التعليم 04
التعليم في الفترة الثانية من العهد الرابع
من 1299هـ/1882م إلى 1330هـ/1912م
أصدرت السلطات الاستعمارية عام 1892م أمرا يقضي بإنشاء مدارس رسمية في كلّ قرى مزاب وإخضاع التعليم العربي إلى الرخصة، إلّا ما كان من التعليم الذي في كنف المساجد، فقد كانوا يتحاشون الاحتكاك به، لأنّها مراكز حساسة، تثير حساسية العامّة.
أ- التعليم الإسلامي الحر:
استمرّت المحاضر التابعة للمساجد في مزاب تؤدّي رسالتها، وتلقّن للصبيان القرآن ومبادئ الكتابة والقراءة وعلوم التوحيد والفقه. يتولى التعليم فيها ثلاثة من أعضاء حلقة العزابة، يكونون حافظين للقرآن عالمين بالفرائض الدينية، وليس لمن يقصد المحاضر للتعليم حدّ في السن. وأوقات التعليم فيها بين السحر وطلوع الشمس شتاء، وبين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
كما كان المشايخ يدرّسون في حلقات، فنون الشريعة واللغة العربية وغيرهما، للتلاميذ الكبار، إمّا في دور خاصّة، وإمّا في المسجد.
ليس هناك حدّ لسنوات الدراسة، فمن الطلبة من يمك وقتا قصيرا، ثمّ يغادر المدرسة للاشتغال بالكسب، ومنهم من يطول مكثه حتّى يأخذ حظًّا وافرا من العلوم العالية في أصول الدين وأصول الفقه والتفسير والحديث والمنطق والبلاغة وغير ذلك.
وإليك على سبيل المثال تقريرا في الموضوع، بعث به قاضي بني يزقن، الحاج عيسى بن الحاج سعيد، يوم 25 جوان 1896، إلى الحاكم العسكري بغرداية، ردًّا على أمر منه حول التعليم التابع لمسجد بني يزقن:
1- المدرس: السيّد الحاج محمّد بن يوسف طفيش.
الأيّام: كلّ يوم ماعدا الخميس والجمعة.
التوقيت: من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس شتاء قدر ساعتين، من صلاة الظهر إلى صلاة العصر صيفا قدر ساعتين.
الفنّ والتلاميذ:
التوحيد والفقه: إسماعيل بن إبراهيم.
تفسير القرآن: عيسى بن الحاج سعيد.
الحديث النبوي: الحاج محمّد بن يحي.
الفقه: الحاج محمّد بن سليمان والحاج محمّد بن الحاج محمّد بن عبد الله.
النحو: الحاج يحي بن محمّد ويوسف بن الحاج.
2- المدرس: السيّد محمّد بن عمر بن عيسى.
الأيّام: شهر رمضان فقط.
التوقيت: من صلاة الظهر إلى صلاة العصر قدر ساعتين، ثمّ بعد صلاة العشاء قدر ساعتين كذلك.
الفن: الميراث والحساب.
التلاميذ: عيسى بن عيسى، يوسف بن الحاج يوسف، محمّد بن صالح بن حمو، محمّد بن الحاج إبراهيم، بكير بن داود، بكير بن عدون.
3- المدرسون: يحي بن الحاج سليمان، الحاج عيسى بن حمو، الحاج يوسف بن امحمد.
الأيّام: كلّ يوم ما عدا الخميس والجمعة.
التوقيت: من صلاة الظهر إلى صلاة العصر دائما، ومن صلاة المغرب إلى صلاة العشاء شتاء فقط.
الفن: متن القرآن كتابة ودروسا.
التلاميذ: من ستين إلى خمسة وسبعين تقريبا صيفا، ومن تسعين إلى مائة وعشرين تقريبا شتاء.
ظلّت مدينة بني يزقن، منذ انبعاث النهضة العلمية على يد الشيخ أبي زكرياء يحي بن صالح، في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، المركز الثقافي للوادي، وقبلة الطلبة. نلمس تعميم التعليم الديني ببني يزقن من خلال تقريرين، بعث بهما القائد إلى الحاكم العسكري، يحصيان الأساتذة والطلبة.
1- إحصاء الطلبة في نوفمبر 1902:
فقهاء المحاضر الثلاث التابعة للمسجد هم:
- الطالب الحاج يوسف بن امحمد، عدد تلاميذه 30.
-الطالب محمّد بن عيسى بن يحي، عدد تلاميذه 25.
- الطالب سليمان بن حمو، عدد تلاميذه 24.
- الشيخ الحاج محمّد طفيش، يدرس جميع الفنون وعدد طلبته 40.
المدرسون للقرآن في الديار هم:
- داود بن الحاج، عدد طلبته 20.
- يحي بن سليمان، عدد طلبته 18.
- بكير بن سليمان بن عيسى البليدي، عدد طلبته 12.
- الحاج إبراهيم بن مسعود بوسريح، عدد طلبته 12.
- الحاج إبراهيم بن محمّد بن ادريسوا، عدد طلبته 10.
- الحاج موسى بن عمر، عدد طلبته 6.
2- إحصاء المحاضر يوم 20 سبتمبر 1907م:
| عمره | الطالب | الفنون | التاريخ | عدد التلاميذ | المكان |
| 46 سنة | محمد بن عيسى | القرآن | من قديم الزمان | 30 | محضرة |
| 72 سنة | سليمان بن حمو | القرآن | من قديم الزمان | 27 | محضرة |
| 62 سنة | الحاج محمد بن سليمان | القرآن | من قديم الزمان | 25 | محضرة |
| 70 سنة | الحاج موسى بن عمر | القرآن | من 1895 | 10 | دار |
| 40 سنة | الحاج إبراهيم بن محمد ابن ادريسوا | القرآن | من 1897 | 30 | دار |
| 35 سنة | الحاج إسماعيل زرقون | القرآن | من 1899 | 20 | دار |
| 92 سنة | الشيخ اطفيش | جميع الفنون | من 1837 | 40 | دار |
| 52 سنة | الحاج سليمان بن محمد ابن ادريسوا(إرث من أبيه) | جميع الفنون | من 1867 | 20 | دار |
| 41 سنة | الحاج صالح بن عمر لَعْلِي | جميع الفنون | من 1892 | 15 | دار |
ب ـ التعليم الرسمي الفرنسي:
بنيت مدرسة غرداية الفرنسية من 1886 إلى 1889م. وطبقا لأمر 1892م، فقد فتحت مدرسة العطف، ودرّس فيها أوّل معلم مزابي باللغة الفرنسية عمر بن باحمد بالُولُّو، من 1892 إلى 1900، وفتحت المدرسة الرسمية ببني يزقن أبوابها يوم 15 أكتوبر 1892م. أمّا مدرسة مليكة فلم تنشأ إلّا عام 1907م.
كان الأطفال البالغون سنّ الدراسة يجبرون عليها قهرا وكان أوليلؤهم يشتكون من هذا التصرّف، ويحاولون تهريب أولادهم من مزاب. ولضمان سير هذه المدارس فإنّ السلطات الفرنسية بغرداية كانت لا تسمح لتلميذ من مغادرة المنطقة إلاّ برخصة.
و كانت السلطات الفرنسية تأمر كلّ رئيس عشيرة أن يرافق إلى مدرسة بنفسه، يوم الدخول المدرسي، تلاميذ العشيرة المسجلين لذلك الموسم.
ظلّ بنو مزاب يقاطعون التعليم الفرنسي ويعتبرون أنّ المدارس الفرنسية أنشئت قصد نشر الكفر ومحاربة الإسلام، وأنّ مهمّتها القيام بالغزو الفكري لأبناء المنطقة، وسلخ المجتمع تدريجيا من مقوماته الحضارية. لذلك نلاحظ أنّ عدد التلاميذ في مدرسة بني يزقن، مثلا، يستقر حول الخمسين في السنوات: 1908و 1909و1910، بينما كان عدد الذكور فقط، الذين تتراوح أعمارهم بين ستّ سنوات وثلاث عشرة سنة، 480 طفلا، يوم 12 أكتوبر 1906.
إلى جانب مدارس التعليم العام، فإنّه أنشئت عام 1896م، مدرسة للتعليم المهني بغرداية، تدرس فيها النجارة. ثمّ أضيف إليها سنة 1909م النقش على النحاس.
ج- مدارس الآباء والأخوات البيض:
هي مؤسّسات تبشيرية مسيحية، أنشأها الكردينال لاَفِيجْرِي[1] بالجزائر العاصمة عام 1868م. أوّل ما دخل الآباء البيض إلى المنطقة سنة 1872، وكان مقرّهم في أوّل الأمر في متليلي التي استقرّوا بها يوم 3 مارس 1883، ثمّ تحوّلوا منها إلى غرداية يوم 15 جانفي 1884م.
لقد وقف الشيخ القطب طفيش موقفا معارضا جريئا ضدّ حركة التبشير، وقاد المقاومة ضدّ الجنرال دوسونيس، عندما اكترى الآباء البيض دارا في بني يزقن، فأمر بسدّ بابها إن هم باتوا فيها[2]. نفس الموقف تبنّته جماعة الضمان لبني يزقن، يوم 10 جانفي 1914م.
في أكتوبر 1896م، نجد الأب قْريزي[3] يشتكي من مغادرة التلاميذ لمدرسته والتحاقهم بالمدرسة البلدية. يبدو أنّ مدرسة الأب قْريزي كانت مجرّد دار يستقبل فيها عددا من التلاميذ، لأنّ مدرسة الآباء البيض بغرداية لم تفتح أبوابها إلّا سنة 1903.
وفي 1893، أنشئ المشغل الأهلي لغرداية تديره الأخوات البيض. كان يستقبل حوالي أربعين فتاة، أغلبهنّ من المذابيح، يتعلّمن الخياطة والغزل والنسيج.
[1]- CHARLES LAVIGERIE (1825-1892) .
[2]- A.M. GOICHON : La Vie Féminine au M’Zab, Tome il, 8.
[3]- GRISEY