هضبة مرتفعة نسبيا بين قصري تغردايت وآت ايزجن، يستطيع الناظر منها أن يرى القصور الثلاثة (تغردايت، آت ايزجن، وآت بونور).

ومدينة تيـقرَارْ أسست سنة 1040 هـ - 1631م، ومعنى تسميتها الجبال البيضوية التي بجانبها سهول صغيرة مقعرة يستقر فيها الماء وتقع على بعد حوالي 110 كلم شرق القرى الخمس، وهي على أرض طينية، على خلاف المدن الأخرى التي تقع على جبال صخرية، وتشتهر بواحاتها الشاسعة التي يسقيها وادي زقـرير.

وأخيرا مدينة آت ايبَرْقان التي أُنشئت سنة 1060هـ - 1690 م، وهي خيم مصنوعة من الوبر، كان أهلها ذوي خبرة في نسج هذا النوع من الخيم، تقع في تقاطع الأودية الثلاثة بالوح، السّودان، ووادي نْ سَا.

وسميت منطقة ميزاب ببلاد الشبكة، نظرا لتوفرها على أودية عديدة، والتي لا يتجاوز عمقها مائة متر، تتجه كلها من الشمال الغربي نحو الجنوب الشرقي، لتنتهي عند بحيرة تتميز بالرمال شمال غرب مدينة وارجلان (ورقلة).

وتتجلى حضارة وادي ميزاب وبني ميزاب في تمسكهم بدينهم، وأصالتهم وتقاليدهم، وفي هندستهم المعمارية الأصيلة، لقد بنوا مدنا كاملة فوق جبال وعرة بطريقة رائعة، رغم أنهم لم يكونوا من أصحاب المعدات الضخمة أو التقنية المتقدمة في ذلك العصر (حوالي 1000 م)، لقد استعملوا الأخشاب والسعف والجريد، ليبنوا قصورا رائعة جميلة تتميز بسحر خاص الى جانب مدن كاملة فوق صخور ضخمة.

ويراعي الميزابيون في تخطيط القرية أن تكون على قمة جبل لتوفير المناعة والمحافظة على الأرض الصالحة للزراعة، ويتم التخطيط للمسجد في الوسط ثم تبنى حوله المساكن ويكون السوق بجانب المسجد وقد كان لا يسمح في القديم ببناء مسجد آخر في القرية مراعاة لوحدة وتماسك الصفوف وتجنبا للفرقة ولا يخفى ما لهيئة العزابة وهي جمعية المسجد من اثر روحي ودور قيادي في المنطقة.

وقد شهدت كل قرية من تلك القرى توسعا في العمران على مراحل التاريخ وكلما اتسعت القرية وتكاثر سكانها توسعت مرافقها العامة ويتم إدخال إضافات على المسجد وإصلاحات في المرافق أو يضاف مسجد ثان ويكون تابعا للأول كلما كانت تلك القرى مسورة بسور يدخل إليها من أبواب معينة.

المحافظة على أثر السلف

وحول استفسارنا عن النظام الاجتماعي المتجذر في المجتمع الميزابي أفادنا عمي ناصر بأن هذه المدن عرفت تنظيما عشائريا محكما فقد كان كل من فيها ينتمي إلى عشيرة معروفة وهناك 19 عشيرة بغرداية لوحدها، والوافد إليها من بعيد يهدف للاستقرار وعليه ان ينضم إلى تجمع عشائري من تلك التجمعات فيصبح عضوا من أعضائه له ما لهم وعليه ما عليهم، ومهما كان حجم العشيرة صغيرا أو كبيرا فإنها تشعر بأسرة واحدة متعاونة ويتفقد بعضها البعض، ويقوم مجلس العزابة بحل الخلافات الحاصلة في المدينة ومقرها المسجد ويستعينون بالشورى فيما بينهم، وتتكون من ممثلين عن كل عشيرة يتصفون بالزهد والإيمان والصلاح. كما يتميز سكان المنطقة منذ القديم بتعلقهم بالعلم خاصة علوم الشريعة وعنايتهم بحفظ القرآن الكريم لدى الجنسين.

وبنو ميزاب قبيلة أمازيغية تحافظ على تقاليدها ومعتقداتها وشعائرها التعبدية وأسلوب حياتها، وتتبع المذهب الإباضي ويعرفون بلباسهم التقليدي وهو عبارة عن سروال فضفاض وطاقية رأس.

وتتميز المنطقة كذلك بظاهرة الزواج الجماعي التي يبادر بها أي ثري لما يزوج ابنه ويتكفل من كل النواحي بتزويج شباب آخرين من المعوزين بهدف تعميم الفرحة على كل أفراد القرية، وأضحت هذه العادة متداولة في العديد من الولايات.

التجارة عصب الحياة

وترتبط معيشة الميزابيين بالتجارة، وكانت قبل ذلك تعتمد على الفلاحة، وكانوا يغرسون النخيل على بعد 5 كلم عن مقر سكناهم، وكشف ''عمي ناصر'' عن تواجد حقول نخيل تعود إلى 3 قرون مازالت تثمر إلى يومنا هذا، ثم تحول نشاط سكان المنطقة إلى التجارة بسبب الشيخ ''عمي سعيد'' مع بدايات تأسيس مدينة غرداية، وقد سمح بتعايش 5 عائلات يهودية كانت تحترف التجارة، ومع مرور الوقت احتك الميزابيون بهم وأصبحوا يمارسون التجارة وتفوقوا فيها، وأفاد أن ثرواتهم يجمعونها بالاقتصاد والتقشف وهو الأسلوب الذي يلقنه الأب لابنه، ويسير عليه الأحفاد فيما بعد والأكثر من ذلك فإن الآباء يوجهون أبناءهم الى العمل وجمع المال بالاعتماد على أنفسهم ولا يتدخل الولي في ذلك حتى يجني الشاب ثروته بتعبه وعرق جبينه دون أي مساعدة من الوالدين.

والملفت في غرداية غياب متسولين أو لصوص، فمجتمع بني ميزاب يتسم بالتآزر الشديد حيث يشرف مجلس الأعيان أو الكبار على إدارة شؤون السكان من تجارة وعلم وشؤون خاصة، وتحكم حياة الميزابيين قواعد صارمة تطبق على الجميع، فكل السكان بمن فيهم أصحاب الأعمال التجارية خارج البلدة يساهمون في تحقيق الصيانة والرعاية للمجتمع المحلي.

ولا يقتصر نشاط وحركة المزابيين على المدن الخمس المحيطة بالوادي، فغالبية المدن الجزائرية تجد فيها متاجر العقاقير مثلا يديرها أحد المنحدرين من القبيلة. فقد أسسوا منطقة صناعية على أطراف غرداية، حيث تتم صناعة معظم الأدوات.

وتعتبر غرداية أحد أكثر المواقع السياحية شعبية في الجزائر، تجلب السياح للتمتع بالكثبان الرملية والواحات والمعمار المتميز وخاصة حرفة الحياكة التقليدية والصناعات اليدوية والزرابي المشهورة، فضلا عن منتوجات نسيجية أخرى مثل البرنوس وملابس الأطفال التقليدية والتحف التذكارية، ومن بين المنتوجات التقليدية الأخرى نجد الملابس الجلدية والنحاس واللوحات الفنية الرملية التي أعطت لوادي ميزاب شهرة كإحدى أهم المناطق الحرفية في الجزائر.

 ---------------------------------

روبورتاج: دليلة مالك

 

في ضيافة مزاب مالك بن نبي

إن الطريق الذي اتخذته ما بين الجزائر العاصمة إلى غرداية في الأسبوع الماضي، يقطع المناطق الجزائرية الثلاث، فالمسافر يستطيع أن يشاهد في ساعات قليلة تلك المناظر النموذجية من التل ومن النجود، ومن الصحراء وهي تتلاحق أمام عينيه، إنه الخط أو الطريق الذي يبرز ثرواتنا السياحية المختلفة، ولاسيما في هذا الفصل من السنة حين يمد الربيع زربية خضراء تغطي كل المناطق السهلية منها والجبلية، إنه يقدم للمسافر طيلة الطريق، موكبا من الزهور الرائعة المختلفة التي تحيي المسافر وتستقبله، وكأنها فرقة شرفية.

وتبدأ المناظر الطبيعية في التغير شيئا فشيئا من أخضر فاتح إلى أخضر داكن وتبدو المسافات في التباعد ما بين الأشجار شيئا فشيئا، وتختفي عن الأنظار نهائيا كلما توغلنا نحو الجنوب، وتظهر فجأة القوافل الأولى للجمال وهي ترعى بمحاذاة خط سكة الحديد غير بعيدة من مدينة (عين وسارة) وغير بعيد عن هذه المنطقة، وقبل الوصول إلى (الجلفة) يظهر الكثيب الأول من الرمال الذهبية.

 

لماذا يجد الأجانب الذين يصلون إلى (مزاب) أنفسهم فجأة أمام مملكة سحرية رائعة خلابة ؟ ذلك هو السؤال الذي ألقي علي – أو هو على نحو من ذلك – وأنا أسْتقبَل بكل حفاوة من طرف المسؤولين في مركز الحزب بغرداية.

هل هو الابتهاج ؟ ولكن هذا الشعور أظنه إحساسا عاما، يشعر به كل أحد، حتى المسافر الجزائري القادم من الشمال يحس به، إني أعتقد أن هذا الشعور يعود أولا إلى الإحساس بالاغتراب، والابتعاد عن العمران.

هذا الاحساس الذي يحس به المرء وهو يقطع المسافة الطويلة الخالية العارية ما بين (الجلفة) و (مزاب).

 

إن الشعور بالاغتراب يحس به ابن (مزاب) أيضا حين يقف في (المستجاب) حيث خصصت التقاليد المحلية هذا المكان المطْلي باللون الأبيض الضارب إلى الزرقة ليقف فيه المسافر المغادر داعيا الله بالحفظ والسلامة حين يودع أهله وبيته متجها إلى مقر عمله بالتل.

إن السائح القادم من التل يشعر بمثل هذا الشعور، وهو يغادر الجلفة ليقطع الصحراء الشاسعة، إن الشعور بالابتعاد عن الأهل والعمران شعور متشابه.

إن ابن البلد يعبر عن ابتهاجه بالوصول وهو يؤدي صلاة شكر لله في (المستجاب). أما السائح فيشعر بالابتهاج والسرور حين يحس بالنجاة وهو يكشف فجأة أسطح المنازل الممتدة تحت عينيه وهو يصل إلى غرداية من أعالي جبالها المطلة عليها وعلى قرى وادي مزاب المجاورة.

 

وهكذا يجد السائح الغربي – المتعود على الأشجار وتزاحم السكان – نفسه فجأة في موطن آخر مغاير يتمثل في النخيل ووجوه المزابيين أنفسهم، إن السائح لا يبحث عن التغيير أو الجديد في الأوطان متمثلا في أي تغيير يحدث في الأمن الذي يراه، إنه شخص هارب مما تعود على رؤيته والعيش فيه، هارب من مكتبته، من مصنعه، من (المترو) من مدينته المضطربة الخائفة، إن ابتهاج السائح الذي يصل مزاب لأول مرة يفسره هذا الإحساس المزدوج، إنه يفر مثلنا من هذه المساحة الشاسعة الخالية التي تُهيْمِن على المشاعر على حساب الأخلاق والقيم.

إنه يجد في مزاب وجها لحضارة جديدة، إنه هذا الوجه الذي أهمني بصفة خاصة ولابد من العودة دونما شك في التاريخ الجزائري إلى الوراء.. إلى آخر عهد الدولة الرستمية لنجد الجذور لهذه الحضارة الموجودة هنا بعد انقراض الدولة الرستمية على يد الفاطميين في (تاهرت).

 

إن أصول هذه الحضارة إنما حملتها أمواج الأحداث إلى هذه المنطقة حملتها العواصف التاريخية الهوجاء بذرة واحدة وزرعتها حيث تنمو اليوم مدينة (العطف) التي هي جدة مزاب ومنذ ذلك الحين فإن البذرة تضاعفت و تكاثرت، واليوم فإن مزاب يتكون من: العطف، بونورة، مليكة، غرداية، بني يزقن، وأنا لا أورد هذه القرى حسب أولوية نشأتها التاريخية حتى لا أخطئ، غير أني أحدد بأن المدينتين (بريان)و(القرارة) اللتين يعود عمرهما إلى ثلاثة قرون هما آخر حلقة في شجرة هذا النسب.

إن هذه القرى تكوِّن مجتمعا متماسكا، وهذا التكون لا يعود إلى الخصائص الدينية فحسب، وإنما يعود إلى الإجماع الذي يُقعِّد كل علاقات الأفراد مع المجموعة والعكس، ومن ثم فإن المزابيين يكوِّنون مجتمعا روحيا بأتم معنى الكلمة أنهم (مورمون) الجزائر.

 

إن القاعدة الأخلاقية هنا تتطلب من كل واحد احترام المجموع، هذه القاعدة التي تُجبِر كل فرد على احترام المجتمع، وتفرض عليه السلوك السوي، هذه القاعدة الإجبارية تذهب إلى حد البراءة والنفي للأفراد في بعض الحالات التي تستدعي ذلك، ففي حالة إعلان البراءة من الشخص يصبح غير مستطيع الاندماج في المجتمع من جديد إلا بعد أن يعلن التوبة من ذنبه صراحة أمام الملأ في المسجد، إنه ما نسميه اليوم (النقد الذاتي) وإننا نلمس آثار المحافظة على هذه القاعدة الهامة في المجتمع هنا إذ أننا لا نرى في (مزاب) أية علامة للانحراف أو التشرد كما نراها في غير مزاب.

لم أر شخصا واحدا أُخِذَ بجريرة السُّكر في أزقة (غرداية) – على سبيل المثال – هذه المدينة الأكثر تفتحا باعتبارها تستقبل مختلف الأجناس ولم أر أية علامة للانحطاط الأخلاقي الاجتماعي، كأن يكون المرء في رحمة السؤال وطلب الصدقة، أني لم أر متسوِّلا واحدا طيلة إقامتي، وبتعبير آخر نقول: إن الوسط المزابي: يحقق بقوة الشروط النفسية والاجتماعية لبناء حضارة مصغرة (micro-civilsation)، إن الموضوع يستحق دراسة اجتماعية مفصلة غنية بالمعلومات، إن أبناء مزاب الذين يزاولون بكثرة اليوم التعليم العالي ينبغي عليهم أن يخصصوا بعض الأطروحات الأكاديمية لهذا الموضوع.

 

 

 

 

 

إن الذي أريد تسجيله هنا هو تعجبي من سؤال أحد المتعاونين –الذين تفضلوا باستضافتي إلى ناديهم بغرداية – حينما وجه إلي السؤال التالي:

هل تعتقدون أن الموانع الدينية الموجودة هنا تسمح بتطور المجتمع؟”، يبدو لي أن هذا السؤال يحرق مراحل تاريخية هامة. فإنه قبل أن يفكر أي مجتمع في تبني أشكال حضارية جديدة للتطور عليه أن يفكر أولا في المحافظة على جوهره وماهيته، ويحافظ على وجوده، هذا الذي له الأولوية، فإذا حدث له انقلاب أو طفرة، فإن التطور عندئذ يصبح بالنسبة إليه أشبه ما يكون بممر خطير فوق هوة سحيقة دون حواجز فإنه بعثرة قدم واحدة يتدحرج ساقطا في الهوة، وهو السقوط في هُوَّة التسول والسكر، والعهر والتشرُّد.

وعندما أسأل هل الموانع الدينية تسمح للمجتمع بالتطور، فإن هذا السؤال يكون عندئذ كمن يقول لماذا لا يحطم المجتمع الحواجز لينتحر، إنني أعلم بالطبع أن السائل قد لا يقصد هذا ولكني أنا ترجمته واستشففته من خلال نظرتي إلى التاريخ والحضارة، وهي ليست نظرة السائل طبعا.

ومهما يكن من أمر، فإن المجتمع المزابي قد حافظ بحكمة وتبصُّر على الحواجز حتى يستطيع المرور من العصر الوسيط إلى العصر الحديث في أمن.

والواقع إنه توجد في هذا الجزء من الجزائر إمكانات للتطور غير مقدرة وغير معروفة في باقي نواحي القطر.

إنهم قلة قليلة أولئك الذين يعرفون أن أول مدرسة عصرية أنشأت بمدينة (تبسة) منذ ما يقرب من نصف قرن، وأقل من القليل من يعرف أن هذه المدرسة إنما أنشأها الشيخ عباس بن حمانة بمعونة تاجرَيْن من مزاب، إننا نرى هنا الوطنية الفتية والتقاليد الأصيلة (سموها إن شئتم موانع دينية) تلعب دورا مهما في الحفاظ على الشخصية الجزائرية في وقت كانت فيه مهددة تهديدا شديدا، إن بداية هذا التطور الثقافي تعود إلى أواخر القرن الماضي.

زرت في بني يزقن المكتبة التي تحتوي على التراث القيم الذي تركه الشيخ اطفيش، هذا العلامة الشهير الذي جاوزت شهرته حدود مزاب، بل وحدود القطر الجزائري، وأنا لا أتحدث هنا عن شهرته ونفوذه في المجتمعات الإباضية الأخرى من عمان إلى جبل نفوسة باعتباره عالما مسلما لا أكثر ولا أقل، تفاعل مع الأحداث الكبرى التي كانت تشغل العالم الإسلامي في بداية القرن العشرين عندما كان العالم الإسلامي يواجه أخطر اللحظات التي مر بها في تاريخه.

إن سليمان الباروني الذي جسد أهم الفترات الدراماتيكية للمقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي لم يكن سوى تلميذ من تلامذة الشيخ اطفيش، وهذا له دلالته العميقة.

أراني القيم على مكتبة الشيخ اطفيش – وهو من عائلته – أراني الأوسمة العلمية التي حصل عليها قبل 1908 التي هي سنة الثورة التركية، حين حصل الشيخ على وسام (الباب العالي) وحصل على وسام من سلطان زنجبار، ووسام من الأكاديمية الفرنسية لمقدرته العلمية.

مات الشيخ في سنة 1910 في دويرة، تُفُضِّلَ عليّ بزيارتها من باب يؤدي إليها من المكتبة نفسها، وهناك تحت السقف المتواضع المسقف بخشب النخل كانت الحلقة التي يجتمع فيها بتلامذته.

ولم ينقطع هذا التيار الثقافي الذي تركه الشيخ بموته، فقد كان له من تلامذته من واصل مسيرته التي تعتبر إرهاصا للحركة الإصلاحية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى في الجزائر.

وكان الشيخ أبو اليقظان – الذي زرته وهو على فراش المرض – من ألمع هؤلاء التلامذة.

واليوم قام المعهد الإسلامي بمدينة القرارة (معهد الحياة) تحت الإدارة الحركية الحازمة للشيخ بيوض بمد هذا التيار إلى مرحلة ما بعد الثورة حيث نجد التعريب من أهم المشاغل والاهتمامات الوطنية.

لقد اتصلت بتلامذة المعهد في عدة لقاءات، هذه الشبيبة المجتهدة التي تواصل حمل هذه الرسالة، وتحمي التقاليد الأصيلة دون أن تغفل مشاكل العصر، إنها تعالج مشاكل العصر ولكن دون أن تكون سببا لإزاحة الحواجز الواقية المشار إليها. و بالنسبة للاحتياجات المادية لتسيير المعهد فإن المجتمع هو الذي يقوم بها، هذا المجتمع الذي من خصائصه أن يكون كل فرد فيه من أجل المجموع وكل المجموع من أجل الفرد، إنها القاعدة السحرية التي تنظم الحياة والعلاقات في المجتمع المزابي.

ففي (العطف) حين تضررت الطريق المؤدية إلى غرداية بفعل فيضانات السيل، فإن الشبيبة قامت على الفور بإصلاح ما فسد، وفي (القرارة) حين تقرر بناء مسجد جديد قام الشباب على الفور بالعمل التطوعي، إن التطوع هنا من أهم قواعد العمل الاجتماعي.

كان لابد من إقامة أطول من أجل تفاصيل أكثر، فإن ما كتبته هنا عبارة عن خواطر ملخصة كنت أسجلها صدفة.

في “القرارة” قدموا لي ونحن في الواحة تحت النخيل إمام المسجد الذي عاد ولا شك لتوه من فلاحة نخله، كان يلبس لباس الفلاحين بقامة معتدلة متمنطق بحزام غليظ ذي مسامير نحاسية، ويداه القويتان مخددتان من كثرة العمل.

وفي “العطف” قمت بزيارة المسجد بين المغرب والعشاء فكان أن سلمت على المؤذن الذي استقبلني في هيأة العزابة (الرداء) كما كان متوقعا، ولكني دهشت حين التقيت به صباح غد بلباس الفلاحين في إحدى أزقة العطف وهو عائد من حقله. من هنا عرفت أن العمل هو القاعدة التي تحكم هذا المجتمع.

وهنا لابد أن أسجل هذه الملاحظة الهامة، على الجزائري الذي يزور (مزاب) أن لا يذهب إليه بهدف التصوير وأخذ المناظر الفتوغرافية كما يفعل السياح بحثا عن المناظر التقليدية ذات الألوان المحلية، وإنما ينبغي الذهاب إلى هناك بضمير الباحث الذي يرغب في تمزيق الأغلفة، فإنه بعد تمزيقها يجد في مزاب شيئا جديدا، هذا الجديد الذي هو مِلْكٌنَا جميعا.

المفكر الجزائري مالك بن نبي

جريدة الثورة الإفريقية، الصادرة بالفرنسية بالجزائر، بتاريخ: 20/05/1968.

تعريب الدكتور محمد ناصر

محمد الهادي الحسني حب عقلي

حب عقلي

محمد الهادي الحسني

 جريدة البصائر

Icon 09

شهادة للسيد محمد الهادي الحسني , مدير جريدة البصائر الإصلاحية , تحت عنوان  حب عقلي

يمازحني بعض الاخوة فيقولون:اننا نراك تحب أهل ميزاب أكثر من حبك لغيرهم من الجزائريين,يدل على ذلك ترددك على واديهم أكثر من ترددك على مناطق البلاد الأخرى,ويبالغ بعض هذا البعض في المزاح فيقول لعلك على مذهب القائل:

و ما حب الديار شغل قلبي *** ولكن حب من سكن الديار

أو على مذهب القائل :

أذني لبعض الحي عاشقة *** و الأذن تعشق قبل العين أحيانا

و أرد قائلا : ما أبرئ نفسي من حب اخواني في ميزاب ,بل اني أعترف بأنني أحبهم حبين , حب المسلم لأخيه المسلم ,وحبا لأنهم أهل لذلك.

فحبي لاخواني في ميزاب ليس هو ذلك الحب الذي يعمي ويصم حتى يصل الى درجة حب ذلك الأعرابي الذي أحب امرأة سوداء ,ليس فيها ما يحب فلما لامه اللائمون جادل عن نفسه يقوله:و أحبها حتى أحب لحبها سود الكلاب .وليس هو كحب الأعرابي الآخر الذي انتقلت عدوى حبه حبيبته الى بعيره الذي أحب ناقة حبيبته فقال:

وأحبها و تحبني *** و يحب ناقتها بعيري

و لكنه حب يحكمه العقل الرصين ,ويهيمن عليه التأمل الدقيق ..فاذا أحببتهم أكثر من غيرهم فلأنني أجد فيهم كثيرا مما لا أجده في مناطق كثيرة من وطني ,أجد فيهم الأدب الرفيع ,والخلق السامي , والأصالة الجزائرية لباسا و أناتا و عبارة.

أجد فيهم-و هم الأمازيغ الأقحاح- غيرة على العروبة لا أجدها في موطن العرب الأصلي ,وأسمعهم يتحدثون بلغة يعرب فاذا هم في فصاحة اللسان أفصح من قحطان و قد زادهم حبهم لها عزا الى عزهم, حتى قال قائل منهم ,هو المرحوم صالح خرفي :

و لكن حرف الضاد في لهواتنا *** يأبى لغير العز أن يتضرعا

أجد فيهم المساواة الاسلامية في أجلى صورها ,بحيث لا يميز المرء بين أكبر الأساتذة الاختصاصيين في شتى مجالات العلم و بين أبسط رجل منهم حتى عربي اللسان.

أرتاد مساجدهم فأجدها نظيفة ,نقية,خالية من الزخارف التي تلتهم الأموال و تشغل البال,و أجدها عامرة بالشباب قبل الشياب,يعمها الهدوء فلا صخب و لا مكاء و تصدية,و اذا تكلم الامام أو أي محاضر رأيت الآذان مرهفة ,و الأصوات خاشعة ,و الأعناق مشرئبة و القلوب واعية,والعقول يقظى. أتجول في شوارع مدنهم فلا أسمع كلاما بذيئا يخدش الحياء ,ولا أغاني تافهة تجرح الكرامة ,و أمد خيني يمنة و يسرة فلا أرى كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت ,و لا أرى خمورا و لا فجورا و لا مخنثا ,ولا مسترجلة ,قد علم كل طبيعته و دوره.

أحضر مجالسهم فاذا علماؤهم في صدرها,و أسمع المناقشات العلمية المفيدة,والحوارات الفكرية الثرية ,والمذاكرات الأدبية ,والطرائف المليحة..يذوقون النكتة و يصنعونها ,تهزهم الكلمة الجميلة شعرا أو نثرا .
ان التكافل بينهم حقيقة و ليس شعارا ,اذ لم أجد ,على كثرة ترددي عليهم ,متسولا,فمحاوجهم يحسبهم الجاهل أغنياء منن التعفف,و لهم على المجتمع حق معلوم يأتيهم الى بيوتهم.تحضر أعراسهم و أفراحهم فلا تشاهد عريا و,ولا اختلاطا ,ولا رقصا ,ولا غناءا و انما هي أناشيد تشدو بها بلابل ,تتغنى بالوطن المفدى ,وتحض على الأخلاق السامية ,وتمجد العفاف ,وتحبب الى النفوس الجمال ,وتسبح من خلق الجمال.

أعلم أن هؤلاء القوم ليسوا ملائكة ,فهم بشر مثلنا يأكلون الطعام و يمشون في الأسواق و يقترفون الآثام ,ولكنهم لا يجاهرون بها ,فاذا استحوذ الشيطان على أحدهم و جد في وجهه نظاما اجتماعيا مستمدا من الاسلام ,فقوطع حتى يعترف بذنبه ,و يتعهد ألا يعود لمثله...

وددت لو أن قومي من تلمسان الى تبسة,ومن برج الكيفان الى برج باجي مختار على هذه الصورة الجميلة التي كانوا هم أيضا عليها .و لكن فرنسا الفاسدة أفسدتهم و أنجى الله الوادي المبارك من فسادها ليكون شاهدا على ما كنا جميعا عليه ,وليكون دليلنا في عودتنا الى ما كنا عليه.و تحية طيبة مباركة الى اخواني في ميزاب الذين بادلوني حبا بحب.

-----------------------------------
((السبت 21 جانفي 2003-23 ذو القعدة 1424هـ - العدد: 81 من جريدة البصائر))

 

مزاب التجربة اليوتوبية

c 7وادي مزاب التجربة اليوتوبية الإسلامية الوحيدة المستمرة أحمد صالح الفقيه

اليوتوبيا:

المدينة أو الجمهورية الحلم التي طالما راودت خيال الفلاسفة والمصلحين منذ مدينة أفلاطون الفاضلة التي أوضح أسسها في كتابه “الجمهورية”. اليوطوبيا أو الطوبى( بالإنجليزية: Utopia)هو مفهوم فلسفي يعني المكان الذي يبدو كل شيء فيه مثاليًا ولا توجد فيه أي نوع من أنواع شرور المجتمع كالفقر والظلم والمرض،.

ظهر هذا المفهوم لأول مرة في كتاب اليوتوبيا واسمه الكامل

: (De Optimo Reipublicae Statu deque Nova Insula Utopia)

من تأليف السير توماس مور. الذي طبِع لأول مرة باللغة اللاتينية عام 1516م. ويدل المفهوم على الحضارة أو المكان المثالي، وبالأخص في الجوانب الاجتماعية والسياسية وغيرها. ويتألف اللفظ من كلمتين في اللغة اليونانية هما "οὐ"لا و"τόπος"مكان، أو "المكان غير الموجود. وأخذ مور أفكار مدينته من كتاب الجمهورية لأفلاطون.

وتطلق صفة يوتوبيا أيضا على الأفكار المثالية التي لا يمكن تطبيقها في المجتمع، نظرًا لبعدها عن الواقع الحقيقي.

وهناك كتب كثيرة تحدثت عن دول ومجتمعات مثالية منذ كتاب الجمهورية. حيث أصبحت منذ ذلك الحين حلما للبشرية ولكن يبدو أن الحلم لم يتحقق إلا في وادي ميزاب.

تعرضت تجربة وادي ميزاب لتعتيم إعلامي مستمر، لأنها تشكل إدانة حية لكل دولة من هذه الدول التي تدعي الإسلام، بل ولكل الحركات والأحزاب الإسلامية التي لم تتمكن من الاقتراب من روح الإسلام ومقاصده. ولذلك يجري استبعادها وإغفالها بحجة أن الإباضية مذهب من مذاهب الخوارج، في حين أنه يتوفر في مذهب الإباضية كثير من جوانب الاعتدال في عقيدتهم، وهم وإن نسبوا إلى الخوارج إلا أنهم يرون أنهم وحدهم الذين حافظوا على تعاليم الإسلام الحقَّة، ويغضبون كثيرًا حين يسمعون أحدًا ينسبهم إلى الخوارج، ويبرءون من تسميتهم بالخوارج ويقولون: نحن إباضية، كالشافعية والحنفية والمالكية، ويقولون: إنهم رُمُوا بهذا اللقب لأنهم رفضوا القرشيَّة، أي التزام كون الإمام من القرشيين.

والإباضية في عمان بنوا دولة رشيدة استوعبت مئات الألوف من الأفارقة ذوي الأصول العمانية يعيشون في ظلها مواطنة متساوية كاملة الحقوق، دون تحفظات أو تمييز، فليست هناك درجات للمواطنة، أو جوازات سفر ودفاتر هوية متباينة الألوان، كما لا تعرف عمان ظاهرة البدون المخزية. ولا غرو فقد كان الإباضية عبر التاريخ رافضين أقوياء للظلم والانحراف بالدين والحكم إلى التظاهر والزيف.

وهناك ترابط تاريخي بين عمان وحضرموت، وصلات تاريخية بين قبيلتي الأزد العمانية، وكندة الحضرمية، وهي علاقات عقدية وسياسية وفكرية كانت قائمة بين إباضية عمان وحضرموت، ويطول الحديث عن الأرضية الاجتماعية والتركيبة السياسية التي ألقت بظلالها على الواقع ومهّدت لقبول آراء الإباضية، حتى قويت شوكتها في مطلع القرن الثاني الهجري وقادت أول ثورة إسلامية خرجت عن الحكم الأموي حين رأى عبد الله بن يحيى الكندي والملقّب بطالب الحق (قتل سنة 132هـ) باليمن جوراً وعسفاً شديداً وسيرة في الناس قبيحة فقال لأصحابة لا يحل المقام على ما نرى ولا يسعنا احتماله والصبر عليه، وانطلق بثورة الإباضية من حضرموت نحو عموم اليمن واكتسح اليمن والحجاز وسلخهما عن حكم الأمويين قوة، وقد رافقت ثورته أطروحات سياسية مهمة وغنية بالدراسة تبلورت في خطبه من على منبر جامع صنعاء، وفي خطب قائده العسكري الاباضي أبي حمزة المختار التي ألقاها في مكة والمدينة.

أسّست أول مدينة في الوادي وهي مدينة العطف عام 402 للهجرة أي منذ أكثر من ألف عام. وأسلوب العيش ونظام الحياة الذي اتّبعه الميزابيون ينطلق من نظرة ثاقبة لأسباب ودواعي الفساد الاجتماعي بكل صوره، وقد تمكّنوا بشكل يدعو للإعجاب الشديد من القبض على العوامل الأساسية، ومن ثم قاموا بالتركيز عليها على اعتبار أن تجنّبها يؤدي حتما إلى انتفاء كل الظواهر الثانوية وتغييبها.

ويمكن تلخيص الفلسفة الميزابية لبناء المجتمع الفاضل بأنّها قائمة على المساواة والعدل والإخاء من جهة، والرشد والاعتدال من جهة أخرى، وجعلها واقعا صلبا معاشا في حياة جميع أفراد المجتمع. مع الحرص على ارتباط أعضاء المجتمع بالعقيدة والتزامهم بتعاليمها وشعائرها.

وتتجلى مفردات هذه الفلسفة في جميع جوانب الحياة في مدن وادي ميزاب. ويسهر على تطبيق هذه الفلسفة مجلسان منتخبان أحدهما للرجال والآخر للنساء، ويضم كل مجلس اثني عشرا عضوا من الرجال والآخر نفس العدد من النساء. ويسمى كل من المجلسين بمجلس العَزَّابَة.

ويبدأ الأمر من تخطيط المدينة الميزابية التي يحتل المسجد مركزها. وأول ما يشد انتباه الملاحظ للمدن الميزابية توضّعها على روابٍ (هضاب) ، ويرجع ذلك إلى الظروف الأمنية الصعبة التي عاشها الميزابيون في ذلك الوقت، إذ كانت بلادهم تقع في منطقة جيرانها يعتمدون على النهب والسلب في حياتهم.

في أعلى تلك الربوة، يتموضع المسجد، متوسطا المدينة، واختيار المِيزابيين هذا الموقع لإقامة المسجد دليل على أهمية وظائفه المتعددة، فهو بجانب وظيفته الدينية، يلعب دور قاعة الاجتماعات الهامة والمركز العلمي للمدينة ومخزن المؤن، والمركز الدفاعي للمدينة، إذ نجده في المدن الميزابية محصنا ويصعب الوصول إليه.

يراعى في مساجد ميزاب البساطة والتقشف والابتعاد عن كل ما قد يشغل المصلي عن الخشوع في عبادته، حتى المحراب فإنه خال من أي زخرفة، حتى في المساجد المبنية حديثا التزاما بتعاليم الشرع الإسلامي كما يرون.

و من أهم مميزات المسجد الميزابي، المئذنة، التي يتخذها المزابيون عادة رمزا لهم نظرا لتميّزها، و قد اختارتها الشبكة المزابية رمزا لها كذلك. وبجانب المسجد تقع الميضأة ومحاضر تعليم الصبيان، وفوقه المخازن، والسطح، ومقر اجتماعات العزابة الذي يسمى “تامنايت”.

ولكل مواطن في ميزاب لحقه ظلم من أي كان أن يغلق باب المسجد ويمنع الناس من الصلاة حتى يتم إنصافه ورفع الظلم عنه، وهو ما يبادر إليه الناس في الحال إن أمكن، وإلا استمهلوا المظلوم يوما آخر لإنصافه إن كانت المشكلة معقدة. ولذلك يقال انه لا يوجد في وادي ميزاب مظلوم. ولا يتأخر مكلف عن الصلاة في المسجد إلا إذا كان مريضا أو على سفر، فإن لم يعلم المصلون حاله بادروا أو بادر العزابة إلى زيارته ومعرفة حاله.

و تتدرج المساكن متلاصقة متلاحمة لا يعلو واحد على آخر على امتداد الربوة، حتى تنتهي بمجموعة أبراج دفاعية وسور مُحصّن يحيط بكامل المدينة. هناك قواعد عامة وموانع في الفن المعماري المزابي أصدرها قديما مجلس عمي سعيد (نسبة الى سعيد الجربي) يلتزم بها كافة السكان، وتمثل تطبيقا لمفردة المساواة في الفلسفة الميزابية منها:

-أن علو الدار لا يفوق 15 ذراعا .

-لا يسمح بإقامة الجدار على حدود السطح من الناحية الشرقية أو الغربية له كي لا يحرم الجار من ضوء الشمس ضحى وعشية .

-لا يجوز إسناد الدرج إلى جدار الجار إلا بإذنه، و كذا المستراح أو مرابط الدابة إلا إذا سبق أحدهما الآخر، فلا حق للجار الجديد أن يلزم جاره بتغيير الوضعية السابقة.

-لا يحدث أحد نافذة مهما كانت مساحتها إلا برخصة من الجيران ليحددوا له المكان الذي يمكن أن يحدث فيه هذه النافذة أو الكوة.

-في كل مدينة يعيَّن أمينان في عرف البناء، ترفع إليهما الشكاوى فيما يتعلق بالبناء.

وفي المدينة الميزابية هناك نوعان من الدور: الدار الكاملة التي مساحتها نحو 100 متر مربع تقريبا. هناك عدد كبير من المنازل أقل اتساعا، وتسمى بنصف دار، مساحتها نحو 50 مترا مربعا.

إن بني ميزاب لم يشيدوا منزلا في أي مدينة من مدنهم، إلا وكان رئيس جماعة البلدة لا يمتاز عن سواه لا في ملبسه ولا في مأكله ولا في سكناه، وإن اتسعت داره فلكثرة عياله وذلك متاح للجميع عند كثرة العيال، فلا تتم أي توسعة أو أعمال في الدور إلا بإشراف مجلس العزابة وموافقته.

ولا تزال معظم المنازل الواقعة خلف سور المدينة المِزابية محتفظة بنفس الطراز القديم السابق ذكره إلى الآن، سوى بعض التعديلات البسيطة التي أدخلت عليها حديثا، كالبلاط، والكهرباء والغاز، بينما تحتفظ البيوت الحديثة بأساسيات الطراز المعماري التقليدي إلى حد بعيد. وهذه المساواة في مساكن الأحياء تتجلى أيضا لدى ساكني القبور، وهو ما يثير التأمل في مجتمعات تدعي السلفية السنية وتعفي معالم القبور بصرامة، بينما الأحياء فيها تجدهم أقلية تسكن أفخم القصور (بعضها يكلف المليارات) وأغلبية تسكن في شقق تشبه القبور.

السوق هو المكان العمومي الوحيد بعد المسجد، الذي يمكن لأهل البلدة أن يجتمعوا فيه، ويتبادلوا الأخبار، ويتفقدوا أحوالهم يوميا، ويستريحوا من تعب العمل، بالإضافة إلى ممارستهم البيع والشراء. ويراعى في موقع السوق أن يكون خارج المساحات السكنية، وكلما اتسعت المدينة فإنه ينقل إلى مكان أبعد. ويشرف العزابة على السوق إشرافا لا هوادة فيه، ويحددون الأرباح ومن ثم أسعار كل سلعة، كما أنهم يحددون مايجوز تداوله وبيعه في السوق وما لايجوز، مراعين في ذلك القيمة الاستعمالية للسلعة ومانعين التوافه التي تضيع المال دون فائدة.

انطلق واضعو الأنظمة الميزابية من قناعة راسخة خلاصتها أن التطاول في البناء والتفاخر بالمقتنيات، هي وراء كل الشرور والأدواء التي تصاب بها النفوس. فمن جهة هناك التباهي والفخر والاستعلاء، ومن الجهة الأخرى هناك الحسد وإذكاء روح التنافس والحسرة التي تؤدي إلى الجرائم والبغضاء والإحن.

ويجمع مجلس العزابة الزكوات والصدقات، وينظم كفالة الأيتام والأرامل، والعاجزين عن الكسب، وعلاج المرضى، ومساعدة المحتاجين، ولذلك يقال أنه لا يوجد في وادي ميزاب متسول أو محتاج يعرض حاجته. ولا أرامل مضيعات أو أيتام مضيعون.

ولا تقام أعراس فردية في مدن الوادي بل أعراس جماعية يحدد مجلس العزابة مواعيدها وينظم الإنفاق عليها، كما يحدد المهور والهدايا المقدمة لكل عروس عند زواجها، بل ويمنع الرجل الحديث الزواج من تقديم أي هدية لزوجته عدا هدايا العرس وذلك لمدة عامين. والحكمة من ذلك أن اليتيمات يتزوجن أيضا في الأعراس الجماعية، ولا يريد المجلس لأي منهن أن يشعرن أن ما قدّم إليهن عند الزواج أو بعده أقل مما قدم للأخريات أو أنّ حفلات زفافهن أقل شأنا.

ولا يسمح المجلس للمغتربين بأخذ زوجاتهم إلى مغترباتهم، كما لا يسمح لهم بالتباهي بما جنوا من مال بالسيارات الفاخرة والملابس والعمارات، بل يطلب منهم تشغيل أموالهم في مشروعات صناعية في المدينة الصناعية التي أشرف المجلس على تحديد مكانها ومساحتها، فازدهرت مدن الوادي اقتصاديا بشكل كبير، وسلمت من الفتنة الأخيرة التي عمت الجزائر كما نجت من آثارها الاقتصادية الوخيمة.

لكل مدينة من مدن ميزاب واحة متفاوتة الاتساع، تحوي داخلها على مجموعة من المزارع والسدود و الآبار ومنشآت الري، وطريقة ريّ الواحات في وادي ميزاب تعتمد على حفر السواقي التي تملأها المياه الآتية من البئر ثم تصبّ في حوض مخصص لها بجانب البئر، ثم تنساب إلى الساقية الرئيسية عن طريق مجرى كبير في أسفل الحوض، ومنها إلى السواقي الفرعية التي تمر على كامل الغابة.

كما يمتاز ميزاب بطريقة خاصة لتقسيم مياه الوادي (في حالة الفيضان) بين أصحاب البساتين بالمساواة، حتى لا يأخذ أحد أكثر من حقه من مياه الوداي (نظرا لقيمة المياه في ميزاب)، وتتمثل الطريقة في إنشاء فتحة صغيرة أسفل جدار كل بستان، تنساب منه المياه إلى السواقي، ويتغير عرض الفتحة حسب مساحة كل بستان، وللفتحة غطاء حجري ينطبق عليها يمنع تغييره أو التلاعب بحجمه.

يقع وادي ميزاب في جنوب الجزائر في شمال الصحراء الكبرى في ناحية تسمى الشبكة وهي منطقة جميلة تتخللها أودية ويبعد ميزاب عن مدينة الجزائر بثلاثمائة وعشرين ميلا ونصف الميل (600 كيلومتر)، ويتكون وادي ميزاب من سبع مدن، خمسة منها متجاورة: وهي العطف، بنورة، مليكة، بني يزقن، وغرداية، واثنتان تبعدان عن المجموعة بعض البعد هما مدينة بريان التي تبعد عنها بأربعة وعشرين ميلا (50 كيلومتر) إلى شمالها الشرقي، ومدينة القرارة وتبعد عن أخواتها بأربعين ميلا ونصف الميل (100 كيلومتر) إلى الشرق.

والشبكة عبارة عن نجد من الجلاميد المكونة من الصخور الكلسية، تخترقها الأودية الضيقة تبلغ مساحتها 8000 كلم مربع على مسافة 110 كلم من مدينة الأغواط. وقد استطاع الميزابيون أن يحولوا تلك الجلاميد إلى بساتين ومزارع، ويؤسسوا بها المدن بدءا من مدينة العطف سنة 402 هـ. أي منذ أكثر من ألف عام.

لفظ ميزاب اسم آلة وزوب الماء أي انحداره وانصبابه، تماما كما يطلق اسم الميزان على آلة الوزن. وقد جرى تسمية أهل القرى السبع ببني ميزاب ذلك نسبة إلى ميزاب الكعبة.

والميزابي اسم تأهل له كل اباضي وهبي من آهل الدعوة ولو من عمان، وذلك أنهم كلهم يقفون في الطواف تجاه ميزاب الكعبة للدعاء ولا يقف في ذلك سواهم من آهل المذاهب الأخرى .

وهناك رواية أخرى تقول ان أصل كلمة مزاب إنما هو تحريف لاسم بني مصعب حيث بنيت مدن وادي ميزاب في باديتهم، فلفظ مزاب مجرد تحريف لأصل الكلمة: مْزاب أو: مُصاب فالإباضية، وفقا لهذه الرواية، لم يدخلوا إلى مْزاب إلا بعد سقوط الدولة الرستمية.

وأن بني مصعب هم من الأمازيغ وكان أغلبهم يعيش على تربية المواشي والتنقل بها عبر أرجاء الشبكة، بحثا عن الماء أو الكلأ، فكانت حياتهم في منتهى البساطة، شأنهم في ذلك شأن قبائل البدو في كل مكان. أما صناعتهم فكانت تقتصر على نسج الخيام و الألبسة من الوبر.

وأنه بعد سقوط الدولة الرستمية هاجر رعايا الإباضية والرستميين من تيهرت إلى وارجلان (ورقلة حاليًا) وسدراتة، وانعقد مؤتمر بمدينة أريغ سنة 421 هـ، للنظر في مسائل الرستميين اللاجئين، لأن أريغ قد غص بسكانه وباللاجئين، فأقر المؤتمر انتداب العلامة أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ليجول في صحراء المغرب الأوسط عله يجد ملجأ للرعايا الرستميين، فوقع اختياره على بادية بني مصعب، فبدأ أولا بالدعوة إلى المذهب الإباضي حتى اعتنقه جميع المزابيين متحولين من مذهبهم الاصلي وهو الاعتزال، حيث أنه عندما ظهرت المذاهب الفقهية سبقت إلى بني مصعب أصول المعتزلة فأخذوا بها وطبقوها وكانوا يسمون واصلية نسبة إلى واصل بن عطاء. والحال أن هناك أوجه شبه قوية بين أصول الاعتزال وأصول الاباضية كما سنراها لاحقا. ثم بدأت هجرة بعض العائلات من شعب تيهرت ( وهم أمازيغ ) وبعض ما تبقى من أفراد العائلة الحاكمة الرستمية إلى وادي مزاب.

إذن ووفقا لهذه الرواية فإن العلاقة بين الرستميين والمصعبيين هي أن الرستميين هم الذين أرشدوا المصعبيين إلى المذهب الإباضي، وأن المصعبيين هم الذين استقبلوا المهاجرين إليهم.

وتعتبر الإباضية أشهر الفرق التي تُنسَب إلى الخوارج؛ ذلك أنهم لا يزالون حتى يومنا هذا يسكنون في عُمَان وزنجبار وشمال إفريقيَّة. والإباضية هم أصحاب عبد الله بن إباض، وكانت لهم صولة في الجزيرة العربية، وعلى الأخصِّ في حضرموت وصنعاء ومكة والمدينة.

ولكنهم يغضبون كثيرًا حين يسمعون أحدًا ينسبهم إلى الخوارج، ويبرءون من تسميتهم بالخوارج ويقولون: نحن إباضية، كالشافعية والحنفية والمالكية، ويقولون: إنهم رُمُوا بهذا اللقب لأنهم رفضوا القرشيَّة، أي التزام كون الإمام من القرشيين.

وقد دخل مذهب الإباضية إلى إفريقية في النصف الأول من القرن الثاني، وانتشر بين البربر حتى أصبح مذهبهم الرسمي. وقد حكم الإباضيون في شمال إفريقيَّة حكمًا متصلاً مستقلاًّ استمر زهاء مائة وثلاثين سنة حتى أزالهم الفاطميون، أي أطول من الفترة التي استمرت خلالها الدولة الأموية..

تتفق عقيدة الإباضية مع أهل السُّنَّة في الكثير، وتختلف معهم في القليل، فهم يعترفون بالقرآن والحديث كمصدر للعلوم الدينية، ولكنهم يقولون (بالرأي) ويأخذون بالإجماع.

ولعل أهم خلاف بينهم وبين السُّنَّة قولهم بالتنزيه المطلق، فلا يقولون بالتشبيه؛ ولذلك فإنهم يقولون: إن رؤية الله منفية في الدنيا والآخرة. ويقولون أيضًا: إن الوعد والوعيد لا يتخلفان. بمعنى أن وعيد الله لا يتخلف، فمن دخل النار فهو خالد فيها، والمذنب تطهِّره التوبة، ولا يدخل السعيدُ النار. وواجب عندهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أمر ونهي يشتد على الأمير والفقير على السواء بل يشتد أكثر على الأمير، وليس بمعنى الضرب على يد العاصي والاغماض عن الخاصة كما يفعل مطاوعة الوهابيين.

إباضية وادي ميزاب هم نسل الإباضية الذين فروا بجلودهم بعد المذابح التي ارتكبها في حقهم الداعية الفاطمي أبو عبد الله الشيعي بعد تدمير دولتهم الزاهرة “الدولة الرستمية”.

يقول الشيخ مهنا بن راشد بن حمد السعدي: “لقد سمعنا عن الكثير من الدول الإسلامية التي نشأت وسقطت على مر التاريخ الإسلامي، كالدولة الأموية العباسية والعثمانية بالمشرق، والدولة المدارية والإدريسية والفاطمية بالمغرب، وغيرها من الدول الإسلامية الأخرى التي فصل التاريخ في ذكرها. وهذه الدول لها إيجابياتها ولها سلبياتها، وقد قدمت للأمة الإسلامية محاسن، إلا أنها كذلك لم تخل من المساوئ التي نجدها عند قراءة تاريخها، وهذه طبيعة البشر القصور عن الكمال.

إلا أن هناك دولا إسلامية قامت ونشأت واستمرت ردحا من الزمن إلى أن سقطت، وقدمت للأمة الإسلامية الشيء الكثير، وقد يكون ما قدمته يفوق ما قدمته الدول المشهورة والمعروفة عند الخاصة والعامة ومن هذه الدول من سار على نهج الخلافة الراشدة، وتطبيق مبدأ الشورى، سواء في انتخاب الحاكم أو في حكم الرعية. إلا أنه وللأسف الشديد لا نعرف عن هذه الدول الشيء الكثير، وإذا وصلنا شيء فهو نزر قليل لا يكفي للتعرف على جميع جوانب تلك الدولة والظروف التي عايشتها والخدمات الجليلة التي قدمتها للأمة الإسلامية، وكذلك لا يخلو من التشويه والتحريف والتعتيم على هذه الدول من قبل كتاب التاريخ يعود إلى عدة أسباب كالتعصبات المذهبية، والمصالح السياسية، والإغراءات المادية وما شابه ذلك من الأسباب التي ليس هذا محل ذكرها.

ومن هذه الدول التي يجهلها الكثير، دولة إسلامية عريقة نشأت في المغرب في سنة 160هـ، واستمرت إلى سنة 296هـ، أي أنها استمرت لمدة 136 عاما. وقد خدمت هذه الدولة الأمة في الكثير من الجوانب سواء في جانب التأليف ونشر العلم أو في الجانب الاقتصادي والاجتماعي أو في الجانب المعماري، وحتى في الجانب السياسي. وهذه الدولة هي الدولة الرستمية التي نشأت في المغرب الأوسط ـ الجزائر حاليا ـ على يد الإمام عبد الرحمن بن رستم”.

ويضيف قائلا: “وقد اشتهرت هذه الدولة بنظام الشورى المطبق فيها، وبعدالة أئمتها، وصلاحهم وتقواهم وعلمهم، وبازدهارها، وقد كان يعيش تحت ظلها أتباع كل المذاهب الإسلامية، وكانوا يمارسون عبادتهم بكل حرية وأمان، وكانت لهم مساجدهم وبيوتهم الخاصة التي يعيشون فيها مصانين الحقوق بعدل وإنصاف من غير تفريق بين مذهب ومذهب، قال ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية: “... ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وأمانه على نفسه وماله، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين، ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين... ” وقد كانت الدولة الرستمية مزدهرة اقتصاديا وثقافيا كما كانت منظمة في جوانب الحياة المختلفة.

يقول الأستاذ توفيق المدني عن الدولة الرستمية: “إنها كانت أول دولة إسلامية بربرية نشأت في هذه الديار – يعني الجزائر – ازدهرت ونمت ونالت شهرة عالمية واسعة”.

وكذلك يقول عثمان الكعاك “أن الدولة الرستمية كانت قوية عزيزة ذات بأس وسلطان، عاصرت بني الأغلب بإفريقيا (يعني تونس) والأدارسة بالمغرب الأقصى، وكانت الآمرة الناهية في بلاد المغرب الأوسط”. وتحدث عن أصول العقيدة عند الإباضية (التوحيد، العدل، القضاء والقدر، الولاية والبراءة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الوعد والوعيد .. الخ) وأهم المسائل الخلافية بين الإباضية والمذاهب الأخرى. والأصول السياسية للإباضية حتى بدت الإباضية حركة سياسية أكثر من أن تكون عقدية.

وعن المرأة في الدولة الرستمية يقول: “وكان للمرأة دور بارز في الدولة الرستمية، فأنجبت لنا الدولة الرستمية العديد من العالمات والمصلحات، كأمثال أخت الإمام أفلح، وأخت الشيخ عمروس، اللتان تعدان من عالمات الدولة الرستمية، ولا أدل على بروز المرأة في المجتمع الرستمي وانتشار العلم بينهن من كلام أحد أفراد الدولة الرستمية واصفا ذلك فيقول: “معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر” هذا بالنسبة للإماء فما بالنا بالحرائر.

وقد ساهمت الدولة الرستمية مساهمة فعالة في نشر الإسلام في إفريقيا السوداء عن طريق ممارسة التجارة مع تلك المناطق التي لم تكن تعرف الإسلام قبل وصول تجار الدولة الرستمية حاملين معهم مشعل الهداية، ومن أمثال هؤلاء الدعاة التجار الذي أنجبتهم الدولة الرستمية علي بن يخلف النفوسي الذي كان السبب في إسلام ملك مملكة مالي وشعبه.

وقد امتدت حدود الدولة الرستمية في فترة من فتراتها الزاهرة من حدود مصر شرقا إلى مدينة تلمسان في أقاصي المغرب الأوسط غربا. وبعد هذا العمر المديد وهذه الإنجازات الضخمة التي قدمتها الدولة الرستمية للأمة الإسلامية، هجم عليها أبو عبد الله الشيعي داعية الفاطميين في سنة 296هـ، فدمرها وعاث فيها فسادا، وقتل أهلها، ولم يكتف بذلك، بل قام بإحراق مكتبة المعصومة بعد أن أخذ منها الكتب الرياضية والصناعية والفنية، فقضى بذلك على تراث عظيم من تراث الأمة الإسلامية فحسبنا والله ونعم الوكيل.”

العزّابة من أهم و أعلى و أشهر الهيئات الدينية و السياسية بميزاب، وهو نظام معقد يدل على إعمال فكر وحسن تدبير. والمكونون لهذا المجلس يعرفون في أوساط العامة من الميزابيين باسم: إِعَزَّابَنْ، و الواحد منهم يسمى: أَعَزَّابْ، و هم يمثلون العلماء والأئمة وأهل الرأي والمشورة من الشعب، ويقوم المجلس بالإشراف الكامل على شؤون المجتمع الإباضي الدينية والتعليمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكلمة ”العزّابة” مشتقة من العزوب، عزب عن الشيء: أي بعد وغاب وخفي واعتزل، والمقصود هنا بالعزلة، التصوف والانقطاع إلى العبادة وخدمة المصلحة العامة، ويستعمل العزَّابة، النظام الإسلامي القائم على الشورى.

مجلس العزابة التي رتبها الشيخ أبو عبد الله محمد الفرسطائي. هي كما يلي:

أعضاء المجلس: لمجلس العزّابة حق اختيار أعضائها دون أدنى مداخلة من غيرها، حيث يُختار من كل عشيرة أعلم وأورع وأصلح من في العشيرة، بشترط أن يكونوا متخرجين من دار التلاميذ (جمعية الشباب والحراس) إرْوَانْ، فإذا لم يوجد، فإنه يختار من أصحاب المحاضر (إمصّوردا).

يتألف مجلس العزّابة من اثني عشر عضوا : الإمام والمؤذن وثلاثة لتحفيظ القرآن للصبيان في المحاضر وخمسة لغسل الموتى ووكيلان على مال المسجد (بيت المال). وهذا الأخير لا يجب أن يكون له مال كثير ولا أولاد كثيرون بل يجب أن يكون بينهما.

ويجب أن تتوفر في عضو العزابة الشروط التالية:

-أن يكون بالغا مسلمًا، ذو أخلاق فاضلة وعلم بالدين والفقه والفتوى.

-أن يكون حافظا لكتاب الله تعالى.

-أن يكون متزوجا، لأن الزواج يحصن النفس.

-أن يكون صاحب عمل أو حرفة، فأعضاء العزابة لا يتقاضون أي أجر، إنما عملهم خالص لوجه الله، وكلهم يعتمدون في قوتهم على كد يمينهم.

مهام المجلس:

ا- المهام الدينية  السلطة الدينية

تتولى العزابة إصدار الفتاوى، و فض الخصوم، إذ أن الميزابيين، لا يلجؤون في أكثر الأحيان، إلى المحكمة في خصوماتهم، ومراقبة الذبح، وإصدار حكم البراءة، تعليم القرآن، وتعليم الصلاة للبالغين الجدد، وكل مايتعلق بالدين من بعيد أو قريب، والحقيقة أن العزابة في أوساط العامة من الميزابيين، لا تعرف إلا بالجانب الديني.

و في رحاب المساجد الميزابية، تزدهر حلقات العلم في شتّى الفنون، وتدوي بأصوات الوعظ والتذكير والتكبير وتتلى آيات الله البينات من الذكر الحكيم يوميا، كل ذلك تحت إشراف تام من العزابة.

مجلس عمي سعيد: (نسبة الى سعيد الجربي، من المساهمين في نشر المذهب الإباضي بميزاب، قدم من جزيرة جربة بتونس، و لازالت ذريته موجودة إلى الآن)، هو الهيئة التشريعية، يتكون أعضاءه من قضاة البلاد وعلمائها، ويختارهم عزابة المدن من بينهم، ويعتبر أعلى سلطة دينية واجتماعية، في وادي ميزاب كله، ورئيسه يسمى شيخ البلد، وهو بمثابة الرئيس، تعقد جلسة هذا المجلس كل ثلاثة أشهر، ويدرس فيه الوضع السائد في ميزاب.

و هذا المجلس يضع القوانين والأحكام القضائية في الجرائم والجنايات والمعاملات ضمن الفقه الإسلامي، وهو يعتبر من مجالس العزابة لأنه مكون منهم، لكنه لا يختص بمدينة أو بأخرى، لكنه يشمل ميزاب كافة، ومجموعة قوانينه المدونة تعرف باتفاقات وادي ميزاب. كما أن هذا المجلس هو الذي يحدد المكاييل والمعايير والموازين المستعملة في الأسواق بحيث لا يجوز التعامل بغيرها من المعايير، ومن يخالف أحد هذه القوانين من الميزابيين في أي مكان و ليس فقط في وادي ميزاب، فإنه يتعرض لحكم البراءة الآتي ذكره.

المهام الاقتصادية السلطة الإقتصادية

ترعى المجلس حياة الأسر الإقتصادية، وهي المسؤولة عن توزيع الزكاة، ولا تدفع الزكاة لأحد إلا إذا تحققت أنه مستحق حقا، وأنه مؤد لكل شعائره الدينية من صلاة وطهارة وصوم، كما أنها تشرف على نفقات الزواج وتحديد المهور، والنفقات في الكفالة والحضانة، وتقديم الأمناء على الأيامى واليتامى، بحيث لا يجد الأغنياء منطلقا لحرياتهم في التغالي بالمهور والنفقات على الطبقة الوسطى أو الفقيرة في الأمة، فحرياتهم مقيدة، ولا يجد الفقير الراغب في الزواج تحرجا في تحمل مؤونة زواجه.

كما تشرف هيئة العزابة على الأسواق العامة في مدن ميزاب، ولها فيها مقاعد خاصة محترمة، تجلس عليها للإشراف على الواردات والسلع المجلوبة واستقبال القوافل من أطراف الصحراء (قديما)، ومراقبة الأسعار، وكان رئيس العزّابة هو الذي يعلن عن افتتاح السوق بواسطة المنادي، بعد التكبير والبسملة والتهليل والصلاة على رسول الله (ص). فإن وقع تنازع أو مشادة في المعاملات بالسوق، فإن العزابة يتولون الفصل والحكم في الأمر.

في حالة تمرد العامة: في حالة ما إذا تمردت العامة على أمر من أوامر العزابة، فإن أعضاء العزّابة، يبقون في دورهم ويتركون المسجد، فلا أذان ولا إقامة ولا صلاة جماعة، وفي هذا الموقف تفزع العامة وترتجف، وتوفد إليهم وفدا طالبة إليهم العفو، وتعرف هذه الصورة بإغلاق المسجد، ولا تكون إلا نادرا، أو في أمور خطيرة.

في حال ما إذا حدث خلاف وتنازع وتشتت بين العزّابة أو صدر من المجلس (المجلس) خطأ خطير، تقوم هيئة: امصوردان بالاتصال بأعضاء العزابة وتحاول إقناع المخطئ بالحسنى، فإذا تعذر ذلك، فإنهم يعقدون مجلسا طارئا جدا، ويبحثون موضوع قلب النظام (العزابة)، فإذا اتفق على اتخاذ هذا القرار سبعون منهم، فإن قرار قلب النظام يكون نافذا.

و أول خطوة يقومون بها هي تعيين أعضاء جدد لمجلس العزّابة، وفي الليلة التي يريدون فيها تنفيذ العملية، يطوّقون المسجد بحراسة مشددة، ثم يحضرون العزّابة الجدد، فيسلمون لكل واحد منهم عمله، وذلك قبل الفجر، ويمنع العزابة القدامى من دخول المسجد ثلاثة أيام حتى تهدأ الأوضاع.

نظام الحراسة، جمعية الشباب امسطوردان

جمعية الشباب هي هيئة دينية علمية اجتماعية وجدت منذ القديم في وادي ميزاب تقوم بعدة أعمال خيرية شريفة من أبرزها الحراسة. تسميتها: اختلف الناس في تسميتها، وتوجد لها عدة أسماء كـ ”امسطوردان”، و”امصوودان”، و”امصوردان”، ووجود الألف والنون في آخر هذه الكلمات يدل على أن هذه الكلمات جمع، والمهم أن هذه الكلمات تؤدي كلها معنى واحدا عاما هو: الشباب، أو الحراس.

أعضاء الهيئة:

ينقسم الأعضاء إلى ثلاث طبقات هي: طبقة الصغار، وطبقة المتوسطين، و طبقة الكبار.

و لا يراعى في هذه الطبقات عامل السن، و إنما يراعى فيها زمن الانضمام إلى المؤسسة، و إجادة القيام بأعمالها، فالداخل إليها حديثا يعتبر من الصغار ولو كان متقدما في السن.

تنحصر مهمة الصغار في الانقياد التام والطاعة الكاملة، والقيام بكل الواجبات، ولهذه الطبقة رئيس، والرئيس هو الحلقة التي تربط بين الحلقة الصغرى والوسطى وعليه أن يبلغ رغائب طبقته إلى رئيس الهيئة الوسطى، وأن يبلغ التعليمات والتوجيهات من رئيس الطبقة الوسطى إلى طبقته.

أما طبقة المتوسطين، فتنحصر مهمتهم في تنفيذ الخطط التي ترسم لهم من طبقة الكبار، وهم الذين يُعتمد عليهم في الحراسة وفي جميع الأعمال الشاقة التي تستدعي مزيدا من الجهد والحذر والسرية.

أما طبقة الكبار: فهي أشبه أن تكون بمجلس إدارة موسع للهيئة، وعليها وضع الخطط، وترتيب الحراسة، وتنظيم الأعمال.

شروط الالتحاق بالهيئة:

يشترط لقبول عضو جديد في المؤسسة عدة شروط أهمها مايلي :

-أن يكون العضو قادرا على حفظ الأسرار محافظة كاملة، ومهما كانت الظروف.

-أن يكون حسن السيرة والأخلاق، وأن يشهد بذلك من يتوفر فيه هذا الشرط.

-أن يكون متزوجا، لأن الزواج يحصن الإنسان.

-أن يكون مقداما شجاعا لا يهاب الموت في سبيل الواجب، ولكنه في نفس الوقت لايترامى على الموت بدون مبرر.

-أن يكون موفور الصحة، يتمتع بالقوة والصلابة، ليس به أي مرض ظاهر.

-أن يكون ذكيا، لبقًا يحسن التصرف.

-لا يتقاضى العضو أية أجرة، بل يعمل عمله خالصا لوجه الله.

عندما يريد شخص أن ينضم إلى هذه المؤسسة، عليه أن يقدم طلبا بواسطة أحد أعضائها، وعلى ذلك العضو أن يقدم الطلب إلى رئيسه قبل أول جلسة مقبلة. وفي تلك الجلسة، يعلن الرئيس اسم العضو الجديد، ويطالبهم بإعطاء الرأي فيه، وبعد مناقشة تطول أو تقصر، يكلف الأعضاء بدراسة سلوك الشخص والمساءلة عنه ثمانية أيام، يجتمعون بعدها للبث في الموضوع، ويعبرون عن هذه الفترة بقولهم: (أَكْلِينْتْ السُّوقْ) ومعناها: رمَوه في السوق، أي وضعوه تحت المراقبة والدراسة، وبعد أن يجتمعوا بعد الأيام الثمانية، يطرح الموضوع للمناقشة الدقيقة، ويحددون صلاحيته للهيئة أو عدمها، ثم يُكلّف مقدم الطلب الأول بإبلاغ القرار للعضو بالرفض أو القبول.

إذا كان القرار بالقبول يحضر العضو الجديد في موعد محدد، ثم ينعقد اجتماع خفيف للمرة الأخيرة ويبقى فيه العضو الجديد ورفيقه في معزل عنه، فإذا لم يوجد في الاجتماع ما يغير القرار بالقبول، يدعى العضو الجديد ورفيقه، ويُعلن له أنه قُبل في المؤسسة، ثم يشرح له الرئيس واجبات العضو وأخلاقيات المؤسسة وخطوات العمل، وأسباب ترقي العضو من طبقة إلى طبقة، ثم يُطلب من العضو أن يعلن موافقته بالانضمام علنيا، ويعتبر بعد ذلك عضوا في الهيئة ويعتبر أصغر الأعضاء حتى ولو كان أكبرهم سنا.

مهام الهيئة:

-حراسة البلد والغابات وخاصة بالليل ووقت القيلولة.

-تعليم القرآن الكريم وسائر العلوم في المحاضر، وذلك بتعيين ذوي كفاءة يقومون بالمهمة.

-القيام بالخدمات العامة، كسقي الماء للشرب في المواسم المعتادة، وخدمة المقابر بإصلاح مستلزماتها، وإصلاح الطرق العامة خاصة بعد مرور السيل، والقيام بأعمال الإغاثة والنجدة بعد حدوث الكوارث الطبيعية.

-الوقوف بالمرصاد أمام الأمراض الاجتماعية الفتاكة، كالخمر والزنا، وما إلى ذلك من الكبائر، ومحاربتها بكافة الوسائل، وبهذا يُحَافَظ على مجتمع نقي من الآفات.

-مراقبة الحركات الاقتصادية في البلد وأسواقها، كالذبيحة، والدلالة (المزاد)، والكيل والمعايير، ومقاومة كل ما يظهر فيها من مخالفة للشرع كالبضائع المحرمة، والغش والتطفيف.

-السعي في الصلح بين أعضاء حبقة العزابة كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وإرشادها إلى الصواب إذا صدر منها خلل، وأما إذا صدر منها خطأ خطير، فللهيئة أن يحل المجلس وأن يستبدله بمن هو أليق.

-كيفية عمل الهيئة: لكي أستطيع أن أوضح لك أسلوب العمل في هذه الهيئة، ينبغي أن آخذ لونا من ألوان نشاطها كمثل على الأنشطة الباقية، ولنأحذ على سبيل المثال نشاط الحراسة: تجتمع إدارة الهيئة، فتقسم المدينة إلى أقسام، وكذلك تفعل بالغابة، وتسند كل منطقة إلى مركز من مراكز المؤسسة، ويحدد كذلك عدد الفرق التي تتولى الحراسة، ومجال تحرك كل فرقة بدقة، والفرقة الواحدة التي تتولى الحراسة تتكون من ثلاثة أفراد أحدهم رئيس لها، وقد اصطلح على تسمية مجموعة الحراسة بـ: فرقة الحراية، وتسمى كل مجموعة في هيئة امصوردان بلون النشاط الذي تمارسه، مثل: فرقة إطفاء الحرائق، وفرقة إغاثة الملهوفين.

و الأشخاص الثلاثة الذين يكلفون بالحراسة معان فيطلق عليهم كلمة: (رفقة)، ومعنى هذا أن الفرقة تتكون من عدد من الرفقات، ورئيس كل رفقة مسؤول عن رفقته أمام رئيس الفرقة، ورئيس الفرقة مسؤول أمام رئيس المركز الفرعي، و هذا الأخير مسؤول أمام رئيس المؤسسة الأعلى.

يجتمع العدد المكلف بحراسة المدينة كل ليلة، بعد صلاة العصر، وقبل غروب الشمس، أما الفرقة المكلفة بحراسة الغابة، فتجتمع بعد صلاة العشاء، فيلقي عليها رئيس الفرقة التعليمات اللازمة، ويحدد لها المناطق التي تلزمها حراستها تلك الليلة، ويوزع الرفقات عليها، ويزود الجميع بكلمة السر التي يتعرفون بها على بعضهم إذا اقتضت الضرورة، فينطلقون إلى القيام بمهماتهم، وعند الصباح الباكر، يعودون إلى الاجتماع في مكان يعينه لهم رئيس الفرقة من أول الليل، فيتبادلون الأخبار والأحداث والملاحظات عن وقائع ليلتهم، فيستمع إليها رئيس فرقتهم ليتخذ الإجراءات اللازمة في الليلة المقبلة.

فإذا حدث حادث في الليل كوقوع سرقة أو عدوان على مال أو عرض، فعلى الرفقة التي وقع الحادث في منطقتها، أن تعتقل الجاني، فيمسكه اثنان، ويذهب الثالث لإبلاغ رئيس الفرقة بالحادث، وإذا كان الحادث يستدعي مجموعة أكبر من الحراس، فعلى الحارس الثالث في هذه الحالة أن يذهب للاستنجاد بالرفقات المجاورة، مستعملا كلمة السر، وعندما يتم القبض على الجاني، أو الجناة، يتم تسليمهم إلى الهيئة، حيث تتخذ الإجراء اللازم حالا.

المحاكمات و العقوبات:

عندما تعتقل رفقة من الرفقات مجرمًا متلبّسًا، فإنها تقدمهم إلى المجلس، الذي يعقد اجتماعا في أسرع وقت للنظر في القضية، ولا ينفض حتى يتخذ القرار بالحكم في إطار المنهج الإسلامي، و نفذ الحكم دون تردد، ودون الرجوع إلى أي جهة أخرى.

-هدف الهيئة:

تهدف هذه المؤسسة الدينية إلى إصلاح الشباب وإلهائهم بما ينفعهم وينفع أمتهم، بدل التلهي باللهو والفساد والآفات، فهي تحول الشباب من مرضى إلى أطباء، و هذا الهدف النبيل، لازالت تعمل الهيئة من أجله إلى يومنا هذا.

مجلس العشيرة:

-العشيرة الميزابية في الحقيقة، هي عبارة عن مجموعة كبيرة جدا من الأسر، ينحدرون من جد واحد في الغالب، تربط بينها أواصر القرابة، و علاقة الرحم، ومن مجموع العشائر تتكون القرية أو المدينة.

-لكل عشيرة دار هي ملك لها من إنشائها، تكون كبيرة نسبيا، تعقد فيها مجالس إدارتها، وحفلات أعراسها، وتستعملها المدينة أيضا في حفلاتها واجتماعاتها إذا احتاجتها.

-ولكل عشيرة أوقاف خاصة بها من أبناء العشيرة، وصندوق من تبرعاتهم لإصلاح الدار، وتجهيزها بالأثاث الذي يحتاجه أبناء العشيرة.

-لكل عشيرة مجلس خاص يتكون من حكمائها وزعمائها وذوي الرأي منهم، وللمجلس رئيس ينتخب من بينهم.

مهام مجلس العشيرة:

يعتبر مجلس العشيرة الساعد القوي لمجلس العزابة وهيئة امصوردان، وتتلخص مهامه فيما يلي:

-دراسة جميع أحوال العشيرة و دخائلها.

-دراسة جميع المشاكل التي تحدث داخل العشيرة واتخاذ الحلول لها.

-معالجة الانحرافات التي تقع من بعض أفراد العشيرة.

-التعاون مع مجلس العزابة، وإبلاغ الحالات المستعصية إليه، ليتخذ فيها قرارا منهم.

-جمع ما يفرض على العشيرة من إتاوات أو ضرائب، أو غرامات، بأساليب تتفق والمستوى الاقتصادي لكل أسرة.

-الإشراف على حفلات الأعراس بالعشيرة ومراقبتها.

-الإشراف على جمع التبرعات في حالة اللزوم.

-كفالة الفقراء واليتامى، وإلزام دفع النفقات على الأولياء، و إعطاء كل ذي حق حقه من أفراد العشيرة.

-فض الخصومات العائلية، حيث لا يترك المجلس قضية تصل القضاء والمحاكم.

-التبرئة (الإجراء التأديبي لدى العزّابة):

إن من أهم الأحكام التي تكسب الميزابيين صفة التمسك بالدين، حكم البراءة، والذي يعرف في أوساط العامة من الميزابيين: ”التَّبْرِيَّتْ”، والتبرئة هي السلاح القوي الذي تعتمد عليه مجلس العزّابة لطاعة أوامرها الصارمة، وردع الفاسقين.

البراءة هي التطبيق العملي لقاعدة الولاية والبراءة في الإسلام، وعندما يثبت على شخص ما ارتكاب معصية تعلن منه البراءة، وستجد تعريفا مفصلا عنها في صفحة: مذهبنا. و أما في ميزاب، فالعزابة يعلنون البراءة من الشخص المقترف للكبيرة أو ما شابهها، في المسجد أمام العامة ولا تنتهي إلا بتوبة الفاعل.

-يصدر حكم البراءة على شخص ما في ميزاب، إذا ثبت قطعيا أنه خالف أمرا من أوامر العزابة، أو اقترف كبيرة أو جريمة ما كمنع حق زوجة أو يتيم، أو تمرد عن العشيرة في حق، أو طعن في دين الإسلام، أو نزع الحجاب (التبرّج) بالنسبة للمرأة، أو ارتداء لباس فاحش يظهر المفاتن، أو ارتكاب ماهو خارج عن تعاليم الأعراس الميزابية، أو إقامة عادات الغربيين كأعياد الميلاد للأطفال أو الكبار، أو ارتكاب فاحشة كشرب خمر أو تدخين، أو مخدرات، أو ترك صلاة  وتاركها كافر.

-شروط إصدار الحكم: يجب أن يثبت قطعيا بدلائل لدى العزابة أن فلانا قد ارتكب الجريمة الفلانية مع وجود شهود عدل، ودلائل، حتى يصدر الحكم.

4-طريقة إصدار حكم البراءة:

يعلن عن ذلك بعد صلاة الجماعة، بأن يقوم مكلف من العزابة، ويعلن للناس أن فلانا بن فلان، قد ارتكب جريمة كذا أو كذا فهو في براءة المسلمين إلى أن يتوب.

-عندما تُعلن التبرئة من أحد، فإنه يُحرم من حقوقه المدنية ما لم يُعف عنه، فلا يؤاكل ولا يُشارب، ولا يُجالس ولا يُكلّم, ولا يُشَارك في مَأتم ولا فرح، ولاتقبل دلالته في السوق (المزاد)، ولا ذبيحته إن كان جزّارا، ويبقى منبوذا من ذويه وأخلّائه وحتى من عائلته، فيجد نقسه معزولا من المجتمع تماما فيضطر إلى التوبة، لتعود إليه مكانته ويستطيع أن يعيش بين المسلمين كواحد منهم, عند ذلك يعلن العفو عنه في المسجد أمام العامة.

-إذا تعامل أحد مع المتبَرّإ منه، وهو يعرف ذلك، فحكمه حكم رفيقه.

-لجأ العزّابة إلى نظام التبرئة لأن حكم البراءة حكم إسلامي، موجود منذ عهد الرسول (ص) مثلما فعل (ص) مع الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، وهو الوسيلة الوحيدة لدى العزابة، التي يستطيعون بها قمع العصاة والمجرمين واحترام سلطتها لدى العامة، وهي وسيلة فعّالة ربما أكثر من التعذيب والسجن، و ما شابه ذلك.

المجلس الديني النسائي:

هي هيئة نسائية تعتني بالأمور الدينية للنساء، التي لا يمكن للرجال أن يباشروها، وهي تشكل الساعد الأيمن لمجلس العزابة بالنسبة للنساء.

مهام المجلس:

-غسل الأموات من النساء

-تحقيق حكم البلوغ وشؤون الولادة والحمل وبيان أحكام الحيض والنفاس للنساء.

-إقامة الصلح بين المتخاصمات وبين العائلات

-محاربة البدع بين النساء وإعلان البراءة على من يتمرد منهن.

ولهذه الهيئات في كل ميزاب بيوت خاصة خلف المساجد، ولهن فيها مصلى يسع كل نساء البلد تقريبا، يقمن بها الجلسات السرية الخاصة، كما أن المصلى مباح للنساء الصلاة فيه وكذا استماع الوعظ والإرشاد وتلاوة الذكر الحكيم بواسطة مكبرات الصوت.

ولهن في البلد ديار لتعليم البنات فروضهن الدينية حتى ينشأن على الحصانة الدينية، وكل ذلك خالصا لوجه الواحد الكريم، وكذا ينتدبن لهن من يعلمهن الصناعة التقليدية وإدارة الشؤون المنزلية. هذا علاوة على مدارس المدينة القرآنية للبنات.

ديار العرش:

اتخذ الميزابيون في كل بلدة يكثر اليها ذهابهم من غير مدن ميزاب دارا لنزول مسافريهم مجانا يطلق عليها دار العرش، فيها قاعة للصلاة، وهي مجهزة بمرافق ووسائل الطهارة، وكما اتخذو مقبرة لدفن موتاهم في مكان فسيح، يصلح لاجتماعاتهم العامة، لاسيما أيام الأفراح والمناسبات.

كما تضم هذه الديار مدارس دينية قرآنية تتولى القيام بمهام تربية النشأ الميزابي، وتضع على عاتقها مهام جمة منها:

-تحفيظ القرآن الكريم للصغار والكبار عملا بقوله عليه الصلاة والسلام: (علمو أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو).

-تدريس علوم الدين من فقه وتربية إسلامية وحديث

-العمل على تعريف التلاميذ بتاريخهم العتيق، عن طريق تدريس التاريخ الإسلامي كمادة أساسية.

-القيام برحلات ترفيهية بين الفينة والأخرى خاصة في الأعياد.

-العمل على تنمية المواهب التي يمتلكها التلاميذ بواسطة إقامة نشاطات كل 15يوم تقريبا، وتتعدد هذه النشاطات منها المسرح، النشيد الاسلامي، البحوث المختلفة.

-كما تراعي هذه المدارس تعليق مجلة شهرية، يشارك فيها مجموعة من التلاميذ كل مرة، وتتضمن مقالات مفيدة، أشعار معلومات يجدونها هامة.

-إقامة حفلات ختامية في كل آخر سنة دراسية يكرّم فيها التلاميذ بحضور أوليائهم، وقد كان -ولا يزال- لهذه المدارس الدور العظيم والأثر البارز في نفوس النشأ والشباب لما تقوم به من جهود حفاظا على الدين الإسلامي من الضياع وتكريسا لأصول العمل الجماعي، الذي تتميز به هذه المدارس.

 ------------------------------

مقال منشور في موقع الإشتراكي نت بتاريخ: 27 جويلية 2010م. للكاتب: أحمد صالح الفقيه.

مزاب التجربة اليوتوبية

c 7وادي مزاب التجربة اليوتوبية الإسلامية الوحيدة المستمرة

اليوتوبيا: المدينة أو الجمهورية الحلم التي طالما راودت خيال الفلاسفة والمصلحين منذ مدينة أفلاطون الفاضلة التي أوضح أسسها في كتابه “الجمهورية”. اليوطوبيا أو الطوبى( بالإنجليزية: Utopia) هو مفهوم فلسفي يعني المكان الذي يبدو كل شيء فيه مثاليًا ولا توجد فيه أي نوع من أنواع شرور المجتمع كالفقر والظلم والمرض.

 

ظهر هذا المفهوم لأول مرة في كتاب اليوتوبيا واسمه الكامل: (De Optimo Reipublicae Statu deque Nova Insula Utopia) من تأليف السير توماس مور. الذي طبِع لأول مرة باللغة اللاتينية عام 1516م. ويدل المفهوم على الحضارة أو المكان المثالي، وبالأخص في الجوانب الاجتماعية والسياسية وغيرها. ويتألف اللفظ من كلمتين في اللغة اليونانية هما “οὐ” (لا) و”τόπος” (مكان)، أو “المكان غير الموجود”. وأخذ مور أفكار مدينته من كتاب الجمهورية لأفلاطون.
وتطلق صفة يوتوبيا أيضا على الأفكار المثالية التي لا يمكن تطبيقها في المجتمع، نظرًا لبعدها عن الواقع الحقيقي.
وهناك كتب كثيرة تحدثت عن دول ومجتمعات مثالية منذ كتاب الجمهورية. حيث أصبحت منذ ذلك الحين حلما للبشرية ولكن يبدو أن الحلم لم يتحقق إلا في وادي ميزاب.

تعرضت تجربة وادي ميزاب لتعتيم إعلامي مستمر، لأنها تشكل إدانة حية لكل دولة من هذه الدول التي تدعي الإسلام، بل ولكل الحركات والأحزاب الإسلامية التي لم تتمكن من الاقتراب من روح الإسلام ومقاصده. ولذلك يجري استبعادها وإغفالها بحجة أن الإباضية مذهب من مذاهب الخوارج، في حين أنه يتوفر في مذهب الإباضية كثير من جوانب الاعتدال في عقيدتهم، وهم وإن نسبوا إلى الخوارج إلا أنهم يرون أنهم وحدهم الذين حافظوا على تعاليم الإسلام الحقَّة، ويغضبون كثيرًا حين يسمعون أحدًا ينسبهم إلى الخوارج، ويبرءون من تسميتهم بالخوارج ويقولون: نحن إباضية، كالشافعية والحنفية والمالكية، ويقولون: إنهم رُمُوا بهذا اللقب لأنهم رفضوا القرشيَّة، أي التزام كون الإمام من القرشيين.

والإباضية في عمان بنوا دولة رشيدة استوعبت مئات الألوف من الأفارقة ذوي الأصول العمانية يعيشون في ظلها مواطنة متساوية كاملة الحقوق، دون تحفظات أو تمييز، فليست هناك درجات للمواطنة، أو جوازات سفر ودفاتر هوية متباينة الألوان، كما لا تعرف عمان ظاهرة البدون المخزية. ولا غرو فقد كان الإباضية عبر التاريخ رافضين أقوياء للظلم والانحراف بالدين والحكم إلى التظاهر والزيف.

وهناك ترابط تاريخي بين عمان وحضرموت، وصلات تاريخية بين قبيلتي الأزد العمانية، وكندة الحضرمية، وهي علاقات عقدية وسياسية وفكرية كانت قائمة بين إباضية عمان وحضرموت، ويطول الحديث عن الأرضية الاجتماعية والتركيبة السياسية التي ألقت بظلالها على الواقع ومهّدت لقبول آراء الإباضية، حتى قويت شوكتها في مطلع القرن الثاني الهجري وقادت أول ثورة إسلامية خرجت عن الحكم الأموي حين رأى عبد الله بن يحيى الكندي والملقّب بطالب الحق (قتل سنة 132هـ) باليمن جوراً وعسفاً شديداً وسيرة في الناس قبيحة فقال لأصحابة لا يحل المقام على ما نرى ولا يسعنا احتماله والصبر عليه، وانطلق بثورة الإباضية من حضرموت نحو عموم اليمن واكتسح اليمن والحجاز وسلخهما عن حكم الأمويين قوة، وقد رافقت ثورته أطروحات سياسية مهمة وغنية بالدراسة تبلورت في خطبه من على منبر جامع صنعاء، وفي خطب قائده العسكري الاباضي أبي حمزة المختار التي ألقاها في مكة والمدينة.

(1)

أسّست أول مدينة في الوادي وهي مدينة العطف عام 402 للهجرة أي منذ أكثر من ألف عام. وأسلوب العيش ونظام الحياة الذي اتّبعه الميزابيون ينطلق من نظرة ثاقبة لأسباب ودواعي الفساد الاجتماعي بكل صوره، وقد تمكّنوا بشكل يدعو للإعجاب الشديد من القبض على العوامل الأساسية، ومن ثم قاموا بالتركيز عليها على اعتبار أن تجنّبها يؤدي حتما إلى انتفاء كل الظواهر الثانوية وتغييبها.
ويمكن تلخيص الفلسفة الميزابية لبناء المجتمع الفاضل بأنّها قائمة على المساواة والعدل والإخاء من جهة، والرشد والاعتدال من جهة أخرى، وجعلها واقعا صلبا معاشا في حياة جميع أفراد المجتمع. مع الحرص على ارتباط أعضاء المجتمع بالعقيدة والتزامهم بتعاليمها وشعائرها.
وتتجلى مفردات هذه الفلسفة في جميع جوانب الحياة في مدن وادي ميزاب. ويسهر على تطبيق هذه الفلسفة مجلسان منتخبان أحدهما للرجال والآخر للنساء، ويضم كل مجلس اثني عشرا عضوا من الرجال والآخر نفس العدد من النساء. ويسمى كل من المجلسين بمجلس العَزَّابَة.
ويبدأ الأمر من تخطيط المدينة الميزابية التي يحتل المسجد مركزها. وأول ما يشد انتباه الملاحظ للمدن الميزابية توضّعها على روابٍ (هضاب) ، ويرجع ذلك إلى الظروف الأمنية الصعبة التي عاشها الميزابيون في ذلك الوقت، إذ كانت بلادهم تقع في منطقة جيرانها يعتمدون على النهب والسلب في حياتهم.
في أعلى تلك الربوة، يتموضع المسجد، متوسطا المدينة، واختيار المِيزابيين هذا الموقع لإقامة المسجد دليل على أهمية وظائفه المتعددة، فهو بجانب وظيفته الدينية، يلعب دور قاعة الاجتماعات الهامة والمركز العلمي للمدينة ومخزن المؤن، والمركز الدفاعي للمدينة، إذ نجده في المدن الميزابية محصنا ويصعب الوصول إليه.
يراعى في مساجد ميـزاب البساطة والتقشف والابتعاد عن كل ما قد يشغل المصلي عن الخشوع في عبادته، حتى المحراب فإنه خال من أي زخرفة، حتى في المساجد المبنية حديثا التزاما بتعاليم الشرع الإسلامي كما يرون.
و من أهم مميزات المسجد الميزابي، المئذنة، التي يتخذها المزابيون عادة رمزا لهم نظرا لتميّزها، و قد اختارتها الشبكة المزابية رمزا لها كذلك. وبجانب المسجد تقع الميضأة ومحاضر تعليم الصبيان، وفوقه المخازن، والسطح، ومقر اجتماعات العزابة الذي يسمى “تامنايت”.

ولكل مواطن في ميزاب لحقه ظلم من أي كان أن يغلق باب المسجد ويمنع الناس من الصلاة حتى يتم إنصافه ورفع الظلم عنه، وهو ما يبادر إليه الناس في الحال إن أمكن، وإلا استمهلوا المظلوم يوما آخر لإنصافه إن كانت المشكلة معقدة. ولذلك يقال انه لا يوجد في وادي ميزاب مظلوم. ولا يتأخر مكلف عن الصلاة في المسجد إلا إذا كان مريضا أو على سفر، فإن لم يعلم المصلون حاله بادروا أو بادر العزابة إلى زيارته ومعرفة حاله.

و تتدرج المساكن متلاصقة متلاحمة لا يعلو واحد على آخر على امتداد الربوة، حتى تنتهي بمجموعة أبراج دفاعية وسور مُـحصّن يحيط بكامل المدينة. هناك قواعد عامة وموانع في الفن المعماري المزابي أصدرها قديما مجلس عمي سعيد (نسبة الى سعيد الجربي) يلتزم بها كافة السكان، وتمثل تطبيقا لمفردة المساواة في الفلسفة الميزابية منها:
– أن علو الدار لا يفوق 15 ذراعا .
– لا يسمح بإقامة الجدار على حدود السطح من الناحية الشرقية أو الغربية له كي لا يحرم الجار من ضوء الشمس ضحى وعشية .
– لا يجوز إسناد الدرج إلى جدار الجار إلا بإذنه، و كذا المستراح أو مرابط الدابة إلا إذا سبق أحدهما الآخر، فلا حق للجار الجديد أن يلزم جاره بتغيير الوضعية السابقة.
– لا يحدث أحد نافذة مهما كانت مساحتها إلا برخصة من الجيران ليحددوا له المكان الذي يمكن أن يحدث فيه هذه النافذة أو الكوة.
– في كل مدينة يعيَّن أمينان في عرف البناء، ترفع إليهما الشكاوى فيما يتعلق بالبناء.

وفي المدينة الميزابية هناك نوعان من الدور: الدار الكاملة التي مساحتها نحو 100 متر مربع تقريبا. هناك عدد كبير من المنازل أقل اتساعا، وتسمى بنصف دار، مساحتها نحو 50 مترا مربعا.
إن بني ميزاب لم يشيدوا منزلا في أي مدينة من مدنهم، إلا وكان رئيس جماعة البلدة لا يمتاز عن سواه لا في ملبسه ولا في مأكله ولا في سكناه، وإن اتسعت داره فلكثرة عياله وذلك متاح للجميع عند كثرة العيال، فلا تتم أي توسعة أو أعمال في الدور إلا بإشراف مجلس العزابة وموافقته.

ولا تزال معظم المنازل الواقعة خلف سور المدينة المِـزابية محتفظة بنفس الطراز القديم السابق ذكره إلى الآن، سوى بعض التعديلات البسيطة التي أدخلت عليها حديثا، كالبلاط، والكهرباء والغاز، بينما تحتفظ البيوت الحديثة بأساسيات الطراز المعماري التقليدي إلى حد بعيد. وهذه المساواة في مساكن الأحياء تتجلى أيضا لدى ساكني القبور، وهو ما يثير التأمل في مجتمعات تدعي السلفية السنية وتعفي معالم القبور بصرامة، بينما الأحياء فيها تجدهم أقلية تسكن أفخم القصور (بعضها يكلف المليارات) وأغلبية تسكن في شقق تشبه القبور.
السوق هو المكان العمومي الوحيد بعد المسجد، الذي يمكن لأهل البلدة أن يجتمعوا فيه، ويتبادلوا الأخبار، ويتفقدوا أحوالهم يوميا، ويستريحوا من تعب العمل، بالإضافة إلى ممارستهم البيع والشراء. ويراعى في موقع السوق أن يكون خارج المساحات السكنية، وكلما اتسعت المدينة فإنه ينقل إلى مكان أبعد. ويشرف العزابة على السوق إشرافا لا هوادة فيه، ويحددون الأرباح ومن ثم أسعار كل سلعة، كما أنهم يحددون مايجوز تداوله وبيعه في السوق وما لايجوز، مراعين في ذلك القيمة الاستعمالية للسلعة ومانعين التوافه التي تضيع المال دون فائدة.

(2)

انطلق واضعو الأنظمة الميزابية من قناعة راسخة خلاصتها أن التطاول في البناء والتفاخر بالمقتنيات، هي وراء كل الشرور والأدواء التي تصاب بها النفوس. فمن جهة هناك التباهي والفخر والاستعلاء، ومن الجهة الأخرى هناك الحسد وإذكاء روح التنافس والحسرة التي تؤدي إلى الجرائم والبغضاء والإحن.

ويجمع مجلس العزابة الزكوات والصدقات، وينظم كفالة الأيتام والأرامل، والعاجزين عن الكسب، وعلاج المرضى، ومساعدة المحتاجين، ولذلك يقال أنه لا يوجد في وادي ميزاب متسول أو محتاج يعرض حاجته. ولا أرامل مضيعات أو أيتام مضيعون.

ولا تقام أعراس فردية في مدن الوادي بل أعراس جماعية يحدد مجلس العزابة مواعيدها وينظم الإنفاق عليها، كما يحدد المهور والهدايا المقدمة لكل عروس عند زواجها، بل ويمنع الرجل الحديث الزواج من تقديم أي هدية لزوجته عدا هدايا العرس وذلك لمدة عامين. والحكمة من ذلك أن اليتيمات يتزوجن أيضا في الأعراس الجماعية، ولا يريد المجلس لأي منهن أن يشعرن أن ما قدّم إليهن عند الزواج أو بعده أقل مما قدم للأخريات أو أنّ حفلات زفافهن أقل شأنا.

ولا يسمح المجلس للمغتربين بأخذ زوجاتهم إلى مغترباتهم، كما لا يسمح لهم بالتباهي بما جنوا من مال بالسيارات الفاخرة والملابس والعمارات، بل يطلب منهم تشغيل أموالهم في مشروعات صناعية في المدينة الصناعية التي أشرف المجلس على تحديد مكانها ومساحتها، فازدهرت مدن الوادي اقتصاديا بشكل كبير، وسلمت من الفتنة الأخيرة التي عمت الجزائر كما نجت من آثارها الاقتصادية الوخيمة.

لكل مدينة من مدن ميزاب واحة متفاوتة الاتساع، تحوي داخلها على مجموعة من المزارع والسدود و الآبار ومنشآت الري، وطريقة ريّ الواحات في وادي ميزاب تعتمد على حفر السواقي التي تملأها المياه الآتية من البئر ثم تصبّ في حوض مخصص لها بجانب البئر، ثم تنساب إلى الساقية الرئيسية عن طريق مجرى كبير في أسفل الحوض، ومنها إلى السواقي الفرعية التي تمر على كامل الغابة.

كما يمتاز ميزاب بطريقة خاصة لتقسيم مياه الوادي (في حالة الفيضان) بين أصحاب البساتين بالمساواة، حتى لا يأخذ أحد أكثر من حقه من مياه الوداي (نظرا لقيمة المياه في ميزاب)، وتتمثل الطريقة في إنشاء فتحة صغيرة أسفل جدار كل بستان، تنساب منه المياه إلى السواقي، ويتغير عرض الفتحة حسب مساحة كل بستان، وللفتحة غطاء حجري ينطبق عليها يمنع تغييره أو التلاعب بحجمه.

(3)

يقع وادي ميزاب في جنوب الجزائر في شمال الصحراء الكبرى في ناحية تسمى الشبكة وهي منطقة جميلة تتخللها أودية ويبعد ميزاب عن مدينة الجزائر بثلاثمائة وعشرين ميلا ونصف الميل (600 كيلومتر)، ويتكون وادي ميزاب من سبع مدن، خمسة منها متجاورة: وهي العطف، بنورة، مليكة، بني يزقن، وغرداية، واثنتان تبعدان عن المجموعة بعض البعد هما مدينة بريان التي تبعد عنها بأربعة وعشرين ميلا (50 كيلومتر) إلى شمالها الشرقي، ومدينة القرارة وتبعد عن أخواتها بأربعين ميلا ونصف الميل (100 كيلومتر) إلى الشرق.

والشبكة عبارة عن نجد من الجلاميد المكونة من الصخور الكلسية، تخترقها الأودية الضيقة تبلغ مساحتها 8000 كلم مربع على مسافة 110 كلم من مدينة الأغواط. وقد استطاع الميزابيون أن يحولوا تلك الجلاميد إلى بساتين ومزارع، ويؤسسوا بها المدن بدءا من مدينة العطف سنة 402 هـ. أي منذ أكثر من ألف عام.
لفظ ميزاب اسم آلة وزوب الماء أي انحداره وانصبابه، تماما كما يطلق اسم الميزان على آلة الوزن. وقد جرى تسمية أهل القرى السبع ببني ميزاب ذلك نسبة إلى ميزاب الكعبة.
والميزابي اسم تأهل له كل اباضي وهبي من آهل الدعوة ولو من عمان، وذلك أنهم كلهم يقفون في الطواف تجاه ميزاب الكعبة للدعاء ولا يقف في ذلك سواهم من آهل المذاهب الأخرى .

وهناك رواية أخرى تقول ان أصل كلمة مزاب إنما هو تحريف لاسم بني مصعب حيث بنيت مدن وادي ميزاب في باديتهم، فلفظ مزاب مجرد تحريف لأصل الكلمة: مْزاب أو: مُصاب فالإباضية، وفقا لهذه الرواية، لم يدخلوا إلى مْزاب إلا بعد سقوط الدولة الرستمية.
وأن بني مصعب هم من الأمازيغ وكان أغلبهم يعيش على تربية المواشي والتنقل بها عبر أرجاء الشبكة، بحثا عن الماء أو الكلأ، فكانت حياتهم في منتهى البساطة، شأنهم في ذلك شأن قبائل البدو في كل مكان. أما صناعتهم فكانت تقتصر على نسج الخيام و الألبسة من الوبر.

وأنه بعد سقوط الدولة الرستمية هاجر رعايا الإباضية والرستميين من تيهرت إلى وارجلان (ورقلة حاليًا) وسدراتة، وانعقد مؤتمر بمدينة أريغ سنة 421 هـ، للنظر في مسائل الرستميين اللاجئين، لأن أريغ قد غص بسكانه وباللاجئين، فأقر المؤتمر انتداب العلامة أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ليجول في صحراء المغرب الأوسط عله يجد ملجأ للرعايا الرستميين، فوقع اختياره على بادية بني مصعب، فبدأ أولا بالدعوة إلى المذهب الإباضي حتى اعتنقه جميع المزابيين متحولين من مذهبهم الاصلي وهو الاعتزال، حيث أنه عندما ظهرت المذاهب الفقهية سبقت إلى بني مصعب أصول المعتزلة فأخذوا بها وطبقوها وكانوا يسمون واصلية نسبة إلى واصل بن عطاء. والحال أن هناك أوجه شبه قوية بين أصول الاعتزال وأصول الاباضية كما سنراها لاحقا. ثم بدأت هجرة بعض العائلات من شعب تيهرت ( وهم أمازيغ ) وبعض ما تبقى من أفراد العائلة الحاكمة الرستمية إلى وادي مزاب.
إذن ووفقا لهذه الرواية فإن العلاقة بين الرستميين والمصعبيين هي أن الرستميين هم الذين أرشدوا المصعبيين إلى المذهب الإباضي، وأن المصعبيين هم الذين استقبلوا المهاجرين إليهم.

وتعتبر الإباضية أشهر الفرق التي تُنسَب إلى الخوارج؛ ذلك أنهم لا يزالون حتى يومنا هذا يسكنون في عُمَان وزنجبار وشمال إفريقيَّة. والإباضية هم أصحاب عبد الله بن إباض، وكانت لهم صولة في الجزيرة العربية، وعلى الأخصِّ في حضرموت وصنعاء ومكة والمدينة.
ولكنهم يغضبون كثيرًا حين يسمعون أحدًا ينسبهم إلى الخوارج، ويبرءون من تسميتهم بالخوارج ويقولون: نحن إباضية، كالشافعية والحنفية والمالكية، ويقولون: إنهم رُمُوا بهذا اللقب لأنهم رفضوا القرشيَّة، أي التزام كون الإمام من القرشيين.

وقد دخل مذهب الإباضية إلى إفريقية في النصف الأول من القرن الثاني، وانتشر بين البربر حتى أصبح مذهبهم الرسمي. وقد حكم الإباضيون في شمال إفريقيَّة حكمًا متصلاً مستقلاًّ استمر زهاء مائة وثلاثين سنة حتى أزالهم الفاطميون، أي أطول من الفترة التي استمرت خلالها الدولة الأموية..

تتفق عقيدة الإباضية مع أهل السُّنَّة في الكثير، وتختلف معهم في القليل، فهم يعترفون بالقرآن والحديث كمصدر للعلوم الدينية، ولكنهم يقولون (بالرأي) ويأخذون بالإجماع.
ولعل أهم خلاف بينهم وبين السُّنَّة قولهم بالتنزيه المطلق، فلا يقولون بالتشبيه؛ ولذلك فإنهم يقولون: إن رؤية الله منفية في الدنيا والآخرة. ويقولون أيضًا: إن الوعد والوعيد لا يتخلفان. بمعنى أن وعيد الله لا يتخلف، فمن دخل النار فهو خالد فيها، والمذنب تطهِّره التوبة، ولا يدخل السعيدُ النار. وواجب عندهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أمر ونهي يشتد على الأمير والفقير على السواء بل يشتد أكثر على الأمير، وليس بمعنى الضرب على يد العاصي والاغماض عن الخاصة كما يفعل مطاوعة الوهابيين.

(4)

إباضية وادي ميزاب هم نسل الإباضية الذين فروا بجلودهم بعد المذابح التي ارتكبها في حقهم الداعية الفاطمي أبو عبد الله الشيعي بعد تدمير دولتهم الزاهرة “الدولة الرستمية”.

يقول الشيخ مهنا بن راشد بن حمد السعدي: “لقد سمعنا عن الكثير من الدول الإسلامية التي نشأت وسقطت على مر التاريخ الإسلامي، كالدولة الأموية العباسية والعثمانية بالمشرق، والدولة المدارية والإدريسية والفاطمية بالمغرب، وغيرها من الدول الإسلامية الأخرى التي فصل التاريخ في ذكرها. وهذه الدول لها إيجابياتها ولها سلبياتها، وقد قدمت للأمة الإسلامية محاسن، إلا أنها كذلك لم تخل من المساوئ التي نجدها عند قراءة تاريخها، وهذه طبيعة البشر القصور عن الكمال.

إلا أن هناك دولا إسلامية قامت ونشأت واستمرت ردحا من الزمن إلى أن سقطت، وقدمت للأمة الإسلامية الشيء الكثير، وقد يكون ما قدمته يفوق ما قدمته الدول المشهورة والمعروفة عند الخاصة والعامة ومن هذه الدول من سار على نهج الخلافة الراشدة، وتطبيق مبدأ الشورى، سواء في انتخاب الحاكم أو في حكم الرعية. إلا أنه وللأسف الشديد لا نعرف عن هذه الدول الشيء الكثير، وإذا وصلنا شيء فهو نزر قليل لا يكفي للتعرف على جميع جوانب تلك الدولة والظروف التي عايشتها والخدمات الجليلة التي قدمتها للأمة الإسلامية، وكذلك لا يخلو من التشويه والتحريف والتعتيم على هذه الدول من قبل كتاب التاريخ يعود إلى عدة أسباب كالتعصبات المذهبية، والمصالح السياسية، والإغراءات المادية وما شابه ذلك من الأسباب التي ليس هذا محل ذكرها.

ومن هذه الدول التي يجهلها الكثير، دولة إسلامية عريقة نشأت في المغرب في سنة 160هـ، واستمرت إلى سنة 296هـ، أي أنها استمرت لمدة 136 عاما. وقد خدمت هذه الدولة الأمة في الكثير من الجوانب سواء في جانب التأليف ونشر العلم أو في الجانب الاقتصادي والاجتماعي أو في الجانب المعماري، وحتى في الجانب السياسي. وهذه الدولة هي الدولة الرستمية التي نشأت في المغرب الأوسط ـ الجزائر حاليا ـ على يد الإمام عبد الرحمن بن رستم”.

ويضيف قائلا: “وقد اشتهرت هذه الدولة بنظام الشورى المطبق فيها، وبعدالة أئمتها، وصلاحهم وتقواهم وعلمهم، وبازدهارها، وقد كان يعيش تحت ظلها أتباع كل المذاهب الإسلامية، وكانوا يمارسون عبادتهم بكل حرية وأمان، وكانت لهم مساجدهم وبيوتهم الخاصة التي يعيشون فيها مصانين الحقوق بعدل وإنصاف من غير تفريق بين مذهب ومذهب، قال ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية: “… ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وأمانه على نفسه وماله، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين، ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين…” وقد كانت الدولة الرستمية مزدهرة اقتصاديا وثقافيا كما كانت منظمة في جوانب الحياة المختلفة.

يقول الأستاذ توفيق المدني عن الدولة الرستمية: “إنها كانت أول دولة إسلامية بربرية نشأت في هذه الديار – يعني الجزائر – ازدهرت ونمت ونالت شهرة عالمية واسعة”.
وكذلك يقول عثمان الكعاك “أن الدولة الرستمية كانت قوية عزيزة ذات بأس وسلطان، عاصرت بني الأغلب بإفريقيا (يعني تونس) والأدارسة بالمغرب الأقصى، وكانت الآمرة الناهية في بلاد المغرب الأوسط”. وتحدث عن أصول العقيدة عند الإباضية (التوحيد، العدل، القضاء والقدر، الولاية والبراءة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الوعد والوعيد .. الخ) وأهم المسائل الخلافية بين الإباضية والمذاهب الأخرى. والأصول السياسية للإباضية حتى بدت الإباضية حركة سياسية أكثر من أن تكون عقدية.

وعن المرأة في الدولة الرستمية يقول: “وكان للمرأة دور بارز في الدولة الرستمية، فأنجبت لنا الدولة الرستمية العديد من العالمات والمصلحات، كأمثال أخت الإمام أفلح، وأخت الشيخ عمروس، اللتان تعدان من عالمات الدولة الرستمية، ولا أدل على بروز المرأة في المجتمع الرستمي وانتشار العلم بينهن من كلام أحد أفراد الدولة الرستمية واصفا ذلك فيقول: “معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر” هذا بالنسبة للإماء فما بالنا بالحرائر.

وقد ساهمت الدولة الرستمية مساهمة فعالة في نشر الإسلام في إفريقيا السوداء عن طريق ممارسة التجارة مع تلك المناطق التي لم تكن تعرف الإسلام قبل وصول تجار الدولة الرستمية حاملين معهم مشعل الهداية، ومن أمثال هؤلاء الدعاة التجار الذي أنجبتهم الدولة الرستمية علي بن يخلف النفوسي الذي كان السبب في إسلام ملك مملكة مالي وشعبه.

وقد امتدت حدود الدولة الرستمية في فترة من فتراتها الزاهرة من حدود مصر شرقا إلى مدينة تلمسان في أقاصي المغرب الأوسط غربا. وبعد هذا العمر المديد وهذه الإنجازات الضخمة التي قدمتها الدولة الرستمية للأمة الإسلامية، هجم عليها أبو عبد الله الشيعي داعية الفاطميين في سنة 296هـ، فدمرها وعاث فيها فسادا، وقتل أهلها، ولم يكتف بذلك، بل قام بإحراق مكتبة المعصومة بعد أن أخذ منها الكتب الرياضية والصناعية والفنية، فقضى بذلك على تراث عظيم من تراث الأمة الإسلامية فحسبنا والله ونعم الوكيل.”

(5)

العزّابة من أهم و أعلى و أشهر الهيئات الدينية و السياسية بميزاب، وهو نظام معقد يدل على إعمال فكر وحسن تدبير. والمكونون لهذا المجلس يعرفون في أوساط العامة من الميزابيين باسم: إِعَــزَّابَـــنْ، و الواحد منهم يسمى: أَعَــــزَّابْ، و هم يمثلون العلماء والأئمة وأهل الرأي والمشورة من الشعب، ويقوم المجلس بالإشراف الكامل على شؤون المجتمع الإباضي الدينية والتعليمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكلمة ”العزّابة” مشتقة من العزوب، عزب عن الشيء: أي بعد وغاب وخفي واعتزل، والمقصود هنا بالعزلة، التصوف والانقطاع إلى العبادة وخدمة المصلحة العامة، ويستعمل العزَّابة، النظام الإسلامي القائم على الشورى.

مجلس العزابة التي رتبها الشيخ أبو عبد الله محمد الفرسطائي. هي كما يلي:
أعضاء المجلس: لمجلس العزّابة حق اختيار أعضائها دون أدنى مداخلة من غيرها، حيث يُختار من كل عشيرة أعلم وأورع وأصلح من في العشيرة، بشترط أن يكونوا متخرجين من دار التلاميذ (جمعية الشباب والحراس) إرْوَانْ، فإذا لم يوجد، فإنه يختار من أصحاب المحاضر (إمصّوردا).

يتألف مجلس العزّابة من اثني عشر عضوا : الإمام والمؤذن وثلاثة لتحفيظ القرآن للصبيان في المحاضر وخمسة لغسل الموتى ووكيلان على مال المسجد (بيت المال). وهذا الأخير لا يجب أن يكون له مال كثير ولا أولاد كثيرون بل يجب أن يكون بينهما.

ويجب أن تتوفر في عضو العزابة الشروط التالية:
– أن يكون بالغا مسلمًا، ذو أخلاق فاضلة وعلم بالدين والفقه والفتوى.
– أن يكون حافظا لكتاب الله تعالى.
– أن يكون متزوجا، لأن الزواج يحصن النفس.
– أن يكون صاحب عمل أو حرفة، فأعضاء العزابة لا يتقاضون أي أجر، إنما عملهم خالص لوجه الله، وكلهم يعتمدون في قوتهم على كد يمينهم.

مهام المجلس:
ا- المهام الدينية (السلطة الدينية):
تتولى العزابة إصدار الفتاوى، و فض الخصوم، إذ أن الميزابيين، لا يلجؤون في أكثر الأحيان، إلى المحكمة في خصوماتهم، ومراقبة الذبح، وإصدار حكم البراءة، تعليم القرآن، وتعليم الصلاة للبالغين الجدد، وكل مايتعلق بالدين من بعيد أو قريب، والحقيقة أن العزابة في أوساط العامة من الميزابيين، لا تعرف إلا بالجانب الديني.

و في رحاب المساجد الميزابية، تزدهر حلقات العلم في شتّى الفنون، وتدوي بأصوات الوعظ والتذكير والتكبير وتتلى آيات الله البينات من الذكر الحكيم يوميا، كل ذلك تحت إشراف تام من العزابة.

مجلس عمي سعيد: (نسبة الى سعيد الجربي، من المساهمين في نشر المذهب الإباضي بميزاب، قدم من جزيرة جربة بتونس، و لازالت ذريته موجودة إلى الآن)، هو الهيئة التشريعية، يتكون أعضاءه من قضاة البلاد وعلمائها، ويختارهم عزابة المدن من بينهم، ويعتبر أعلى سلطة دينية واجتماعية، في وادي ميزاب كله، ورئيسه يسمى شيخ البلد، وهو بمثابة الرئيس، تعقد جلسة هذا المجلس كل ثلاثة أشهر، ويدرس فيه الوضع السائد في ميزاب.

و هذا المجلس يضع القوانين والأحكام القضائية في الجرائم والجنايات والمعاملات ضمن الفقه الإسلامي، وهو يعتبر من مجالس العزابة لأنه مكون منهم، لكنه لا يختص بمدينة أو بأخرى، لكنه يشمل ميزاب كافة، ومجموعة قوانينه المدونة تعرف باتفاقات وادي ميزاب. كما أن هذا المجلس هو الذي يحدد المكاييل والمعايير والموازين المستعملة في الأسواق بحيث لا يجوز التعامل بغيرها من المعايير، ومن يخالف أحد هذه القوانين من الميزابيين في أي مكان و ليس فقط في وادي ميزاب، فإنه يتعرض لحكم البراءة الآتي ذكره.

المهام الاقتصادية (السلطة الإقتصادية):
ترعى المجلس حياة الأسر الإقتصادية، وهي المسؤولة عن توزيع الزكاة، ولا تدفع الزكاة لأحد إلا إذا تحققت أنه مستحق حقا، وأنه مؤد لكل شعائره الدينية من صلاة وطهارة وصوم، كما أنها تشرف على نفقات الزواج وتحديد المهور، والنفقات في الكفالة والحضانة، وتقديم الأمناء على الأيامى واليتامى، بحيث لا يجد الأغنياء منطلقا لحرياتهم في التغالي بالمهور والنفقات على الطبقة الوسطى أو الفقيرة في الأمة، فحرياتهم مقيدة، ولا يجد الفقير الراغب في الزواج تحرجا في تحمل مؤونة زواجه.

كما تشرف هيئة العزابة على الأسواق العامة في مدن ميزاب، ولها فيها مقاعد خاصة محترمة، تجلس عليها للإشراف على الواردات والسلع المجلوبة واستقبال القوافل من أطراف الصحراء (قديما)، ومراقبة الأسعار، وكان رئيس العزّابة هو الذي يعلن عن افتتاح السوق بواسطة المنادي، بعد التكبير والبسملة والتهليل والصلاة على رسول الله (ص). فإن وقع تنازع أو مشادة في المعاملات بالسوق، فإن العزابة يتولون الفصل والحكم في الأمر.

في حالة تمرد العامة: في حالة ما إذا تمردت العامة على أمر من أوامر العزابة، فإن أعضاء العزّابة، يبقون في دورهم ويتركون المسجد، فلا أذان ولا إقامة ولا صلاة جماعة، وفي هذا الموقف تفزع العامة وترتجف، وتوفد إليهم وفدا طالبة إليهم العفو، وتعرف هذه الصورة بإغلاق المسجد، ولا تكون إلا نادرا، أو في أمور خطيرة.

في حال ما إذا حدث خلاف وتنازع وتشتت بين العزّابة أو صدر من المجلس (المجلس) خطأ خطير، تقوم هيئة: امصوردان بالاتصال بأعضاء العزابة وتحاول إقناع المخطئ بالحسنى، فإذا تعذر ذلك، فإنهم يعقدون مجلسا طارئا جدا، ويبحثون موضوع قلب النظام (العزابة)، فإذا اتفق على اتخاذ هذا القرار سبعون منهم، فإن قرار قلب النظام يكون نافذا.

و أول خطوة يقومون بها هي تعيين أعضاء جدد لمجلس العزّابة، وفي الليلة التي يريدون فيها تنفيذ العملية، يطوّقون المسجد بحراسة مشددة، ثم يحضرون العزّابة الجدد، فيسلمون لكل واحد منهم عمله، وذلك قبل الفجر، ويمنع العزابة القدامى من دخول المسجد ثلاثة أيام حتى تهدأ الأوضاع.

نظام الحراسة، جمعية الشباب (امسطوردان):
جمعية الشباب هي هيئة دينية علمية اجتماعية وجدت منذ القديم في وادي ميزاب تقوم بعدة أعمال خيرية شريفة من أبرزها الحراسة. تسميتها: اختلف الناس في تسميتها، وتوجد لها عدة أسماء كـ ”امسطوردان”، و”امصوودان”، و”امصوردان”، ووجود الألف والنون في آخر هذه الكلمات يدل على أن هذه الكلمات جمع، والمهم أن هذه الكلمات تؤدي كلها معنى واحدا عاما هو: الشباب، أو الحراس.

أعضاء الهيئة:
ينقسم الأعضاء إلى ثلاث طبقات هي: طبقة الصغار، وطبقة المتوسطين، و طبقة الكبار.
و لا يراعى في هذه الطبقات عامل السن، و إنما يراعى فيها زمن الانضمام إلى المؤسسة، و إجادة القيام بأعمالها، فالداخل إليها حديثا يعتبر من الصغار ولو كان متقدما في السن.

تنحصر مهمة الصغار في الانقياد التام والطاعة الكاملة، والقيام بكل الواجبات، ولهذه الطبقة رئيس، والرئيس هو الحلقة التي تربط بين الحلقة الصغرى والوسطى وعليه أن يبلغ رغائب طبقته إلى رئيس الهيئة الوسطى، وأن يبلغ التعليمات والتوجيهات من رئيس الطبقة الوسطى إلى طبقته.
أما طبقة المتوسطين، فتنحصر مهمتهم في تنفيذ الخطط التي ترسم لهم من طبقة الكبار، وهم الذين يُعتمد عليهم في الحراسة وفي جميع الأعمال الشاقة التي تستدعي مزيدا من الجهد والحذر والسرية.
أما طبقة الكبار: فهي أشبه أن تكون بمجلس إدارة موسع للهيئة، وعليها وضع الخطط، وترتيب الحراسة، وتنظيم الأعمال.

شروط الالتحاق بالهيئة:
يشترط لقبول عضو جديد في المؤسسة عدة شروط أهمها مايلي :
– أن يكون العضو قادرا على حفظ الأسرار محافظة كاملة، ومهما كانت الظروف.
– أن يكون حسن السيرة والأخلاق، وأن يشهد بذلك من يتوفر فيه هذا الشرط.
– أن يكون متزوجا، لأن الزواج يحصن الإنسان.
– أن يكون مقداما شجاعا لا يهاب الموت في سبيل الواجب، ولكنه في نفس الوقت لايترامى على الموت بدون مبرر.
– أن يكون موفور الصحة، يتمتع بالقوة والصلابة، ليس به أي مرض ظاهر.
– أن يكون ذكيا، لبقًا يحسن التصرف.
– لا يتقاضى العضو أية أجرة، بل يعمل عمله خالصا لوجه الله.

عندما يريد شخص أن ينضم إلى هذه المؤسسة، عليه أن يقدم طلبا بواسطة أحد أعضائها، وعلى ذلك العضو أن يقدم الطلب إلى رئيسه قبل أول جلسة مقبلة. وفي تلك الجلسة، يعلن الرئيس اسم العضو الجديد، ويطالبهم بإعطاء الرأي فيه، وبعد مناقشة تطول أو تقصر، يكلف الأعضاء بدراسة سلوك الشخص والمساءلة عنه ثمانية أيام، يجتمعون بعدها للبث في الموضوع، ويعبرون عن هذه الفترة بقولهم: (أَكْلِينْتْ السُّوقْ) ومعناها: رمَوه في السوق، أي وضعوه تحت المراقبة والدراسة، وبعد أن يجتمعوا بعد الأيام الثمانية، يطرح الموضوع للمناقشة الدقيقة، ويحددون صلاحيته للهيئة أو عدمها، ثم يُكلّف مقدم الطلب الأول بإبلاغ القرار للعضو بالرفض أو القبول.

إذا كان القرار بالقبول يحضر العضو الجديد في موعد محدد، ثم ينعقد اجتماع خفيف للمرة الأخيرة ويبقى فيه العضو الجديد ورفيقه في معزل عنه، فإذا لم يوجد في الاجتماع ما يغير القرار بالقبول، يدعى العضو الجديد ورفيقه، ويُعلن له أنه قُبل في المؤسسة، ثم يشرح له الرئيس واجبات العضو وأخلاقيات المؤسسة وخطوات العمل، وأسباب ترقي العضو من طبقة إلى طبقة، ثم يُطلب من العضو أن يعلن موافقته بالانضمام علنيا، ويعتبر بعد ذلك عضوا في الهيئة ويعتبر أصغر الأعضاء حتى ولو كان أكبرهم سنا.

مهام الهيئة:
– حراسة البلد والغابات وخاصة بالليل ووقت القيلولة.
– تعليم القرآن الكريم وسائر العلوم في المحاضر، وذلك بتعيين ذوي كفاءة يقومون بالمهمة.
– القيام بالخدمات العامة، كسقي الماء للشرب في المواسم المعتادة، وخدمة المقابر بإصلاح مستلزماتها، وإصلاح الطرق العامة خاصة بعد مرور السيل، والقيام بأعمال الإغاثة والنجدة بعد حدوث الكوارث الطبيعية.
– الوقوف بالمرصاد أمام الأمراض الاجتماعية الفتاكة، كالخمر والزنا، وما إلى ذلك من الكبائر، ومحاربتها بكافة الوسائل، وبهذا يُحَافَظ على مجتمع نقي من الآفات.
– مراقبة الحركات الاقتصادية في البلد وأسواقها، كالذبيحة، والدلالة (المزاد)، والكيل والمعايير، ومقاومة كل ما يظهر فيها من مخالفة للشرع كالبضائع المحرمة، والغش والتطفيف.
– السعي في الصلح بين أعضاء حبقة العزابة كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وإرشادها إلى الصواب إذا صدر منها خلل، وأما إذا صدر منها خطأ خطير، فللهيئة أن يحل المجلس وأن يستبدله بمن هو أليق.
-كيفية عمل الهيئة: لكي أستطيع أن أوضح لك أسلوب العمل في هذه الهيئة، ينبغي أن آخذ لونا من ألوان نشاطها كمثل على الأنشطة الباقية، ولنأحذ على سبيل المثال نشاط الحراسة: تجتمع إدارة الهيئة، فتقسم المدينة إلى أقسام، وكذلك تفعل بالغابة، وتسند كل منطقة إلى مركز من مراكز المؤسسة، ويحدد كذلك عدد الفرق التي تتولى الحراسة، ومجال تحرك كل فرقة بدقة، والفرقة الواحدة التي تتولى الحراسة تتكون من ثلاثة أفراد أحدهم رئيس لها، وقد اصطلح على تسمية مجموعة الحراسة بـ: فرقة الحراية، وتسمى كل مجموعة في هيئة امصوردان بلون النشاط الذي تمارسه، مثل: فرقة إطفاء الحرائق، وفرقة إغاثة الملهوفين.
و الأشخاص الثلاثة الذين يكلفون بالحراسة معان فيطلق عليهم كلمة: (رفقة)، ومعنى هذا أن الفرقة تتكون من عدد من الرفقات، ورئيس كل رفقة مسؤول عن رفقته أمام رئيس الفرقة، ورئيس الفرقة مسؤول أمام رئيس المركز الفرعي، و هذا الأخير مسؤول أمام رئيس المؤسسة الأعلى.
يجتمع العدد المكلف بحراسة المدينة كل ليلة، بعد صلاة العصر، وقبل غروب الشمس، أما الفرقة المكلفة بحراسة الغابة، فتجتمع بعد صلاة العشاء، فيلقي عليها رئيس الفرقة التعليمات اللازمة، ويحدد لها المناطق التي تلزمها حراستها تلك الليلة، ويوزع الرفقات عليها، ويزود الجميع بكلمة السر التي يتعرفون بها على بعضهم إذا اقتضت الضرورة، فينطلقون إلى القيام بمهماتهم، وعند الصباح الباكر، يعودون إلى الاجتماع في مكان يعينه لهم رئيس الفرقة من أول الليل، فيتبادلون الأخبار والأحداث والملاحظات عن وقائع ليلتهم، فيستمع إليها رئيس فرقتهم ليتخذ الإجراءات اللازمة في الليلة المقبلة.

فإذا حدث حادث في الليل كوقوع سرقة أو عدوان على مال أو عرض، فعلى الرفقة التي وقع الحادث في منطقتها، أن تعتقل الجاني، فيمسكه اثنان، ويذهب الثالث لإبلاغ رئيس الفرقة بالحادث، وإذا كان الحادث يستدعي مجموعة أكبر من الحراس، فعلى الحارس الثالث في هذه الحالة أن يذهب للاستنجاد بالرفقات المجاورة، مستعملا كلمة السر، وعندما يتم القبض على الجاني، أو الجناة، يتم تسليمهم إلى الهيئة، حيث تتخذ الإجراء اللازم حالا.

المحاكمات و العقوبات:
عندما تعتقل رفقة من الرفقات مجرمًا متلبّسًا، فإنها تقدمهم إلى المجلس، الذي يعقد اجتماعا في أسرع وقت للنظر في القضية، ولا ينفض حتى يتخذ القرار بالحكم في إطار المنهج الإسلامي، و نفذ الحكم دون تردد، ودون الرجوع إلى أي جهة أخرى.

– هدف الهيئة:
تهدف هذه المؤسسة الدينية إلى إصلاح الشباب وإلهائهم بما ينفعهم وينفع أمتهم، بدل التلهي باللهو والفساد والآفات، فهي تحول الشباب من مرضى إلى أطباء، و هذا الهدف النبيل، لازالت تعمل الهيئة من أجله إلى يومنا هذا.

مجلس العشيرة:
– العشيرة الميزابية في الحقيقة، هي عبارة عن مجموعة كبيرة جدا من الأسر، ينحدرون من جد واحد في الغالب، تربط بينها أواصر القرابة، و علاقة الرحم،  ومن مجموع العشائر تتكون القرية أو المدينة.
– لكل عشيرة دار هي ملك لها من إنشائها، تكون كبيرة نسبيا، تعقد فيها مجالس إدارتها، وحفلات أعراسها، وتستعملها المدينة أيضا في حفلاتها واجتماعاتها إذا احتاجتها.
– ولكل عشيرة أوقاف خاصة بها من أبناء العشيرة، وصندوق من تبرعاتهم لإصلاح الدار، وتجهيزها بالأثاث الذي يحتاجه أبناء العشيرة.
– لكل عشيرة مجلس خاص يتكون من حكمائها وزعمائها وذوي الرأي منهم، وللمجلس رئيس ينتخب من بينهم.

مهام مجلس العشيرة:
يعتبر مجلس العشيرة الساعد القوي لمجلس العزابة وهيئة امصوردان، وتتلخص مهامه فيما يلي:

– دراسة جميع أحوال العشيرة و دخائلها.
– دراسة جميع المشاكل التي تحدث داخل العشيرة واتخاذ الحلول لها.
– معالجة الانحرافات التي تقع من بعض أفراد العشيرة.
– التعاون مع مجلس العزابة، وإبلاغ الحالات المستعصية إليه، ليتخذ فيها قرارا منهم.
– جمع ما يفرض على العشيرة من إتاوات أو ضرائب، أو غرامات، بأساليب تتفق والمستوى الاقتصادي لكل أسرة.
– الإشراف على حفل