الأستاذ الفاضل الشيخ محمد شحاته أبو الحسن

أنا لا أحابي أحداً في موقفي هذا ، ولكني أقول إن أصحاب هذا المذهب الذي تجنَّى عليه البعض ، أكثر منَّا تسامحاً واستجابة لأمر الله سبحانه بالتآلف ، فقد عشت بين أظهرهم ، أقوم بتدريس مادة التفسير في معهد القضاء الشرعي ما يزيد على اثني عشر عاماً لم أجد ما يكدِّر الصفو ، ولا ما يحملني على قولٍ بعينه دون دليل ، رغم الاختلاف في بعض المسائل ، وكنا أنا وطلابي والعلماء الأجلاء في المذهب نتبع الدليل الأقوى فممن اعترف لهم قديماً عالم المدينة مالك بن أنس ، فإنه قال خطبنا أبو حمزة خطبة حيرت المبصر وردت المرتاب ، وأبو حمزة هو المختار بن عوف الاباضي قائد جيش إمام المسلمين طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي رضوان الله عليهم ، وان أبا حمزة خرج بالجيش إلى مكة فاستفتحها ، ولاقته جموع الأعداء في قديد فمزقهم كل ممزق ، ودخل المدينة واستفتحها ، وخطب أهلها خطبة تناقلتها الألسن والأسفار ، أقام فيها الحجة وأوضح المحجة ، وعلماء القوم يسمعون ، ومن جملتهم مالك ، فما كان له عندهم جواب سوى ما قال مالك المقدم ، ومعنى قوله: " حيرت المبصر " أي: جعلت العالم المتبصر في مذهبه محتاراً ، حيث سمع ما لم يسمعه من الحجة والبرهان ، وقوله: " وردت المرتاب " ، أي: من كان مرتاباً في دينه ردته عنه إلى مذهب أبي حمزة  .

وقد روى المدائني أن أبا حمزة رقي يوما منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا ولا بطرا ولا عبثا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منا، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وضعف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله، وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ أقبلنا من قبائل شتى، النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافا واحدا. قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله وأيدنا بنصره، فأصبحنا والله بنعمة الله إخوانا، ثم لقينا رجالكم بقديد، فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم آل مروان، فشتان لعمر الله ما بين الغي والرشد. ثم أقبلوا نحونا يهرعون يزفون قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب، بكل منهد ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت رحاهم، بضرب يرتاب منه المبطلون، وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، ويشف صدور قوم مؤمنون، ياأهل المدينة أولكم خير أول، وآخركم شر آخر. (((((ياأهل المدينة الناس منا ونحن منهم، إلا مشركا عابد وثن، أو كافر أهل الكتاب، أو إماما جائرا.)))) يا أهل المدينة من زعم أن الله كلف نفسا فوق طاقتها، أو سألها ما لم يؤتها، فهو لله عدو، ولنا حرب. يا أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القوي والضعيف، فجاء تاسع ليس له منها ولا سهم واحد، فأخذها لنفسه، مكابرا محاربا لربه. يا أهل المدينة بلغني أنكم تنقصون أصحابي؛ قلتم: شباب أحداث، وأعراب جفاة. ويحكم! يا أهل المدينة وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا أحداثا؟! شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا لله أنفسا تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالمهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا؛ خوفا من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا؛ شوقا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد انتضيت، وإلى الرماح قد شرعت، وإلى السهام قد فوقت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا وعيد الكتيبة لوعيد الله، ولم يستخفوا وعيد الله لوعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب، فكم من عين في منقار طائر طالما فاضت في جوف الليل من خوف الله تعالى، وكم من يد زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها في طاعة الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله من تقصيرنا، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

رسالة بعنوان (بيان للناس ) لم تزل بخط المؤلف لم تطبع ص 4 ، ومنقول نص الرسالة من كتاب (الحق الدامغ) لسماحة الشيخ احمد بن حمد الخليلي .

Tags: الإباضية