الإباضية - موقع آت مژاب ... للحضارة عنوان

حياة بني مزاب الاقتصادية

حياة بني مزاب الاقتصادية في بلاد الشبكة

كان يعيش أغلبهم على تربية المواشي، والتنقّل بها عبر أرجاء الشّبكة، بحثا عن الماء والكلأ. فكانت حياتهم في منتهى البساطة، شأنهم في ذلك شأن قبائل البدو في كلّ مكان.

يقول الشّيخ ع لي يحيى معمّر[1]:" وحافظوا (أي سكّان بلاد الشّبكة) على نظام حياتهم، كشعب يعتمد على تربية المواشي بالدّرجة الأولى وعلى الزّراعة الموسميّة بالدّرجة الثّانية"[2].

أمّا صناعتهم فكانت تقتصر على نسج الخيام والألبسة من الوبر، فلم يكونوا يتعاطون نسج الصّوف إلا ما كان يشتغل به سكّان قرية الصّوفية (أَغَرْمْ نَتْلَزْضِيتْ)، وهو ما ميّزهم عن باقي بني مصعب وأدّى إلى تسميت قريتهم تلك[3]:.

 


[1]_ علي يحيى معمّر (1338-1400هـ/ 1919-1980م)، ولد بنالوت في ليبيا وتعلّم بها، ثمّ سافر إلى تونس سنة 1346هـ/ 1927م، والتقى بشيخه رمضان الليبي بمدرسة الإباضية، وهناك تردّد على دروس جامع الزّيتونة. ثمّ لمّا بلغه صدى معهد الحياة بالقرارة رحل إليه سنة 1357هـ/ 1938م، حيث بقي سبع سنوات يحضر دروس الشيخ بيوض ويساعده على التّدريس. رجع إلى نالوت سنة 1366هـ/ 1945م، اهتمّ مدّة بالسّياسة، ثمّ تفرّغ للتّدريس، فارتقى في سلّم التّعليم، حتّى استقرّ بوزارة التّعليم في منصب إداري سام. وفي الأثناء قام بعدّة رحلات في العالم العربي وأنتج عددا من المؤلّفات نذكر منها:

-الإباضية في موكب التّاريخ (أربع حلقات).

-الإباضية بين الفرق الإسلامية.

-سمر أسرة مسلمة.

-الفتاة الليبية ومشاكل الحياة.

-الأقانيم الثّلاثة.

- أحكام السّفر في الإسلام.

- الميثاق الغليظ.

-الإسلام والقيم الإنسانية.

- فلسطين بين المهاجرين والأنصار.

الإباضية مذهب من المذاهب الإسلامية المعتدلة.

توفّي يوم الثلاثاء 27 صفر 1400هـ/ 15 جانفي 1980م.

[2]_ الإباضية في الجزائر، الجزء الثّاني، 448.

[3]_ تاريخ بني مزاب. دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية. يوسف بن بكير الحاج سعيد. ص12-13

آت مزاب فرع من بني واسين

Icon 09اصل "ات مزاب" هي فرع من "بني واسين"

عن ابن خلدون الدي اخد عن ابن حزم الاندلسي الدي هو ايضا اخد عن ابن برزال البويكني الاباضي، فحسب ابن خلدون فإن كتامة وصنهاجة لما اختلفتا مع زناتة في المغرب الأقصى قامت جميع القبائل المنحدرة من جدها {واسين} واجتمعت في منطقة وادي زا ووادي ملوية، وهناك نمى العنصر الزناتي بشدة وتوسعت فروعهم، ووقعت حروب شديدة مع القبائل الأمازيغية الأخرى حتى استقر بهم المقام على الحدود المغربية الجزائرية "تلمسان ووجدة"، وبرز في الساحة الفرع المزابي ، ثم الفرع المريني التي تقوت عناصره حتى استولوا على حكم المغرب والجزائر معا، ففي المغرب تولى المرينيون حكمه وفي الجزائر تولى بني عبد الواد حكمه، بعد القضاء على الدولة الموحدية المصمودية يقول ابن خلدون: "وكان بنو واسين هؤلاء و من تشعب منهم مثل بني مرين وبني توجين وبني مصاب قد ملكوا القفر ، وانزاحوا أمام صنهاجة إلى صحراء المغرب و المغرب الأوسط ما بين ملوية إلى أرض الزاب وما إليها من صحاري إفريقيا ، إذ لم يكن للعرب في تلك الجهات كلها مذهب ولا مسلك إلى المائة الخامسة " ونجد الان اماكن تواجد اسم قبيلة بني واسين في مغنية بتلمسان .تحدثت مع صديق من مغنية قال لي ان اغلب سكان لالة مغنية وضواحيها من بني واسين . ايضا يوجد قبيلة بني واسين في مدينة وجدة المغربية . ايضا يوجد اسم قبيلة بني واسين في المغرب جنوب مدينة طنجة.....الخ بنو واسين قبيلة كبيرة جدا تفرعت الى فروع كبيرة واماكن تواجدهم في اماكن كثيرة من شمال افريقيا من ليبيا حتى المغرب .

آثار الدولة الرستمية

آثار الدولة الرستمية

image1

هذه صورة مسجد الإمام أفلح يبعد بحوالي 1 إلى 1,5 كلم عن مقام الإمام يعقوب.

 

 

 

 

 

 

image1

على بعد 9 كلم من مدينة تيارت وبالضبط بمنطقة "تاكدامت" توجد آثار عاصمة الدولة الرستمية "تيهرت".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

image1image1

بقايا الحمامات بتاكدمت

Les vestiges de bains a tagdempt 

 

 

 

image1

Monnaies de la dynastie des Rustamides

 

 

 

 

image1

Une pièce de 2 DA en or, de 6,45gr, tiré à 100 exemplaires seulement.

 

 

 

image1

من اصدارات الجزائر من العملات الفضية و الذهبية سنة 1991دينار ذهبي --6.45غ --تحمل شعار الدولة الرستمية.

 

 

 

 

image1Ruines de Tahert

Colin G. S., Monnaies, 1936, p. 118 et 123-124 Eustache D., Monnaies de Tahert, 1962, p. 75.

 

قصور تعود إلى الأباضية الدولة الرستمية(1)

تاندلا  تامرنة  سيفاو تاوغلانت تيڨديدين  هي قصورة مهجورة بضواحي جامعة ، حسب احد اهل المنطقة هي قصور تعود إلى الأباضية وتاريخ الدولة الرستمية.

---------------------------

(1) منقول Youcef Lassakeur 

 

ألبوم الصور

 

أثر العقيدة في الأنسان

إننا نعتقد بوجود أشياء أكثر من ذوات وصفات مدركة بالحواس وغير مدركة، ونجد قلوبنا مطمئنة مما نعتقد به ليس فيها أدنى شك كاعتقادنا بوجود ذواتنا وصفاتنا.ولو جاءنا الناس كلهم أو جلهم يحاولون تشكيكنا فيما نعتقد به لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً.وحتى يستقر فينا العلم هذا الاستقرار الراسخ لابد أن نرى أنه اصبح يوجه كثيراً من تصرفاتنا وأفعالنا، ويحرك كثيراً من عواطفنا، ذلك لأنه كما انعقدت أفكارنا وعقولنا على معرفته معرفة غير قابلة للتشكيك انعقدت عواطفنا عليه انعقاداً يصرف أفعالنا وحركتنا، وحبنا وبغضنا، بطريقة شعورية أو بطريقة غير شعورية.

ومتى بلغ شعورنا بالشيء إلى حد يحرك عواطفنا ويوجه سلوكنا حمل اسم «عقيدة»، إن للعقيدة جانباً مهماً مع سيرة حياة الإنسان هذا المخلوق الذي يختلف وضعه عن سائر المخلوقات والكائنات الأخرى في هذه الأرض.فسلوك الحيوان يتسم بأنه مظهر من مظاهر دوافعه وغرائزه المتصلة بحدود حاجاته ومصالح جسده، فإذا أشبعت حاجاته كف وعف. أما الإنسان فقد جعلت غرائزه ودوافعه وأهواؤه وشهواته رعية تحت سلطة إرادته الحرة، ومنح بالإضافة إلى إرادته عقلاً يمكن أن يدرك به الخير والشر والنفع والضر.

فإذا استرشدت إرادته بعقله وكان إدراكه للأمور صحيحاً استقام سلوكه، وإذا تخاذلت إرادته فخضعت لأهوائه وغرائزه كان كالأنعام بل كان أضل سبيلا.وإذا نظرنا إلى تأثير العقيدة في تاريخ الجنس البشري نجد أمراً عجباً، فالعقيدة تبدل مجرى حياة الناس أفراداً و جماعات من حالة إلى أخرى، ولذلك أمثلة متعددة منها: ما قصه الله سبحانه وتعالى علينا من نبأ سحرة فرعون، فإنهم لما جاءوا وهم فارغون من العقيدة لم يكن لهم هم أبداً إلا المصالح الدنيوية، لا يعرفون إلا هذه الحياة المحدودة المحصورة بين المبدأ والمصير.فقد حكى الله سبحانه وتعالى عنهم ما قالوا لفرعون.«أإن لنا لاجراً إن كنا نحن الغالبين»، فما كان لهم من مطمع إلا الفوز بشيء من الأجر والشهرة والظهور، وقد أدرك فرعون ما صرحوا به من رغبة في الأجر، ومالم يصرحوا به من رغبة في الظهور والشهرة.. فقال لهم مجيبا «نعم وإنكم إذاً لمن المقربين..ولكن عندما خالطت بشاشة الإيمان شغاف قلوبهم كان منهم ما قصه الله تبارك وتعالى علينا في آيات متعددة.. منها قوله تعالى «لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا».

صورة أخرى سجلها التاريخ تدلنا على عظيم أثر العقيدة في حياة البشر، فالعرب الجاهليون كانوا قد اشربوا وأد البنات، وكان منهم عمر بن الخطاب «رضى الله عنه»، كان بجانب ذلك أشد كفار قريش عداء للدعوة الإسلامية، ولكنه ما كاد يدخل في دين الله تعالى، حتى أصبح يعرض ابنته حفصة على أصحابه وإخوانه في الله يتزوجها من شاء منهم بعد أن كان وجود البنت في حجره عاراً.

وهذا الصنيع من عمر بن الخطاب «رضى الله عنه» لهو حجة قاطعة على من يعضلون ولياتهم عن الزواج، ويرون في قيامهم بعرض بناتهم لذوي الدين ما يبعث على التشكيك في شرف المرأة وطهرها، وما ذلك إلا لضعف العقيدة في نفوسهم. وقد أكرم الله تعالى عمر بن الخطاب بمصاهرة النبي- صلى الله عليه وسلم- فأصبحت ابنته في عداد أمهات المؤمنين.

وهذا بلال بن رباح -رضى الله عنه- يبرز لنا شيئا من مواقفه الغراء المتمخضة من العقيدة الصحيحة، فعندما أسلم لاقى ما لاقاه من العذاب المهين.. يذهب به إلى بطحاء مكة فيطرح في رمضائها بعد أن يجرد من ملابسه وتوضع الصخرة العظيمة على صدره.. ويوضع في جسده الحديد الساخن.. كل ذلك ليصدوه عن الإسلام، ولينطق بكلمة الكفر.. وهو لا يجبهم إلا بقوله «أحد أحد»، التي تزيد من غيظهم فيزاد في تعذيبه حتى إنه ليرى فمه ينبس بكلمات لا يسمعونها، فيبعث في نفوسهم الأمل أنه يريد أن ينطق بكلمة الكفر فيخففون من عذابه، فإذا بهم يسمعون كلمة «أحد أحد». !! هذا الموقف العظيم يضئ للمسلم طريقه في هذه الحياة التي تموج بكثير من الإبتلاءات، ليثبت أمامها وينازلها لأنه يسعى إلى ما هو أسمى وأعلى وخير أبقى إنها الدار الآخرة، فيها جنة المأوى.وبهذا كله نعلم إن العقيدة هي اعظم مؤثر في سلم القيم في حياة الإنسان.. فالدين كله مبنى على هذه العقيدة لذلك سميت العقيدة «أصول الدين» لأنها الأساس الذي يقوم عليه صرح الدين وبدونها يكون العمل مزلزلا غير ثابت ولا يستقر على حال ولا يقر له قرار. 

الكـاتـب : أحمد بن مظفر الرواحي 

 

أخطاء في تاريخ مزاب

cromosom مزاب والجين الأمازيغي E1B1B1BM81 

أصل المزابيين(01)

  المزابيون أمازيغ من قبيلة زناتة , موطنهم الأصلي هو شمال إفريقيا كسائر الأمازيغ ، و الفحوص الجينية les tests genetiques  تبين أن المزابيين يحتوون على الجين الأمازيغي e1b1b1bm81بنسبة عالية تفوق 86% و هذه النسبة الأعلى من بين كل أمازيغ الجزائر.

  والدراسات اللسانية البربرية تؤكد أن لغتنا المزابية زناتية متقاربة مع لهجات الزناتيين و قد وجدت خطوط و رسوم بربرية تعود إلى ما قبل الإسلام في ناحية سيدي مبارك ببريان و في مناطق عديدة من واد مزاب لم يأت المزابيون من تيهرت بل كانوا أيام الدولة الرستمية متواجدين في واديهم و كانوا على مذهب المعتزلة و لا تزال مقبرة أجدادنا المعتزلة موجودة إلى اليوم ، بل يذكر الشيخ أطفيش أن المزابيين كانوا يحاربون الرستميين نعم بعد هجوم العبيديين على تيهرت نزح الإمام يعقوب بن أفلح إلى سدراتة مع أفراد و عائلات بربرية معدودة ، و هي عروفة إلى اليوم في وارجلان مثل عائلة بافلح ، و البقية بقيت في تيهرت و انصهرت و المزابيون تحولوا إلى المذهب الإباضي بعد القرن الرابع الهجري على يد الشيخ محمد بن بكر الفرسطائي و الشيخ بابا والجمة و الشيخ ابراهيم بن مناد العطفاوي... رحمهم الله تعالى معنى ذلك أنهم لم يعرفوا الإباضية السياسية بل انخرطوا مباشرة في الإباضية الإجتماعية التي جاءهم بها الإمام الفرسطائي بيان ذلك أن آخر الأئمة الرستميين لما عرضت عليه الإمامة في سدراتة قال : إن الجمل لا يستتر بالغنم , بمعنى انتهى عصر السياسة , و كان المزابيون إلى ذلك الوقت معتزلة , ثم تبنوا الإباضية العقدية الفقهية الإجتماعية.

 

cromosom دراسة جينية(2)

تقع منطقة (اغزر) وادي مزاب جنوب الجزائر، هي عبارة عن هضبة صخرية كلسيه متميزة بقساوسة طبيعتها الصراوية الجافة، لقد عرف بنو مژاب بإرادتهم الفولاذية في تحدي تلك الظروف الطبيعية الصعبة، ومما لا شك فيه أن العوامل التاريخية والجغرافية جعلتهم في عزلة، لكن هذا الانعزال كان أمر هام جدا لعلماء الجينات، فقد وجدوا أن بني مژاب أحسن مثال لتحديد الأصول الجينية لعرقية الأمازيغ.

ففي دراسة جينية حديثة نشرت هذا العام : أخذ العلماء عينات من 67 شخص ينتمون إلى بني مزاب في الجزائر :

أولا لتحديد جيناتهم الأبوية  أ(صول أبائهم)

وثانيا لمعرفة ما إذا كانوا :

مجتمع عرقي ؟  (ينتمون إلى عرق واحد ؟)

أو مجتمع مذهبي ؟  (من أصول عرقية مختلفة جمع بينها العامل الديني  ؟)

أم هم مجتمع إثنو-ديني ؟  (مجتمع عرقي وديني في نفس الوقت)

كانت النتائج على النحو التالي :

جاءت جينات المشاركين في الدراسة على النحو التالي :

السلالة المتصدرة هي السلالة الشمال افريقية  E-m81

بنسبة الأغلبية الساحقة 86.5 بالمئة

والنسبة المتبقية 13.5 بالمئة تتقاسهما 7 سلالات مختلفة

أهمها السلالتين R1B1* + E-m2بنسبة 3 بالمئة لكلاهما

ثم بقية السلالات بنسبة 1.5 بالمئة لكل سلالة

نتائج الأصول الأبوية لبني مزاب غرداية الجزائر

 

وبمقارنة نتائج بني مزاب الجزائر مع نتائج دراسات جينية عن تجمعات أمازيغية من شمال افريقيا، 3 منها من المغرب والرابعة خاصة بجينات واحة سيوة (مصر) ، لوحظ أن بني مزاب الجزائر يحملون نفس بصمة الجد المشترك (الأصول الأبوية القديمة) مع أمازيغ المغرب، فالسلالة المتصدرة في جينات بني مزاب الجزائر هي نفسها المتصدرة في جينات أمازيغ المغرب E-m81بنسبة كبيرة كذلك تصل إلى 79 بالمئة في المغرب، ما يجعلها بامتياز البصمة الوراثية لجينات الأصول الأبوية للأمازيغ.

نتائج نسب السلالات الجينية الأبوية المنتشرة في جينات 5 تجمعات أمازيغية من شمال افريقيا

 أكدت الدراسة أن هذه السلالة (البصمة الوراثية) هي سلالة شبه منعدمة خارج شمال افريقيا وتنتشر أساسا (بكثرة) في التجمعات الأمازيغية، كما أشارت الدراسة بالرغم  من أن بني مزاب يحملون في غالبيتهم الساحقة نفس السلالة مع أمازيغ المغرب إلأ أن هناك بٌعد بيني بين الإثنين (اختلاف في التحورات السفلية)، فبني مزاب يتميزون عن البقية  في فروعهم السفلية وهو ما يفسر تاريخيا بانعزال حتى على بقية الأمازيغ.

------------------

 (01)المصدر: منشور في الفايسبوك لـ محمد الرياني

 (02)  بتصرف من موقع   tribusalgeriennes   02   01

أصل لفظة تنوبا

Icon 09ⵜⵉⵏⵓⴱⴰⵡⵉⵏ تينوباوين

إن للمقابر كما للمتوفّين حرمة في مزاب، و لهم ذكر سائر في الخالدين، و ذلك بزيارتهم من طرف الأهل والأقارب في مناسبات عديدة مثل يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع، و في مواسم الأعراس كعادة (تحيزّا)، و عادة ارجال (الإلتحاق بالحلقة) للتلاميذ الحافظين قسطا من القرآن (الى سورة الرحمن) والأعياد والمناسبات الدينية، اين يتلى فيها اقساط من القرآن، و يدعى لهم بالخير، أحيانا تحت اشراف هيئة المسجد (ئعزّابن) وفيها يتم توزيع الصدقات مما يُجمع من المتصدقين، وغالبا ما يكون خبزا، تمرا، و كسكسا مطهيا بكيفية خاصة مع قطع من اللحم، تعدّه الأمهات في بيوتهن يدعى (وشـّو نـ تنوبا)، توزًع كوقف بإسم المتوفى من كل عائلة، كصدقة جارية، ولفظة تنوبا كلمة أمازيغية تجمع إلى تينوباوين، اسم لهذه العادة القديمة، كان يقوم بها سكّان وادي مزاب ولا يزالون إلى يوم النًاس هذا، رغم أن هناك من يراها من البدع، ربمّا لأنه لم يفهم مقاصدها وأثرها في المجتمع من حيث التكافل والإهتمام بالمعوزين، ممن قهرتهم ظروفهم، فهي فرصة لإسعادهم، وللسعادة ألف طريق.

ولفظة تنوبا او تينوبا تعني عند أمازيغ (ئيموهاغ) التوراڤ خاصية الميت او ما له علاقة بالميت، وهي من فعل ئبا iba ,ⵉⴱⴰ ,بمعنى مات، غاب للأبد، افضىت روحه إلى بارئها، او فصلت الروح عن الجسد.

 

بقلم الاستاذ يوسف لعساكر

أصول الإباضية وتأثيرها على الفرد

بعض أصول الإباضية التي لها تأثير مباشر على سلوك الفرد في المجتمع

 

هذه بعض أصول الإباضية التي لها تأثير مباشر على سلوك الفرد في المجتمع وعلى علاقة الإباضية بمخالفيهم:

1-      الإيمان يتكوّن من ثلاثة أركان وهي الاعتقاد والإقرار والعمل.

2-      الخلود في الجنّة أو النّار أبديّ.

3-      الإنسان حرّ في اختياره مكتسب لعمله ليس مجبرا عليه.

4-      ولاية المطيع والبراءة من العاصي واجبتان.

5-      التّوبة أساس المغفرة، فلا تغفر كبيرة بدون توبة.

6-      الأمر بالمعرف والنّهي عن المنكر واجبان.

7-      شفاعة الرّسول قسمان: الشّفاعة الكبرى يوم القيامة، لبدء الحساب ولدخول المسلمين الجنّة، وهي المقام المحمود الذي يختصّ به نبيّنا، والشّفاعة الصّغرى ولا تكون إلّا للمؤمنين الموفّين، بزيادة الدّرجات.

8-      مرتكب الكبيرة ليس مشركا، وإنّما هو مسلم له كلّ حقوق المسلمين ما عدا الاستغفار، مالم يتب.

9-      مخالفوهم في المذهب ليسوا كفّارا، وإنّما مسلمون، لهم من الحقوق وعليهم من الواجبات مثل ما على صاحب المذهب نفسه إلا في شيء واحد وهو الاستغفار.

10-  من حلّ دمه من المسلمين، لا يحلّ غنيمة ماله، ولا سبي نسائه وقتل أطفاله ولا قطع الميراث عنه[1].

11-    الخلافة الإسلامية لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي، أو تبقى محصورة في قبيلة خاصّة، إنّما يجب أن تراعى فيها الكفاءة والاستطاعة[2].


[1]_ علي يحي معمّر: الإباضية، 57-71.

[2] _ إبراهيم طلاّي: مزاب بلد كفاح، 33.

أصول الدينونة الصافية للشيخ أبي حفص عمروس بن فتح

كتاب أصول الدينونة الصافية

تأليف الشيخ: أبي حفص عمروس بن فتح النفوسي

تحقيق: حاج أحمد بن حمو كُّروم
مراجعة:
مصطفى بن محمد شريفي
محمد بن موسى باباعمي
الطبعة الأولى
1420هـ / 1999م

تقديم
(( إن كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه ))
كلمة عظيمة من إمام عظيم في إمام عظيم .
هذه العبارة لهي شهادة علمية رفيعة المستوى ، وأجازة من الأجازات العلمية العالية منحها واحد من أقطاب العلم وعظماء الإسلام ذلكم هو الإمام المحكم محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي العماني رضي الله عنه إلى واحد من عباقرة العلم وعلماء الإسلام هو أبو حفص عمروس بن فتح المساكني النفوسي رضي الله عنه.
إن علاّميَّة عمروس ودقة فهمه وقوة استنباطه لمسائل العلم وقضاياه جعلت من الإمام الكبير محمد بن محبوب إن يظهر إعجابه بهذا النابغة المغربي الذي سبقته شهرته العلمية إلى المشرق العربي ولا سيما عُمان عندما تم اللقاء بينهما في مكة المكرمة حرسها الله تعالى ، حتى اخذ الحديث بالإمامين الكبيرين شجوناً وشئوناً كل مأخذ وتوغل بهما وتوغلا فيه إلى مكنون العلم الذي يضن به على غير أهله .
إن هذه الحادثة اللقائية المكية ترشدنا إلى ما لعمروس من منزلة عظمى في العلم ودرجة عليا في الفهم .
لذلك نجد إمام المنقول والمعقول أبا يعقوب الوارجلاني رضي الله عنه يورده في كتابه (( الدليل والبرهان )) من بين الأئمة العشرة الذين نقل عنهم مسائل عقدية تعتبر قواعد في علم العقيدة .
فلا غرو أن تأتي (( الدينونة الصافية )) صافية من غير كدر نقية من أية شائبة عذبة المورد سائغة للشاربين .
على أن الدينونة معناها الدين وهو دين الإسلام الحنيف ، مشتقة من دان يدين وهي كلمة ليست لها صيغة تصريفية عند العرب ، وإنما مما عدوه من النوادر وقليل النظائر ومنه قولهم (( طار طيرورة ، وسار سيرورة ، وحاد حيدودة ، وكان كينونة ، ودام ديمومة ، وهاع هيعوعة ، وساد سيدودة ، وقال قيلولة )) .
إن هذا العمل الجليل هو واحد من نتاج فكر عمروس ووحي عبقريته الفذة ضمنه دقيق مسائل العبادات وواضح قضايا الأحكام .
ولقد جاء عمل الأستاذ الفاضل / حاج أحمد بن حمو كّروم في تحقيق الكتاب جهداً واضحاً ملموساً ، فهو قد بذل فيه جهداً مشكوراً حيث استطاع أن يجمع مخطوطات خمسا للكتاب وهو أمر يعتبر من أساسيات عمل التحقيق .
وان وزارة التراث القومي والثقافة وعلى رأسها سمو السيد / فيصل بن على بن فيصل آل سعيد وزير التراث القومي والثقافة حينما تهم بنشر هذا الكتاب فإنها تضيف إلى المكتبة الإسلامية كنزاً قيما من كنوز العلم والمعرفة ، وتملأ بذلك حيزاً من مساحة الفكر الإسلامي العظيم عقيدة وشريعة .
وما ذلك إلا إستلهاماً من توجيهات القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ليكون حاضر هذه الأمة موصولا بماضيها تراثاً ، وليكون اللاحق سائراً على درب السابق تاريخاً ، وليكون السلوك مستمداً من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ومأثور أهل العلم اعتقاداً وعملاً .
والله نسأله التوفيق إلى كل خير والسداد في القول والعمل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
أحمد بن سعود السيابي
10/ 6/ 1418هـ.
12/10/ 1997م .

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
مقدمة
{ الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } وبعد :
ففي إطار الهواية التي اخترتها مناط مستقبلي ألا وهي : جمع مخطوطات الأصحاب ، وتحقيقها بعد تنظيمها عثرت على هذا المخطوط النفيس في مكتبة البكري بالعطف أثناء قيامي بوضع بطاقات فنية لمخطوطات المكتبة في رمضان 1410هـ / 1990م .
وما زالت نفسي تميل للقيام بتحقيقه وإخراجه للنور حتى طلب مني أحد الأساتذة أن أفيده بمخطوط كلامي يقوم هو بتحقيقه فسارعت إلى الإجابة لطلبه حتى لا تنفلت الفرصة بأن قدمت له المخطوط الذي بين يديك .. وعندما تصفحه وجده دون مستوى الشرط الذي طلبه فأرجعه لي .
هنالك عقدت العزم على نفسي في بداية سنة : 1411هـ / 1991م لأن أقوم بالعلمية معتمداً على نفسي وعلى إمكانياتي الكليلة في الميدان راجياً من المولى عزّ وجل العون والتّوفيق ، وأهمّ ما حفّزني إليه هو وجود نسخة ثانية في مكتبة المدرسة الجابرية ببني يزقن ، إضافة إلى وجود تسهيلات لاقتناء النسختين من قيمي المكتبتين حفظهم الله ورحم المحبَّسين ـ وكذا المكتبة الخاصة لشيخنا الحاج محمّد بن بأحمد الحاج سعيد العطفاوي ـ رحمه الله ـ وأبنائه المعتنين بها تقبّل الله منهم .
استغاثة ملحة
وهنا لا أنسى أن أغتنم الفرصة لأوجّه استغاثة إلى :
أصحاب مكتبات الآباء والأجداد : أن يتّقوا الله في خزن المخطوطات التي في حوزتهم وألاّ يستحوذوا عليها في (( عمدٍ ممدَّدة )) وليعملوا صالحاً للحضارة والأجيال ـ على الأقل ـ بعدم إهمالها والاِستخفاف بحقّها... وأن يمدّوا يد المساعدة للرّاغبين على الاِطّلاع عليها لأنَّها ليست ملكهم وحدهم بل هي ملك للأجيال حتى لا تضيع الأمانة من أيدينا ..
أصحاب الشّهادات والألقاب العليا في مختلف فنون العلم الحديث : أن لا يتوانوا في تجديد أمر هذا التّراث الحيّ الضّخم ، وأن يمدّوا له أيديهم وأفكارهم وقلوبهم ؛ لئلاّ تستفزّه الأيدي المادّية والأفكار المغرضة... واعلموا أن الحجّة قائمة عليكم بم أوتيتم من (( بسطة في العلم والجسم )) والتاريخ لا يرحمكم ولا يعذركم في الكسل بما وفّر الله لنا من الوسائل المتطوّرة في الحياة .
أصحاب رؤوس الأموال : أن لا يردّوا طلاّب المساعدة المادّية في هذا الميدان... فالمال مال الله... وما نحن إلاّ موظّفون مكلّفون ومحاسبون بل ومسؤولون عنه : من أين ؟ وإلى أين...
وقبل أن أختم هذه الكلمات يجدر بي أن أعرض عليك أخي القارئ الخطّة التي سلكتها أثناء القيام بعمليّة التّحقيق الموضوعيَّ لفصول الكتاب ، ونصوص ترجمة المؤلّف .
عرض خطّة البحث والتّحقيق
نقلت هذه المخطوطات من مخطوطة ( د ) وقارنتها بمخطوطة ( أ ) و ( ب ) و ( جـ ) و ( هـ ) .
غالب الأخطاء اللغوية الموجودة في نسخة ( ب ) لم أثبتها في الهامش نظراً لكثرتها وبساطتها ، ويبدو أنّ ناسخ المخطوطة ( ب ) لم يكن عالما باللغة رحمة الله وتقبّل منه .
أشرت في الهوامش إلي ما كان من غموض كلمة بين النسخ فأبيّن الأنسب ليستقيم المعنى .
شرحت بعض الكلمات الجديدة والمصطلحات العلميّة ليفهمها القارئ .
خرّجت الأحاديث والآيات وأتممت ما يجدر إتمامه ، قدر المستطاع .
اعتمدت النسخة ( د ) أُمَّا للمخطوطات الأخرى نظراً لقدمها ، وجودة خطّها ، وضبطها وقلَّة الأخطاء فيها ، ولكونها تامَّة . اللهمَّ إلاَّ بعض الأخطاء الواضحة التي لا بدَّ من تصحيحها داخل المتن ، اعتماداً على النسخ الأخرى ـ خاصَّة ( هـ ) ـ مع الإشارة إلى ذلك في الهامش وهي قليلة .
أنني أطلت في التّرجمة رغبة مني في كشف الضبّاب الكثيف عن هذه الشّخصية النّموذجيّة التي لا يعرفها كثير من النّاس .
وضعت الفهارس المختلفة للكتاب ليسهل على الباحث مبتغاه .
بينّت القيمة العلمية للمخطوط وعرفت به وأثبت نسبته للمؤلّف حتى لا يكون مختلقاً عليه للشّهرة ، أو لقيطا تبنّاه بغير حق...
كما أنَّني حاولت إرجاع بعض الآراء في متن المخطوط إلى أصحابها اعتماداً على بعض أمَّهات كتب الفقه ، ومن أبرزها : (( مدوّنة أبي غانم الخرساني )) رحمه الله ، التي هي مصدر من المصادر الهامّة لهذا الكتاب .
لقد سمحت لنفسي بوضع عناوين الأبواب والفصول والفقرات ليجد القارئ راحته أثناء الاِستفادة منه... فأيّ عنوان وجدته بين معقوفتين فهو منّي .
لقد حاولت الاِبتعاد ما أمكن عن وضع تعليقات على الأفكار لئلا يتخم الكتاب فيخرج عن إطار التّحقيق إلى الشّرح إلاّ ما كان لا بدّ منه .
فما كان من حسن فبفضل الله وما كان من نقص فمن نفسي... وعلى الله قصد السّبيل وهو أعلم بما تخفي الصّدور...
والسلام عليكم ورحمة الله
القسم الأول
حول حياة المؤلف
ترجمة حياة المؤلَّف : الشيخ أبي حفص عمروس بن فتح المساكني النفوسي
مولده
ولد الشيخ عمروس بن فتح في قافلة نفوسة المتوجّهة إلى البقاع المقدّسة في أواخر العقد السّادس من القرن الثّاني الهجري . (1)
عائلته
أبوه : لم يسجّل لنا المصدر عن أبيه أيَّة معلومة تذكر...
أمُّه : توفيت وتركته في المهد صبيّا ، ورجعت بسببه من طريق الحجّ وعندما حضرتها الوفاة أوصت بالحجّ وغيره ، لَّما سئلت عمّن استخلفت في إنفاذ هذه الوصيّة... فأشارت إلى الذي في المهد ، وهو ابنها الرّضيع (( عمروس )) (2)
أخته : هي العالمة المشهورة بمواقف وأمجاد كثيرة منها ثلاثة للتّمثيل :
اشتراكها في نسخ مدونة أبي غانم الخرساني إذ كانت هي التي تملي على أخيها عمروس . (3)
__________
(1) …مجموعة ستة كتب... الكتاب الرابع ، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية لعبد الله بن حميد السالمي ص70... غير أن الشماخي في كتاب السير لم يذكر عمروس بن فتح منهم ص228 ؛ وكذا ج1 من مخطوط سير المشايخ لأبي الربيع الوسياني ص6... وبالتالي يبدو وأن السالمي استنتجه استنتاجا من السياق وهو الصحيح .
(2) …الدرجيني أبو العباس : طبقات المشايخ بالمغرب ، ط1 ، تحقيق إبراهيم طلاي ، مطبعة البعث ـ قسنطية ـ الجزائر ـ ج2 ، ص324 .
(3) …انظر النقطة الرابعة من (( فتاويه واجتهاداته )) من مقدمة هذا الكتاب .
اشتراكها في وقعة (( مانو )) بجبل نفوسة مع النسوة ، أين استشهد أخوها ، فلمّا خشيت على نفسها وعليهنَّ الفتنة من الظلمة أمرت كلَّ واحدة منهنّ أن تستخلفها الأخرى في تزويجها بمن يريدها بسوء . (1)
سئل الشّيخ سدرات بن إبراهيم المساكني النفوسي عن امرأة ولدت ولداً فبقي آخر في بطنها هل تأكل في رمضان نهاراً ؟ قال : نعم ، فقال بعض الأشياخ نعس الشّيخ ، فقالت أخت عمروس : (( إن نعس لم ينعس علمه وكلامه ، وجدناها تأكل إذا انشقّت المبولة(2) فكيف بهذه... )) (3)
أخوه : من خلال ما حفظته لنا كتب السير يبدو أنَّه لم يفقد حظّه من العلم ودرجته حيث اختبر أخاه عمروساً بسؤال عندما انتهى فترة التعلّم لائماً فقال له : (( لو رأيت إجرافاً في فدادينك ؟ )) فقال له مجيباً : (( لو رأيت أجرافاً يتلموا دينك... )) (4)
قبيلته
هي نفوسة البربرية التي نسب الجبل الغربي لطرابلس إليها بليبيا ؛ هذه القبيلة قال عنها الشمّاخي : (( بلغت في العلم والتقى والعدل والورع مبلغاً عظيماً ، يكاد أن يكون حاكيه كاذباً... بالشرق والغرب ، ولذا قال الإمام عبد الوهّاب رضي الله عنه : (( إنَّما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاته... )) (5)
__________
(1) …أبو زكريا يحيى بن أبي بكر : سير الأئمة وأخبارهم ، ت إسماعيل العربي ، مطبعة أحمد زبانة ، الجزائر ، نشر المكتبة الوطنية الجزائرية ، الجزائر ص104 . الشماخي : سير ص229 .
(2) …المبولة : هي الماء الذي يسبق خروج الولد ، انظر هذا الحكم في كتاب : شرح النيل ، للقطب أطفيش ، ج1 ، ص313 .
(3) …الشماخي : السير ، ص267 .
(4) …الشماخي : السير ، ص229 ، (( يتلموا دينك )) هكذا وجدت الكلمة . ولعل الصحيح ما قال الباروني : (( لو رأيت أجرافاً تثلم دينك لهان عليك أمري )) . الأزهار الإباضية ، ص254 .
(5) …الشماخي : السير ، ص267 .
هذا الجبل الذي كان ملاذ كثير من القبائل : (( لواته ـ مزاته ـ هوارة )) ويؤمه الأصحاب عند فتور النفس في العبادة فيقولون : (( نصعد الجبل لنصقل قلوبنا )) يعني بالعلم والذكر ومجالسة الصالحين . أبو زكرياء الجناوني : الوضع ، مقدمة المحقق ، ص11 .
هذه القبيلة التي يصفها المؤرخون بأنها في ذلك الزمان أكثر الناس حجاً فكانوا يحجون بنسائهم وذراريهم ، حتى إنهم ولد لهم في ركب واحد ثلاث مائة مولود ذكر . الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص325 . الشماخي : السير ، ص228 . الوسياني : سير ( مخ ) ج1 ، ص6 .
مكان ولادته ونشأته
مكان ولادته :
(( قطرس )) وهي القرية الجاثمة على ضفّة وادي تالة العميق من أرض الرحيبات بجبل نفوسة في ليبيا . (1)
نشأته :
في هذه الأجواء الطاهرة المفعمة بالعلم والورع تربّى الفتى عمروس وترعرع فوجد فيها خير عزاء وعوَض عن أمّه التّي لم يحظ بحنانها المدّة الكافية لأبناء سنّة...
حياته العلمية
لقد درس أوّلاً في مسقط رأسه (( قطرس )) مبادئ العلوم الدينيّة واللغويّة... ثمّ انتقل إلى المغرب (2) ليتعلّم هناك مدّة عشرين عاماً ..
هذا ما كتبته المصادر عن تعلّمه بصفة إجماليّة دون التعرض لأيّ تفصيل يشير إلى مشائخه ورفقائه في الدراسة أو العلوم التي درسها أكثر من الأخرى...
هل كان الشيخ مدرّسا ؟ : إنّ الإجابة عن هذا السؤال ذات شقّين أساسين ظنيين هما :
المصادر القديمة : إذا نظرنا إلى الكتب القديمة فلا نجد إشارة واضحة تذكر عنه أنَّه كان مدرّسا لحلقة من التلاميذ إلاّ ما نستشفُّه من ظلال بعض النصوص حيث ذكر الشيخ سليمان الباروني في تعليقاته :
على رسالة والده الشيخ عبد الله الباروني : " سلّم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئَّمة الدين " : ((... وهي قطرس ، وفيها مسجد الشيخ عمروس وأظنّه ابن فتح المساكني النّفوسي... )) (3)
وهل هذا المسجد المنسوب إليه بناه في حياته لهذا الغرض ؟ أم سمّي باسمه تكريما ؟ لا ندري...
__________
(1) …علي يحيى معمر : الإباضية في موكب التاريخ ، ج2 ، الإباضية في ليبيا ، القسم الأول ، ص137 .
(2) …الشماخي : السير ، ص229 . هذه الكلمة : (( المغرب )) لم تتعرض لها المصادر المعتمدة بشيء من التوضيح ، فأصبحت محتملة إلا أن الاستعمال السائد آنذاك عند الإباضية لهذه الكلمة هو (( تيهرت )) عاصمة الدولة الرستمية إذ كانت كعبة الطلاب والعلماء والمتكلمين حيناً من الدهر حتى غدت تعرف بـ (( بغداد المغرب )) كما أنها جاءت في غرب جبل نفوسة .
(3) …المصدر المذكور : ص54 .
ذكر الوسيانيُّ أنّ جماعة اجتمعوا في موضع يسمّى : " تنين أزدرشل " في طلب العلم وفيهم أبو نصر من تمصمص ، وهو المفتي والمجيب ، وفيها نفاث بن نصر ، وكان يلقي مشكلات المسائل عليهم ، وربّما عسر جوابها عن أبي نصر ومن معه ، ثمّ أتى عمروس ومهدي فسكت نفاث فقال أبو نصر : (( الآن جاء السلوقان اللذان يحرزان الحيّ وأمّا جروة أبي نصر فتنبح على (1) أكل الذئب الغنم فهرب الذئب " يعني بالجروة نفسه ويعني بالذئب نفاث ويعني بالغنم نفوسة ، والسلاليق (2) هما مهدي وعمروس(3) والسؤال هو : هل كان دائما يحضر هذا المجلس أم جاءه عرضا ؟ لا ندري...
يقول الحسن بن محمّد الوزّان القابسي من علماء القرن 10هـ : (( عمروس : مدشر يقع على بعد نحو ستّة أميال من طرابلس داخل الأراضي ويوجد فيه عدد كبير من النخيل وبساتين مليئة بمختلف الأشجار المثمرة )) (4)
هل كان في هذه المدينة مدرّسا ؟ لماذا نسبت إليه ؟ لا ندري...
لقد تصفّحت الكتب التي أوردت نسب المذهب الإباضي (5) فلم أجده مذكوراً في أيّ سلسلة من سلاسلها الذهبيّة ، نظرا لأنّ هذه السلاسل عادة ما تحوي المتصدّرين لحلقات العلم الذين يتلقّى عنهم التلاميذ أمانة الدين فيبلّغونه لمن بعدهم من التلاميذ والدعاة...
__________
(1) …الشماخي : السير ، ص328 .
(2) …السلاليق جمع السلوقي : الكلب الكبير المدرب على الحراسة .
(3) …الوسياني : سير المشايخ ( مخ ) ، ج1 ، ص23 . الدرجيني : طبقات المشايخ ، ج2 ، ص314 .
(4) …وصف إفريقيا ، ج2 ، ص110 ، ترجمة محمد حاجي ومحمد الأخضر .
(5) …الباروني محمد بن زكريا بن موسى : نسبة الدين ، ملحق بسير الشماخي . الباروني : رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين . القطب أطفيش : الرسالة الشافية .
المصادر الحديثة : أمّا إذا تصفّحنا الكتب الحديثة فإنّنا نجدها تذكره مدرّسا بدون إسناد لمصدر الفكرة... فمنهم المحقّق الشيخ عبد الرحمن بكلّي يقول : (( وقّف حياته على العلم تحصيلا وتأليفا وتدريسا... )) (1)
وعلى هذا فإنّني أرجّح أنّ الشيخ لم يكن مدّرسا لحلقة علم وإنّما كان من المتمكّنين في العلم المشتغلين بالمناظرة في مجالس المخالفين ودحض شبههم ، والدليل هو عدم إسناد سلسلة المذهب الإباضي إليه ، وهيبة نفاث منه إذا حضر مجلسا للمناظرة...
إذن فهو إمام من أئمّة الإسلام الذين ذاع صيتهم بأقوال انفردوا بها ، وساهموا في حفظ المذهب من التلاشي بتآليفهم القيّمة ، وغيرتهم النيّرة...
اشتغاله بالقضاء
لقد اشتغل الشيخ في وظيفته القضاء مدّة قصيرة ، حيث عيّنه أبو منصور إلياس ـ والي جبل نفوسة ـ على قضاء الجبل ، في عهد الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح ثم ابنه الإمام أبي حاتم يوسف بن محمد رحمهم الله ، ثمّ استقال من المنصب بسبب مضايقة بل مخالفته آراء بعض علماء عصره إذ أنَّه كان مرنا في أحكامه وفتاويه ، وهم يرفضون هذه المرونة خشية الفتك بعرى الدين بالنزوع إلى الرخص ، والسبب المباشر لهذه الإستقالة هو قضاءه بين عبد ومولاه وعندما اشتكى إليه العبد كان الشيخ أبو مهاصر يسمع ـ وهو شديد الأمر والنهي في دين الله ـ فغضب من جوابه وقال له : (( اِعطه حقّه من مولاه ، وإلاّ نزعك الله من ذلك المكان وردّ فيه غيرك )) . ولقد أبى الرجوع عن استقالته رغم الإلحاح عليه (2) وربّما لأنّ المعارضة على أحكامه قد تكرّرت عليه كثيراً من هذا الشيخ وغيره...
نماذج من أقضياته
__________
(1) …الجيطالي إسماعيل بن موسى : قواعد الإسلام ، تحقيق عبد الرحمن بن عمر بكلي ، هامش المحقق ، ج1 ، ص12 .
(2) …الشماخي : السير ، ص229 ، الباروني ، الأزهار الإباضية ، ص254 .
لقد رغبت في عرض هذه النماذج رغم أنَّها إطالة للترجمة وذلك لأنَّها لا تخلو من إبراز الجوانب اللاّمعة في شخصية الشيخ وتعيننا على تفهُّم الأفكار التي بثَّها في كتابه...
اختصم إليه ذات مرّة رجلان فاستمسك أحدهما بالآخر ، فقال للمدّعى عليه : (( ردّ الجواب )) فسكت ، فأعاد عليه فسكت... فقام إليه فركضه برجله ، فقال له جلساؤه عجلت يا عمروس...
فجمع أصابعه بيده فقال : (( كم هؤلاء )) فقالوا : (( خمسة )) ، فقال لهم : (( ما عجلت له إلاَّ كما لم تعجلوا أنتم إذ لم تعدوها واحدا واحداً ))... فقال لألياس : (( إن لم تأذن لي بثلاث ، فخذ خاتمك عنّي : قتل مانع الحقّ ، والدالَّ على عورات المسلمين ، والطاعن في دين المسلمين )) . (1)
وذكر أنَّ قافلة وقع عليها قطَّاع الطرق فانتهبوها ، ثمَّ إنَّ أصحاب القافلة والقطَّاع اصطحبوا جميعا إلى جبل نفوسة في زمان ولاية أبي منصور إلياس وقضاء عمروس ، فتشاجروا فيما بينهم ، وكلُّ يدَّعي القافلة ، وانتهوا إلى الوالي فحار في أمرهم ؛ وقال : أحكّم بينهم عمروس... ثمَّ إنَّ عمروساً عزل أصحاب القافلة على حدة ، وانفرد بكلَّ واحد منهم يسأله عما رفع وما علامة حمله ومتاعه ، فكتب ذلك كلّه ، ثمَّ انفرد بالقطّاع فسألهم كما سأل الأولين ، فكتب ما قالوا ، ثمَّ أخرج ما في الأحمال فوجده كما قال الأولون أصحاب القافلة بها لهم... ووجد قول القطّاع مختلفا بعضه ينقض بعضا ؛ فقال القاضي عمروس لألياس : (( هؤلاء أصحاب القافلة وأولئك أضيافك أضفهم )) . يعني يحبسهم ويؤدبهم . (2)
جهاده واستشهاده
__________
(1) …الوسياني : سير المشايخ ( مخ ) ج2 ، ص2 ، الدرجيني : طبقات المشايخ ج2 ، ص321 . الشماخي : السير ص226 .
(2) …الوسياني ، سير المشايخ ( مخ ) ، ج1 ، ص3 ، السير ص226 ، علي يحيى معمر : الإباضية في ليبيا القسم 1 ، ص141 ـ 142 .
إضافة إلى كلّ ما كنت أذكره لك من جهاد الشيخ بلسانه وقلمه فإنّه لم يهمل نصيبه من الجهاد بالسيف حيث شهد وقعة " مانو " بين نفوسة والأغالبة ، وكان في آخر المعركة يحمي الناس ويذود عنهم ولم يقدروا عليه ، (( وكان على فرس سابق ، فلمّا أعجزهم وأتعبهم عمدوا إلى الحبال فنصبوها له واضطروّه إليها فعثر به الفرس فأخذوه أسيرا ومضوا به إلى الفاسق إبراهيم بن الأغلب ، فسألوه أن يستعفيه ليعفيه ، فقال لهم : كلمة لا تسمعوها منّي ، ولكن أسألك في سراويلي هذه لا تكشفوني منه ، فأخذوه يقطعونه بالحديد من أنامله ، فلمّا وصلوا إلى عضده استشهد (( رحمه الله )) . (1)
فقال ابن عذاري المرّاكشي : (( وفي سنة 284هـ كانت وقعة نفوسة لأبي العبّاس بن إبراهيم فقتل منهم مقتله عظيمة ، وأسر منهم ثلاثة مائة ، فلمّا وصل بهم إلى والده إبراهيم إبراهيم بن أحمد دعا بهم... فقرب إليه شيخ منهم ، فقال له إبراهيم : (( أتعرف علي بن أبي طالب ؟ )) فقال له : (( لعنك الله يا إبراهيم على ظلمك وقتلك )) . فذبحه إبراهيم وشقّ عن قلبه وأخرجه بيده وأمر أن يفعل ببقيّة الأسارى كذلك... حّتى أتى على اخرهم ونظمت قلوبهم في حبال ، ونصبت على باب تونس )) . (2) وهي في عهد المعتضد بالله الخليفة العبَّاسي ببغداد (ت : 289هـ) لا في عهد المتوكّل (ت : 247هـ) كما يشير الوارجلانُّي والدرجينيُّ .
وفاته
__________
(1) …أبو زكريا : سير الأئمة ، ص104 ، الشماخي : السير ، ص229 ، الدرجيني : طبقات المشايخ ، ج1 ، ص89 ، سليمان الباروني : الأزهار الإباضية ، ص282 ، علي يحيى معمر : الإباضية في ليبيا ، القسم 1 ، ص 142 .
(2) …ابن عذاري : البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ط2 تحقيق ج ، س كولان وأ . ليفي بروفنسال ( دار الثقافة بيروت ، ج ، ص130 ) .
وهناك اختلاف طفيف بين المراجع في تحديد سنة الواقعة التي تعنينا في ضبط السنة التي توفَّي فيها الشيخ عمروس بن فتح رحمه الله... فالمصادر الإباضيَّة كُّلها متَّفقة على سنة 283هـ (1) نقلاً عن ابن الرقيق القيرواني صاحب تاريخ إفريقيَّة ، إلاَّ الشيخ البكري فقد أشار إلى أنَّ هذه الوقعة كانت في سنة 282هـ . (2)
أمَّا المصادر غير الإباضية فهي تشير إلى السنة التي وقعت فيها الكرة من ابن الأغلب على نفوسة ، وهي سنة 284هـ (3) أي بعد عام من وقعة مانو...
وبناء على هذا التاريخ يتبين لنا أن الشيخ قد عمر طويلا(4) . وأهم دليل نستند إليه في هذا هو نسخه لمدونة أبي غام الخراساني في عهد الإمام عبد الوهاب الذي توفي سنة 190هـ ، وبالتالي لا يمكن أن يكسب هذه الثقة ، ولا يستطيع أن يصل إلى هذا المستوى من التفكير إلا بعد أن تجاوز سن البلوغ (18 سنة على الأقل) (5) . وبذلك يمكن أن نقدر ميلاده في أواخر العقد السادس من القرن الثاني للهجرة .
أسرته
لم تتعرض المصادر التي بين أيدينا لشيء من أسرة الشيخ (زوجه وأولاده) إلا بصورة يسيرة عامة ، وذلك عندما كتب وصية حياته قبيل الخروج إلى معركة مانو .. (6) .
حالته المادية
يبدو أن الشيخ في الجانب المادي كان دون الأغنياء الكبار ، وأفضل من الفقراء الضعاف ، إذ أنه كان يملك ما يلي :
__________
(1) …الشماخي : السير ، ص268 ، الباروني : الأزهار ، ص280 ، الجيطالي : قناطر الخيرات ، تحقيق عمرو خليفة النامي ، ج ، ص49 .
(2) …الجيطالي : قواعد الإسلام ، هامش المحقق ج1 ، ص12 .
(3) …ابن عذاري المراكشي : البيان المغرب ، ج1 ، ص130 .
(4) …الدرجيني : طبقات ج2 ، ص320 . ويقول الشماخي نقلاً عن الدرجيني : (( حاز قصب السبق ، وإن كان في السن متأخراً . السير ، ص225 .
(5) …الدرجيني : طبقان ج2 ، ص323 . يقول ( وعمروس حينئذ حدث ) أي صغير السن .
(6) …الدرجيني : طبقات ج2 ، ص323 ، الشماخي : السير ، ص228 .
أدوات الكتابة والتأليف (نسخه لمدوَّنة أبي غانم ، وتأليفه كتابه في الأصول) .
السفر إلى الحج الذي يتطلب الزاد ووسيلة النقل .
الخروج إلى البادية ابتغاء فضل من الله ونعمة مع أبي مهاصر .
له عبد نصراني (1)... وبغلة يستقي عليها . (2)
وسائل الجهاد (فرس سابق وسيف قاطع) .
مؤلفاته
لقد نسب المؤرخون للشيخ عددا من المؤلفات منها الموجود ، ومنها المفقود ، منها المكتوب ، ومنها الذي بقي في الخاطر أمينة غير محققة...
كتاب " العمروس " الذي أجاب به الشيخ عبد الخالق الفزاني (3) .
كتاب في الخاطر مشروعا هو في قول الدرجيني : (( بلغنا أنه هم أن يعلق تأليفا في الفقه ولم يسبق في طريقته ، عزم أن يفرق في العلم على ثلاثة أوجه : التنزيل والسنة والرأي ، وما يتعلق بكل واحد منها من المسائل فيرتب كل باب من أبوابه ويبنيه على القواعد الثلاثة... فلم يقدر الله بذلك بل قضى له بإعجال الحمام )) (4) .
كتابان في الأصول والفقه . (5)
كتاب عمروس بن فتح . (6)
كتاب أعلام الملة .
كتاب الحكم والمعارف .
كتاب الدينونة (7) الصافية . (8)
كتاب في الرد على النكاث وأحمد بن الحسين . (9)
__________
(1) …الشماخي : السير ، ص230 .
(2) …الشماخي : السير ، ص229 .
(3) …الشماخي : السير ، ص229 ، الجيطالي : قناطر الخيرات ، تحقيق د. عمرو خليفة النامي ، ص49 . ولعل انفراد الشماخي بذكره هو الذي جعل الدكتور النامي ينفي وجود هذا الكتاب تماماً في مؤلفات الشيخ ( دليل المؤلفين الليبيين ص300 .
(4) …أبو زكريا الوارجلاني : سير ، ص96 ، الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص321 ، الشماخي : السير ص225 .
(5) …أبو زكريا : سير ، ص99 . هكذا ذكرهما بدون أي توضيح .
(6) …البرادي : الجواهر المنتقاة ، ص219 ، هكذا بدون أي توضيح .
(7) …هذه الكتب الثلاثة ذكرها الشيخ عبد الرحمن بكلي في هامش ص12 من كتاب قواعد الإسلام للجيطالي .
(8) …دليل المؤلفين العرب الليبيين ، ص300 .
(9) …المصدر السابق .
تلاحظ أخي القارئ أنني جمعتها بدون تعليق ، ولو كانت بدون عنوان أو كان عنوانها مكرراً ، وذلك خشية أن يكون أحدها موجوداً ، فأجني عليه بالغفلة والسكوت ، ولا مانع أن أشير إلى أن المحقق في التراث الإباضي الدكتور عمرو خليفة النامي جزم في مقدمته على كتاب " الرد على جميع المخالفين " ص(ي) المحققة المرقونة ، بأنه لم يبق لنا من تراث الشيخ عمروس إلا رسالتان : إحداهما بعنوان " الدينونة الصافية " وأخرى بعنوان " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " . وأما الشيخ فرحات الجعبيري في كتاب البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية ص109 ، فيجزم بوجود الأولى منهما فقط ، وأشار إلى مكان وجودها في المكتبة البارونية بجربة تونس .
فتاويه واجتهاداته
لقد اشتهر الشيخ بفتاويه مثبوتة في بطون كتب المذهب الإباضي في الأصول والفروع ، ولذلك احتل مكانة مرموقة في تاريخ أعلام المذهب ؛ ولعل انفراده ببعض هذه الفتاوي عن معظم علمائنا ، يجعلني أتجرأ على العلماء فأصفه بأنه بلغ " درب الاجتهاد في الدين "... وعندما أعرض لك بعضا منها فاحكم بما شئت بعد اطلاعك الموضوعي على ما يتضمنه الكتاب الذي أرجو أن أكون موفقاً في تحقيقه إن شاء الله .
جلس الشيخ ذات مرة مع داود بن ياجرين وماطوس بن هارون رضي الله عنهم يتحدثون حتى قالوا لعمروس : (( أهل شروس لا يكذبون )) ، فكان عمروس بعد ذلك يجيز شهادتهم ، فتذاكر الشيخان ما يفعل عمروس ، فقالا له : (( مالك تحكم بكل أهل شروس ؟ )) فقال لهما : (( إنما أحكم بكما لا بهم ، لأنكما زكيتماهم بقولكما : أهل شروس لا يكذبون )) ، فقالا له : (( ما ذلك مرادنا )) ، فترك جواز شهادتهم بعد ذلك إلى أهل العدالة والرضى . (1)
سأله رجل بمحضر أبي مهاصر عمن أخذ من مال ابن طيلون ، خرج فتاب ولم يعلم له صاحباً ، قال : (( تسأل عن مولاه ، فإن أعياك أمره فتصدق به ))... فغضب أبو مهاصر فقال : (( لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا ))... قال عمروس : (( إن أردت أن تقعد فاقعد ، فإن من شأن المسلمين أن لا يؤيسوا أحداً من رحمة الله )) . (2)
__________
(1) …الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص3 ، ولكن الدراجيني استبعد أن يقع مثل هذا العبث بأحكام الله من الشيخ ، فقال (( وعمروس أجل من أن يتجاوز إلى هذا القدر ، أو ينسب إليه هذا التهاون )) فأوله بأنه توبيخ مؤدب مع الشيخين لأنهما أعلى منه مرتبة حتى يعدلا فتواها ، إلى أن قال : (( وهذه إحدى فضائله ، لا ينسب إليه غير هذا )) . الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص322 .
(2) …الشماخي : السير ، ص227 . قال الشيخ على يحيى معمر : (( لقد كان أبو مهاصر شديداً وهو يرى أن يلزم صاحب الخرج أن يبحث عن صاحبه أو ورثيه مهما كلفه الأمر ، ولن يبرئه من التباعة غير ذلك ، أما عمروس فقد كان أعمق فهماً لأسرار الشريعة .. وقد أصبح قول عمروس هو القول المعمول به في الأحوال المشابهة )) . الإباضية في ليبيا ، القسم الأول ، ص140 .
حدث جماعة من المشايخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع هو وعمروس بن فتح رحمهما الله ، فلبثا أياماً على غير ماء في برية من الأرض ، لا يجدون ما يتوضؤون به ، إنما كانوا إذا حضرت الصلاة تيمموا وصلوا ، وتكدر خاطر أبي مهاصر لذلك ، حتى قال ذاماً لهذه الحال : (( قلوب تربو عليها الشحوم مما سمنت ، ووجوه تعلوها الغبرة ، قلت سلامة الدين مع أهل الوبر ، إنما الدين في المدر ، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لاتباع شهواتنا ، وإني لأخاف أن أكون ممن عاب الله عز وجل ، فقال فيهم : { أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } (1) (( فرد عليه عمروس بأن قال له : (( ليس في ذلك ما تخافه ، فقد أباح الله التيمم عند الضرورة ، فأبان ذلك في كتابه ، وعلى لسان نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك في ابتغاء الفضل ، وقطع الفيافي ـ المجاهل من الأرض ـ وقال : { وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ } (2) وقال : { عَابِرِي سَبِيلٍ } (3) وقال : { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } (4) )) فلم يقنع ذلك جميعاً أبا مهاصر بل أرتحل راجعاً إلى منزله . (5)
__________
(1) …الآية 59 من سورة مريم.
(2) …الآية 10 من سورة الجمعة.
(3) …الآية 43 من سورة النساء.
(4) …الآية 43 من سورة النساء.
(5) …الدرجيني : طبقات ج2 ، ص306 .
من أهم الحسنات التي سجلها له التاريخ ، هو استنساخه لمدوَّنة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني ، هذا العالم الذي مرَّ بالشيخ عمروس بجبل نفوسة ، فأودع عنده مدوَّنته التي رواها عن حملة العلم ـ تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ـ في الفروع ، وهو قاصد وجهة بغداد المغرب ـ تيهرت ـ لزيارة الإمام عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن... فأفتى عمروس لنفسه باستنساخ الوديعة رغم أنَّه لم يستأذن صاحبها (1) فأملتها عليه أخته حتَّى أتمَّاها ، وردها في مكانها ، وعندما رجع أبو غانم إليها اكتشف ذلك ، بعلامة وقعت على الأصل وهي نقطة حبر لم ينتبه إليها عمروس ، أو تعمدَّها . فقال له : (( أسرقت هذه ؟ )) قال : (( نعم ، سمَّاني سارق العلم )) إخباراً لا أمراً . (2)
وكأنه بهذا يشير إلى جواز استعمال وديعة من هذا النوع بمثل هذه الطريقة ، إذا كانت في صالح المسلمين .
__________
(1) …يشير الوسياني إلى أنه استأذنه فأبى .
(2) …ويقول عنه الدرجيني : (( وكأن الكتاب في اثني عشر جزءاً. وفي إثر هذا كان ما كان من إتلاف ديوان تاهرت غصباً وحرقاً ، ولولا تمسك عمروس بهذا الكتاب لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب ديوان يعتمد عليه ؛ وذلك بحسن نية عمروس وبركته ويمنه )) انظر : الوسياني : سير (مخ) ج1 ، ص4 . الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص323 . الشماخي : السير ، ص228 . الباروني : الأزهار ، ص253 . علي يحيى معمر : الإباضية في موكب ، الإباضية في ليبيا ، القسم الأول ، ص128 . وهذه المصادر كلها تعلق على فعل عمروس وتحمده .
لما حضرت الوفاةُ أمَّ عمروس أوصت بوصايا وأشهدت عليها... فقيل إلى من تفوّضين تنفيذ هذه الوصايا ؟ قالت إلى ذلك الذي في مهدي فأشارت إلى عمروس الرضيع... فلما بلغ أشده شرع في تنفيذ الوصايا في وجوهها ، إلا وصيتها بالحج فقد توقف عنها . لماذا ؟ لأنه لا يعرف منزلة أمة من الولاية والبراءة... وجعل يسأل في جهات من نفوسة عن أحوالها ، فلم يجد من يعرف حالها وتولاها غير امرأة واحدة ، فتولاها لذلك وحج عنها...
ويريد من هذا العمل أن يرشدنا إلى أمرين هامين في مجال العقيدة :
أن الحجة في ولاية الدين يمكن أن تقوم بشهادة النساء والعبيد إذا كانوا ممن قبل قوله وتقوم به الحجة .
أن الذي يحج عن غير متولى فإنه غير مرضى الفعل ولا مشكور الحال... (1)
والثالثة تتمثل : في جواز استخلاف الوارث على تنفيذ الوصية ولو كان في المهد صبيا .
كانت لأبي محمد ملي الإيدر في بقرة تحلبها امرأة كل صباح دون أي جهد ، وذات مرة مرة ركضت فدفقت قدح الحليب على غير عادتها فلما شكت الزوجة لبعلها قال : ما هذا إلا لنازلة سوء شنيعة نزلت بالجبل فأخذ عكازه وخرج مبادراً ، فأتى مجمع أهل الجبل ، فوجدهم مختلفين على رجل ينكل ويجلد ، فسألهم عن شأنه فقالوا له : جاء في كتاب الوالي... فقال : أبسواد في بياض تهرق الدماء يا نفوسة ؟ أو قال : يا معشر المسلمين ؟ فقالوا لعمروس : جاوبه... فقال : إذا قيل الحق بطل الجواب... قال : فسألوا عن الرجل فغدا هو غير المكتوب فيه... فقال لهم عمروس : إذاً قصوا ضربه... فأعطوا ديته فأعطى فيهم عمروس سهمه... (2)
__________
(1) …الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص6 . الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص325 .
(2) … الوسياني : سير (مخ) ، ص14 . الدرجيني ، طبقات ، ص334 .
لما سمع عمروس بموت الشيخ أبي مهاصر موسى بن جعفر رضي الله عنه أكبر المعارضين لفتاويه ـ سارع ليبلغ جنازته ، فوصلهم وهم يجعلون التراب على قبره ، فوضع عليه يده فقال : (( الآن يا أخي أمنت لك )) . يعني من همزات عدو الله إبليس ومكائده...
وفي الحديث : (( إن إبليس يأتي المؤمن عند خروج روحه ويكيده ، ويقول له : سلمت منّي آمنك منك الآن يا عدو الله )) يعني ذلك الشيخ عمروس رضي الله عنه أجمعين لا يعني غير ذلك (1) قال الشماخي : قال الجهال : استراح منه وتأولوه لأموره الدنيوية... أعني جهال إفطمان بلد أبي مهاصر... (2)
قبيل خروجه للجهاد الذي حظي فيه بالشهادة كتب وصيته ومكنها ورثته فقال لهم (( اعملوا بما فيها وأنا خصيمكم غداً بين يدي الله )) (3)
مكانته العلمية
يقول أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر : (( وكان عمروس عالماً كبيراً... )) (4) وقال : (( وكان حافظاً فاطناً حاضر الحجة )) . (5)
وقد وصفه الشيخ الدرجيني قائلاً : (( بحر العلوم الزاخر ، المبرز أول السباق وهو الآخر ، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم ، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادفة تلك الهموم... لازم الدرس والاجتهاد ثم رابط على الجهاد... (6) ولم تزل الأمثال مضروبة به بعلومه وآدابه ، وحيال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه إذ كان علم الدين يقتدى به )) (7)
__________
(1) …الوسياني : المصدر السابق ، ص22 .
(2) …الشماخي : السير ، ص228 .
(3) …الوسياني المصدر السابق ، ص4 ، الدرجيني ، طبقات ص323 ، الشماخي المصدر السابق ص228 .
(4) …سير الأئمة وأخبارهم ، ص99 .
(5) …نفس المصدر السابق .
(6) … الدرجيني : طبقات ، ص320 .
(7) … المصدر السابق ك ص321 .
وروى أبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني عن أشياخه أن عمروساً عالم غاية زمانه . (1)
قال الشيخ علي يحيى معمر : (( كان عمروس من أكبر أئمة العلم والدين وله أقوال إنفرد بها وحسب من أجلها إماماً )) . (2)
وذكر الشيخ سليمان الباروني أنه استشهد من نفوسة في وقعة مانو أربعمائة عالم فيهم من المشاهير والعلماء الكرام أبو ميمون وعمروس وماطوس . (3)
وذكره الأستاذ بحار إبراهيم من بين مشاهير علماء تيهرت فقال : (( ويشغل عمروس بن فتح النفوسي مكاناً بارزاً في طبقات الإباضية إذ كان عالماً غاية زمانه... (4) وقد صنفه الدرجيني في كتابه طبقات المشايخ بالمغرب في الطبقة السادسة (250 ـ 300 هـ) (5)
وذكره الشيخ أحمد بن سعيد الشماخي في سيره عند تسمية شيوخ نفوسة ثالثهم (أبو حفص عمروس بن فتح من أمو ساكن) . (6)
__________
(1) … الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص2 . علي يحيى معمر : الإباضية في موكب التاريخ ، ج2 . الإباضية في ليبيا ، القسم 1 ، ص139 .
(2) … الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص2 . علي يحيى معمر : الإباضية في موكب التاريخ ، ج2 . الإباضية في ليبيا ، القسم 1 ، ص139 .
(3) … الباروني : الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية ، ج2 ، ص282 .
(4) … إبراهيم بحار : الدولة الرستمية ، ص326 .
(5) … الدرجيني : ج2 ، ص326 .
(6) … الشماخي : السير ، ص590 .
سافر إلى الحج مع جماعة من أصحابه فدخلوا إلى مجلس علم يتصدره الشيخ محمد بن محبوب بن الرحيل العماني ، فأدنى مجلسهم دون أن يتعرف على أعضاء الوفد...وأثناء تجاذب الفتوى بين الحاضرين ألقى عمروس سؤالاً... فقال ابن محبوب : إن كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه فقالوا له هو السائل : فرفع ابن محبوب مجلسه وزاد في دنوه فجعل عمروس يسأله في مسائل الدماء وأكثر ، فقال ابن محبوب : هذا من مكنون العلم فلا يعلن به في قوم جهال ، فقال عمروس لأصحابه : إحفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب فلما قدموا نفوسة ، قال عمروس : هلموا ما تكلفتكم ، قالوا : لم يبق معنا إلا قولك إحفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب لنرد بها على إخواننا . ثم إن عمروساً أعادها مسألة مسألةَ . (1)
قال الشيخ عبد الرحمن بكلي : (( الإمام عمروس بن فتح المساكني النفوسي إمام من أئمة الدين وكهف من كهوف العلم في القرن الثالث الهجري )) . (2)
أرسل له أحد الأشياخ من علماء فزان رسالة يطلب منه أن يؤلف له كتاباً في الأصول ، فكتب إليه الكتاب المعروف بـ (( العمروسي )) وكتب إليه رسالة فلما رآه الفزاني ـ وهو الذي ألف الكتابين المعروفين بأصول الكلام ـ قال النفوسي أعلم مني... (3)
مميزاته وعصره
مميزاته :
فمن خلال ما استعرضنا في الأبواب السابقة تتجلى لك مميزات الشيخ فيما يلي :
الورع والتقوى : وكان له الحافز على العدل في القضاء ، كما أنه لم يسمح لنفسه بالحج عن أمه حتى يجد من زكاها له في الولاية .
الذكاء والاجتهاد : يمكن أن تتجسد ذلك من خلال بعض النماذج التي وضحتها لك في باب القضاء والفتاوى .
__________
(1) … الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص6 ، الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص324 ، الشماخي : السير ، ص227 .
(2) … الجيطالي : قواعد الإسلام ،ج1 ، ص12 ، تحقيق الشيخ عبد الرحمن بكلي .
(3) … الشماخي : السير ، ص229 .
حب العلم : والدليل هو : المدة التي قضاها في التعلم ، ثم تخصصه في الفتوى ، وكذا استنساخه للمدونة .
تقدير العلماء : يظهر ذلك جلياً في قصته مع داود بن ياجرين وماطوس بن هارون في إجازته شهادة أهل شروس كلهم .
إحقاق الحق : إن اقتحامه لأكثر القضايا ولو لم ترق الوالي أو الخصم يكفي دليلاً لذلك .
حب الجهاد : ولا أدل على ذلك من عدم تمكن العدو منه إلا بعد أن نصب له فخاً لإسقاطه .
الشجاعة والإقدام : فهو لا يخاف ممن يعارضه في فتوى ولو كانت نقيض رأي الحاكم ولا أدل على هذه الشجاعة من عدم الخضوع لابن الأغلب في طلب العفو منه .
عصره :
لقد وجد الشيخ عمروس في ظروف سياسية مضطربة لم تعرف الاستقرار إلا في فترات متقطعة قصيرة...
ففي المغرب : نجد ثورة ابن فندين ـ ثورة ابن السمح ـ ثورة نفات بن نصر ـ فتنة ابن عرفة ـ غارات الأغالبة على الدولة الرستمية وولاية نفوسة والقيروان ـ وقعة مانو ـ فتنة زواغة مع والي نفوسة ـ فتنة ابن طولون ، وعلى النقيض من هذا نجده قد عايش الازدهار العلمي الذي يعد فيه الشيخ واحداً من نماذجه ويكفي أن نعرف أن وقعة مانو فقط حصدت أربعمائة عالم من نفوسة وحدها ، ولا ندري كم حصدت الثورات الأخرى ليتجسد لنا هذا الازدهار الفائق في تيهرت .
كما أنه عايش أيضاً الازدهار الاقتصادي الذي امتاز به عصر الدولة الرستمية وضواحيها... هذا الازدهار الذي مد جذوره إلى السودان وغانا ومالي وتشاد وسجلماسة ، وشارك في نشر الإسلام في هذه الربوع التي لم يصل إليها الفتح الإسلامي إلا من خلال القوافل التجارية الآتية من شمال إفريقية . (1)
__________
(1) … لمزيد من المعلومات راجع : كتاب الدولة الرستمية ، للأستاذ بحاز إبراهيم .
أما في عمان بالمشرق : فإننا نجده في عمان قد عاصر إمامة غسان ابن عبد الله اليحمدي (207هـ) ـ وعبد الملك بن حميد (ت226هـ) ـ والمهنا بن جيفر (277هـ) ـ والصلت بن مالك الخروصي (ت273هـ) ـ وراشد بن النظر اليحمدي (ت277هـ) ـ وعزان بن تميم الخروصي (ت280هـ) ، ولقد كان الرخاء والاستقرار يسود عهود الأئمة الأربعة الأولى بصفة عامة لولا تقطعه بفترات من الكوارث الطبيعية والبشرية أما في عهد الإمام الخامس فقد عمت فيه الفوضى والتعصب للقبيلة ( عدناني ، يماني ) وبلغ أشده في عهد الأخير منهم فانتشرت الفتن الداخلية بين القبائل وتوالت حتى استنجد المضريون لخلع الإمام بعامل المعتضد العباسي محمد بن بور في عمان فاستغل الخليفة الفرصة لاحتلال عمان فأمد الوالي بخمسة وعشرين ألف مقاتل فأسفرت المعركة عن قتل الإمام وعدد كبير من العمانيين منهم أربعمائة عالم إلى أن بويع لمحمد بن الحسين الخروصي سنة 282هـ ، وثمانية آخرين إلى سنة 320هـ . ومع ذلك لم تخل من علماء أجلاء لهم باع طويل في التأليف والمناظرة مثل : موسى بن علي بن الحصين العنبري وبشير بن المنذر ـ أحد حملة العلم ـ ومحمد بم محبوب بن الرحيل ـ الذي التقى به الشيخ عمروس في مكة ـ وأبو المؤثر الصلت بن خميس وغيرهم كثير... (1)
أما في بغداد : فقد تعاقب على الخلافة الإسلامية هارون الرشيد (ت: 193هـ) ـ والأمين (ت: 198هـ) ـ والمأمون (ت: 218هـ) ـ المعتصم (ت: 227هـ) ـ والواثق (ت: 232هـ ) ـ المتوكل على الله (ت: 247هـ) ـ المنتصر (ت: 284هـ) ـ المستعين بالله (ت: 252هـ) ـ المعتز (ت: 255هـ) ـ المهتدي (ت: 256هـ) ـ المعتمد (ت: 279هـ) ـ المعتضد (ت: 289هـ) .
__________
(1) … لمزيد من المعلومات راجع : كتاب عُمان تاريخ يتكلم ، لمحمد بن عبد الله السالمي وناجي عساف ، والعقود الفضية في أمور الإباضية ، للحارثي ، ص256 .
وهذه القائمة الطويلة دليل على عدم الاستقرار السياسي في عاصمة الدولة العباسية ، وهذا لا ينفي وجود ازدهار مرموق في الجانب العلمي والاقتصادي .
أما في الأندلس : فقد شهد أواخر أيام عبد الرحمن الداخل (ت: 172هـ) ، ثم ولاية هشام الأول (ت: 181هـ) ، ثم ولاية الحكم الربضي (ت: 206هـ) ، ثم ولاية عبد الرحمن الثاني (ت: 238هـ) ، ثم ولاية الأمير محمد الأول (ت: 273هـ) ، ثم ولاية المنذر (ت: 275هـ) ، ثم ولاية عبد الله بن محمد (ت: 300هـ) . وبذلك يكون قد عاصر أيام تكون الدولة الأندلسية وأيام شبابها التي لم تخل ازدواجية بين السلم والحرب مع الداخل والخارج ، وبين الازدهار الاقتصادي والعلمي والتطور الاجتماعي ، فمثلاً عاصر عالم الطيران والكيمياء والفيلسوف الشاعر يحي الغزال ، والأديب الكبير أحمد بن عبد ربه . كما شهد عصره توسع مسجد قرطبة والتطور العمراني بالأندلس .
غير أن الشيخ فيما يبدو لم يكن له أي اتصال بهذه الحركات الحضارية في أطراف الدولة الإسلامية ، إلا ما كان عرضاً في آخر حياته من حروب نفوسة مع الأغالبة ، أو سفراً قاصداً أثناء لقائه مع ابن محبوب في مكة .
ولعل السبب يكمن في اكتفائه بالحركة العلمية بالمغرب الإسلامي ، وكذا ارتقائه منصب الصدارة العلمية في هذه الحركة حيناً من الدهر .
شخصيات لامعة عاصرها الشيخ
أثناء جمع معلومات الترجمة عثرت على كثير من الشخصيات الإباضية وغير الإباضية ، ذات المكانة العلمية أو السياسية التقى بها الشيخ أو عاصرها ، وهي مؤثرة في الأحداث بصورة أو بأخرى ، خاصة في مواطن الإباضية بالمغرب . ولعلك ـ أخي القارئ ـ قد التقيت مع أكثرها في الفقرات السابقة للترجمة ، فرأيت من الأفضل أن أحصرها لك في هذه القائمة ليسهل عليك ضبط تأثيراتها المباشرة أو البعيدة في تكوين حياة الشيخ وترقيتها .
الشخصية... علاقتها بحياة الشيخ... مصادر ترجمتها
أبو الحسن الأبدلاني... الفقيه الشهير ومنجد تيهرت... الشماخي : السير ، ص172
أبو بكر بن أفلح... إمام بتيهرت قتل ابن عرفة في عهده... الباروني : الأزهار ، ص222
أبو ذر أبان بن وسيم النفوسي... وال على جبل نفوسة وعالم... الباروني : الأزهار ، ص219
أبو عبيدة بن الأعرج... فقيه من تيهرت... الباروني : الأزهار ، ص243
أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني... وال على جبل نفوسة... الباروني : الأزهار ، ص143
أبو مهاصر موسى... عالم صاحب الشيخ... الشماخي : السير ، ص198
أبو ميمون... عالم وشهيد موقعة مانو... الشماخي : السير ، ص232 ، ص269
أبو نصر التمصمصي... عالم التقى به الشيخ... الشماخي : السير ، ص202
أحمد بن الحسين... عالم التقى به الشيخ... الشماخي : السير ، ص328
أفلح بن العبَّاس النفوسي... وال على جبل نفوسة وعالم... الباروني ، الأزهار ، ص245
أفلح بن عبد الوهَّاب... إمام بتيهرت وعالم... أبو زكريا : سير ، ص85
أيُّوب بن العبَّاس... وال على جبل نفوسة وفارسها... الباروني : الأزهار ، ص152
إبراهيم بن أحمد الأغلبي... قائد جيوش وقعة مانو... أبو زكريا : سير ص107
إلياس النفوسي ، أبو منصور... وال على جبل نفوسة وعالم... الباروني : الأزهار ، ص251
الطيب بن خلف بن السمح... زعيم معارضة لوالي نفوسة... الباروني : الأزهار ، ص277
بشر بن غانم ، أبو غانم... عالم من خراسان التقى بالشيخ... ابن خلفون : أجوبة ، ص11
جنا التنزغتي... عالم وشهيد وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص203 ، 269
خلف بن السمح بن عبد الأعلى... زعيم معارضة لإمامة أفلح... الباروني : الأزهار ، ص168
داود بن ياجرين... عالم من نفوسة... الشماخي : السير ، ص273
سدرات البغطوري ، أبو القاسم... عالم شارك في وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص235
سدرات بن إبراهيم المساكني... فقيه مفتٍ في نفوسة... الشماخي : السير ، ص230
سعيد بن أبي يونس القنطراري... عالم شارك في وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص214
سليمان الفرَّاء... عالم التقى به الشيخ... الشماخي : السير ، ص262
شيبة... عالم وشهيد وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص269
عبد الله بن الخير ، أبو محمًّد... عالم وإمام مسجد... الشماخي : السير ، ص236
عبد الوهاب بن عبد الرحمن ابن رستم... إمام بتيهرت ومدرّس بجبل نفوسة... أبو زكرياء : سير ، ص56
ماطوس بن ماطوس... عالم وشهيد وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص265
ماطوس بن هارون... عالم وشهيد وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص265
محكَّم الهواري... قاضِ بجبل نفوسة... الباروني : الأزهار ، ص210
محمد بن أفلح ، أبو اليقظان... إمام بتيهرت ومدرَّس ومجادل... الباروني : الأزهار ، ص236
أحمد بن طولون ، أبو العبَّاس... والي المأمون على مصر ومحارب نفوسة... طلس : تاريخ العرب ، ج6 ، ص36
محمد بن عبد الله ، أبو عبد الله... قاض بتيهرت... الباروني : الأزهار ، ص247
محمد بن عرفة... صهر أبي بكر بن أفلح ومساعده... الباروني : الأزهار ، ص223
محمد بن محبوب العماني... عالم التقى به الشيخ في مكَّة... ابن خلفون : أجوبة ، ص122
محمد بن يانس... المفسَّر الشهير ومنجد تيهرت... الشماخي : السير ، ص165
معبد... عالم وشهيد وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص242، 269
ملي الإيدرفي ، أبو محمد... عالم وحاكم بجادو... الدرجيني : طبقات ، ص333 الشماخي : السير ، ص284
مهاصر السدراتي ، أبو مرداس... شيخ زاهد وقور التقى بالشيخ... الشماخي : السير ، ص174
مهدي النفوسي الويغوي... المتكلم الشهير ومنجد تيهرت... الشماخي : السير ، ص170
ميال بن يوسف... عالم وشهيد وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص269
نفاث بن نصر النفوسي... زعيم فرقة النفًّاثية ومجادل... الباروني : الأزهار ، ص195
هود بن محكم الهواري... المفسر المشهور... هود بن محكم : تفسير ، مقدمة المحقّق
يزيد بن فندين... زعيم معارضة ورئيس فرقة... الباروني : الأزهار ، ص102
يوسف النفوسي ، أبو بكر... عالم بعد وقعة مانو... الباروني : الأزهار ، ص282
يوسف بن محمد ، أبو حاتم... إمام بتيهرت وعالم... الباروني : الأزهار ، ص265
ملاحظة :
ولا شك أنني لم أستقص جميع هؤلاء الأعلام ، وإنما على الأقل جمعت لك أغلبهم ، وقد اكتفيت بذكر مصدر واحد أو أثنين نظراً لأن أغلبها يأخذ بعضها من بعض .
هل هناك عمروس غيره في هذا الميدان ؟
إن المتصفَّح لكتب تاريخ الإباضيَّة يجد " عمروسين " غيره في المغرب ، وثالثهما من الأندلس ، ولكي نسلَّ شيخنا من بينهم كما تسلُّ الشعرة من العجين ، يجدر بنا التعريف بهم للتمييز بينهم .
أبو حفص عمروس بن عبد الله الزواغي :
ذكره الدرجيني في الطبقة التاسعة (400 ـ 450هـ) (1) وقال عنه الشمَّاخي : (( كان شيخاً مذكوراً في أهل الخير والصلاح )) . (2) وله حِكم وفتاوى مبثوثة في كتب اللقط والمعلقات .
أبو حفص عمروس اليفرني :
قال الشماخي : (( وقيل إنّ أهل أمرساون ذبحوا بقرة ولم تتحرّك فسألوا الشّيخ عمروس اليفرني وكان بتميجار... فقال : اجعلوا قطعة من لحمها في الماء فإن نزل فكلوه وإن طفا ولم ينزل فلا تأكلوها )) (3) .
وحسب التّراجم التي بعده وقبله يبدو أنّه من علماء الخمسين الثّانية من القرن السّابع الهجري وأوائل القرن الثّامن الهجري .
عمروس الأندلسي :
__________
(1) …الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص403 .
(2) …الشماخي : السير ، ص495 .
(3) …الشماخي : السير ، ص552 .
كان والياً على طليطلة أيام الحكم بن هشام الأوّل على قرطبة (180ـ 206هـ) وعمروس هذا من أصل إسباني وهو مدبّر فتنة طليطلة ـ يوم الحفرة ـ إذ أقام مذبحة ضّد الثورة التي ثارت على حكم البيت الأموي في الأندلس... فخمدت الأوضاع مؤقتاً لكن سرعان ما تحولت إلى عصيان مدني عصف بالاستقلال الداخلي أكثر من ربع قرن (1) .
وعليه فإنه من الواجب عليك ـ أخي القارئ ـ أن لا تحسب الشّحم فيمن لحمه ورم... وطبعاً لا بدّ من تميز بين صاحب المخطوط وهؤلاء الثّلاثة وغيرهم مّمن لا أعرفهم بالسياق والسّباق والقرائن ، { أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[6] } (2) .
المراجع المعتمدة في الترجمة
أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي : كتاب السير ، ط حجرية ، القاهرة ، 1301هـ / 1884م .
أبو العبَّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني : كتاب طبقات المشايخ بالمغرب ، ت . إبراهيم طلاي ، مطبعة البعث ، قسنطينة ، الجزائر ، 1975م .
أبو زكريا يحي بن أبي بكر الوارجلاني : كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، ت . إسماعيل العربي ، مطبعة أحمد زبانة ، الجزائر ، 1399هـ / 1979م .
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني : الدّليل والبرهان ، ط حجرية ، البارونيّة ، مصر ، 1306هـ / 1889م .
أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي : قواعد الإسلام ، ت . عبد الرحمن بن عمر بكلّي ، المطبعة العربيّة ، غرداية ، الجزائر ، 1397هـ / 1977م .
أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي : قناطر الخيرات ، ت . عمرو خليفة النامي ، القسم الأوّل ، الطبعة الأولى ، مطبعة الاستقلال الكبرى ، القاهرة ، 1385هـ / 1965م .
عبد الله بن يحي الباروني : رسالة سلّم العامّة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين ، ت . سليمان باشا الباروني ، مطبعة النجاح ، مصر ، 1324هـ / 1906م .
__________
(1) …د. حسين مؤنس : معالم تاريخ المغرب والأندلس ، ص278 .
(2) …الآية 6 من سورة الحجرات.
علي يحيى معمّر : الإباضية في موكب التاريخ ، ج2 ، الإباضية في ليبيا ، القسم 1 ، مكتبة وهبة مصر ، 1384هـ / 1964م .
أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي : اللمعة المرضية في أشعّة الإباضية ، ضمن مجموعة ستّة كتب ، غرداية ، الجزائر .
سالم بن حمد الحارثي : العقود الفضيّة في أصول الإباضيّة ، دار اليقظة العربيّة ، سوريا ، لبنان ، 1394هـ / 1974م .
سليمان بن عبد الله الباروني : الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية ، مطبعة الأزهار البارونيّة .
أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي : الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخلّ به كتاب الطبقات ، ط . حجرية ، القاهرة ، 1302هـ / 1885م .
أبو زكريا يحيى بن أبي الخير الجناوني : كتاب الوضع ، ت . أبو إسحاق إبراهيم أطفّيش ، ط1 ، مطبعة الفجالة الجديدة ، القاهرة ، مصر .
أبو الربيّع سليمان بن عبد السلام الوسياني : سير مشايخ المغرب ، ج1 ، مخطوط بدار التلاميذ بالعطف ، غرادية ، الجزائر .
إبراهيم بم بكير بحّاز : الدّولة الرستمية ، مطبعة لافوميك ، الجزائر .
محمد بن عبد الله السالمي وناجي عساف : عمان تاريخ يتكلم ، المطبعة العمومية ، دمشق ، 1383هـ / 1969م .
ابن عذاري المراكشي : البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج1 ، ت . ج . س . كولان وإ . ليفي بروفنسال ، ط2 ، دار الثقافة ، بيروت ، 1980م .
د. حسين مؤنس : معالم تاريخ المغرب والأندلس ، مؤسسة المعارف للطباعة والنّشر ، بيروت ، ط1 ، 1397هـ 1977م .
دار الكتب طرابلس ، دليل المؤلفين العرب الليبيين ، مطابع الثورة ببنغازي ، ليبيا ، 1397هـ / 1977م ,
الحسن بن محمد الوزان الفاسي ، وصف إفريقيا ، ترجمة محمد حجي محمد الأخضر ، ط2 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت 1403هـ / 1983م .
د. محمد أسعد طلس : تاريخ العرب ، ج6 ، ط3 ، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ، 1403هـ / 1983م .
القسم الثاني
حول التعريف بالمخطوط وإثباته
إثبات نسبة المخطوطة إلى المؤلف
هذا المخطوط النفيس أثبت نسبته إليه القدماء والمحدثون من المؤرخين والمحققين الإباضية وغيرهم ، نذكر منهم :
أبو زكريا يحي بن أبي بكر الورجلاني (ت: 471هـ) في كتاب سير الأئمة وأخبارهم قال : (( وكان عمروس عالماً كبيراً له كتابان في الأصول والفقه .. )) (1)
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ( ت: 570هـ ) في الجزء الثاني من كتاب الدليل والبرهان قال : (( وأما قول عمروس فيما يسع الناس جهله فيما ضيقه المشايخ على الناس وسَّعه هو ، قال عمروس : (( والذي يسع جهله من الإيمان حتى يحل تفسيره ، فما كان من تفسير جملة التوحيد ، مثل إنفاذ الحدود على الله عز وجل )) (2) فهذه العبارة مأخوذة من هذا الكتاب نفسه ، فراجعها في ص {11} من المخطوط الأم .
وكذلك ذكر عبارة أخرى من هذا الكتاب نفسه : (( إنما يقيم الحجة في دين الله العالم الغاية الذي لا يوجد على قوله مزيد... )) (3) فراجعها في المتن .
__________
(1) …أبو زكريا : في كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، ص99 .
(2) …الوارجلاني : كتاب الدليل والبرهان ، ج2، ط . البارونية ، مصر ، 1306هـ ، ص14.
(3) …المصدر نفسه : ص77 .
أبو القاسم بن إبراهيم البرادي (ق9هـ / 15م) ذكره في الرسالة التي ألفها في تقييد كتب الإباضية (المشارقة وأهل جبل نفوسة والمغاربة) .. حيث استهل به ـ تآليف جبل نفوسة ـ فقال : (( وأما تواليف أصحابنا أهل الجبل فمنها كتاب الشيخ أبي حفص عمروس بن فتح من أهل القرن الثالث... (1) .
أبو العباس أحمد بن عبد الواحد الشماخي ( ت: 928هـ ) في كتاب السير قال : (( وبعث إليه بعض الأشياخ المتكلمين من أهل فزان أن يؤلف له كتاباً في الأصول فكتب إليه الكتاب المعروف بالعمروسي... )) (2) .
القطب محمد بن يوسف أطفيش ( ت: 1332هـ ) استشهد ببعض نصوص هذا الكتاب في موسوعته شرح النيل وشفاء العليل ؛ وحتى صاحب المتن عبد العزيز الثميني رحمهم الله جميعاً (3) .
الدكتور عمر خليفة النامي (؟) ذكره برقم 12 ، ضمن قائمة المخطوطات التي ضبطها عام 1970م ، حيث رآها في زيارته إلى مناطق الإباضية في شمال أفريقيا عام 1968م (4) .
__________
(1) …انظر كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي الإباضي الذي حققه د. عمار طالبي بعنوان " آراء الخوارج الكلامية " ، ج2 مطابع الشروق ، بيروت ، نشر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر 1978م ، ص287 ، وانظر الجوهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات لأبي القاسم بن إبراهيم البرادي ، الطبعة البوني ، مصر 1301هـ ، ص219 ، وانظر اللمعة المرضية من أشعة الإباضية لعبد الله بن حميد السالمي ضمن مجموعة ستة كتب ، ص85 .
(2) …الشماخي : السير ، ص229 .
(3) …انظر مثلاً : ج4 ، ص9 . وقارنها بصفحة {9} من مخطوط هذا الكتاب . ج14 ، ص612 ، وقارنها بصفحة {25 } من مخطوط هذا الكتاب .
(4) …. Jornal Of Islamic studies : Adscription of new Ibai manuscripts from North Africa , by A. K . Ennami ,p.80.
عبد الرحمن بن عمر بكلي ( البكري ـ محبس مكتبة البكري التي أخذت منها مخطوطة ( ب ) ـ : 1986م ) ، تقبل الله منه وأجزل مثوبته ، قال في تحقيقه لكتاب " قواعد الإسلام " للشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي : ((... فترك لنا كتباً قيمة... وكتاب الدينونة... )) (1) .
بطاقة تعريف تقنية عن النسخ المعتمدة
وصف المخطوطة ( أ )
مكانها : هي عبارة عن ورقة مزدوجة انفصلت عن مجموع المخطوطة ، وجدتها في مجموعة من مخطوطات شيخنا الناسخ : الحاج سعيد الحاج محمد بن باحمد العطفاوي ، رحمه الله رحمة واسعة ( ت : 1411هـ / 1990م ) في مكتبته بالعطف .
بدايتها : ((... مملوكاً وذلك لقوله تعالى : { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ }... )) .
نهايتها : ((... فلما كان هذا هكذا ثبت أن الإقامة إنما هي الوقت... تم الكتاب والحمد لله رب العالمين ، على كاتبه لنفسه )) .
عدد الأوراق : 4 صفحات تامة لكنها ممزقة من فوق .
مقاسها : 7,17 سم × 24 سم .
عدد الأسطر : 26 سطراً في كل صفحة .
خطها : مغربي مفهوم واسع ، لولا انفساح عام طرأ على صفحاتها بعوامل الزمن ، ويتخلله اللون الأحمر في عناوينها .
ناسخها : باحمد بن الحاج قاسم بن دادي حني بن باحمد بن عيسى بن الحاج سعيد العطفاوي .
تاريخ النسخ : يوم 11 رمضان المعظم 1296هـ
وصف المخطوطة ( ب)
مكانها : يقع نص المخطوطة ( ب) الذي نقلت منه هذا الأصل ضمن مجلد تحفظه لنا مكتبة البكري ـ العطف ـ ولاية غرداية ( الجزائر ) برقم (م31/ ع1) . وبعدها كتاب فيه فوائد أخذت من شرح الشيخ عمرو بن رمضان الجربي التلاتي للعقيدة الإباضية المسماة : (( مقدمة التوحيد )) .
__________
(1) …ج1 ، ط1 ، المطبعة العربية ، غرداية 1976م ، ص12 .
بدايتها : )) { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } . صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما . كتاب فيه أصول الدينونة الصافية ، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه .
الحمد لله أرانا الحقَّ ببرهانه ، وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة... فهذه محنة الفصل بين التوحيد وجميع ملل الشرك الخمسة... )) .
نهايتها : ((... ووجوه تربيته تعالى لخلقه لا يحيط بها إلا هو... فلما كان هذا هكذا أثبت أنَّ الإقامة إنما هي الوقت... تم الكتاب والحمد لله ربَّ العالمين... )) .
عدد الأوراق : 24 ورقة أي 47 صفحة .
مقاسها : 5,21 سم × 16 سم .
عدد الأسطر : 24 أو 25 سطراً في كلَّ صفحة .
خطها : مغربي مفهوم ، ويتخلله اللون الأحمر للعناوين والفقرات .
ناسخها : لم يذكر في نهايته وإنما أخذته من المخطوط الذي قبله ، لتشابه الخط ، وهو حاج بن محمد بن بكلي .
تاريخ النسخ : لم يذكر في نهايته وإنما أخذته من المخطوط الذي قبله ، لتشابه الخط . وهو يوم الخميس 1ربيع الثاني 1275هـ
قيمتها : تتمثل في أنها تامة وفي وضوح خطها رغم كثرة أخطائها النحوية والنسخية .
وصف المخطوطة (ج)
مكانها : يقع نص المخطوطة (ج) التي قابلتها على هذا الأصل وصححته عليها في بدايته ، مصورة صورة طبق الأصل ، تحفظها لنا مكتبة المدرسة الجابرية ببني يزقن ـ ولاية غرداية ـ ( الجزائر ) . بعدها : مخطوطة رسالة الحقائق للشيخ أبي القاسم بن إبراهيم البرادي... وغيرها من متناثر الفوائد .
بدايتها : (( { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } . صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما . كتاب فيه أصول الدينونة الصافية ، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه .
والحمد لله أنار الحق ببرهانه ، وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة... )) .
نهايتها : (( فلما كان هذا هكذا ثبت أن الإقامة إنما هي للوقت... تم الكتاب والحمد لله رب العالمين... )) .
عدد الأوراق : 28 صفحة مرقمة وقد صورت من وجه واحد .
مقاسها : 18سم × 27سم .
عدد الأسطر : 28 سطراً في كل صفحة .
خطها : مغربي رقيق ومتعِب إلا أنه مفهوم .
ناسخها : مجهول .
تاريخ النسخ : مجهول .
قيمتها : تتمثل في أن الناسخ له دراية بالنحو ، وأمين في النسخ وتامة .
عرض المخطوطة ( د )
مكانها : توجد ضمن مجلد به مجموع مخطوطات قيمة في مكتبة الحاج بابكر بن مسعود الغرداوي وهي عند حفيده الأستاذ بابكر الحاج يوسف .
بدايتها : (( { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وبه نستعين {كذا} ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
كتاب فيه أصول الدينونة الصافية ، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه .
الحمد لله الذي أنار الحق ببرهانه... ))
نهايتها : (( فلما كان هذا هكذا ثبت أن الإقامة إنما هي للوقت... تم الكتاب والحمد لله في 6شعبان سنة 1124هـ )) .
عدد الأوراق : 19 ورقة .
عدد الأسطر : 25سطراً .
مقاسها : 22سم × 16سم .
ناسخها : حسب المخطوط الذي قبله والذي بعده هو السيد يحيى بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الواحد بن عبد الرحيم ابن عبد الواحد الفناص اليفرني .
تاريخ النسخ : 6شعبان 1124هـ .
خطها : مغربي واضّح .
مدادها : أسود وأحمر .
ملاحظة : في وجه كل ورقة منها مكتوب : (( وقف على المصعبيين )) .
قيمتها : أنها تامة ، وخطها واضح ، وتاريخ نسخها أقدم ما في أيدينا من النسخ ، وأهم ما تمتاز به الدقة في الضبط وقلة الأخطاء . لذلك اعتمدناها أمّا لباقي النسخ .
عرض المخطوطة ( هـ )
مكانها : توجد ضمن مجلد به مجموع مخطوطات قيمة بمكتبة الحاج بابكر ابن مسعود الغرداوي وهي عند حفيده الأستاذ بابكر الحاج يوسف .
بدايتها : (( { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .
كتاب فيه أصول الدينونة الصافية ، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه .
الحمد لله الذي أنار الحق ببرهانه... )) .
نهايتها : (( فلما كان هذا هكذا أتيت [ كذا ] أن الإقامة إنما هي للوقت ثم [ كذا ] .
عدد الأوراق : 28 ورقة .
عدد الأسطر : بين 23 و 24 سطراً .
مقاسها : 21 سم × 16 سم .
ناسخها : مجهول .
تاريخ النسخ : مجهول ويحتمل أنها نسخت في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر بعد السابقة .
خطها : مغربي واضح .
مدادها : بني وأحمر .
ملاحظة : * تنقصها ورقة واحدة بين صفحة 40 و41 .
* بداية المخطوطة لا بأس به من حيث نقص الأخطاء ، ولكنها في الوسط والآخر مليئة بالأخطاء الإملائية والنحوية وغيرها...
* بعدها نصف صفحة بها فوائد في الأذكار .
قيمتها : أنها تامة إلا خرم ورقة واحدة ، وخطها واضح ، وتاريخ نسخها يبدو أنه قديم نسبيا .
ملاحظة عامة عن النسخ المعتمدة :
نلاحظ أن النسختين ( ب ) و( جـ ) كثيرا ما تتفقان على مواضع الخطأ ، أو السقط... مما يجعلنا نرجح أنهما من أصل واحد ، أو أن إحداهما أماً للأخرى .
ونفس الملاحظة يمكن أن تقال عن النسختين : ( د ) و ( هـ ) . فهما من أم واحدة , ورغم قدم ( د ) أكثر من ( هـ ) فإنه يستبعد أن تكون أماً لها ، لأن في الثانية بعض الإضافات غير موجودة في الأولى .
إثبات عنوان الكتاب
لقد ورد عنوان الكتاب في النسخ المعتمدة على لفظين : في ( ب ) و( د ) و( ج ) كتب : " أصول الدينونية الصافية " بالياء بعد النون الثانية... وفي نسخة ( هـ ) ضبط بلفظ " أصول الدينونة الصافية " بدون ياء بعد النون الثانية ، وهو الأصوب لما يلي :
أن هذه النسخ كلها تتفق في العبارة التي ختم بها باب العقيدة قائلا : (( وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية )) (1) .
من الجانب اللغوي في المعاجم لا نجد المصدر في كلمة " دان " إلا بلفظ " ديانة ودينونة " لا " دينونية " على صيغة النسبة ، ولا مجال للنسبة في هذا المكان ويرد في تعابير الفقهاء قولهم : (( فعل هذا دينونة )) (2) أو (( قال دينونة )) أي اعتقادا صحيحا .
لقد ورد هذا العنوان بلفظ " الدينونة " عند بعض المحققين المتأخرين مثل الشيخ عبد الرحمن بكلي والشيخ فرحات الجعبيري والدكتور عمرو النامي... بينما المتأخرون منهم لو يورده أحد بهذا الاسم إلا النساخ .
فأميل إلى أن النساخ هم الذين وضعوا هذا العنوان له وقد اقتسبوه من وسط الكتاب... والله أعلم بالصواب .
عرض المخطوطة :
تنقسم المخطوطة إلى ثلاثة أبواب رئيسية هي :
قسم العقيدة .
قسم العبادات .
قسم المعاملات .
وفي كل قسم تظهر عناوين مهمة جامعة لمعلومات ذات محور واحد ، تمتاز :
بضبط الحكم مباشرة ولو بدون دليل شرعي في بعض الأحيان ، اعتمادا على الدليل العقلي الموضوعي .
كما أن أسلوب الجدال والرد على مناقض رأي المذهب الإباضي ؛ ومقارعة الحجة بالحجة كان سيد الموقف في أغلب الأبواب . ولكنه كان أكثر وضوحا في باب العقيدة لأنه الميدان الخصيب لذلك النوع من الأساليب .
ومما يلاحظ أيضا في نصوص هذا الكتاب هو تسليط الضوء على بعض القضايا التي كانت محل خلاف أو اعتناء في اوساط الإباضية خاصة سكان جبل نفوسة ؛ بحيث إذا عرضناها على واقع هذه المنطقة اتضح لنا وجه الموافقة ، فمثلا : نجد مسألة الزكاة وبالضبط قسم الأنعام منها وقع فيها الإطناب والتوضيح بصورة ملفتة للانتباه ، والسبب واضح في أن المنطقة كانت منطقة رعي ورعاة وزهاد .
__________
(1) …انظر ص 13 من المخطوط .
(2) …انظر قوله : (( ومن قتل بالدينونة )) ص 27 من المخطوط .
والمثال الآخر : يتضح لنا جليا في عرض فريضة الحج عرضا واسعا أكثر من جميع الفرائض الأخرى ، وخاصة مسألة (( منهيات الإحرام وكفاراته )) ، ولعل السبب يرجع أيضا إلى واقع نفوسة التي وصف أهلها (( بأنهم أكثر الناس حجا وأزكاهم نهجا ، حتى إنهم كانوا يحجون بالنساء والذرية )) . (1)
كما نلاحظ أن هذه الأحكام قد اعتنت بجانب كبير من المعاملات المالية ـ سلبا وإيجابا ـ مثل الغنائم والمواريث التي تنتج عن كثير من الحروب التي خاضتها نفوسة في جبل نفوسة وفي تيهرت ـ بالجزائر ـ إذ أن أكثر إمدادات الحروب إلى الحكم الرستمي كانت من شرآة نفوسة الشجعان .
كما أن تفصيل الكلام في قضية قطاع الطرق والقصاص يبين لنا الأجواء التي كانت تعيشها منطقة المغرب بصفة عامة من كثرة الغارات والاعتداءات على الأموال والأنفس والثمرات ، سواء بين القبائل في الداخل او مع الجيران في الخارج كالأغالبة .
والملاحظة الأخيرة التي لا شك أنك أخي القارئ قد اكتشفتها أثناء تصفحك لفهرس الكتاب هي غياب الترتيب التسلسلي لمسائل بعض الفصول والأبواب . مثل وجود (( مسألة سنن الختان والأذان )) في آخر الكتاب رغم أنهما من مسائل الطهارة والصلاة . وسوف لا تكترث لمثل هذه الملاحظة إذا عرفت أنها ميزة أغلب الكتابات الإباضية في ذلك العصر ، سواء في التاريخ أو الشريعة (2) .
القيمة العلمية للمخطوطة :
يمكن لي أن أحصر القيمة العلمية لهذا الكتاب في أربع نقاط أساسية هي :
__________
(1) …الوسياني : سير ( مخ ) ج 1 ، ص 7 ، الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص325 ، الشماخي : السير ، ص228 .
(2) …لاحظ كتاب : بدء الإسلام وشرائع الدين ، لابن سلام الإباضي ، تح . ق . شفارتز والشيخ سالم بن يعقوب . والكتاب في التاريخ أصلا ، وإنمما سوف تجد فيه العقيدة والشريعة .
تساهم في كشف جوانب هامة عن التأليف عند الإباضية في عهد الدولة الرستمية ، هذه الدولة التي أبيدت معالمها من الجذور بعد أن أحرق الفاطميون مكتبتها (( المعصومة )) العظيمة ، لولا وجود كتب محفوظة هنا وهناك ، يتوارثها الأبناء عن الآباء في جو من السرية والحيطة المتناهيين ، إلى أن وصلتنا ، مثل هذا الكتاب .
أنها توضح لنا جوانب عن شخصية أحد الأعلام المغمورين في التاريخ الإسلامي للقرن الثالث الهجري ؛ هذه الشخصية التي ظلت مضرب المثل عبر القرون ـ للجد والنشاط واغتنام الفرص ـ فبارك الله في عمر الشيخ عمروس لإخلاص نيته في خدمة الإسلام ونفع عباد الله .
لها فضلها في الحفاظ على نصوص من مدونة أبي غانم الخراساني ، بل تلخيص بعضها تلخيصاً يتناسب مع طريقة التأليف في المغرب الإسلامي ، إذ أنها تعرض الإسلام على قوم عجم ليس لهم باع عريض في اللغة العربية ، فيبسط لهم الكلام ويمدده . (1)
إذا استعرضنا نصوص الكتاب إلى المنهجية العلمية في التأليف وجدناها لا تفقد حظها من ذلك ، إذ أنها : تعتمد على الدليل الشرعي والعقلي في أحكامها ، وتستعمل السند ـ ولو كان عاماً ـ في إثبات الترجيحات والاجتهادات الخاصة لكل مدرسة ، واختيار العبارات الواضحة ، حتى يتمكن العامي من فهمها .
أما النقطة التي نفتقرها في المصادر التي تحدثت عن الشيخ وآثاره ، فهو إظهار سبب تأليف هذا الكتاب بصورة مباشرة . ولعل السبب مذكور داخل الكتاب ولكنه غير كافٍ : (( وأردت أن أقصد بكتابي إلى بعض أمور تكون فيه الحاجة مما كلف الله به العباد )) . (2)
ولعله يرجع إلى عدم معرفة هذا الكتاب بعنوانه هذا منذ القديم ، والله أعلم بالحقيقة .
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
__________
(1) …قارن : أوقات الصلاة ، صلاة الجماعة ، زكاة الإبل ، زكاة الفطر ، الأذان... بما في مدونة أبي غانم الخراساني .
(2) …انظر ص10 من المخطوط .
وبه نستعين (1)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

القسم الثالث
كتاب فيه أصول الدينونة الصافية
تأليف
الإمام الفقيه
عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه
مقدمة الباب الأول
[ مسائل في العقيدة ]
مقدمة
الحمد لله الذي أنار (2) الحق ببرهانه وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة التي قطع الله بها عذر المبطلين ، وشهد بها على أعدائه بما أراد عزّ وجلّ ، لئلا يكون للعاصي (3) في معصيته عذر ، ولا يهلك من هلك إلا بعد إعذار وإنذار ، بعث رسله تترى ، وأنزل كتبه تتلى { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } (4) { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } (5) .
وأن الناس لم يختلفوا في شيء قط إلا وقد بينه الله في كتابه : { وَلكِن(6) يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } (7) { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } (8) { فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ } (9) { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء } (10) فلا يصل إليه الخير ، فهو على شبهة من أمره .
__________
(1) …في ( د ) (( وبه نستعين )) . وهو تصحيف .
(2) …في ( ب) : (( أرانا )) .
(3) …في ( د ) : (( للعاصين )) .
(4) …الآية 165 من سورة النساء.
(5) …الآية 42 من سورة الأنفال.
(6) …في ( د ) ( هـ ) : (( ولكن الله يضل...)) وهو خطأ إذ لا توجد آية هكذا .
(7) …الآية 93 من سورة النحل.
(8) …الآية 125 من سورة الأنعام.
(9) …الآية 22 من سورة الزمر.
(10) …الآية 125 من سورة الأنعام.
شرع الله دينه وبينه وأخذ على جميع من علمه إياه (1) الميثاق { لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } (2) .
وقد عبر الله تعالى قوماً لم يفعلوا ذلك ، فقال عزّ وجلّ : { فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } (3) .
وقوله : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } (4).
[ مسائل في العقيدة ]
[ المعاملة بين الموحدين ]
__________
(1) …في ( هـ ) سقط : (( إياه )) .
(2) …الآية 187 من سورة آل عمران.
(3) …الآية 187 من سورة آل عمران.
(4) …الآية 159 من سورة البقرة . وفي ( هـ ) : ((... ما أنزل الله من البينة... )) وهو خطأ .
فأول ما نحن ذاكروه : الإقرار لله بالوحدانية وأنه لا يشبهه شيء من خلقه ، وليس له شريك ، وأن محمداً عبده ورسوله ، والإقرار بما جاء به أنه الحق من الله ، فمن أقر بهذا فقد خرج من الشرك ، فهذه محنة (1) الفصل بين التوحيد وجميع ملل الشرك الخمسة ؛ (2) وإلى هذه (3) كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو المشركين ، فمن استجاب له كان مسلما ؛ ثم ابتلاهم الله بعد ذلك بالفرائض ، ومحصهم بها ، فقال عز وجل { الم[1] أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ[2] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[3] } (4) بغير الابتلاء (5) إلى قوله { ْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا } (6) في عمل ما أقروا به ، وهم المؤمنون { وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } (7) أهل الخيانة والتضييع لعمل ما أقروا به ، فسماهم الله منافقين ، اسماً لم يسم به أحداً من ملل الشرك ، فيهم كانت الحدود ، فهم مع المؤمنين ، جرت بينهم الحقوق من المناكحة والموارثة ، وأكل الذبائح ، والمدافنة [ 02 ] مع المسلمين ، وقبول الشهادة ، والقيام على جنائزهم ، والحج معهم ، والقصاص ، وتسويتهم في القود (8) والدية ، فهم بإقرارهم مع المسلمين في الأحكام . لا يبطل منهم بنفاقهم إلا ما أبطله القرآن ، من تحريم ولايتهم ، وتسميتهم بالإيمان وقد نفاه الله عنهم ، وتسميتهم بالكفر والنفاق ، (9)
__________
(1) …المحنة : الصفاء والنقاء .
(2) …إشارة إلى : المشركين ، اليهود ، النصارى ن المجوس ، والصابئين .
(3) …في ( هـ ) : (( هذا )) .
(4) …الآيات من 1 إلى 3 من سورة العنكبوت.
(5) …في ( د ) : (( الابتلى )) .
(6) …في ( هـ ) : (( وليعلمن )) . وهو خطأ .
(7) …سورة العنكبوت : 1 ـ 3 .
(8) …في ( ب ) و( ج ) : (( القود )) والصواب ما أثبتاه من ( د ) و ( هـ ) .
(9) …قوله : (( وتسميتهم بالكفر والنفاق... )) معطوف على قوله : لا يبطل ، ولا يدخل في الاستثناء ، أي يجوز تسميتهم بالكفر ـ كفر نعمة ـ وبالنفاق .
وتحريم التسمية لهم بالشرك ، ما لم ينكروا ما أقروا به (1) من التوحيد وإن كان الكفر يجمعهم .
فكان الناس على ثلاث (2) منازل ، كما قال الله تبارك وتعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا } : لنفسه { جَهُولا ً } : لأمر ربه... ثم قال : { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ } : فهذه منزلتان في الكفر ، { وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } : أهل الوفاء بالقول والعمل { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا[73] } (3) .
[ المنزلة بين المنزلتين ]
فهذه ثلاث(4) منازل في الخلق معروفة بأسمائها ، مختلفة في أحكامها ومنازلها ، ومن عدل الله أن يجمعهم من حيث اجتمعوا ، ويفرقهم من حيث افترقوا .
المشرك : المنكر للقول والعمل .
والمنافق : المقرّ بالقول المضيّع للعمل .
والمؤمن : الموفي (5) بما أقر به من القول والعمل .
__________
(1) …في نسخة ( ب ) : (( ما أقروا )) . وهو تحريف .
(2) …في ( هـ ) : (( ثلاثة )) .
(3) …الآية 73 من سورة الأحزاب.
(4) …في ( هـ ) : (( ثلاثة )) .
(5) …في( د ) : (( الموف )) . وهو خطأ إذ لا موجب لحذف الياء .
ولا يسمى أهل النفاق بالشرك ، وإن كان يجمعهم اسم الكفر ؛ كما لا يسمى أهل الشرك بالنفاق ، وإن كانت النار تجمعهم واسم الكفر... فهم كما قال الله : { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً[143] } (1) . لا هم مع المؤمنين في الاسم والثواب ، ولا هم مع المشركين في الحكم والسيرة ، قال الله : { مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ } (2) .
وندعوهم إلى ترك ما به ضلوا وكفروا ، فمن أبى قبول ما دعونا إليه ورد دعوتنا ، وسفًَّه مقالتنا ، وباين مناصبتنا (3) استحللنا قتاله ، ولا تجاوز سفك دمائهم إلى غنيمة أموالهم وسبي (4) ذراريهم ، محرم ذلك علينا ، لإقرارهم بتوحيد ربهم ، ولا يحرم منهم شيء مما كان أحلّ لنا منهم ، إلا الولاية وتسميتهم بالاسم الذي زال عنهم من اسم الإيمان ؛ وإنما كان السبي والغنيمة في أهل الشرك ، وقد حكم الله بذلك أحكاما ، وسار فيها نبي الله بسيرة معروفة ، اتبعها المؤمنون (5) حين ابتلوا فكنا أتباعاً غبر مبتدعين .
[ معاملتنا لأهل الكتاب ]
__________
(1) …الآية 143 من سورة النساء.
(2) …الآية 14 من سورة المجادلة.
(3) …المناصبة : المقاومة والعداوة
(4) …في ( د ) و ( هـ ) : (( وسبا )) وهو جائز ، فهو سبي يسبي سباءً ، وإنما حذفت الهمزة على عادة غالب النساخ المغاربة على الخصوص . وصححناها هنا وفيما سيأتي تماشيا مع ما يجري في الألسن . ولم نشر إلى ذلك في الهامش لكثرة ورودها ..
(5) …في ( هـ ) : (( المسلمون )) .
وننزل أهل الكتاب حيث أنزلهم الله : أن يقاتلوا حتى يقروا بالجزية عن ذل وصغار ، ونستحل منهم إذا أقروا بالجزية نكاح الحرائر منهم (1) ـ وهم أهل الملل الثلاث : اليهود والصابوون والنصارى ـ ، وقد قال الله في كتابه : { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ } إلى قوله : { عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } (2) يعني : عن ذل وهم صاغرون (3) .
وقال : { أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } : [ 03 ] يعني الحلال كله ، { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ } : يعني ذبائحهم ، ثم قال : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ } يعني الحرائر منهم ، { إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } : أن تتزوجوهن بمهورهن ، فتبين (4) بقوله : { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } (5) ناكحين غير زانين معلنين { وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } يعني أن يتخذ أحدكم خليلة يزني بها في السر ، فحرم الله ذلك ـ سره وعلانيته ـ كما قال في سورة الأنعام : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } (6) . وفي الأعراف : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } (7) .
__________
(1) …في ( هـ ) : ((من نسائهم)) .
(2) …الآية 29 من سورة التوبة.
(3) …في ( ب ) سقط : (( يعني عن ذل وهم صاغرون )) .
(4) …كذا في النسخ والأنسب : (( تبين )) .
(5) …الآية 5 من سورة المائدة.
(6) …الآية 151 من سورة الأنعام.
(7) …الآية 33 من سورة الأعراف.
وإذا حاربوا وأبوا الجزية ، تركنا تحليل ذلك منهم ، لأنهم يسبون في ذلك الحال ، فلا يحل لمسلم أن يتزوج امرأة يحل سبيها لغيره ، ولا نستحل نكاح إماء أهل الكتاب لأن الله لم يذكر في التحليل إلا الحرائر .
ويوطأن(1) بملك اليمين ، لأن الله أحل للرجل ما ملكت أيمانهم ، ما لم يكونوا بمنزلة التي يحرمهن المسلمون، من ذلك : الرواضع ، والمشركات ، وما دخلت بمن يحرمها ، أو دخل بها من يحرمها ، أو ذوات البعولة ، وما يشبه ذلك من الحواجز .
وليس على الرجل وقت (2) عدد في التسري . ولا يتزوج الحر الأمة إلا مضطراً ، ولا يتزوج إلا واحدة ؛ وإن وجد المضطرُ الصبر عن تزويج الأمة فهو خير له ، كما قال الله (3) : { وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } (4) .
[ معاملتنا مع المجوس ]
وحكمنا في المجوس ما حكم الله فيهم ، وسار به نبي الله عليه السلام : أن يقاتلوا ، حتى يقروا بالجزية ، فإذا أقروا أخذت منهم { عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } (5) ، ثم تركوا على ما هم دائنون به لأن الله يقول : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } (6) ، وقد يقال : أكره على الدين ، ولا تكره فيه ، ولا تؤكل (7) ذبائحهم ولا تنكح حرائرهم ـ سلما كان أو جربا ـ .
[ معاملتنا مع المشركين ]
__________
(1) …في ( هـ ) : (( يطين )) .
(2) …كذا في النسخ ولعل الصحيح : (( وقف عدد )) . أو معناه انتظار أيام العدة .
(3) …في ( هـ ) : سقط : (( الله )) .
(4) …الآية 25 من سورة النساء.
(5) …الآية 29 من سورة التوبة.
(6) … الآية 256 من سورة البقرة.
(7) …في ( هـ ) : ((وتوكل)) .
وحكمنا في عبدة الأوثان ما حكم الله فيهم وسار نبي الله عليه السلام : القتل (1) حتى يدخلوا في الإسلام ، لا يقبل منهم إلا الدخول في الإسلام ، لا تقبل منهم جزية ، لأنهم ليس لهم دين (2) يقرون عليه . والمجوس يدَّعون أثره من العلم وأنهم ـ زعموا ـ أهل دين آدم ، ولذلك (3) أخذت منهم الجزية... وأما عبدة الأوثان فلا يدعون (4) دينا... وفيهم أنزل الله : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } : يعني شركا ، { وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ } (5) . فهذه ملل الشرك فقد ذكرناها ن وبينا السيرة في كل ملة... وفيهم كان السبي والغنائم .
[ معاملتنا للمنافقين ]
__________
(1) …لعل الصحيح : (( القتال )) .
(2) …كذا في النسخ ، والأنسب : (( لأنهم ليسوا على دين )) .
(3) …في النسختين : ( ب ) و( ج ) : (( وذلك )) . والأنسب : ما أثبت في ( د ) و ( هـ ) .
(4) …في النسختين : ( ب ) و( ج ) : (( فلا يدعوا )) . وهو خطأ .
(5) …الآية 193 من سورة البقرة.
وأما المنافقون فهم في ملة الإيمان ، ويجري عليهم ملتهم التي ادعوا وأقروا بها ، وليسوا (1) بملة كملة اليهود والنصارى ، ولكنه إدغال (2) في الدين ، إما شهود في محرم ، أو تحريف في التأويل ، وإنما أصابوا النفاق بمعاص دون [ 04 ] الشرك في هوى (3) مضل ، أو تأويل شبهة في غير حق ، وأهله مقرون بالتنزيل ، ولا يجحدونه ولا ينكرونه ، ويجزي عليهم حكم ما أقروا ، ولا تستحل منهم إلا الدماء ، والبراءة منهم ، لأن الله تبارك وتعالى لم يحل منهم غير ذلك فقال : { مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا } (4) ويبين أنه إنما يحل منهم ذلك إذا باينوا (5) لقوله الله تعالى : { لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } (6) فأما إذا انتهوا (7) عن إظهار نفاقهم تركوا ، قال الله تعالى : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } (8) .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( وليسموا )) . وهو خطأ .
(2) …إدغال : من دغل يدغل : أي دخل دخول المريب...وله معنى الخيانة والخلط .
(3) …في النسخ ( ب) و( ج ) و( د ) : (( هواء )) والأنسب ما أثبت من ( هـ ) .
(4) …الآية 61 من سورة الأحزاب.
(5) …في النسخ ( ب ) و( ج ) (( بيانو )) . والصحيح ما أثبت من ( د ) و( هـ) .
(6) …الآية60 من سورة الأحزاب.
(7) …في ( ب ) و( ج ) : (( انتلموا )) .
(8) …الآية 9 من سورة الحجرات.
فلا نجاوز تحليل دمائهم إلى غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم ، ونسميهم بالكفر كفر والنفاق كما (1) قالت المرجئة (2) إن كل موحد مسلمُ مؤمنُ ، وإن لم يذر لله حرمة إلا انتهكها ، أو معصية إلا ارتكبهاً ، خلافاً لما قال الله ، وتركا لما حكم جرأة على الله ، ونقصاً لقول الله بمكابرة... وقد شرع الله ديناً نقياً صافياً خالصاً ، ليس فيه ند (3) ولا قذر (4) ولا ظلم ولا منكر ، ولا يدان فيه بمعصية الرب ن ولا يتولى فيه عدو ، (5) وليس يساعدهم على مقالتهم إلا سفيه أو فاجر ، يرتعي في رياض الهوى ويتجرأ (6) في الشهوات (7) ، جرأة العصاة على معصية الله ، وإسخاط ربهم .
[ لمن تمنح الشفاعة ؟ ]
__________
(1) …كذا في النسخ ، والأنسب : (( لا كما قالت )) . وفي ( هـ ) : (( وقالت )) .
(2) …هو إتجاه لبعض الفرق الإسلامية ( اليونسية ، الغسانية... )) .
(3) …ند : نفور . ويمكن أن نقرأ في ( د ) : (( قد )) . وفي ( هـ ) : (( قدا )) . ولعل صوابها : (( قذى )) .
(4) …في النسخ ( ب) و( ج ) و( هـ ) : (( قدر )) أي ضيق .
(5) …في ( هـ ) : (( غدر )) أو (( عذر )) .
(6) …في النسخ : (( يتجر )) . والأنسب ما أثبت .
(7) …في ( د ) (( بيانو )) : (( في شهوات )) والأنسب ما أثبت من باقي النسخ .
وأباح الفساق الحرام ، وقالوا : دونكم التوحيد تنالوا به الدرجة العلى في الجنة بشفاعة (1) محمد عليه السلام ، لو لم يتركوا لله معصية جهلاً كالسائمة (2) من البهائم لا يعرفون البراءة ولا الولاية ، يزعمون أنهم على دين ، وليسوا على شيء حتى يقيموه (3) ولا يعرفون من الدين إلا اسمه ، ويزعمون أنهم على الكتاب وليسوا يعرفون من الكتاب إلا صفته ، ولا يقودهم الكتاب فيما يحل ولا فيما يحرم ، ولا يحكمون بأحكامه ، ولا يسمون بأسمائه ، ويزعمون أنهم من أهل السنة ، وهم ممن أمات السنة (4) ، وينكرون البدعة وهم أهلها ، ويحتجون بالكثرة والظهور والغلبة ، وأن بيت الله الحرام في حكمهم ؛ وليس هذا من الحجة في شيء ، فكم من ولي الله في أيدي أعدائه أسيراً ذليلاً مقهوراً ، وقد ألقي إبراهيم صلوات الله عليه في النار ، وهو على حجة الله ، ولو كان مع الغلبة لكان الذين ألقوه في النار محقين ، ولكان الذين قاتلوا أنبياء الله في سالف الدهر محقين ، ولكان أبو جهل بن هشام ومن معه من مشركي قريش محقين حين أخرجوا نبي الله والمؤمنين من مكة ، ولكان (5) نبي الله وأصحابه مبطلين حين منُعوا من بيت الله الحرام أن يقربوه... قال الله عز وجل : { هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ
__________
(1) …الشفاعة لغة : الوسيلة والطلب ، وعرفا : سؤال الخير من الغير للغير ، وشرعا طلب تعجيل دخول الجنة أو زيادة درجة فيها من الرب عز وجل لعباده المؤمنين ، فتكون للأنبياء وغيرهم ، ويختص فيها نبينا عليه السلام بفضل الزيادة ، ثم يأتي من بعده . وهي عند الإباضية لا تجوز إلا للتقاة . انظر : السالمي : مشارق أنوار العقول ، ص 289 .
(2) …السائمة : الراعية في غير إسطبلها .
(3) …في ( ب) و( ج ) : (( يقيمون )) . وهو خطأ .
(4) …وهم الذين يرون أن الإسلام قول بلا عمل .
(5) …في النسختين : ( ب) و( ج ) : (( ولو كان )) .
مَحِلَّهُ } (1) . وتركوا حجة الله النيرة ، وأخذوا يخوضون في الأباطل . ألجأهم ثقل كتاب الله واستوحشوا [ 05 ] منه ، ونفروا عن الحق واستأنسوا بالروايات الكاذبة ، وقالوا : ( إن قوما يخرجون من النار ) ، بعد توكيد الله في غير موضع : أن من دخلها خالداً ، وما هم منها بخارجين ، (2) وإنهم ماكثون ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } (3) . حرفوا مقالة الله وافتروا على الله ، ولا يضرنا خلافهم ـ ولكنا نعلم ـ والحمد لله ـ أنهم كذبه .
__________
(1) …الآية 25 من سورة الفتح.
(2) …في ( هـ ) : (( بمخرجين )) .
(3) …الآية 37 من سورة المائدة.
وأنهم يستحلون شتم الإباضية (1) ، وحتى أنهم يقولون : شتمهم قربة إلى الله ، سفها بغير علم ؛ فبهذا نقض أول كلامهم ، أن جميع أمة محمد عليه السلام ، مسلمون حرام البراءة منهم ، فدينهم متضادد ، ينقض بعضه بعضاً ، وآخر كلامهم ينقض أوله ؛ وفساد مذهبهم أكثر من أن نأتي عليه بكتاب ولا خبر . وإن أولى الناس بالحق من أقامه ، ولم يستنكر مذاهبه ، ولم يختلف قوله ؛ إن أولى الناس بالله من اتبع أمره واستدل بحكمه ، واستدل بأمره ، وسمى الناس بما سماهم الله به في كتابه ، وحكم فيهم بما حكم الله ، ولم يتبع حكمه هوى ، ولا يميل به غضب ، ولا يأخذ المال إلا من حيث أذن الله له : ميراث من كتاب الله ، أو شراء ، أو بيع عن تراض ، أو هبة عن طيبة نفس أهل الهبات ، أو غنيمة من أموال المشركين غير المعاهدين... في طريق الهدى ، مع أهل الهدى ، يدعوهم إلى الهدى ، مع أهل العدل ؛ لا يغل (2) من المغنم ، ولا يستخفي حتى تقسم الغنيمة على جميع أهل العسكر ، ويدفع الخمس إلى الإمام ، ويقسمه فيمن قسمه الله . وإنما يصح الخروج بإمام الهدى أو بإذنه ، ولا يحل أن يصفي (3) أحد لنفسه من الغنيمة شيئاً ، إلا إن نفله به الإمام ، ما خلا طعاماً يأكله لبطنه ، أو علفاً
__________
(1) …الإباضية : فرقة من الفرق الإسلامية المعتدلة أسسها الإمام جابر بن زيد الأزدي العُماني ـ رحمه الله ـ في البصرة ، ولكنها نسبت إلى ناطقها الرسمي عبد الله بن أباض ـ رحمه الله ـ في القرن الأول الهجري ، وهي نقيض الخوارج في مبادئها إلا في قضية رفض التحكيم في معركة صفين ، ولا يزال أتباعها منتشرين في عُمان وشمال أفريقيا . انظر : علي يحيى معمر : الإباضية بين الفرق الإسلامية ، كل الكتاب . وعوض محمد خليفات : الأصول التاريخية للفرقة الإباضية . بكير بن سعيد أعوشت : دراسات إسلامية في الأصول الإباضية .
(2) …يغل : من الغل ، السرقة أو الخيانة في الغنائم .
(3) …كذا في النسخ ، والأنسب : يصطفي .
يعلف به دابته ، وما سوى ذلك فهو مقسوم ، حتى السهم يخرجه الرجل من جسده .
[ الرد على شبهات الصفرية ]
وقالت الصفرية (1) : بتشريك أهل الكبائر من أهل التوحيد ، واستحلوا سبي ذراريهم ، وغنيمة أموالهم جرأة على الله ، ديناً لم يشرعه الله ولم يسن (2) بسيرته نبي الله عليه السلام ؛ وتأولوا على ذلك تأويل شبهة خالفت الحق وخرجت من العدل ، فدخل عليهم من الضلال ما لا نهاية له .
وتناقض قولهم فأجازوا مناكحة أهل القبلة ، وأكل ذبائحهم ، وأجازوا شهادتهم ، والقيام بين أظهرهم ، وأستحلوا نكاح ذوات البعولة من غير موت أزواجهن ولا طلاق ، وانتحلوا (3) الهجرة ، وزعموا أنها كهجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا مما لا يحصى من فريتهم وخدعتهم ، فأخذوا (4) [06 ] ما أحبوا وتركوا ما كرهوا .
فإن كان أهل القبلة بمنزلة مشركي العرب ، فقد ضلت الصفرية بأكل ذبائحهم وموارثتهم ومناكحتهم .
__________
(1) …الصفرية : فرقة من فرق الخوارج تنتسب إلى زياد بن الأصفر ، يرون أن مرتكب الكبائر مشرك ، وأن التقية تجوز في القول لا في العمل . انظر : مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذهب . ص104 .
(2) …كذا في النسختين : ولعل الأنسب : (( يسر )) .
(3) …انتحلوا : نسبوا أنفسهم إلى هجرة زعموها ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( لا هجرة بعد الفتح )) . رواه البخاري عن مجاشع بن مسعود وصححه السيوطي .
(4) …في ( هـ ) : إضافة : (( وما أحبوا وتركوا )) .
وإن كانوا بمنزلة المجوس ، فذلك في المناكحة والذبائح وقبول الشهادة وترك ضرب الجزية عليهم . وإن كانوا بمنزلة أهل الكتاب فليضربوا عليهم الجزية إذا أسلموا ، وليحرموا نساءهم على رجال قومهم ، وليحرموا منهم الموارثة ، وإن كانوا من أهل التوحيد فقد ضلوا باستحلال سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم... يشبهون قومهم في بعض سيرتهم بالمسلمين ، وفي بعض يشبهونهم باليهود والنصارى ، وفي بعضها يشبهونهم بأهل اللات والعزى ، يستحلون غنيمة أموالهم ، ثم يقاسمونهم الميراث بكتاب الله !!
وعن النبي عليه السلام أنه قال : (( كل ما يورث حرام غنيمة وكل ما لا يغنم (1) حرام ميراثه )) (2) لأنه لا يجتمع في مال سيرتان : سبي وغنيمة بكتاب الله . واستحلوا نكاح نساء قومهم بكتاب الله ، ثم استحلوا سبيهم (3) مع ذلك ، ولا يجتمع حكمان في امرأة : نكاح بحلال ، وسبي بحلال .
وضلالتهم أكثر من أن أصف جميعها ، وقد ذكرت بعضها .
وقالت فرقة أخرى : لا ندري أي منزلة نضيف إليها المحدثين من أهل القبلة ، وذلك أسلم لنا وأحرز من الإثم ، وذلك أرضى لله ، أن (4) لا نقع في شيء من الخطأ لأن الناس اختلفوا فيهم فقال بعضهم مؤمنون مسلمون ، ثابته لهم الولاية والإيمان إيمانهم كإيمان المرسلين (5) والملائكة وجميع المؤمنين ، ليس أحد من أنبياء الله ورسله وملائكته أفضل منهم إيماناً... إيمان من لا يترك لله معصية إلا ارتكبها !
__________
(1) …في نسختي ( ب) و(ج ) : (( ما يغنم )) وهو الأظهر .
(2) …قال القطب : (( رواه تبغورين ، ولم ينسبه ، وهو حجة )) شرح النيل ، ج15 ، ص340 .
(3) …كذا في النسخ ، والصحيح : (( سبيهن )) .
(4) …في ( هـ ) سقط ( أن ) .
(5) …في ( ج ) : (( كإيمان المسليمن والمرسلين )) .
كإيمان جبريل وإسرافيل (1) والملائكة والرسل ؟ ! لا يضر ـ زعموا ـ مع التوحيد كبير ولا صغير ؟ ! (2) التائب من الذنوب والراجع عنها كالمصر عليها والمتمادي فيها ؟ !
وأشنع من هذا مما وصفته المرجئة ، وما دخلوا فيه من تشبيههم ربهم وتحديدهم له ، وما وصفوه به من الزوال والانتقال ، وما ردوا من تنفيذ وعيد الله ، وهم أشبه بقول اليهود { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } (3) .
وقالت طائفة أخرى وهم الصفرية : إن المحدثين من أهل القبلة كأهل حرب نبي الله ، فمن شك في شركهم فهو مشرك ، يحل منهم ـ زعموا ـ ما يحل من المشركين من الاسم والحكم والسبي .
وقالت طائفة : ضألون منافقون ليسوا بمشركين ؛ فهذه مقالة أهل العدل (4) .
[ نقض شبهات المعتزلة ]
وقالت المعتزلة (5) : ما أشركوا ولا كفروا ولا نافقوا ، ولكنهم ضلوا ضلالاً لا يبرئهم من الإيمان ، وليسوا [07 ] بمؤمنين ، ولكنهم ضلوا وفسقوا ، حرام ولايتهم وتحل البراءة منهم ؛ ثم أدخلوا في ولايتهم الشكاك الذين قالوا : لا ندري أي الاسم (6) أصابوا ، ولا حيث نزلوا وتولوا المرجئة الذين أثبتوا الإيمان والولاية لمن نفته عنه المعتزلة بدين ، فهم أحمق ! كل فرقة إنما تعتقد أصلا واحداً وتبتي عليه ، وهم يعتقدون ثلاثة أديان ، يستحلون في دين ما يحرمون في غيره ، لأنهم يحرمون ولاية المحدثين .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( وميكائل )) .
(2) …الكبير والصغير : يعني به كبيرة ولا صغيرة من الذنوب .
(3) …الآية 80 من سورة البقرة .
(4) …أهل العدل يقصد بهم الإباضية .
(5) …المعتزلة أو أهل العدل والتوحيد : فرقة إسلامية تعتمد على التأويل والعقل في استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية ، ومؤسسها هو واصل بن عطاء ( ت : 131 هـ ) ومن أعلامها : النظام والجاحظ والزمخشري والقاضي عبد الجبار... انظر : الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ص249 .
(6) …في ( هـ ) : سقط (( الاسم )) .
والمرجئة تستحلها بدين ، فجائز لهم أن يدخلوا في دين من يرونه مسلماً ، ويتركون دينهم بعد إذ علموا .. جائز لهم بعد العلم الرجوع إلى دين الشكاك ، ويرجعون بعد المعرفة شكاكاً حيارى .
وقالوا : أتصفوا لنا من أنفسكم ، واعدلوا الحكم بيننا وبينكم ، وقد وجدناكم تتولون (1) من نزل من ضعفائكم بتلك المنزلة . ولو أن (2) علماءكم يبرءون من رجل بما استبان لهم لم يلزم الغيب (3) من لم يعرف من براءته ما عرف العلماء .
ولو أن رجلاً من الضعفاء (4) تولي رجلاً بولاية العلماء ثم أحدث أمراً خلعته به العلماء ، ولا يفرز ذلك الضعيف علم العلماء ، فثبت على ولايته فتوليتموه !
وكذلك عذرنا نحن المرجئة والشكاك لضعفهم ، وإنما تولوه (5) على ما كان من إيمانه ، وقالوا إنما توليناه على الإسلام ، فكذلك عذرناهما بجهلهما كما عذرتهم ضعيفكم بجهله .
قلنا إنكم قستم أمرين غير مشتبهين ولا متناظرين ، وذلك إنما تولينا ضعفاءنا لردهم إلى علمائهم فيما لم تقم به عليهم الحجة ؛ لأن ضعيفنا يقول : أقف حتى ألقي العالم أو العلماء فأسألهم ، فما حملوني عليه احتملت ، وقولي قولهم ، وديني في الذي جهلت دينهم ؛ فمتى ما قال هذه المقالة ونزل هذه المنزلة كان قد وافق علم العلماء .
وأما الذين يقولون : لا علم أفضل من علمنا ، ولا لله دينا يعبد به أفضل مما كنا عليه ، فهذا قد نصب الحرام ديناً ؛ كما (6) نصبتم ما أنتم عليه ديناً .
[ الدليل على كفر النعمة ]
__________
(1) …في النسختين ( ب ) و( ج ) و( هـ ) : (( تتلون )) وهو تحريف .
(2) …في النسختين : (ب) و( ج ) : (( ولون )) ، وهو تحريف .
(3) …كذا في النسخ : ولعل الصواب : (( الغائب )) .
(4) …الضعفاء : يقصد بهم هنا غير العلماء أي المقلدون .
(5) …في النسختين : ( ب) و( ج ) : (( تولده )) ، وهو تحريف .
(6) …في النسختين : ( ب) و( ج ) : (( كم )) . وهو تحريف .
وقالوا لنا : ما أين علمتم كفر ضلال الإيمان ؟ قلنا : من قبل كتاب الله . قالوا : فأوجدونا ذلك . قلنا : من قبل أن الله أضاف الكافرين إلى النار . قالوا : فأوجدونا ذلك .. أين ذكر الله الزاني كافراً ؟ قلنا : من حيث وقع عليه الوعيد / فحيثما وجدنا الوعيد علمنا أن أصحابه كفار . كما أنا حيثما وجدنا الله وصف قوماً بالكفر علمنا أنهم مضافون إلى النار ؛ لقول الله : { النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } (1) . وقال { وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } (2) ؛ وقال : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا... } (3) وقال : { خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ } (4) . وقال [08] سليمان عليه السلام : { لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } (5) . مع اجتماع الناس في اللغة المطلقة الجائزة : أن لا تسأل أبدا عالماً أو جاهلاً إلا أخبرك عمن ليس بمؤمن أنه كافر . ولو أنك سألتهم : من أين يزعمون أن الزاني عدو الله ؟ لأنهم ينفذون فيه الوعيد ، ويسمونه فاسقاً ضالاً عدواً لله ؛ قالوا لك : من قبل أنه خرج من ولاية الله ، فلما خرج من ولاية الله استحق عداوة الله ، وليس بين عداوة الله وولايته منزلة ، مع أنكم تقرون لنا أنه عدو الله ؛ قلنا لهم : فعرفنا أنه عدو الله من قبل قوله : { فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ } (6) وكل عدو لله كافراً ، وإن كنتم من قبلنا عرفتم عداوته فاعرفوا كفره ، فإنا إنما قلنا إنه عدو لله لأنه كافر ، والله عدو للكافرين .
__________
(1) …الآية 72 من سورة الحج.
(2) …الآية 131 من سورة آل عمران.
(3) … الآية 3 من سورة الإنسان. وتمامها : ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) .
(4) … الآية 2 من سورة التغابن.
(5) … الآية 40 من سورة النمل.
(6) …الآية 98 من سورة البقرة.
وأما قولهم كيف يكون كافرا وليس فيه جميع الكفر ، وكان من قولهم : إن الناس لا يكونون (1) كافرين حتى يستكملوا جميع الكفر ، قلنا لهم لا يكون إذن ضالاً حتى يستكمل جميع الضلال ، وكيف يكون الناس بشيء من الضلال ضالين ، وبشيء من الفسق فاسقين ، ولا يكونون بشيء من الكفر كافرين ؟
وجاء عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبة يوم حجة الإسلام ـ ويقال حجة الوداع ـ : (( لا ألفينكم رجعتم بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) (2) وقوله حين سأله رجل عن قول الله تعالى : { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } (3) فقال رجل : أفي كل عام يا رسول الله ؟ فقال رسول الله عليه السلام : (( لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لما قدرتم عليها ، إذن لكفرتم )) (4) وقوله عليه السلام : (( ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة )) (5) وقد اجتمعت الأمة (6) على هذه الأحاديث عن رسول الله عليه السلام ، (7) يؤثره عنه عامة العلماء من الموافقين والمخالفين .
__________
(1) …في النسخ : (( لا يكونوا )) ، والصواب : (( لا يكونون )) إذ لا موجب لحذف النون .
(2) …روي الحديث عن عدد من الصحابة : جرير ـ ابن عمر ـ أبي بكر ـ ابن عباس ، في مسند أحمد والنسائي وأبي داود والبخاري مع اختلاف في اللفظ أحيانا وصححه السيوطي . ورواه الإمام الربيع بن حبيب بلفظ (( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) . حديث رقم 756 .
(3) …الآية 97 من سورة آل عمران.
(4) …رواه ابن ماجة والإمام الربيع عن أنس بن مالك برقم 394 .
(5) …رواه الإمام الربيع عن ابن عباس رقم 303 ، وابن ماجة عن أنس بلفظ : ((... العبد والشرك )) .
(6) …اجتمعت : يعني أجمعت .
(7) …في ( هـ ) : (( صلى الله عليه وسلم )) .
وكل عدو لله كافر ، وكل ضال كافر ، وكل فاسق كافر ، والله إذا اشتد في شتم قوم نسبهم من بعد الكفر إلى الضلال ، قال : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ } (1) . وقال : { وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } (2) .
والكفر اسم عام لجميع الضلالة وليس بخاص ، والشرك اسم خاص لبعض الضلال وليس بعام ، وكذلك اسم النفاق اسم خاص وليس بعام ، والضلال والفسق أسماء عامة . والخروج من الإيمان الدخول في الكفر ، والدخول في الإيمان الخروج من الكفر ، وليس بينهما منزلة ، لأن الكفر ضد الإيمان ، والإيمان تفسير .
وإنما كان الإيمان إيماناً لوجوب الثواب ، وإنما كان الكفر كفراً لوجوب العقاب ، ليس كما يقول من يقول : إنما كان الكفر كفراً لأنه معصية ن وكان الإيمان إيماناً لأنه طاعة ، أو قول [ 9] من يقول : إنما كان الإيمان إيماناً للأمر به ، والكفر كفرا للنهي عنه ، وليس كذلك . يقول أهل النظر : لأنه لو كان الكفر كفراً لأنه معصية للزم أن يكون كل معصية كفراً . ولو كان إنما كان الإيمان إيماناً للطاعة أو للأمر للزم أن يكون كل ما ليس فيه أمر لا يكون إيماناً ، فتخرج كل نافلة يتقرب بها إلى الله من حد الإيمان . ولو أن الكفر إنما كان كفراً للنهي عنه للزم الكفر بكل أمر كان فيه نهي ، وهذا لا يقوله عالم .
[ لا منزلة بين المنزلتين ]
__________
(1) …الآية 90 من سورة آل عمران.
(2) … الآية 46 من سورة الذاريات.
وأما الشكاك فالذين قالوا : لا ندري أي الأسماء أصابوا ، ولا أيهم بلغوا ، يؤول (1) بهم ذلك إلى أن يجهلوا منزلتهم ولا يعرفون أنهم على هدى ولا على ضلال ، لأنهم لو عرفوا أنهم على هدى لعرفوا أن من خالفهم على ضلال ، لأنهم يقرون أنه ليس بين الهدى والضلال منزلة ينزل بها أحد ثم إنهم جمعوا الجبابرة والمحدثين من المتأولين وكلَ صاحبِ شهوة يسمونهم بالإيمان أحياناً ثم يلعنونهم أحياناً بلا (2) علمٍ بموقع اللعنة ، ويستغفرون لهم ويتولونهم بلا علم بموقع الاستغفار ، ويستحلون من أوليائهم ومن مخالفهم (3) أحياناً ما يحرمون أحياناً : يستحلون دماءهم وأموالهم ؛ ثم قالوا : لا نقاتل من قال : (( لا إله إلا الله )) ، ثم يقاتلونهم أحياناً ، ويأخذون أموالهم ، وليس لهم دين موصوف ولا لدين الله عندهم معرفة . وضلالتهم أعجب وأكثر من أن يستطاع صفتها ؛ وكل من وصفت لك من المحدثين يدينون بما يقولون ويدعون الناس إليه ، ويزعمون أن الله نهاهم عن غيره من الأديان ، فهم مستحلون للحرام ومحرمون للحلال .
وقد اختلفت المرجئة فيما بينهم ، والصفرية أيضا فيما بينهم ، والمعتزلة حتى إن منهم من يوسع جهل القيامة والبعث والحساب ، لأنهم جعلوا الإيمان كله توحيداً .
وقد اتفقت المرجئة والصفرية بدءا أن الإيمان كله توحيد ، واختلفوا بعد ذلك في صفته ، فقالت الصفرية : من ترك العمل أشرك . وقال المرجئة : لا يشرك ولا ينافق ، وجعلوا التوحيد بعضه يسع جهله ، وبعضه لا يسع جهله ؛ فلو جعلوا ما يسع جهله من الإيمان غير التوحيد لدخلوا في قول المسلمين .
[ نقض شبهات السبئية ]
__________
(1) …عبارة : (( لا ندري أي الأسماء أصابوا ، ولا أيهم بلغوا يؤول )) سقطت من ( ب) و( ج ) . وفي ( هـ ) بدل (( يؤول )) نجد : (( يدل )) .
(2) …في ( ب) و( ج ) : (( بل علم )) . وهو تحريف .
(3) …كذا في النسخ ، ولعل الأصوب : مخالفيهم .
وأما السبابة (1) فإن كل رجل قلد أمره رجلا من بني هاشم ، فما أحل أحلوه ، وما حرم حرموه ، وإن غير الكتاب والسنة ، والصلاة حول (2) القبلة ، مع أنهم ثلاثة أصناف أو أربعة يسندون أمرهم إلى رجل واحد ، فمنهم من يزعم أنه إله ، ومنهم من يزعم أنه نبي ، ومنهم من يزعم أنه (3) إمام مطاع لا يأمر بشيء إلا كفر من عصاه .
__________
(1) …كذا في ( د ) وفي ( ج ) : (( السيابة )) وسقطت من ( هـ ) . والصحيح هو السبئية : فرقة من فرق الشيعة الضالة المتطرفة التي تنسب إلى عبد الله بن سبأ . وقد بلغ الضلال بهذه الفرقة أن ألهت الإمام عليا وأبناءه واعتقدت رجعة محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) وعدم وفاة على كرم الله وجهه . مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ص 114 .
(2) …في ( هـ ) : (( حولوا )) . ولعل الصواب : (( الصلاة وحول القبلة )) .
(3) …في ( هـ ) : سقط (( أنه )) .
تعليق المستخدم :السبابة هم غلاة الشيعة والله أعلم ..وقد سماهم كذلك أيضا التابعي سالم بن ذكوان الهلالي -رضي الله عنه- في سيرته الطويلة ..وسموا بذلك لكثرة سبهم للخليفتين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما كما أن سياق الشيخ عمروس في كلامه يفيد ذلك .أما السبئية فما عليه بعض المحققين أن قصص عبدالله بن سبأ باطلة لا تصح ..والله أعلم....وليعذرني من حقق الكتاب على هذا التطفل !
فالذين يقولون : إنه إله بريئون من الفريقين ، والذين يقولون إنه نبي رسول بريئون من الفريقين ، والذين [10] يقولون إنه إمام بريئون من الفرقتين ، وهو حي قائم (1) يعرف براءة بعضهم من بعض ، واستحل بعضهم دم بعض ، ثم لا يصلح بينهم ؛ وقد دخل عليهم ما يدخل على الخوارج (2) والمرجئة والمعتزلة من الضلال إلا صنف منهم الزيدية (3) وصف منهم الحسنية (4)
__________
(1) …في ( هـ ) : (( خير قائص )) . ولا معنى له .
(2) …الخوارج : هم مجموعة من المسلمين المعارضين لفكرة التحكيم التي رضي بها الإمام علي كرم الله وجهه وأنصاره في معركة صفين ، هذه المجموعة التي تفرعت إلى فرق عديدة منها : الصفرية والأزارقة والنجدية ، وأما الإباضية الذين ألحقوا بهم ظلما فلا تجمعهم بهؤلاء الخوارج إلا فكرة المعارضة للتحكيم والدليل هو إعلان الإباضية البراءة من هؤلاء الخوارج ومعارضتهم في تطرفهم منذ الإمام الذي تنسب إليه الفرقة (( عبد الله بن إباض )) الذي أعلن معارضته للخروج معهم باستعمال القوة ضد الملوك الجورة فسموا (( قعدة )) . وقد وضح ذلك في رسالته التي خاطب بها الخليفة عبد الملك بن مروان قائلا : (( وإنما نبرأ من ابن الأزرق وأتباعه من الناس ، لقد كانوا على الإسلام فيما ظهر لنا حين خرجوا ، ولكنهم ارتدوا عنه وكفروا بعد إسلامهم فنبرأ إلى الله منهم )) مختصر تاريخ الإباضية ، الباروني ص25 .
(3) …الزيدية : فرقة من فرق الشيعة المعتدلة تنسب إلى زيد بن علي بن زين العابدين بن الحسن بن علي كرم الله وجهه ( ت ـ 122 ) ، وكان أول من أعلن المقاومة بالسلاح ضد بني أمية في عهد هشام بن عبد الملك وهم يوجدون اليوم في اليمن ويعتقدون جواز الإمامة في غير آل البيت بشروط ن ومبدؤهم تميل إلى الاعتزال كثيرا . مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ص150 .
(4) …الحسينية : أو ( التوابين ) هي فرقة من فرق الشيعة نشأت في البصرة بعد مقتل الحسين بن علي في واقعة كربلاء المشهورة سنة 61 هـ ، وعلى رأسهم الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي وكان شعارهم أخذ الثأر على مقتل ( الحسين ) إذ إنهم يحسون بمسؤليتهم في مقتله . انظر : مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ص158 .
تعليق المستخدم :الصحيح أن الذين عارضوا التحكيم هم القراء من الصحابة والتابعين ولكن الخوارج من النجدية والأزارقة والصفرية ألحقوا أنفسهم بالقراء...أما الإباضية الكرام فهم الامتداد الأصيل لجيل القراء ..والله أعلم
، قالوا بالعدل وجامعوا (1) المسلمين في جميع كلامهم وأحكامهم وأسماء المحدثين ، ثم أدخلوا على أنفسهم الضلالة ، فلا نعلم أحداً من محدثي (2) أهل القبلة أحدث حدثاً هو أشد وأقبح منهم ، ولا هم (3) فيه أشد مكابرة لأهل العدل والحق ، وذلك أنهم زعموا أنه يحل لهم أن يحرموا الدماء التي (4) أحل الله في كتابه بلا قربة ولا رجعة ولا توبة ، وأن الكافرين الذين أحل الله دمائهم من المحدثين من أهل القبلة لهم أن يحكموا في كتاب الله ، فإن حكموا بأن دماءهم حرام حرمت ، وإن حكموا بأنها حلال أستحلت ، وإن ردوا (5) حكم الله بلا توبة كانت ممن أحل الله دماءهم ، وذلك أنهم جوزوا تحكيم الحكمين يوم صفين : حرموا دماء من قاتل عليا من أهل الشام مع معاوية ، وهم بغاة ولم يفيئوا إلى أمر الله ، وحكمهم في الكتاب والسنة ، والله يقول : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } (6) .
وقد بقي من أقاويل المخالفين كثير لم نذكره ن وبقي مما ذكرت حججاً عظيمة لم نذكرها ، لما يطول من ذكرها ، وقد ذكرت بعض ذلك وهي أكثر من أن نأتي عليها بكتاب .
[ ما لا يسع الناس جهله طرفة عين ]
وذكرت قول أهل الحق ، وأردت أن أقصد بكتابي إلى بعض أمور تكون فيها الحاجة مما (7) كلف الله به العباد وذلك أن أول ما يلزمهم الإقرار بالله ربا وبمحمد نبياً ، وبما جاء به حق ، وهذا ما لا يسع جهله طرفة عين .
[ ما يسع الناس جهله إلى قيام الحجة ]
__________
(1) …كذا في النسخ ، يعني : وافقوا .
(2) …في ( هـ ) : سقط : (( محدثي )) .
(3) …في( هـ ) : سقط : (( هم )) .
(4) …في النسخ : (( الذي )) والأنسب ما أثبت .
(5) …في ( ب) و( ج ) : (( أرادوا )) . وهو تحريف .
(6) …الآية 9 من سورة الحجرات.
(7) …في ( هـ ) : (( ما )) .
وأما الذي يسعهم جهله حتى يأتيهم وقت فعله وما يرضي الله عليهم (1) من الصلاة قبل وقتها ، والزكاة قبل وجوبها ، وصيام شهر رمضان قبل مجيئه ومحضره في أهله ، والحج والعمرة ، والبر بالوالدين ، وصلة الرحم ، وحق الجوار ، وما ملكت اليمين ، وشأن القبلة والولاية لأهل طاعة الله ، والعداوة لمن وقع عليه اسم الكفر ، وغض البصر ، وحفظ الفروج ، وصدق الحديث ، وحق ابن السبيل ، والاغتسال من الجنابة ، والاستئذان في البيوت ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والإخلاص في النية ، والعمل والقول ، وأداء الأمانة ، والوفاء بالعهد ، وذكر اسم الله ، على الذبيحة ، وما أشبه (2) ذلك مما أمر الله به ، (3) وحق الإيمان ، والجهاد في سبيل الله ، والتوبة من الذنوب ، فهذه ونحوها مما أمر الله بفعله يسع الناس جهله ما لم يأت وقت فعله ، [11] فإذا جاء وقت فعله لزمهم العلم والعمل به .
وقال من خالف الحق : إنما عليهم العمل وليس عليهم العلم ، وهذه أوهن الأقاويل وأضعفها ، (4) لأنه لو وسعه الجهل مع العمل لوسعه (5) أن يرى أن تارك (6) ذلك مسلم على تركه ، ويسعه أن يرى أن تارك جميع ما أمر الله به مسلم . ووسعه جهل إسلام من يعمل بجميع ما فرض الله عليه ، ووسعه أن يرى أنه كافر غير مسلم ، فإن ضيقوا عليه ذلك فقد ألزموه (7) العلم مع الفعل في وقت الفعل .
__________
(1) …كذا في النسخ والأنسب للعبارة : (( فهو ما يرضي الله )) .
(2) …في ( د ) : (( وما أشباه )) . وهو خطأ .
(3) …في ( هـ ) : سقط : (( به )) .
(4) …في ( هـ ) : (( وأضعفه )) .
(5) …في ( هـ ) : (( لوسه )) . وهو تحريف .
(6) …كذا في ( د ) و( ج ) وهو أنسب ، وفي ( ب) : (( ناكر )) .
(7) …في ( هـ ) : (( لزموه )) .
وأما الذي يسعه جهله من الإيمان حتى يحل له تفسيره ، فما كان من تفسير التوحيد مثل إنفاذ (1) الحدود عن الله والأقطار ، وإثبات القدرة له (2) والعلم وجميع الصنع الحدث أن يضاف إليه أنه صانعه ومحدثه ، وتصديق كل ما جاء عنه من خبر عما هو كائن أو يكون . وإضافة كل شيء إليه ، وما رأوا أو ما لم يروا سمية (3) ، وليس معه مكون ، وأنه بائن من صفات المخلوقين { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } (4) فهذا ذكروا جل تفسيره .
[ ما لا يسع جهله من التوحيد ]
ولا يسع جهله من ذلك ما أخبر الله من ذكر الجنة والنار ، والبعث والحساب ، والملائكة والكتب والرسل ، فهذا وأشباهه من تفسير التوحيد ولا يدعى في الجملة إلى هذا التفسير ، وهو داخل في جملة التوحيد . والمنكر لتفسير التوحيد منكر لجملة التوحيد ؛ كما أن الإيمان بجملته إيمان بتفسيره ، وكذلك الكفر بتفسيره كفر بجملته ؛ لأن المنكر لشيء من هذا أن يضيفه إلى الله منكر لتوحيد الله ، لأنه منكر لصفته ن والله يوصف بذلك : مثيب وباعث ومعاقب ومرسل ومنزل .
__________
(1) …في ( د ) : (( إنفاء )) . وفي ( هـ) : (( إنفاذ )) . بدال مهملة . وهو خطأ .
(2) …في ( ب ) و( ج ) : سقط : (( له )) .
(3) …كذا في النسخ ومعناه : مثله .
(4) …الآية 11 من سورة الشورى.
ومن أنكر شيئاً من صفات الله أنكر الله ، ومن أنكر الله فهو مشرك . وقال بعض أهل الخطأ والجهل : لا نشرك من أنكر شيئاً سوى الله ما أقرَّ أنَّ الله واحد ، وهذا هو الخطأ .. وكتاب الله يكذَّب قائل هذا في غير موضع ، منها ما ذكر الله من محاورة الأخوين في سورة الكهف حيث قال أحدهما : { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي... } فأقر أنه ربَّه ، وإنما شك في البعث ؛ وقال له المؤمن : { أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ... } فجعل شك في البعث كفراً بالذي خلقه ، ولم يجحد أنَّه ربُّه ؛ ثم قال المؤمن له : { لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي... } أصله : (( لكن أنا هو الله ربي )) وأدغم النون الثانية ، وزاح الألف فوقع التشديد في النون لأنَّه التقى النونان ، ثم قال : { وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } فدَّل بهذا أنَّه إنما هرب من الشرك ، لأنَّ صاحبه واقعه واستحقه . ثم (1) قصتها محاورة بينهما إلى قوله : { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ } ندامة { عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا } حيث صارت { صَعِيدًا زَلَقًا، } وهو تراب يابس يزلق { وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا } (2) . وأقر أن شكه (3) في البعث شرك بربه .
فمن أنكر شيئاً مما تفرد الله به بصنعته (4) أشرك بالله ؛ ومن أنكر شيئاً مما أضافه الله إلى بعض خلقه فأنفى الله من صنعه نافق ، لأنه متأول مخطئ .
[ ما يسع جهله أبداً ما لم يكذًّب ]
__________
(1) …كذا في النسخ ، والأنسب : (( وأتم )) .
(2) …الآية 42 من سورة الكهف.
(3) …في النسختين : ( ب) و ( ج ) : (( أن شركه )) وهو تحريف .
(4) …في ( هـ ) : (( بصنعه )) .
وأما الذي يسع جهله أبداً ما لم يتقولوا على الله ـ في حال جهلهم ـ فيه الكذب ، فيحلون حراماً أو يحرمون حلالاً ، أو يواقعوا فعل ما يضلهم أو يلقوا الحجة فتخبرهم بها ، فلا يؤمنون بها ، ولا يصدقونها ، فما حرم الله عليهم من الميتة والدم ولحم الخنزير والزنى والربا وقتل النفس التي حرم الله وأكل الأموال الحرام والسرقة ، وكل ما حرم عليهم ، والفساد في الأرض والأمر بالمنكر والظلم والبغي ودخول البيوت بغير إذن والنظر إلى ما حرم الله ، وإتيان النساء في الحيض (1) وكل ما حرم الله ونهى عنه ، إنما عليهم الكف عنه ، (2) وليس عليهم معرفته ولا معرفة أن الله حرمه فهو يسعهم جهل ذلك أبداً ما لم يتقولوا على الله في حال جهلهم فيها الكذب ، فيحلوا حراماً أو يحرموا حلالاً ، أو يواقعوا فعل ما يضلهم ؛ أو يلقوا الحجة ، فتخبرهم عن الله أنه كذلك ، بمبلغ الحجة التي ليس فيها تفاضل ، لا يزيد فيها زائد ، ولا ينقص منها ناقص ، إذا كان المبلغ من أهل دين الله ، لأنه إنما يكون حجة في دين الله أهل دين الله ، إذا بلغ أقصى الحجة ، ولم يترك منها مزيداً ؛ مثل ما لو أن جميع المسلمين حضروا لم يجدوا عن (3) قوله مزيداً ، فهو حجة الله في دين الله . وقد قال بعض سلفنا رحمهم الله : إنما تكون التي يقطع بها العالم (4) الغاية بنهاية العلم الذي لا يجهل شيء الحجة .
__________
(1) …ف ( هـ ) : (( المحيض )) .
(2) …في ( هـ ) : سقط : (( إنما عليهم الكف عنه )) .
(3) …في ( هـ ) : (( على )) .
(4) …في ( هـ ) : سقط : (( العالم )) .
وقد تركت قولين يقال بهما في الحجة ، لأن من أدركنا من خيار أصحابنا مما (1) كنا نأخذ عنهم قالوا بتضعيف ذلك القولين ولم يميتوهما ، وإن كان بعض الناس يحتجون بهما ، وأن كل ما حرم الله حراماً ، وما نهى عنه فهو الحرام الذي حرمه الكتاب والسنة ، فاضاف فاعله إلى النار فهو كبيره يكفر أهله بمقارفته حين قارفوه حتى يتوبوا ، وكذلك نظيره ، وإن لم يذكره الكتاب والسنة . وما سمى الله أهله بشيء من أسماء الضلال فهو كبيره ، وما أمر الله عليه بالنكال في الدنيا فهو كبيرة ، وما لم يعد عليه النار ولم يفسق أهله ، ولم يأمر بنكالهم فأهله (2) .
وإن أصابوا معصية يخاف عليهم فيها حكم المسلمين ، وكانوا لله عاصين يخاف عليهم فيها عقوبة الله في الدنيا والآخرة ، وعليهم التوبة من ذلك والخوف ؛ فإن تمادوا ولم يتوبوا ضلوا وكفروا ، وإن ذلك (3) لهم حلال فهو أشد لكفرهم من التمادي .
[13] وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية ، نسأل الله التوفيق لمراشد الأمور .
الباب الثاني
مسائل في العبادات
[ الفصل الأول مسائل الصلاة ]
وقد أردت (4) تفسير بعض الفرائض .
ومما فرض الله الصلاة والزكاة في كتابه .
[ أوقات الصلاة ]
وإن مواقيت الصلاة مسميات في كتابه الله [فـ ] (5) قوله في سورة الروم : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } : يعني المغرب والعشاء ، { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } : يعني صلاة الغداة(6) { وَعَشِيًّا } : يعني صلاة العصر ، { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } (7) : يعني صلاة الأولى .
__________
(1) …كذا في النسخ ، ولعل الأنسب : (( ممن ))
(2) …كذا في جميع النسخ .
(3) …كذا في النسختين : ولعل الصحيح والأنسب : (( وإن كان ذلك )) .
(4) …في ( هـ ) : (( أرد )) . وهو تحريف .
(5) …أضفنا الفاء ليستقيم النحو .
(6) …في ( هـ ) : (( الغدوة )) .
(7) …الآيات 17 ـ 18 من سورة الروم.
وقال بعضهم : { حِينَ تُمْسُونَ } : صلاة المغرب وحدها (1) ، وذكر صلاة العتمة في سورة النور : { وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء } (2) يعني صلاة (3) العتمة ، وقدم (4) معها صلاة الصبح ، وقال : { مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ } (5) .
وقال في سورة بني إسرائيل : { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } : يعني زوالها ، { إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } : يعني ظلمته . وإنما ذكر ثم أربع صلوات الأولى والعصر والمغرب والعشاء ـ وهي العتمة ـ ثم قال : { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } يعني صلاة الصبح ، { إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } (6) يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار (7) .
وقال في سورة طه : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } : يقول : فصل بأمر ربك ، { قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } : يعني صلاة الصبح ، { وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } : يعني العصر والأولى ، { وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ } : يعني ساعات (8) الليل ، { فَسَبِّحْ } : يعني فصل له المغرب والعشاء ، { وَأَطْرَافَ النَّهَارِ } (9) : يعني صلاة الصبح والعصر ، كرر عليها .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( واحدها )) .
(2) …الآية 58 من سورة النور.
(3) …في ( هـ ) : سقط : (( صلاة )) .
(4) …في ( هـ ) : (( وقد )) . وهو خطأ .
(5) …الآية 58 من سورة النور.
(6) …الآية 78 من سورة الإسراء.
(7) …في ( ب ) و( ج ) : (( ملائكة الليل والنهار )) .
(8) …في ( هـ) : (( صلاة )) .
(9) …الآية 130 من سورة طه.
وقال في سورة هود : { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ } : الصبح والعصر (1) ، { وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ } : المغرب والعشاء ، وهي العتمة ، { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } (2) : يعني الصلوات الخمس ، وهي الخمسة يكفرن (3) ما دون الكبائر لمن اجتنب الكبائر . ويقال في : { طَرَفَيِ النَّهَارِ } : الأولى والصبح والعصر : الطرف الأول : الصبح ، والطرف الثاني : الأولى والعصر لأنهما كانتا في الطرف ، وقد زال وسط النهار فما ليس بوسط ، فهو طرف .
وقال في سورة ق : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } : وهي الصبح ، { وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } : وهي العصر ؛ ويقال : الأولى والعصر ، لأنهما مقرونتان في الوقت (4) .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( كرر عليها . وقال في سورة هود : (( وأقم الصلاة طرفي النهار )) الصبح والعصر )) .
(2) …لآية 114 من سورة هود.
(3) …في ( هـ) : (( المسلة ، يكفرون )) . وهو خطأ واضح .
(4) …قال الشيخ عامر الشماخي : (( وقال بعض أصحابنا : الظهر والعصر مشتركتان في الوقت ، وكذا في المغرب والعشاء ، والدليل على هذا حديث ابن عباس رضي الله عنه : [ صلى رسول الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعا من غير خوف ولا سحاب ولا مطر ] رواه مسلم . ورواه الربيع بن حبيب في مسنده ، بنحو لفظه . انظر حديث رقم 251
…انظر : عامر الشماخي : الإيضاح ، ج1 ، ص 382 . أبو غانم الخراساني : المدونة ، ترتيب القطب اطفيش ج 1 ، ص34 .
{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } يقول : فصل له المغرب والعشاء .. { وَأَدْبَارَ السُّجُودِ } (1) ، وهي الركعتان بعد صلاة المغرب (2) وقال في سورة الطور : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } : يعني إلى الصلاة ، { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } : يعني فصل له ، { وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } (3) يعني الركعتين قبل صلاة الصبح (4) بعدما أبهر (5) الفجر... وذكر صلاة الضحى (6) نافلة قال { إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ } (7) ، ثم ذكر في سورة البقرة { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ } : يعني في الجماعة { والصَّلاَةِ الْوُسْطَى } (8) : يعني صلاة الصبح في قول أصحابنا . وقال متفقهوا قومنا : إن (9) الصلاة التي غفل عنها سليمان [14] بن داود عليه السلام ، { حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ } (10) ، وقال : { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } يعني النبي عليه السلام وحدك في الصلاة ، { وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } (11) يقول : ويرى صلاتك مع المصلين .
[ صلاة الجماعة ]
__________
(1) …الآية 40 من سورة ق.
(2) …هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، تحقيق بلحاج بن سعيد شريفي ، ج4 ، ص208 .
(3) …الآية 49 من سورة الطور.
(4) …هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج4 ، ص233 .
(5) …بهر ـ يبهر ـ أبهره : صار في حر وسط النهار . وفي ( هـ ) : (( أيفجر )) . ولا معنى له .
(6) …في ( ب) : (( ضحار )) . والصحيح ما أثبت من ( د ) و( ج ) و( هـ ) .
(7) …الآية 18 من سورة ص.
(8) …الآية 238 من سورة البقرة.
(9) …كذا في ( د ) ، ولعل الصواب : (( إنها )) .
(10) …الآية 32 من سورة ص. وانظر هود بن محكم : تفسير كتاب الله العزيز ، ج4 ، ص16 .
(11) …الآيتين 218 و 219 من سورة الشعراء.
ويقال : إن صلاة أحدكم في الجماعة يزيد على صلاة وحده (1) أربعة وعشرين ضعفا (2) وإنما يتقبل الله من المتقين .
[ حكم تأخير الصلاة ]
ومن ترك صلاة النهار حتى يدخل عليه الليل ، أو ترك صلاة الليل حتى يدخل عليه النهار من غير عذر ولا نسيان (3) ضل وكفر .
[ عدد الركعات في الفرائض والسنين ]
وسن الصلاة الأولى في الحضر أربع وهي في السفر ركعتان ، وإنما سميت الأولى لأنها أول صلاة فرضت . والعصر أربع ركعات ، والمغرب ثلاث ركعات ، والعتمة أربع ركعات ، والصبح ركعتان . كلها في السفر ركعتان ركعتان ، ما خلا المغرب فإنه ثلاث ركعات في الحضر والسفر ، وهذا العدد من السنة .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( واحدة )) .
(2) …روى البخاري عن أبي هريرة بلفظ ( خمس وعشرين ) وفي رواية عن عمر متفق عليها قال ( بسبع وعشرين درجة ) . ورواه الإمام الربيع بن حبيب عن أنس بم مالك بلفظ ( الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ) . وعن أبي هريرة بلفظ ( صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحدة بخمس وعشرين درجة ) . انظر مسند الربيع ، حديثي رقم : 215 و 216 .
(3) …المعذرون هم : الحائض والمسافر والصبي والمشرك والمغمى عليه والناسي والنائم والمجنون ، القطب اطفيش : شرح النيل ج2 ، ص22 . الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج1 ، ص240 .
والوتر ركعة ، وهي سنة ، ويستحب أن يوتر بسبع ركعات (1) . ومن الناس من يقول : الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهم بتسليم (2) والمعمول به عندنا ركعة .
وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) سنن الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها وتشهدها .
[ القراءة في الصلاة ]
أول ما نفتتح (4) بالتكبير ويقرأ في القيام بفاتحة الكتاب وحدها (5) سراً في الأولى والعصر ، وفي الثالثة من المغرب ، والركعتين الأخيرتين (6) من العشاء . ويقرأ في الركعتين الأولتين (7) من المغرب سورة من القصار مع فاتحة الكتاب . وفي الأولتين (8) من العشاء بسورة مع فاتحة الكتاب ، ويستحب من ذلك ما يبلغ عشر آيات ، وكذلك في الصبح .
[ إستقبال القبلة ]
__________
(1) …قال الشماخي : (( وقد روي أنه كان عليه السلام يوتر بسبع وثلاث )) رواه أحمد والنسائي ولذلك استحب علماؤنا رحمهم الله الوتر على سبع . الشماخي : الإيضاح ، ج1 ، ص691 .
(2) …قال الشماخي : (( دليلهم ما روي أنه قال عليه السلام : صلاة المغرب وتر النهار ، فأوتروا صلاة الليل ـ متفق عليه ـ وقالوا : لما كانت المغرب وتر النهار ، واختلف الناس في وتر الليل ، كان أحسن الأشياء أن يشبه به . وقد روي أيضاً أنه - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث لا يسلم إلا في أخراهن ـ رواه النسائي وأحمد )) الشماخي : الإيضاح ، ج1 ، ص692 .
(3) …في ( هـ ) : سقط : (( صلى الله عليه وسلم )) .
(4) …في ( هـ ) : (( تفتتح )) . وهو الأنسب .
(5) …في ( هـ ) : (( واحدها )) .
(6) …في ( هـ ) : (( الأخرتين )) . وهو خطأ .
(7) …كذا في النسخ .
(8) …كذا في النسخ .
وتوجيه الكعبة (1) في الصلاة فرض من التنزيل . قوله تعالى (2) : { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } (3) يعني في الصلاة .
[ الفصل الثاني في الطهارات ]
[ فريضة الوضوء ]
والوضوء من التنزيل ، [لـ] قوله (4) تعالى : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } : يعني إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة ، { فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ } (5) فهذه الفريضة .
وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المضمضة والاستنشاق ، وهما واجبتان لا يسع تركهما ، ولا تجوز الصلاة إلا بهما .
وسن مسح الأذنين مع الرأس مقدمهما ومؤخرهما . وقال بعضهم مقدم الأذنين من الوجه ومؤخرهما من الرأس . والمعمول به عندنا أنهما من الرأس .
[ سنة الإستنجاء ]
وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستنجاء من كل نجاسة (6) ، لا يجوز الوضوء إلا بعد الاستنجاء .
وفرض الله في كتابه الطهارة من الجنابة (7) .
[ رخصة التيمم ]
__________
(1) …كذا في جميع النسخ ، ولعل الصواب : (( والتوجه للكعبة )) بلام الجر .
(2) …في ( هـ) : سقط : (( تعالى )) .
(3) …الآية 144 من سورة البقرة. وفي ( هـ) : (( فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام )) . وهو تحريف ، لا توجد آية هكذا .
(4) …في النسخ بدون لام الجر ، والصحيح إثباتها .
(5) …الآية 6 من سورة المائدة.
(6) …الاستنجاء : النجو وهو الحدث بنفسه ويتضمن أيضا معنى الاستجمار لأنه وجه من الاستنجاء : ومعناه إزالة النجاسات ولا بد من الجمع بين الماء والأحجار لتخفيف العين عن الموضع ثم الماء للإنقاء ، وإزالة الأثر ، والدليل هو عمل أهل قباء وثناء الله عليهم في ذلك . الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج1 ، ص162 ـ القطب : شامل الأصل والفرع ، ج1 ، ص186 .
(7) …قال الله تعالى : (( وإن كنتم جنباً فاطهروا )) سورة المائدة 6 .
ومن كان على سفر ولم يجد الماء تيمم (1) صعيداً طيبا . يعني تعمد ترابا نظيفا . والتيمم : التعمد ؛ والصعيد : التراب ؛ والطيب : النظيف .
وبعض الناس يرى التيمم هو المسح بنفسه ، وليس هو من المسح ولكنه التعمد إلى التراب . ألا ترى أنه قال [15] { فَامْسَحُواْ } والمسح غير التيمم ، يقول فتعمدوا ترابا نظيفا ، { فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ } (2) وما يدل أن التيمم هو التعمد لا المسح قول الله : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } (3) . يقول ولا تتعمدوا الخبيث من أموالكم منه تنفقون .
والتيمم أن تعمد ترابا نظيفا ، وتضرب بيديك مرة ، ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك ، وتضرب مرة أخرى وتمسح بهما كفيك ، تبدأ باليمنى ، وكذلك في الوضوء . فإذا وجدت الماء اغتسل من جنابتك ، ولا تعد ما مضى من الصلاة .
[ حكم نسيان الصلاة ]
ومن نسي صلاة حتى يذهب وقتها (4) فليصلها حين يذكرها ، إلا حين تطلع الشمس أو حين تغرب ، إذا طلع منها شيء أو غاب منها شيء . وكذلك من صلاها بغير وضوء أو ثوب لا يصلى به .
[ كيفية الإغتسال ]
ومن أراد أن يغتسل فليبدأ بنفي كل ما أصاب جسده من النجاسة ، فإذا فرغ من غسل النجاسة صب الماء على يده اليسرى بيده اليمنى ثم يتوضأ وضوء الصلاة حتى عند رجليه ، ثم يسكب الماء على رأسه وسائر جسده ، وليبالغ في تنقية جسده ولا يقصر في شيء . جاء في الحديث : (( أن كل موضع لم ينعم غسله من الجنابة فإنه يبعث عليه يوم القيامة حيات تلدغه في تلك الأماكن )) (5) .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( يتيمم )) .
(2) …الآية 6 من سورة المائدة.
(3) …الآية 267 من سورة البقرة.
(4) …كذا في النسخ . والأنسب : (( حتى ذهب وقتا )) . وفي ( هـ ) : (( حتى تذهب واقتها )) .
(5) …ذكره في المدونة بلفظ : ((... ولم يعم ..)) ، الخراساني : المدونة ، ج1 ، ص15 .
وليس في الغسل وقت دون الإنقاء وحسن الغسل . وليرو (1) الشعر وليبالغ في غسله فإنه جاء في الحديث (( تحت كل شعرة جنابة )) (2) .
وجاء في الحديث أيضاً أن : (( كل شعرة لم ينعم غسلها تشعل يوم القيامة ناراً )) (3) . وليبالغ في الغسل وليغسل إبطيه ومسربته (4) وسرته وبطنه ، وليمد بطنه إذا أراد غسلها . وليغسل رفغيه (5) ومأبطيه (6) .
فإذا غسل كل شيء تنحى (7) ولبس ثيابه وغسل رجليه وصلى إن لم ينتقض وضوءه بحدث (8) ، أو قطر ، أو مس المذاكر (9) أو قيء ، أو رعاف .
فإن حدث منه شيء يفسد وضوءه استأنف الوضوء . وإن صب الماء على رأسه وجسده قبل أن يتوضأ حين يفرغ من الاستنجاء أجزاه .
ومن ترك الغسل من الجنابة من غير عذر وهو يجد الماء حتى يذهب (10) وقت الصلاة ضل (11) في قول المسلمين .
[ الفصل الثالث فريضة الزكاة ]
__________
(1) …في ( د ) : (( وليروي )) . والصواب حذف حرف العلة لأنه مجزوم .
(2) …رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة )) . انظر مسند الربيع ، رقم : 139 . وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ : (( إن تحت كل... )) وضعفه السيوطي .
(3) …ذكره في المدونة بلفظ : ((... ولم يعم .. )) . الخراساني : المدونة ج1 ، ص15 .
(4) …مسربته : الشعر وسط الصدر إلى البطن ، مجرى الدمع ، مجرى الغائط ، ومخرجه .
(5) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( رفيقه )) والصحيح ما أثبت من ( د ) و( هـ) . ومعناه : أصول الفخذين .
(6) …في ( هـ ) : (( مايطيه )) . ومعناه أصول اليدين .
(7) …تنحى : إنتقل إلى ناحية أخرى .
(8) …في ( هـ ) : (( بحدثا )) . وهو خطأ .
(9) …في ( هـ ) : (( الذاكر)) .
(10) …في ( هـ ) : (( تذهب)) . وهو خطأ .
(11) …في النسختين ( ب) و( ج ) : (( أضل )) . وفي نسخة ( د ) و( هـ ) ما أثبت ، وهو الصواب .
فريضة الزكاة من التنزيل ، مقرونة (1) بالصلاة ، ثم فسرت السنة كيف كان قسمها (2) ، ومن كم تجب ؟ ومن أي نوع تجب ؟ وعلى كم ؟ والحول... كل ذلك من السنة . وبين الله تعالى في التنزيل أهلها الذين فيهم تقسم .
[ في ماذا تجب الزكاة ]
إنما تجب الزكاة في الذهب والورق (3) ، والحبوب من البر والشعير والذرة والسلت والتمر والزبيب ، والغنم والإبل والبقر (4) .
[ زكاة الذهب والفضة ]
وزكاة الذهب والورق : يضم بعضها إلى بعض ، أن يعطي من مائتي درهم خمسة [16] دراهم ، فما زاد ففي كل أربعين درهما درهم ، فما لم يتم الأربعين فليس فيه شيء ؛ وما لم يبلغ من الدراهم (5) والفضة . والذهب مع الفضة مائتي درهم (6) فليس فيه زكاة ؛ وإن بلغت مائتين وبقيت عند صاحبها حولاً ففيها زكاة خمسة دراهم .
ومن كان عليه دين حط من حساب ماله بقدر ما عليه من الدين . والشريكان من الذهب والفضة ، فلا يجب على أحد زكاة بحصة غيره ، وتجب الزكاة فيما سوى الذهب والفضة باسم الشركاء (7) وما سوى الذهب والفضة لا تحط الديون منه في الزكاة .
فإذا لم تكن الفضة مع الذهب فزكاته من عشرين مثقالا نصف مثقال (8) ليس فيما دون شيء .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( في وقته)) .
(2) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( تقسيمها )) وفي نسختي ( د ) و( هـ ) : (( قسمها )) . ولعل الأصح : (( كيف تكون قسمتها )) .
(3) …الورق : الفضة .
(4) …لم يذكر الماعز لأن حكمه مثل حكم الغنم تماماً .
(5) …الدراهم جمع ، مفرده : درهم ، وهي قطعة من الفضة مسكوكة للمعاملة بين الناس ، أو هي مرادف النقود عموماً .
(6) …في ( هـ ) : (( دراهم )) .
(7) …المقصود هنا : يستتم الشريك بسهم الشريك .
(8) …المثقال = 5 غرامات ذهبا .
وما زاد على عشرين مثقالاً ففي كل أربعة مثاقيل عُشُر مثقال ؛ وما لم يتم فيه أربعة مثاقيل من الكسور ثلاثة ودون ثلاثة ، وفوق ذلك ما لم يتم مثاقيل (1) فليس فيه شيء .
وليس في اللؤلؤ والجوهر زكاة ، إلا من تطوع بخير ، ما لم يكن للتجارة ، وما كان للتجارة ففيه الزكاة : زكاة رأس ماله حتى يباع .
[ زكاة الحبوب ]
في القمح والشعير والذرة العُشُر فيما سقت السماءُ والعيون (2) إذا بلغ ثلاث مائة صاع بصاع النبي عليه السلام ، لا يضم نوع من ذلك إلى نوع إلا ما بلغ في نوعه (3) ؛ غير أن البر والشعير اختلف فيه الفقهاء ؛ وقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه أنه يضم البر إلى الشعير والشعير إلى البر ، وهو أخر كلام أبي عبيدة (4) رضي الله عنه (5) ؛ وكان أول قوله : لا زكاة في البر ولا في الشعير إلا ما بلغ ثلاث مائة صاع ، ولا يضم بعضه إلى بعض ، ثم رجع عن ذلك وقاسه بالذهب والفضة ، فقال : يضم الذهب إلى الفضة ، ويضم البر إلى الشعير(6) .
__________
(1) …كذا في النسخ والأنسب : (( المثاقيل )) .
(2) …لم يذكر السلت معها رغم أنه وارد في السنة . كما أنه عطف العبارة الأخيرة وأراد في النسختين ، والأنسب هو لعطف السلت إذا لا تتم السنة إلا بها .
(3) …أي من القمح الجيد والرديء مثلا وهكذا .
(4) …أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة عالم من الأعلام المؤسسين للمذهب الإباضي أخذ العلم عن التابعي الكبير جابر بن زيد الأزدي ، وتصدر المذهب الإباضي في المشرق الإسلامي ومغربه . ولم يترك كتبا كثيرة ، إلا رسالة في الزكاة ، وكتاب مسائل أبي عبيدة . توفي حوالي سنة 150هـ .
…انظر : علي يحي معمر : الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ، ص155 . سالم بن حمد الحارثي : العقود الفضية في أصول الإباضية ، ص139 . الشماخي : السير ، ص83 .
(5) …في ( هـ ) : سقط : (( عنه )) .
(6) …الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج2 ، ص22، 23، 24 .
وما لم يبلغ ثلاث مائة صاع فلا زكاة فيه إلا من تطوع بخير . والتمر والزبيب مثل ذلك . وما يسقى بالدوالي (1) والنواضح (2) والرشاء (3) والسواني (4) ففيه نصف العشر من كل عشرين واحد .
[ صدقة الإبل ]
__________
(1) …الدوالي : جمع دالية : الدلو الصغير وهو آنية متتابعة لها عارضة تجعلها تنصب في الحوض .
(2) …النواضح : جمع ناضحة : بعير السقي .
(3) …الرشاء : ج أرشية ، حبل الدلو .
(4) …السواني : جمع سانية : الدواب ، هي آنية تمتلئ وتصعد في دائرة بالدابة .
فليس فيما (1) دون الخمسة شيء ، فإذا بلغت خمسة ، ففيها شاة حتى تبلغ تسعة ؛ فإذا زادت واحدة وبلغت عشرة ، ففيها شاتان حتى تبلغ أربعة عشر ؛ فإذا زادت واحدة وبلغت خمسة عشر ، ففيها ثلاث شياه ، حتى تبلغ تسعة عشر ؛ فإذا زادت واحدة وبلغت عشرين ، ففيها أربعة شياه ، فإذا بلغت خمسا وعشرين ، ففيها بنت (2) مخاض . فإذا لم توجد ابنه مخاض ، فابن لبون ذكر ، حتى تبلغ خمسا وثلاثين ؛ فإذا زادت واحدة ، ففيها ابنه لبون ، حتى تبلغ خمسة وأربعين ؛ فإذا زادت واحدة ففيها حقة طروقة الفحل (3) ، حتى تبلغ ستين ؛ فإذا زادت واحدة ، ففيها جذعة حتى [17] تبلغ خمسة وسبعين ؛ فإذا زادت واحدة ، ففيها ابنتا لبون حتى تبلغ تسعين ؛ فإذا زادت واحدة ففيها حقتان ، حتى تبلغ عشرين ومائة ؛ فإذا زادت واحدة ، ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ ثلاثين ومائة ، ففيها حقة وابنتا لبون ؛ فإذا بلغت أربعين ومائة ، ففيها حقتان وابنه لبون ؛ فإذا بلغت خمسين ومائة ، ففيها ثلاث حقائق (4) فإذا بلغت ستين ومائة ، ففيها أربعة بنات لبون ، حتى تبلغ سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة ؛ فإذا بلغت ثمانين ومائة ، ففيها حقتان وابنتا لبون ؛ فإذا بلغت تسعين ومائة ، ففيها ثلاث حقائق وابنة لبون ؛ فإذا بلغت مائتين ، ففيها أربع حقائق ، أو خمس بنات لبون ، لأنه إذا كثر الإبل أخذ من كل أربعين ابنة لبون ومن كل (5) خمسين حقة .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( ما )) .
(2) …في ( هـ ) : (( ابنة )) .
(3) …طروقة الفحل : وهي الداخلة في السنة الرابعة .
(4) …في النسخ جمعت الحقة إلى حقائق ، وهو خطأ والصحيح إلى : حقق أو حقاق . وأثبتنا ما في الخطوط مراعاة للأمانة العلمية .
(5) …في ( هـ ) : (( ولكل )) .
وليس فيما لم يكمل العشرة بعد أن تزيد الإبل على العشرين ومائة شيء ؛ فإذا بلغت عشرة ومائتين ففيها أربع بنات لبون وحقة ؛ فإذا بلغت عشرين ومائتين ففيها حقتان وثلاث بنات لبون ؛ فإذا بلغت ثلاثين ومائتين ففيها ثلاث حقائق وابنتا لبون ؛ فإذا بلغت أربعين ومائتين ففيها أربع حقائق وابنة لبون ؛ فإذا بلغت خمسين ومائتين ففيها خمس حقائق ؛ فإذا بلغت ستين ومائتين ففيها أربع بنات لبون وحقتان ؛ فإذا بلغت سبعين ومائتين ففيها ثلاث حقائق وثلاث بنات لبون ؛ فإذا بلغت ثمانين (1) ومائتين ففيها أربع حقائق وابنتا لبون ؛ فإذا بلغت تسعين ومائتين ففيها خمس حقائق وابنة لبون ؛ فإذا بلغت ثلاث مائة ففيها ست حقائق . فإذا كثرت الإبل فعلى هذا الحساب : ففي كل أربعين ابنت لبون ، وفي كل خمسين حقة .
[ صدقة البقر ]
وصدقة البقرة مثل صدقة الإبل ، على عددها يؤخذ ما يؤخذ من الإبل من الغنم ما لم تبلغ خمسة وعشرين ؛ فإذا بلغت خمسة وعشرين فحولية نظيرة بنت مخاض .
ويؤخذ من البقر ما يؤخذ من الإبل غير أن أسنان الإبل كثيرة وأسنان البقر قصيرة عاجلة . ولكن يعد لها (2) من السنين ما يعد للإبل ، فيؤخذ مكان ابنة لبون في الإبل نظيرتها في السنين ، ويؤخذ مكان حقة نظيرتها ؛ وكذلك مكان كل سن من الإبل نظيرتها من البقر في السنين ، وإن اختلفت أسنانها .
فإن لم يجد المصدق في الإبل سن (3)
__________
(1) …في ( هـ ) : تكرار (( ثمانين )) .
(2) …في ( هـ ) : (( يدلها )) . وهو خطأ .
(3) …أما أعمار إبل الصدقة فهي كما يلي :
* بنت مخاض : وهي الداخلة في السنة الثانية .
* بنت لبون : وهي الداخلة في السنة الثالثة .
* حقة : وهي الداخلة في السنة الرابعة .
* جذعة : وهي الداخلة في السنة الخامسة .
فريضة الصدقة ووجد فوقها أخذها ورد فضل ما بينهما بقيمة عدل (1) ذهب أو فضة ، والصدقة من الحول (2) القمر (3) .
[ صدقة الغنم ]
لا يأخذ مما دون الأربعين شيئاً حتى تتم أربعين ، فإذا بلغت [18] أربعين وبقيت عند صاحبها سنة ففيها شاة ، حتى تبلغ عشرين ومائة ، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان حتى تبلغ مائتين ؛ فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه (4) حتى تبلغ تسعاً وتسعين وثلاث مائة ، فإذا زادت واحدة وكمل أربع مائة ففيها أربع شياه (5) ؛ ثم يستقيم بعد ذلك حسابها : لكل مائة تامة شاة ، وليس فيما لم يكمل المائة من التسع والتسعين بعد إذ جازت الغنم ثلاث مائة شيء .
ويأخذ المصدق من أوسط الغنم .
ويعد من الغنم من أولادها مع أمهاتها ما حمله الراعي واستغنى عن أمه . قال بعضهم : ما جاز الوادي ؛ وقال بعضهم : وإن حمله الراعي (6) ؛ ولكن من نأخذ عنه ممن أدركنا لا يرى الشاة إلا شاة استغنت عن غيرها (7) .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( على )) . وهو خطأ .
(2) …في ( هـ ) : إضافة : (( سنين )) .
(3) …كذا في النسخ ولعل الصواب تنكير كلمة حول . أي من الأشهر القمرية لا الشمسية .
(4) …في ( هـ ) : (( أشياه )) .
(5) …في ( هـ ) : (( أشياه )) .
(6) …في ( هـ ) : (( الرعي )) ، وهو خطأ .
(7) …زكاة الماعز هو نفس زكاة الغنم ولكن يمنع أخذ التيس والذكر من الغنم . الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج2 ، ص14 .
ومن أخر (1) زكاة ماله شهراً في شهر ألا يكفر ، ولا يضل في الحكم ، ما لم يدخل حول (2) في حول ، وقال من نأخذ عنه : وإن دخل حول (3) في حول لا يحكم عليه بالكفر ما لم يمت ولم يؤدها (4) ولم يوص ، إلا أن يكون مانعا فإنه يضل في حين ذلك . وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبته : (( ألا أنه لا صلاة لمانع الزكاة ، لا صلاة لمانع الزكاة ، والتعدي فيها كمانعها )) (5) .
[ زكاة الفطر حكمها ]
وزكاة الفطر يؤديها (6) من كان له ما يقوته سنة ، وهي سنة (7) ، الأخذ بها فضيلة ، وتركها ليس بخطيئة . والسنة سنتان :
* سنة في غير فريضة ، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة .
* وسنة في فريضة ، الأخذ بها هدى (8) وتركها ضلالة .
[ من ومِمّاذا ومتى تؤدى ]
أن يعطي فطرته (9) من أطيب ماله على جميع عياله ، والحر والعبد ، على كل رأس يوم الفطر ، صاعا بصاع (10) النبي عليه السلام ، من قمح ، أو تمر ، أو شعير أو ذرٍة ، أو زبيب ، أو لحم ، أو لبن حليب ما لم يخالطه ماء ، أو مما يأكل منه ، ويكون قوت عامة عياله ، أو يخلط من الأنواع .
__________
(1) …في النسخ : (( وخر )) . وصححناها على ما اعتيد عليه من الاستعمال .
(2) …في ( هـ ) : (( حولاً )) .
(3) …في ( هـ ) : (( حولاً )) وهو خطأ .
(4) …في ( هـ ) : (( يدها )) وهو خطأ .
(5) …رواه الربيع عن ابن عباس برقم 342 ، رواه الطبراني عن ابن مسعود موقوفا مع زيادة . قال الربيع : المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير اهلها .
(6) …في ( د ) و( هـ ) : (( يدَّيها )) وفي ( ب ) و(ج ) : يودَّها . والصواب ما اثبت .
(7) …في ( هـ ) : تكرار (( وهي سنة )) .
(8) …في ( هـ ) : (( هذا )) . وهو تصحيف .
(9) …في ( هـ ) : (( فرطته )) . وهو تصحيف .
(10) …في ( هـ ) : تكرار (( بصاع )) .
وليؤدها (1) بعد ما صلى الصبح (2) قبل أن يصلي صلاة العيد يوم الفطر أفضلها ، أو قبل نصف النهار .
[ الفصل الرابع فريضة الصيام ]
وصيام شهر رمضان فريضة من كتاب الله عز وجل على كل بالغ صحيح العقل إذا شهد الشهر في أهله .
{ وَمَن كَانَ مَرِيضًا } : في أهله ، { أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } (3) وفيها إضمار ، وإضمارها : فمن كان مريضا أو على سفر فأكل في مرضه أو سفره فعدة من أيام أخر ؛ ليس على كل من مرض أو سافر يكون عليه الإعادة إذا لم يأكل .
والمسافر إن شاء أكل وإن شاء صام ، فليس عليه الإفطار (4) بواجب ، ولكن إن صام فمأجور (5) وإن أكل فمعذور .
والصيام من الليل إلى الليل ، فإذا انفجر الفجر حلّت الصلاة ووجب الصوم ، وحرم الأكل والشراب .
سئل (6) ابن عباس رضي الله عنه : متى يحرم على الصائم (7) الطعام ؟ [19] قال رجل : ما لم تشك حتى تشك . قال : فقال ابن عباس كل ما شككت حتى لا تشك .
[ هل الاغتسال من الجنابة شرط في صحة الصيام ؟ ]
__________
(1) …في ( د ) و( هـ ) : (( وليدها )) .
(2) …في ( ب ) و( ج ) : (( بعد صلاة الصبح )) .
(3) …الآية 185 من سورة البقرة.
(4) …في ( هـ ) : (( الإفطار عليه )) .
(5) …في ( هـ ) : (( فمأجوز )) وهو تصحيف .
(6) …في ( هـ ) : (( س )) وهو تحريف .
(7) …في ( هـ ) : (( الصيام )) وهو تحريف .
واختلف الناس في الاغتسال من الجنابة ؛ فقال بعض : إنما جاء الاغتسال لعلة الصلاة ، ولم ينزل لعلة الصوم ، فمن أصبح ولم يغتسل لا يبطل ذلك صومه ، لأن الله أجاز لنا الأكل والشراب والمباشرة ـ وهي الجماع ـ حتى يتبين لنا الصبح . قلنا لهم : أما الأكل والشراب ليس(1) فيه تباعة تلحقهما ، والجماع له تباعه تلحقه ؛ وإنما أراد أن لا نصبح إلا ونحن على الحالة التي يجوز لنا بها الصوم ، كقوله تعالى : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ... } إلى آخر الآية (2) ؛ وإنما أراد أن لا نقوم إلى الصلاة إلا ونحن على الحالة التي تجوز لنا بها الصلاة ، ليس على أنا لا نتوضأ إلا إذا قمنا إلى الصلاة . قلنا لهم : أرأيتم (3) فقيهين (4) اختلفا لرجلين (5) ، فقال أحدهما : إذا اغتسلت ليلاً أجزاك ، وإذا أخرت إلى الصبح لا يضرك ، وقال آخر : إن اغتسلت ليلاً أجزاك ، وإن توانيت إلى الصبح أبطلت صومك ، وليس لك صوم ، أليس الوثاقة أن يحتاط لنفسه ، ويأخذ بالذي أجتمعا عليه أنه مجز ! وقول من نأخذ عنه من أصحابنا : من توانى بغسله حتى أصبح فلا صوم له يومه (6) ، ويستأنف (7) ما مضى من شهره . وقد كان يستحب إذا لعطك الصبح (8)
__________
(1) …كذا والأصح : (( فليس )) . بإضافة الفاء ، مثل قوله تعالى : (( أما السفينة فكانت لمساكين...)) وقوله : (( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين... )) .
(2) …سورة المائدة الآية 6 . وتمام الآية : (( وأيديكم إلى المرفق ، وأمسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين ، وإن كنتم جنبا فاطهروا )) .
(3) …في ( هـ ) : (( رأيتم )) . وهو خطأ .
(4) …في ( د ) : (( فقيهن )) . وهو تحريف .
(5) …في ( هـ ) : (( أختلف الرجل )) . ولا معنى له .
(6) …في ( هـ ) : سقط (( يومه )) .
(7) …يستأنف معناه : يعيد لأنه يعتبر مضيعا ، والتضييع حكمه عند أصحابنا إعادة ما مضى من صومه . القطب اطفيش : شرح النيل ، ج3 ، ص342 .
(8) …كذا في النسخ ، ومعناه : من لعط يلعط : كواه في عرض عنقه ، أي ظهر بياض الصبح فجأة .
وقرب الفجر أن تشرب ولا تأكل ، لسرعة انقطاع تباعة الشراب ، والوطء أثقل تباعة .
[ الفصل الخامس فرض الحجَّ ]
فرض الله الحج في كتابه ، وتفسير بعض ذلك من السنة .
قال الله تعالى : { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } (1) .
[ ما معنى الاستطاعة في الحج ؟ ]
واستطاعة السبيل : الزاد والراحلة . ليس الناس إلى ملك الزاد والراحة بأحوج إليهم من أمان الطريق ؛ فإن وجدوا الزاد والراحلة ملكوا ذلك ، ووجدوا أمان الطريق ، مع كشف الآفات التي تحل بالجسم يكون منها الموانع ؛ فإذا اجتمع (2) لهم ذلك وجب عليهم الحج .
وأما الحج فلا يستطيعونه إلا بفعله ، وفي أيامه ومشاهده . واستطاعة السبيل غير استطاعة الحج . واستطاعة السبيل إنما هي المال وكشف الموانع ، وأما الحج إنما هو فعل الحاج حركة وسكوناً (3) من الفاعل في أيامه ومشاهده .
[ فريضة الحج والعمرة ]
ثم قال عز وجل : { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } وقولنا ـ والله المستعان ـ : أما الحج والعمرة [فـ] فريضتان ، وبهذا (4) نأخذ وعليه نعتمد ؛ وأما بعض الناس [فـ] يرون قول ابن مسعود : الحج فريضة والعمرة نافلة (5) ؛ وكان يقرأ فيما روي عنه : { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } (6) بنصب { الْحَجَّ } ورفع { َالْعُمْرَةَ } ، يقول : { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } وقع عليه الفعل فانتصب ، و(( العمرة )) مبتدأ مستأنف فارتفع ، يقول : والعمرة لله تطوع .
والعامة من العلماء : على أن الحج والعمرة فريضتان .
__________
(1) …الآية 97 من سورة آل عمران.
(2) …في ( هـ ) : (( اجتمعا )) . وهو خطأ.
(3) …في ( هـ ) : (( وسكون )) . وهو خطأ .
(4) …في ( هـ ) : (( وبها )) .
(5) …محمد رواس قلعة جي : موسوعة فقه عبد الله بن مسعود ، ص472 . هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 ، ص184 .
(6) …الآية 196 من سورة البقرة.
[ الإحرام : سننه ونواهيه ]
ووقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) مواقيت الحج (2) التي يحرم منها الناس ، لا يجاوزها أحد ، إذا أراد الحج والعمرة إلا وهو محرم ، وقت (3) لكل ناحية منهم علم .
وسن في الإحرام الطهر في الأجساد ، والنقاء في الثياب . ونهى الله في التنزيل عن الرفث للمحرم ، وهو غشيان النساء ، فمن فعل بطل إحرامه بحج أو بعمرة ، [20] أو بهما جميعاً ، وعليه البدل من عامه ؛ وإن لم يستطع من عامة فمن قابل وعليه هدي كفارة ، مع البدل .
ونهى عن الفسوق ، وهي المعاصي .
ونهى عن الجدال ، وهو المراء ؛ فمن فعل ومارى بالباطل حتى يَغضبَ (4) أو يُغضِب صاحبه فعليه كفارة . فمن جادل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا كفارة عليه .
[ حكم صيد الحرم وجزاؤه ]
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( صلى الله عليه وسلم )) .
(2) …في ( هـ ) : (( الإحرام )) .
(3) …في ( هـ ) : سقط (( وقت )) .
(4) …في ( هـ ) : (( يغضبا ويغضب )) .
ونهى عن قتل الصيد صيد البر في الحرم ؛ وجاءت الرخصة في السنة أن تقتل من قاتلك من السباع . والجراد من الصيد . وجاء عن النبي عليه السلام : (( مكة حرام لحرام الله ، لا يحل صيدها ، ولا يختلى (1) خلاؤها ، ولا يعضد شجرها ، ولا تحل لقطتها )) (2) . وهذا في الحرم الذي يقال له الجمع ، وهو الأمن الذي لا يزول تحريمه . ومن لجأ إليه وعليه الحد فإنه (3) لا يبايع ولا يجالس ، ولا يطعم ولا يؤوى حتى يخرج من الحرم ن فيقام عليه حد ما اجترم .
ومن أحدث حدثاً في الحرم فإنه يقام عليه حد ما أصاب ، ومن قتل صيد بر في الإحرام فعليه الجزاء ، وهو قول الله تعالى(4) في كتابه : { لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } : يعني صيد البر ، { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } (5) .
ومن أحرم من بلده أو موضع من المواضع قبل الحد الذي وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (6) لزمه إحرامه ، فليتق كل ما نهي عنه المحرم .
__________
(1) …اختلى خلاءه : سطا على منزله .
(2) …رواه الشيخان عن أبي هريرة . ورواه الربيع عن أنس بن مالك بلفظ : (( مكة حرام حرمها الله ، لا تحل لقطتها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يختلى خلاها )) فقال عمه العباس : (( إلا الإذخر يا رسول الله )) ، فقال : (( إلا الإذخر )) قال الربيع : لا يعضد : أي لا يقطع ، والخلا : الكلا ، والإذخر : نبت يصنع منه الحصر ، وتسقف منه البيوت . انظر : الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح ، ج2 ، ص105 ، 106 ، كتاب الحج باب [2] في المواقيت والحرم ، حديث رقم 389 .
(3) …في ( هـ ) : (( وعليه المدافنة )) وهو تحريف .
(4) …في ( هـ ) : سقط (( تعالى )) .
(5) …الآية 95 من سورة المائدة.
(6) …في ( هـ ) : (( عليه السلام )) .
والأفاكر (1) والضفادع وطير الماء من صيد البر ، ولا بأس بقتل النحل للمحرم .
وجزاء قاتل الصيد بحكومة ذوي عدل اثنان يحكمان فما حكما به عليه لزمه ؛ فإن كان الجزاء دماً فإنه لا يكون إلا بمكة ، لأن الله يقول : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةٍِ } (2) . وإن كان صياماً أو كفارة طعام فحيث ما أطعم أو صام أجزاه ، وهو مخير بين الهدي والإطعام والكفارة . ولا يأكل شيئاً لا من جزاء ولا من فدية ولا من كفارة ، ولا بأس أن يأكل الرجل من كفارة غيره ، إذا كان فقيراً ما لم يكون رفيقه (3) . وقال بعضهم يأكل من جزاء غيره وكفارته ما لم تلزمه نفقته (4) ، ولا يحكم في ذلك واحد ، ولا يحكم هو لنفسه وإن كان يعلم ذلك .
والسنة المجتمع عليها لا يغط الرجل رأسه . وإن نسي وغطى ، اجهر بالتلبية ونزع (5) وإن مر عليه يوم أو ليلة كفر بدم .
ولا يلبس الرجل المحرم الأطواق (6) ولا سراويلات ولا خفين إلا مضطراً ، وليقلب ساقيها (7) إلى الكعبين (8) .
ولا يتقلد سيفا ولا يحتزم الخائف ؛ ورخص له في سيفه يمسكه معه ، قال بعضهم : يتقلد الخائف ، وقال بعضهم : يمسكه ولا يتقلده .
__________
(1) …لم أجد معنى هذه الكلمة في القواميس اللغوية والعلمية ، ولعل الأنسب للسياق هو ، الفقمة ، وهو الحوت البري البحري المعروف .
(2) …الآية 95 من سورة المائدة.
(3) …قال رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( لا تأكل منه شيئاً ولا أحد من رفقتك )) . رواه أحمد ومسلم وابن ماجه عن ابن عباس . عامر الشماخي : الإيضاح ، ج1 ، ص336 .
(4) …في ( هـ ) : (( وكفاراته ما لم تلزمه نفقة )) .
(5) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( ونرع )) بالراء ، والصحيح ما أثبت من ( د ) و ( هـ ) .
(6) …الأطواق جمع طوق : ما يلبس حول العنق وغيره .
(7) …في النسخ : (( ساقيهما )) . والصواب ما أثبت من ( هـ ) .
(8) …في ( هـ ) : (( الكعبتين )) .
ولا يلبس الرجل (1) المحرم الخاتم ، ولا يحتزم ، ولا يزر (2) عليه ثوبا . ولا يتطيب ولا يمس طيبا ، ولا يشمه (3) ؛ فإن فعل فدم يهريقه (4) ، ولا يكتحل بالأثمد (5) ، ولا يكتحل بالأنرروت (6) والمستكا (7) ، والأنرروت حب السودان ، ولا يدهن بلبان (8) ولا دهن ، ولا بأس أن يدهن (9) بما يتأدم منه ولا ينتف شعرا ولا يقلم ظفرا ، فإن آذاه ظفره وهو مكسور [21] نزعه ؛ ولا بأس أن ينزع المحرم الضرس إذا آذاه .
ولا بأس أن يحتجم وينصع بغيره (10) ، ويذبح المحرم ويتزوج ولا يباشر ، ويلبس من الثياب أيما (11) شاء وأي لون شاء ما لم يكن صبغها زعفران أو عصفر (12) ، وما كان من طيب فإنه لا يلبسه ؛ فإن غسل ولم ينتقص منه ولم يكن فيه ريح الطيب فلا بأس أن يلبسه .
ويلبس المحرم ما شاء من الثياب وإن لم يكن أحرم فيها ، إلا ما نهينا عنه (13)
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( الرجل )) .
(2) …في ( ب ) و( ج ) : (( يزور )) ، وفي ( د ) و( هـ ) : (( يزر )) . والصواب : (( يأتزر )) أو (( يتأزر )) . أي يلبس لباسا فيه أزرار .
(3) …في ( هـ ) : (( يسمه )) . وهو تصحيف .
(4) …كذا في النسخ ، ولعل الأصوب : (( يريقه )) أو (( يهرقه )) .
(5) …في ( هـ ) : (( الإثمد )) ، بتاء مثناه . وهو تصحيف . والإثمد : حجر يكتحل به .
(6) …في ( هـ ) : (( الأنزورة )) .
(7) …( ب ) و( ج ) : (( المشكا )) ، وفي ( د ) و( هـ ) : (( المستكا )) .
(8) …في ( هـ ) : (( بيان )) وهو خطأ .
(9) …في ( هـ ) : سقط (( أن يدهن )) .
(10) …أن يحتجم لنفسه ويحتجم لغيره . وفي ( هـ ) : (( بغير )) .
(11) …كذا في النسخ ، ولعل الصواب : (( أيها )) .
(12) …العصفر : السنبل لأنه ذو رائحة .
(13) …في ( هـ ) : (( نهيا )) . وهو خطأ .
…والثياب المنهي عنها يجمعها حديث ابن عمر ، أن رجلا سأل النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) عما يلبس المحرم من الثياب ، فقال : (( لا يلبس القمص ، ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانيس ، ولا الأخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فلبس خفين وليقطعهما أسفل الكعبين ، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس )) . رواه الربيع عن أبي سعيد الخدري برقم 406 ، وبلفظ المفرد . الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج1 ، ص139 .
، وإن شاء المحرم باع ثيابه التي أحرم فيها ولبس غيرها .
[ إحرام المرأة ]
والمرأة في الإحرام مثل الرجل في كل شيء مما يحرم عليهما (1) ، إلا أن المرأة تلبس في الإحرام ما كانت تلبس قبل الإحرام ، إلا ما كان فيه طيب ، إلا البرقع (2) وتغطية الوجه ، ولا تلبس حريراً ولا خزاً (3) ، ولا تتزين ولا تكتحل ، ولا تنظر في مرآة إلا من علة ، وتنزع عنها حليها إلا ما خافت أن ينكسر بنزعه تركته إياه (4) .
[ المحرم والحشرات ]
ولا يقتل المحرم قملة (5) ولا يلقه من ثوبه ولا يطرحه عنه (6) ، ويطرح البرغوث (7) والقرادة (8) والحمنان (9) والحلمان (10) وكل ما ليس منه ، ولا يقتل من ذلك شيء .
وليدهن بعيره ويطليه (11) بالقطران (12) ويحكه ويقرده (13) .
[ فدية المحرم المريض ]
__________
(1) …في ( هـ ) : (( عليها )) . والأصوب ما أثبت من النسخ الأخرى .
(2) …ما تستر به وجهها وتبقي عينها .
(3) …في ( هـ ) : (( خراً )) . وهو تصحيف . والخز نوع من الحرير .
(4) …كذا في النسخ : إياه كلمة زائدة .
(5) …في ( هـ ) : (( قملة )) .
(6) …انظر جواز هذا في حديث ابن عباس . عامر الشماخي : الإيضاح ج2 ، ص267 .
(7) …برغوث : نوع من الحشرات .
(8) …القرادة جمع قردان : حشرة دموية تتعلق بظهر البعير ، مثل القمل للإنسان .
(9) …حمنان جمع حمنة : صغار القردان .
(10) …الحلمان جمع حلمة : صغير القردان .
(11) …في ( د ) : (( وليطليه )) ، كذا بإثبات حرف العلة ، والصواب حذفه . أو الصواب ما أثبت من ( هـ ) .
(12) …القطران : سيال دهني يؤخذ من شجرة الأبهل والأرز وغيرها .
(13) …يقرده : يلتقط منه القردان .
ونهى الله المحرم عن (1) الحلق حتى يبلغ الهدي محله ، فإن كان به أذى من رأسه فحلق ، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ، وفيها إضمار : { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ } فحلق ، { فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } (2) . وليس كل من مرض أو به أذى من رأسه تلزمه الفدية ، وإنما تلزمه الفدية إذا حلق ، وهذا اختصار من كلام العرب وهو معروف ، وقد ذكرته شعراء العرب ، وله نظير في كتاب الله مثل قوله لموسى : { أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ } ولم يقل : فضرب (3) ، ولكن لما قال : { أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ } على أنه قد ضربه فاكتفى وقصر (4) واختصر ، وهذا من أغرب (5) الكلام وأخصره . وهو مخير في الفدية بين الصيام والصدقة والنسك ، وهو شاة يذبحها .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( على )) . وهو خطأ .
(2) …الآية 196 من سورة البقرة. وفي ( هـ ) سقط عبارة : (( وفيها إضمار : (( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه )) فحلق (( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك )) . وقد وقع للناسخ فيها انتقال النظر لتكرار عبارة كاملة )) .
(3) …في ( هـ ) : (( فضربه )) .
(4) …(( وقصر )) إضافة من ( هـ ) .
(5) …في النسخ : (( من أغراب )) . وأما في ( هـ ) : (( من إعراب )) ويبدو أن الصواب ما أثبتناه .
ومن (1) نتف شعرة أو شعرتين تصدق على مسكينين (2) ببر أو تمر ؛ ومن نتف ثلاث شعرات ولم يكفر حتى تلاحقت فدم (3) يهرقه . ومن نتف أكثر من ثلاث شعرات ثم لم حتى نتف شعر أخر فكفارة واحدة تجزيه دماً واحداً ما لم يفصل بينهما بكفارة ؛ وقال بعضهم : ذلك إذا (4) جمعه اليوم أو الليلة ، وما فرقة الأيام فكل يوم كفارة ، والأول أحب إلينا .
[ مستحبات الإحرام والتلبية ]
ومن أراد أن يحرم فليغتسل في بدء إحرامه ، وليلبس ثوبين جديدين أو غسيلين ، أو إزاراً أو رداء ، ثم يصلي صلاة مكتوبة إن كان حين الصلاة . ويستحب الإحرام دبر صلاة مكتوبة ؛ وإن [22] لم يوافق (5) حين صلاة مكتوبة صلى ركعتين ثم قال : (( اللهم إني أريد كذا )) لما أراد أن يحرمه ، ويسمي (6) حجة أو عمرة أو بهما جميعاً . والمسلمون يستحبون أن يبدأ بالعمرة قبل الحج ، وأيا ما فعل من ذلك فهو يجزي . غير أن أحسن الأمور وأفضلها أن يقدم العمرة . والتلبية فيهما والإحرام سواء ، فإن كان أراد العمرة فليقل : (( اللهم إني أريد العمرة ، فيسرها لي ، وتقبلها مني )) ثم يركع ركعتين ـ إن لم يكن حين مكتوبة ـ ويلبي ، والتلبية أن يقول : (( لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك )) ؛ فإذا لبى قال : (( لبيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك يا الله )) ، فلا يضرك بعد ذلك أن تلبي ولا تسمي (7) .
[ مناسك العمرة ]
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( من )) .
(2) …في ( هـ ) : (( على مسكين ببر أو ثمر ، ومن نتف ثلاث شعيرات... )) . وقد تكرر فيها استبدال كلمة (( شعيرات )) بـ (( شعيرات )) . ولم نشر إلى ذلك لكثرتها .
(3) …في النسخ : (( بدم )) . والصواب ما أثبتناه من ( هـ ) .
(4) …في ( هـ ) : (( إذ )) .
(5) …في ( هـ ) : (( يوفق )) . وهو تحريف .
(6) …في ( هـ ) : (( ويسمين )) .
(7) …تسمي : أي تبين عـ ماذا تلبي عن عمرة أو حج ، عن نفسك أو عن غيرك .
وأكثر من التلبية كلما علوت شرفاً أو هبطت (1) وادياً أو لقيت راكباً ، وبالأسحار ، ولا يشغلنك (2) شيء من الحديث عن التلبية . ولا تقطع حتى تأتي الحجر الأسود ـ هذا للمعتمر ـ ثم يطوف بالبيت سبعة أشواط ، ثم يركع خلف المقام أو حيث يتيسر (3) له من المسجد ، وخلف المقام أفضل ؛ ثم يعود فيستقبل الحجر الأسود ، ثم يدعو بما فتح الله له (4) ، ثم يخرج إلى الصفا من الباب الذي يخرج منه ، ثم يأتي الصفا فيصعد عليه ، فيستقبل البيت ثم يكبر الله ويحمده ويهلله ، ويدعو بما فتح الله له بعد الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يهبط من الصفا إلى المروة ، ثم يصنع بها مثل (5) ما صنع على الصفا ، يطوف كذلك بينهما سبع تطويفات (6) ، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة ، ويسعى في بطن المسيل من العلم الأخضر إلى العلم الأخضر ، ثم يقص من رأسه ويأخذ من شاربه ولحيته وأظفاره ، فإذا فعل ذلك حل (7) له الحلال كله من الثياب والطيب والصيد ولحمه ، إلا ما حرم من صيد الحرم ؛ وحل (8) له النساء .
[ مناسك الحج ]
__________
(1) …في ( هـ ) : (( علوت وأهبطت )) .
(2) …في ( هـ ) : (( يشغلك )) .
(3) …في ( هـ ) : (( تيسر )) .
(4) …في ( هـ ) : سقط (( له )) .
(5) …في ( ب ) : سقط (( مثل )) .
(6) …في ( هـ ) : إضافة (( ثم )) .
(7) …في ( هـ ) : (( أحل )) .
(8) …في ( هـ ) : (( وانحل )) .
فإذا كان يوم التروية ، أتى المسجد فطاف بالبيت أسبوعاً (1) ثم يركع خلف المقام ، فإن (2) لبى وأحرم (3) بالحج من المسجد الحرام ، وإن شاء خرج إلى البطحاء ، فأحرم منها بالحج ، والمسلمون يستحبون الإحرام بالحج من البطحاء من المسجد الذي يقال له مسجد الجن ، فحيثما أحرم من حرم البطحاء أجزاه أو أحرم من الحرم ؛ فإنما يكون ذلك بالرواح (4) يوم التروية .
ولا يستحب التعجيل قبل الزوال (5) إلا لمريض أو ضعيف (6) ؛ ثم يخرج إلي منى ويبيت بها ليلة عرفة حتى يصبح ، ثم يرتحل إلى عرفات بعدما أصبح وينزل بها ، فإذا كان عند زوال الشمس اغتسل إن تيسر له ، وإلا فالوضوء يجزيه ، وليصب الماء على نفسه ، وليرفق بجسده ألا يدلكه إلا دلكاً رفيقاً (7) .
[ أنواع الغسل في الحج ]
وإنما يؤكد (8) في الغسل في المواطن التي (9) يذكر فيها الغسل في بدء الإحرامين :
__________
(1) …كذا في ( د ) و( هـ ) ، ولعل الصواب : (( سبعاً )) .
(2) …كذا في النسخ ولعل الصواب : فإن شاء لبى... .
(3) …في ( هـ ) : (( وانحرم )) . وهو تحريف .
(4) …الرواح : العشي .
(5) …في ( هـ ) : (( زوال الشمس ، إلا للمريض أو ضعيف )) .
(6) …أو ضرورة تقتضي التخفيف على المسلم ، فتوافق مقاصد الشريعة في رافع الحرج .
(7) …لئلا ينزع شعراً أو جلداً فتلزمه فدية .
(8) …يوكد : بمعنى أنه سنة مؤكدة يجب فيها دم إن أهملت ، وقيل : يجزيه الوضوء .
…انظر : عامر الشماخي : الإيضاح ، ج2 ص247 .
(9) …في جمع النسخ : (( الذي )) ، والصحيح ما أثبتناه .
الإحرام من الحد (1) الأول حين يحرم بالعمرة ، ويوم التروية (2) حين يحرم بالحج ؛ وأما الغسل الذي يدخل به الحرم (3) ، [23] والغسل الذي يدخل به (4) المسجد الحرام ، وغسل عرفات ، وغسل المزدلفة ، وغسل الزيارة ، وغسل الوداع ، والوضوء في كل ذلك يجزي ، والغسل أفضل ، فإذا زالت الشمس جمع بين (5) الصلاتين : الأولى والعصر مع الإمام أو وحده ، ثم وقف (6) إلى أن تغيب الشمس ، ولا يفيض قبل غروب الشمس من عرفات ، وقبل أن يفيض الإمام (7) ، فإذا أفاض الإمام والناس فاض معهم ، فإذا أتى مزدلفة صلى بها المغرب ، والعشاء جميعا ثم يبيت بها ، فإذا أصبح وأسفر الصبح أفاض إلى منى ، وليكثر ذكر الله تلك الليلة ، كما (8) قال : { فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } (9) : وهو المزدلفة ، وهو جمع يجمع بها بين الصلوات ؛ فإذا أصبح وفاض الإمام والناس أفاض معهم حتى يأتي منى ؛ فإذا أتى جمرة العقبة أمسك عن التلبية بالحج ، ولا يمسك عن التلبية بالحج حتى يأتي جمرة العقبة حين أراد أن يرمي ، وليرمها من بطن الوادي بسبع حصيات ، ويكبر مع كل حصاة ، ولا يرميها من فوق العقبة ، ولا يرميها إلا بحصى الحرم ؛ ومن رمى بحصى غير (10) الحرم فعليه الإعادة ؛ وإن فاتته فعليه دم لكل جمرة كل يوم ؛ وإن وقع شيء من الحصى الذي يرمي به على إنسان أو دابة أو محمل أبدله .
__________
(1) …الحد : الميقات .
(2) …التروية : اليوم الثامن من ذي الحجة .
(3) …في ( هـ ) : (( يدخل في الحرم )) . وهو خطأ .
(4) …في ( هـ ) : إضافة (( في )) .
(5) …في ( هـ ) : سقط (( بين )) .
(6) …في ( هـ ) : (( يقف )) .
(7) …الإمام : يعني به إمام الظهور ، أي الخليفة أو أمير المؤمنين .
(8) …في ( هـ ) : سقط (( ثم )) .
(9) …الآية 198 من سورة البقرة.
(10) …في ( هـ ) : (( بغير حصا الحرم )) .
فإذا رمى جمرة العقبة ذبح إن كان متمتعاً أو قارناً ؛ وإن كان مفرداً بالحج وليس معه هدي حين حلق يرمي . فإذا ذبح (1) المتمتع أو القارن حلق رأسه ، فإذا حلق (2) حل له كل شيء إلا النساء والصيد حتى يزور البيت ، فإذا زار البيت حل له جميع الحلال (3) كله .
[ مواقيت الحج ]
ولا يحرم بالحج في غير أشهر الحج ، وأشهر الحج المعلومات التي ذكر الله : شوال وذو العقدة وعشرة (4) من ذي الحجة ، وإنما ذكر العشرة لأن (5) الإحرام يكون في بعض العشرة ، لأن يوم عرفة يوم التاسع ، فلا يكون الإحرام بالحج إلا قبل الوقت لمن ضاق به . وأما المتمتع عليه قدر ما يبلغه من ميقاته ، فإنه لا يجاوز الميقات من لم يحرم بعمرة إلا وهو محرم بالحج .
[ منهيات الإحرام ]
فإذا أحرم المحرم من الميقات أو قبل الميقات بالحج أو بالعمرة أو بهما جميعاً فليتق كل ما نهي عنه ، ولا يأكل صيد بر ـ وإن صاده غيره ـ وهو قول ابن عباس ، وبه أخذ أصحابنا ، وعليه اعتمدوا ؛ يقول : الآية مبهمة (6) : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } (7) يقول : مبهمة (8) في الأكل والقتل ، وأن غيره يفسر الآية على القتل لا على الأكل مثل الآية الأخرى : { لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } (9) ومن أكله فعليه الجزاء في قولنا :
__________
(1) …في ( هـ ) : (( أذبح )) . وهو خطأ .
(2) …في ( هـ ) : (( أحلق )) . وهو خطأ .
(3) …في النسختين : ( ب ) و( ج ) : (( الحليل )) .
(4) …في ( هـ ) : (( وعشرين )) .
(5) …في ( هـ ) : (( لأجل )) .
(6) …يقول هنا ، يعني ابن عباس في الرأي المعتمد .
(7) …الآية 96 من سورة المائدة.
(8) …في ( هـ ) : (( مبهم )) . وهو خطأ .
(9) …الآية 95 من سورة المائدة.
كفارة مثل ما أكل . ومن قتله خطأ يحكم عليه بالجزاء ، وكما يحكم [24] فيه بالعمد في قولنا الذي نأخذ به ، وإنما افترقوا في الإثم لا في الجزاء (1) ، وكذلك من قتل صيد بعد صيد يحكم عليه في قولنا بالجزاء ولا نأخذ بقول من يقول : لا يحكم عليه بالإعادة بالجزاء ويترك ونقمة الله ، لأن الله يقول : { وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ } (2) ؛ وعلماؤنا وأيمتنا أنهم يحكمون بالجزاء ، فإذا أحللت حل لك الحلال كله .
[ أحكام الإحرام ]
__________
(1) …يعني الذي قتل خطأ لا إثم عليه رغم أنه مكلف بالجزاء ، والذي تعمد أثم وكلف بالجزاء ، فرغم أن الآية تخصص الجزاء بالمتعمد فإن العلماء أوجبوه كذلك على المخطئ ، عملا بقاعدة : (( الخطأ لا يزيل الضمان )) . انظر : عامر الشماخي : الإيضاح ج2 ، ص373 وما بعدها . هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 ، ص497 .
(2) …الآية 95 من سورة المائدة.
والمحرم بالعمرة يحل إذا طاف بالبيت وركع وسعى بين الصفا والمروة وقصر . والمحرم بالحج لا يحل حتى يرجع من عرفات ، ويقف بالمشعر ويرمي جمرة العقبة يوم النحر ، ويذبح ويحلق إن كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج أو قارناً بحج وعمرة . وأما المفرد بالحج الذي لا يسوق الهدي فلا هدي عليه ، ولكن يرمي ويحلق ، فإذا حلق حل به كل شيء إلا النساء والصيد . والمتمتع والقارن يحلان إذا حلقا بعد الذبح ، يحلان من كل (1) شيء إلا النساء والصيد ، حتى يزورا (2) البيت . وكذلك المفرد إذا زار وطاف أسبوعاً (3) ركع وطاف بالصفا والمروة حل من النساء والصيد ، وحل المهل (4) بالحج .
والبيت الحرام لا يحل أبداً وما حوله من الحرم صيده ونباته إلا الإذخر (5) فإنه رخص فيه للبيوت والقبور والخضروات (6) التي يزرعها الناس في الحرم لا بأس بها من بقل أو شجر ، لأن مكة حرام لحرام الله يوم خلق السموات والأرض . ذكروا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( مكة حرام لحرام الله ، لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما حلت لي ساعة من النهار )) (7) يعني يوم فتح مكة .
[ مبطلات الحج ]
__________
(1) …في ( ج ) سقط (( كل )) .
(2) …في ( د ) و( هـ ) : (( يزوران )) . وهو خطأ ، والصواب حذف النون ، لأنه منصوب بأن مضمرة جوازاً بعد حتى .
(3) …كذا في ( د ) و( هـ ) ، والصواب : (( سبعاً )) . وفي ( هـ ) : (( زارا وطافا أسبوعاً ، وركعا وطافا بالصفا والمروة حلا )) بصيغة المثنى .
(4) …في ( هـ ) : (( المهمل )) . وهو تحريف واضح .
(5) …الإذخر جمع إذخرة : حشيش طيب الرائحة يسقف به البيوت فوق الخشب .
(6) …في ( هـ ) : (( الحضورات )) . وهو تحريف .
(7) …رواه الشيخان عن أبي شريح العدوي . والربيع رواه في خطبة عام الفتح برقم 419 .
ومن لم يلب فلا حج له ولا عمرة ، ومن لم يقف بعرفات فلا حج له (1) ، ومن لم يطف بالبيت فلا حج له ولا عمرة .
[ مخالفات الحاج وكفاراتها ]
ومن ترك من المشاهد سوى ما ذكرنا يكفّر له ، وذلك من لم يقف بالمزدلفة يهرق دماً .
ومن لم يرم الجمار يكفر ـ إن فاته رمي يوم النحر ، والجمرة الكبرى ـ بشاة يهرق دمها ويتصدّق .
ومن فاته الرمي في اليومين الأوسطين فليتصدق ، وليبدل الرمي في اليوم الثالث . ومن فاته آخر الرمي فشاة لكل جمرة . أعظم الرمي أوله وأخره .
ومن فاته الرمي كله فعليه لكل جمرة كل يوم شاة ، فذلك تسعة أشياه ، والشاة العاشرة لجمرة العقبة يوم النحر .
ومن فاته حضور ليلة من ليالي منى فعليه دم .
ومن تعجل فنفر (2) في اليوم الثاني فلا شيء عليه في رمي اليوم الثالث إذا نفر قبل الليل ، فإذا أدركه الليل ، في حد منى فلا ينفر (3) إلا في اليوم الثالث إلا أن يكون خائفا على نفسه ولا يرمي (4) قبل زوال الشمس في أوّل النهار إلاّ من فاته أمس قضاه أول النهار إن شاء ، [25] وإن شاء أخره إلى زوال الشمس .
ومن نقص من سبعة من الحصى أعاد تلك الواحدة ؛ وإن فاتته الإعادة فدم . ومن رمى حصاتين (5) معا فهي رمية يعدها حصاةً واحدة ، ويرم (6) بعدها ستة ؛ وإن فاته أهرق دماً . ومن زاد في الرمي فلا يضرّه ولا يفسد عليه .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط عبارة : (( ومن لم يلب فلا حج له ولا عمرة ، ومن لم يقف بعرفات فلا حج له )) , وقد وقع للناسخ فيها انتقال النظر لتكرار : (( ومن لم... )) .
(2) …نفر : رحل إلى بلده مع جماعة من الناس .
(3) …في ( هـ ) : (( يفر )) , وهو تحريف .
(4) …في ( د ) و( هـ ) : (( ترمي )) . وهو خطأ ، والصواب ما أثبت .
(5) …في جميع النسخ : (( حصاة )) ، وفي ( هـ ) : (( خطاه )) ، وهو تصحيف ، والأنسب ما أثبت .
(6) …في ( هـ ) : ((ويرمي )) .
ومن رجع إلى بلده ولم يطف طواف الزيارة أبطل ؛ وعليه الطواف ، يعود من بلده فيقضيه ويكّفِر .
ومن رجع إلى بلده لم يطف طواف الوداع فعليه دم . (1)
ومن ترك ركعتي الطواف حتى يخرج من المسجد فليركعهما (2) ما دام في الحرم ؛ فإن خرج من الحرم فليركعهما حيث كان .
وإن أتى منزله فليهد شاة ، لتأخيره ركعتي الطواف .

الباب الثالث
مسائل في المعاملات
[ باب في تفسير المظالم والمحاربة ]
من أسلم ثم أشرك فإنه يقتل لقول الله تعالى : { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } (3).
[ تفسير المحاربة ]
قال الله تعالى : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ } (4) وذلك من حارب وقطع الطريق ، فأصاب في محاربته الأموال الأنفس ، أنه يقتل إذا قدر عليه ، ومن أصاب الأموال ولم يقتل قطعت يده ورجله (5) { مِّنْ خِلافٍ } : يده اليمنى ورجله اليسرى .
ومن قطع الطريق من أهل الشرك ثم قدر عليه ، وقد أصاب الأموال والأنفس فإنه يصلب . ولا يصلب أحد من أهل الإقرار (6) .
وإن جاء تائباً قبل أن يقدر عليه هدر (7) عنه ما أصاب في محاربته .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( دم )) .
(2) …في ( هـ ) : (( فليركعها )) .
(3) …الآية 217 من سورة البقرة.
(4) …الآية 33 من سورة المائدة.
(5) …في النسختين : ( ب ) و( ج ) : (( ورجلاه )) .
(6) …الإقرار : التوحيد . انظر : القطب اطفيش : تيسير التفسير ، ج2 ، ص74 .
(7) …هدر : أبطل .
ولا يهدر عن أحد من الإقرار ما أصابه في محاربته (1) ؛ فإن طلبه الإمام فامتنع فهو باغ ، لا يقارب ولا يترك حتى يسلم لحكم الله ، ويقاتل على امتناعه ؛ فما أصاب في امتناعه من الأنفس وما دونها من الجراحات يهدر عنه ولا يؤخذ به ، لأنه لا قصاص بينه وبين المسلمين ، لا يقيدوه من أنفسهم فيما أصابهم منه ، وكذلك لا يعطوه لأنّه إذا نزل قوم منزلة لا نعطيهم القصاص من أنفسنا فيما أصبنا (2) منهم .
كذلك لا نأخذ (3) منهم بما أصابوا . ولا يستقيم أن نستحل قوماً فنأخذ منهم القصاص , ولا نعطيهم مثل ذلك من أنفسنا .
وأما النفي الذي ذكره الله فهو أن يطلبهم الإمام والمسلمون بإقامة ما حكم الله بينهم وعليهم ـ من القتل والقطع والصلب ـ فيهربون فلا يؤمنون في شيء من بلاد (4) المسلمين ؛ وليس ذلك على معنى ما يقول من يقول : إن الإمام [26] فيهم مخير إن شاء قتلهم ، وإن شاء شلبهم ، إن شاء قطعهم ، وإن شاء نفاهم .
ولا يحل ما يقول من يزعم أن النفي هو الحبس ، ولكنه كما فسره العلماء : النفي أن يطلبوا بما حكمه (5) الله فيهم فيهربون ، فلا يؤمنون في شيء من بلدان المسلمين (6) .
[ أحكام القطع في الإسلام ]
قال الله تعالى في القطع : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (7) .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( ولا يهدر عن أحد من أهل الإقرار ما أصابه في محاربته )) . وقد وقع للناسخ فيه انتقال النظر لتكرار : (( في محاربته )) .
(2) …في النسخ : (( أصابنا )) ، والصحيح ما أثبت من ( ج ) .
(3) …في ( هـ ) : (( تؤخذ منهم فما أصابوا )) .
(4) …في ( هـ ) : (( بلدان )) .
(5) …في ( هـ ) : (( حكم )) .
(6) …انظر هذا المعنى في : هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1، ص467 . القطب اطفيش : تيسير التفسير ، ج2 ، ص75 .
(7) …الآية 38 من سورة المائدة.
القطع حكم جرى على الأحرار والعبيد والذكور والإناث والموحد والمشرك إذا أخرج المال من الحرز (1) .
يقطع إذا كان الذي أخرج من المال يساوي قيمة أربعة دراهم فصاعداً ، وقال بعضهم : خمسة دراهم . وقالوا : (( لا تقطع الخمس إلا في الخمس )) (2) ، وقال بعضهم : عشرة دراهم (3) ؛ وقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه : القطع في أربعة دراهم (4) . وقالوا لنا (5) : فمن أين جاز لكم في قولكم القطع في أربعة دراهم وأنتم قد جمعتمونا (6) على الأكثر ، فما حجتكم وما شاهدكم على الأقل ؟ وأنتم مدعون ؟! قلنا : فأي دليل وأي حجة أقوى من كتاب الله ؟! فإن الله يقول : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (7) ، فجاءت الآية مجيء عموم فلم يخرج (8) ولا يخرج من جملتها وحكمها ، إلا ما أجمع العلماء عليه أنّه خرج منها ، وإلا فالحكم حكم العام .
__________
(1) …الحرز : هو الموضع الحصين ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا قطع في التمر حتى يؤويه الحرز )) رواه ابن بركة العماني في جامعة ج2 ، ص473 .
(2) …هذا رأي المعتزلة . انظر : ابن بركة : الجامع ، ج2 ، ص478 .
(3) …وهو رأي أبي حنيفة . انظر : ابن بركة : الجامع ، ج2 ، ص478 .
(4) …استناداً إلى أن رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) قطع في مجن قيمته ربع دينار . وروي عنه ( - صلى الله عليه وسلم - ) عن طريقة عائشة أنها قالت : (( القطع في ربع دينار فصاعداً )) . رواه أبو داود والنسائي ومالك والربيع . انظر : ابن بركة : الجامع ، ج2 ، ص473 .
(5) …في ( هـ ) : (( قولنا )) . وهو خطأ .
(6) …في ( د ) و( هـ ) : (( جامعتمونا )) ، والصواب ما ورد في غيرها : (( جمتمونا )) : اتفقيتم معنا .
(7) …الآية 38 من سورة المائدة.
(8) …في ( هـ ) : سقط (( فلم يخرج )) . وقد كرر للتأكيد .
والوجه الثاني : إنما جاءت السنة في قطع يد السارق سرق مجناً (1) ، فاختلفوا في قيمة المجن فإن كنت إنما تنظر إلى موضع الدعوات فالذي يدعى الأكثر ـ من المختلفة ـ هو المدعي .
وإنما يقطع يده اليمنى ، وهذا من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . والسنة أن يقطع من أخرج من الحرز ؛ ولا يقطع إلا بإقرار أو بشاهدين (2) عدلين .
واختلفوا في إقرار العبد ، قال بعضهم : لا يجوز إقرار العبد على نفسه وهو مال ؛ وقال بعضهم : يجوز إقراره في إتلاف نفسه في القطع والقتل ولا يجوز إقراره في مالٍ .
[ أنواع السرقة وأحكامها ]
ولا يقطع المختلس ولا الخائن ولكن يعاقب (3) .
والمختلس الذي يسرق من المرعى أو من الجبال ، أو من البراري ، ما لم يخرج من المراح (4) والخزائن (5) والدوار (6) والمرابض (7) .
والخائن الذي يدخل بإذن ، فيخون الأمتعة فيسرقها ، أو سرق من أصحابه وهو معهم .
__________
(1) …المجن : الترس ، انظر : أبو غانم : المدونة الكبرى ، ج2 ، ص287 .
(2) …في ( هـ ) : (( وبشاهدين )) .
(3) …في ( هـ ) : (( يعاقبوا )) ، والصحيح ما أثبت . وفي ( د ) : تكرار (( الخائن )) .
(4) …كذا في ( د ) و( هـ ) ، وفي النسختين ( ب ) و( ج ) : (( المراج )) . ولعل الصحيح المروج وهي أرض واسعة فيها نبت كثير ترعى فيها الدواب .
(5) …كذا في النسختين ( د ) و( هـ ) وفي ( ب ) و( ج ) : (( الخزائل )) ، ولعل الصحيح الخمائل حسب السياق وهي غابة ذات أشجار كثيرة وكثيفة .
(6) …الدوار : المنازل .
(7) …في ( هـ ) : (( المرابظ )) ، وفي ( هـ ) : (( المرابط )) . ولعل الصواب : المرابض : وهو مأوى الغنم .
ومن سرق دابة لها راع يقطع يده ؛ فإن كابروه (1) فإنه يقطع يده ورجله من خلاف ؛ وإن سرق الدابة مع راعيها فإنه لا يقطع ، وقد خرج إلى حال الاختلاس أقرب وأشبه ، لأنه لم يكابر فيكون محارباً ، ولم ينزل الحرز فيخرج منه المال فيكون سارقاً .
ومن سرق صغيراً (2) فإنه يقطع ، ومن سرق كبيراً فإنه لا يقطع (3) .
[ باب [27] في القصاص ]
قال الله تعالى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (4) و {... الْفَاسِقُونَ } (5) و {... الْكَافِرُونَ } (6) تفسير ذلك أن نفس المؤمن تقتل بنفس المؤمن الحرّ ، إذا كان القتل عمداً .
ولا يقتل الحر بالعبد ، ولا المسلم بالمشرك ، ولكن الدية إذا كان معاهداً . ولا يقتل العبد المسلم بالمشرك ، ولا الحر بالمشرك ، ولكن الدية .
__________
(1) …كابروه : غالبوه مغالبة ، أي أثبتوا الحجة عليه .
(2) …في ( هـ ) : (( سغيراً )) . وهو تحريف .
(3) …هنا يشير إلى سرقة إنسان . والكبير يسير بمطاوعة .
(4) …الآية 45 من سورة المائدة.
(5) …الآية 47 من سورة المائدة.
(6) …الآية 44 من سورة المائدة.
ولا يقتل الرجل بامرأة حتى يؤدا (1) نصف الدية في قول بعضهم ؛ وقال بعضهم : يقتل . وذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ثلاثة في امرأة ، وقال : (( لو اشترك في قتلها أهل صنعاء لقتلتهم )) (2) . ولا يقتل عبد بعبد أفضل منه حتى يؤدوا فضل القيمة . والمرأة نصف الرجل (3) .
[ الديات أنواعها وأحكامها ]
ودية الرجل مائة من الإبل ؛ هذا من قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (4) . ودية العبد ثمنه ، وجراحاته على قدر ثمنه . وكل ما هو نصف في الحر فهو في العبد نصف ثمنه (5) فذلك إلى أقل قليل وأكثر كثير . واصطلح المسلمون أن دية الخطأ على العاقلة بقدر قربهم ، الرجال دون النساء ، لكل رجل منهم أربعة دراهم ؛ فإن فضل ، قسّم على الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ؛ فإن لم تتم أعيدت أيضاً كذلك ، فإن لم تتم أعيدت أيضاً كذلك .
__________
(1) …في ( د ) (( يدوا )) وهو خطأ .
(2) …نفس الكلام رواه مالك عن سعيد بن المسيب علي رجل لا على امرأة بلفظ " (( لو تمالاً عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً )) المطأ : كتاب العقول ، باب ما جاء في الغيلة والسحر ، رقم 13 .
(3) …قال أبو غانم الخراساني : (( هو قول أبي عبيدة... وعلي بن أبي طالب )) . المدونة الكبرى ، ج2 ، ص302 .
(4) …رواه أبو داود عن جد عمرو بن شعيب . سنن أبي داود : حديث رقم 4541 . والربيع عن أبن عباس برقم 661 .
(5) …أي بعبارة أخرى : كل ما يمكن تنصيفه في الحر ـ مثل العينين ـ فهو في العبد كل نصف بنصف ثمنه في العبد .
ولا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ، وأما ما جنى المملوك (1) ؛ ولا تعقل ما دون الثلث ، وقال بعضهم : تعقل العاقلة ما فوق الموضحة (2) ، ولا تعقل ما دونها .
وتعقل دية الخطأ في ثلاثة أعوام : الثلثين في عامين ، والثلث في عام .
وقد أمر الله الطالب أن يطلب بالمعروف ، وأمر المطلوب أن يؤدي إلى صاحبه بإحسان ، وقال في ذلك : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } حيث جعل لهم أخذ الدية ، قال : { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (3) : يعني من قتل بعد أخذ الدية يقتل ، ولا يعفى عنه ولا يؤخذ منه الدية ؛ ولا عفو للقاتل بعد أخذ الدية . وإن عفى عنه ولي المقتول فالسلطان يقتله . ومن قتل بالدينونة (4) فهو إلى السلطان يقتله ، فلا يجوز فيه عفو الأولياء .
وكذلك من قطع الطريق بالمسلمين فأمره إلى السلطان ليس إلى الأولياء .
واختلف العلماء في قتل الغيلة ، فقال بعضهم : هو إلى السلطان وليس إلى أولياء المقتول ، ولا يعفى عنه ، ولا عفو له . وقال بعضهم : هو إلى الوالي .
[ تفسير الغيلة ]
وتفسير الغيلة : أن يغتال بالرجل فيدعى إلى طعام [28] أو إلى جماعة أو إلى خير يؤتى به إلى مكان مطمئن استمكنوه ، وهو مغتر لا يعلم ما يراد به ، فهذا وجه الغيلة .
[ تفسير الفتك ]
__________
(1) …كذا في ( د ) ، وفي النسختين ( ب ) و( ج ) : (( ولا اعترافا ما جنى المملوك )) ، ولعل الأنسب : (( ولا ما جنى المملوك )) . انظر : القطب اطفيش : شرح النيل ج15 ، ص138.
(2) …الموضحة : شجة كشفت العظم ولم تكسره .
(3) …الآية 178 من سورة البقرة.
(4) …يقصد به المرتد .
وأما الفتك : فهو أن يأتي بيته (1) في مكان غافلاً لا يرى أنه يراد به بأس ، فيقتله مفاجأة فذلك الفتك ، فهو الذي يقال فيه : (( قيد الإسلام الفتك ، لا يفتك مؤمن )) (2) . ولا فتك في الإسلام .
[ تفسير الغدر ]
وأما الغدر : فهو أن يعطيه الأمان ثم يقتله وهو أشر هذه الوجوه .. ( وأما العقص : فهو أن يضرب بحديد ثم يموت مكانه ) .
[ تفسير شبه العمد ]
وأما شبه العمد من الخطأ : فهو أن يضرب بما لا يقتل مثله ، ثم يموت مكانه ، ففيه وقع الخلاف ، قال بعضهم دية ولا قود (3) .
وقال بعضهم يقاد منه لأنه تعمد ضربه وإن لم يتعمد قتله ، ولا تعقله العاقلة .
[ باب الخطأ المحض ]
وأما الخطأ المحض الذي تعقله العاقلة : فهو أن يهوي الرجل بضربة أو رمية إلى صيد أو دابة أو إنسان فيصيب غيره ، أو يسقط منه شيء فيصيب به إنساناً ، أو يسقط هو بنفسه ، أو يصيح صائح فيقع إنسان من أجل صيحته .
وما أشبه هذه الوجوه ، فهو (4) الخطأ المحض الذي تعقله العاقلة بالبينة .
[ باب الخطأ العمد ]
وأما الخطأ العمد : فالذي يتعمد الضربة بغير حديد . بما لا يقتل مثله ، يقال له (( خطأ العمد )) ، يقال له (( عمد )) (5) لأنه تعمد الضربة ، ويقال له (( خطأ )) لأنه لم يتعمد القتل ؛ فالدية فيه في مال الجاني ، ولا تعقله العاقلة .. فقال بعضهم يقاد منه .
__________
(1) …في ( ج ) : (( يؤتى بيته )) .
(2) …حديث رواه أبو داود بلفظ : (( إن الإيمان قيد الفتك ، قيد الفتك ، لا يفتك مؤمن )) . كتاب الجهاد ، حديث رقم 157 . انظر : ونسنك : المعجم المفهرس لألفاظ الحديث ، ج5 ، ص57 . رواه الربيع عن جابر بن زيد مرسلا بلفظ : (( الإيمان قيد... )) برقم 997 .
(3) …في ( د ) : (( قوة )) والصواب ما أثبتناه من غيرها .
(4) …في ( هـ ) : خرم مقداره ورقة كاملة من قوله : (( ومن سرق صغيراً فإنه يقطع... )) إلى موضع هذا الهامش .
(5) …في ( هـ ) : سقط (( يقال له عمد )) .
والمرتت : أن توهنه (1) الجراحات فيموت بعد ذلك . فعلى هذه الوجوه جرت الأحكام .
[ العفو وفضله ]
وأما العفو : وما ذكر الله منه ، فما ذكر في سورة المائدة قوله : { فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } (2) يعني كفارة لذنوبه . وقال في { حم، عسق } : { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } (3) يقول جزاء جراحة جراحة مثلها ، فبدأ بذكر القصاص قبل العفو ؛ وكذلك في سورة المائدة بدأ القصاص قبل العفو ، ثم ختم بالعفو وفضله ، ومدح به فاعله ، ووعد الأجر عليه ، قال جزاء الجارح أن يساء إليه كما أساء إلى المجروح حين جرحه فيساء إليه فيقتص منه ، ثم ذكر العفو فقال : { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } (4) . ثم قال : { وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } يقول : المظلوم (5) ينتصر فيأخذ حقه من الظالم ، { فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ } (6) يقول : من عدوان في أخذهم الحق ممن ظلمهم ، { إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ } (7) يعني في الآخرة عذاب وجيع ، وفي الدنيا القصاص ، ثم قال : { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } (8) يعني يقول : من حق الأمور . يقال : إن مناديا (9) ينادي يوم القيامة : (( ألا من كان له أجر على الله فليقم إلى أجره فليأخذه )) فيقال : (( من هذا الذي
__________
(1) …في ( هـ ) : (( تهنه )) وهو خطأ .
(2) …الآية 45 من سورة المائدة.
(3) …الآية 40 من سورة الشورى.
(4) …الآية 40 من سورة الشورى.
(5) …في ( هـ ) : (( للمظلوم )) .
(6) … الآية 41 من سورة الشورى.
(7) …الآية 42 من سورة الشورى.
(8) …الآية 43 من سورة الشورى.
(9) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( منادي )) . وفي ( د ) و( هـ ) : (( مناد )) . والأنسب ما أثبت .
له على الله أجر ؟ )) .
فيقال : (( من عفا وأصلح )) ـ والعفو من الأعمال الصالحة ـ فيقومون إلى أجورهم فيأخذونها .
قال الله : { وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (1) وقال بعض أهل العلم : العفو باب جامع لك ولصاحبك إذا ظلمك كان لك أجر ظلمه إياك وكان عليه وزره ؛ فإن أخذت حقك لم تظلم ؛ فإن عفوت عنه كان لك أجر عفوك مع ظلمه إياك ، وينقلب صاحبك لا له ولا عليه . وقال : (( واحدة بواحدة والبادئ أظلم )) .
ومن قتل على ماله فلا يعفى قاتله ، وهو إلى الإمام ، ولا يجوز فيه العفو ، عفو الولي ، ولكن القتل ، لأن هذا محارب .
[ باب المقاسم في المغانم (2) والفيء والصدقات ]
قال الله عز وجل : { وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } (3) . فهذا قسم الله في تنزيله الخمس بين هؤلاء الستة ، وأربعة أخماس لمن قاتل عليه : للفارس سهمان ، وللرجل (4) سهم . ومن كان له أفراس لا سهم إلا للذي (5) قاتل عليها . ولا سهم للعبد ولا للذّمّيّ ، ولا لمن لم يبلغ ، ولكن يرضخ (6) لهم . ولا سهم لامرأة وإن قاتلت (7) إلا الرضخ (8) .
وما وجد من الكنوز مدفونا أو في القبور غنيمة إذا لم يكن لقبلي .
__________
(1) …الآية 134 من سورة آل عمران.
(2) …في ( د ) : (( المغنائم )) . وهو خطأ . والصواب ما أثبت من ( هـ ) .
(3) …الآية 41 من سورة الأنفال.
(4) …في ( هـ ) : (( والرجل )) . ولعل الصواب : وللرجل .
(5) …( ب ) : (( إلا في الذي )) . وفي ( هـ ) : (( إلا الذي )) . ولعل الصواب ما أثبت من ( د ) .
(6) …الرضخ : الأعطية القليلة .
(7) …في ( هـ ) : (( قاتل )) وهو خطأ .
(8) …المسألة فيها خلاف بين العلماء . انظر تفصيلها عند القطب اطفيش : كتاب وفاء الضمانة بأداء الأمانة ، ج3 ، ص95 .
ومسك محمد عليه السلام ، الخمس يخرج منه لمن ذكره الله له الذين (1) سماهم الله غير سهمين من الستة ساقطين سهم رسول الله عليه السلام ، لأنه ليس لأحد أن يرثه ، ولا يكون لأحد بعده ، وسهم ذي القربى لأنه إنما كان يومئذ لقرابة رسول الله عليه السلام ، إذا كان حيا ، فأما اليوم سهمهم ساقط .
فالخمس (2) اليوم يقسم على أربعة أسهم : سهم الله ، وسهم اليتامى ، وسهم للمساكين (3) ، وسهم لابن السبيل .
فأما سهم الله فإنما هو في القوة والعدة ، يقوى منه الغزاة . فما كان من صنف لم يحضر من هؤلاء الصنوف رفع ربع الخمس وكتب عليه اسم ذلك الصنف ورفع ، فإذا حضروا أخذوا حقهم وأربعة أخماس لمن وجده ، إلا أن يكون عبداً أو امرأة أو مشركاً أو طفلاً ، فهؤلاء لم يكن لهم حق في الغنيمة ، ولكن (4) ينظر لهم الإمام ، ويقسم سائره قسم الفيء .
والفيء يكون لهؤلاء الصنوف الأربعة ، وغيرهم من جميع الناس ـ غنيا كان أو فقيراً ـ من المسلمين ما خلا مملوكاً ، وذلك لقول الله تعالى : { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ } (5) يعني لما ذكر من الصنوف ما ذكر ، [29] فقال : (6) { مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } (7) فقال : لهؤلاء فيه حق يقطعون من الفيء لئلاً يذهب (8) به الأغنياء كله ، ولا يكون لهؤلاء فيه شيء .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( ذكره الله الدين )) .
(2) …في ( هـ ) : (( بالخصص )) . وهو تحريف .
(3) …في ( هـ ) : (( المساكين )) . بدون لام الجر .
(4) …في جميع النسخ : (( ولا ينظر لهم الإمام )) . ولعل الصواب ما أثبتناه من ( هـ ) حسب السياق .
(5) …الآية 7 من سورة الحشر.
(6) …كذا في جميع النسخ ولعل الصواب حذف الفاء : (( قال )) .
(7) …الآية 7 من سورة الحشر.
(8) …في ( هـ ) : (( يذهبون )) .
ثم قال : { لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ } يعني لفقراء (1) المهاجرين فيه حق ، { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ } أخرجهم المشركون (2) من مكة وغيرها ، { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } (3) .
ثم قال : { وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ } : يعني الأنصار ، { وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ } : يعني قبل دخول المهاجرين ، وقد كان إيمان المهاجرين قبل إيمان الأنصار ، { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } من المهاجرين ، وواسوهم في الدور والأموال ، { وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } : يعني ضيقا وحاجة ، { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (4) .
ثم قال : { وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ } : يعني من دخل الإسلام بعد فتح مكة ، إلا من هاجر قبل الفتح . وبعد الفتح سموا تابعين بإحسان إلى يوم القيامة .
فكل صنف من هؤلاء الذين سمى من الصنوف الأربعة وغيرهم ممن ذكر من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان بعد ارتفاع الهجرة ولم يبق أحد إلا وله في الفيء .
ذكروا عن عمر (5) بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : (( ما من أحمر (6) ولا أسود لا يملكون رقبته إلا وله في هذا المال )) (7) يعني في الفيء .
[ لمن تعطى الزكاة ]
وقال الله تعالى في الصدقات :
__________
(1) …في ( هـ ) : (( الفقراء )) . وهو خطأ .
(2) …في ( هـ ) : (( الممشركون )) . وهو خطأ .
(3) …الآية 8 من سورة الحشر.
(4) …الآية 9 من سورة الحشر.
(5) …في ( هـ ) : (( عومر )) وهو تحريف .
(6) …في ( هـ ) : (( أخضر )) ! . وهو تصحيف واضح .
(7) …محمد رواس قلعة جي : موسوعة فقه عمر ، ص684 ، ذكره بلفظ مشابه .
{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ } : وهما جميعا أهل الحاجة ، الفقراء : المتعففون الذين لا يسألون وبهم حاجة . والمساكين : الذين يسألون الناس .
{ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } : الذين يُجبونها ويتولون جمعها ، ينظر لهم الإمام بقدر شغلهم عن أمورهم .
{ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } : وهم قوم يتألفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) ليؤمنوا أو ليعينوا رسول الإسلام ، ولهم غنى وجرأة وقوة ، وليست لهم خشية ولا رغبة في الإسلام ، فيتألفهم ليقوي بهم الإسلام وقد أعطاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2) ، وأعطاهم أبو بكر (3) رحمه الله ، ومنعهم عمر (4) بن الخطاب (5) رضي الله عنه ، لقد جاؤوا يسألونه حقهم فقال : (( لا حق لكم... ذلك إذ كان الإسلام حقيّا (6)
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( صلى الله عليه وسلم )) .
(2) …في ( هـ ) : (( السالم )) وهو تحريف واضح .
(3) …أبو بكر الصديق : هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عمرو بن كعب القرشي ( 573 ـ 635م ) ولد بمكة ونشأ فيها ولقب بعالم قريش ، هاجر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة المنورة وكان عضده الأيمن في كثير من مهام الدولة الإسلامية ، بويع خليفة سنة 632م قاتل المرتدين وفتح الشام وجزءا من العراق ( الإصابة في تمييز الصحابة تـ 4808 ـ مختصر تاريخ الإباضية ، ص11 ) .
(4) …في ( هـ ) : (( عومر )) . وهو تحريف .
(5) …عمر بن الخطاب : هو أبو حفص العدوي ( 584 ـ 644م ) هو الذي بزل الله به الإسلام واعزه حتى أن الناس بشجاعته لقبوه بالفاروق ، بويع خليفة سنة 635م وفتح في عهده الشام والقدس والعراق والمدائن ومصر ولقد طور نظام الدولة الإسلامية وهو أول من أرخ التاريخ للمسلمين ( الإصابة في تمييز الصحابة تـ 5738 ، الشماخي : السير ، ص16 ) .
(6) …حقيا : وهو الحق : سن من سني الإبل ، وهو الداخل في السنة الخامسة . انظر : الثميني : النيل ، ج3 ، ص233 .
وأما الآن فقد بزل ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط )) (1) فهو اليوم سهم ساقط ، ما دام الإسلام قويا ، وعنهم غنيا ، إلا أن ينزل قوم في الإسلام بمنزلة خافوا عليه الضعف فيتألفوا [31] من نزل بمنزلة من ذكرنا ، ليحرزوا الإسلام من شره ، وليجروا إلى الإسلام نفقه .
{ وَفِي الرِّقَابِ } : وهم المكاتبون وهم في قولنا الذي أخذنا به واعتمدنا عليه أحرار لهم فرض الصدقة مع أصحابهم الأحرار ، لأن (2) الله لم يفرض الصدقات للعبيد . ولو أنا دفعنا صدقاتنا إلى عبيدنا لا نجتزي بها ولا يحل لنا ذلك .
وقال من خالفنا : هم عبيد حتى يؤدوا ما كوتبوا (3) عليه فليس لهذا القول صحة مذهب ، بل هو فاسد متغير (4) .
{ وَالْغَارِمِينَ } : هم الذين لحقهم الدين من غير فساد(5) .
{ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ } : يقوى بها الغزاة (6) .
{ وَابْنِ السَّبِيلِ } : المنقطع به عن أهله يعطى من صدقات المسلمين قدر ما يبلغه ، وإن كان غنيا في بلده .
__________
(1) …الثميني : النيل ، ج3 ، ص471 . ذكره بلفظ مشابه ولكن الواقعة كما في هذا المرجع وغيره ، وقعت في زمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
(2) …في جميع النسخ : (( إن )) . والأنسب للسياق ما أثبتناه .
(3) …في ( هـ ) : (( كاتبوه )) .
(4) …قارن هذا الرأي بما في فقه السنة ، للسيد سابق ، ج1 ، ص331 .
(5) …يعني : ليست الديون تحملها من إسراف وغيره من المعاصي .
(6) …كذا في ( د ) و( هـ ) . وأما في ( ب ) و( ج ) : (( يقوى بها القراءة )) . ويمكن أن يعني به مجالات العلم والتعلم وغيره من الوجوه الخيرية التي يراها الإمام جديرة بذلك مثل : الجهاد إذا كانت الغنائم قليلة وكان فقيرا ، أو ليستعين بها في الجهاد ولو كان غنيا . وعموما كما قال القطب : (( والأولى تفسير بالسعي في طاعة الله تعالى وسبل الخير )) . انظر القطب اطفيش : تيسير التفسير ، ج2 ، ص947 . القطب اطفيش : شرح النيل ، ج3 ، ص237 .
{ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ } (1) ؛ فإذا لم يحضر من هؤلاء الاصناف إلا صنف واحد أخذ جميعها إلا العمال . وليست كقسمة المواريث بالحصص ، ولكنه إنما بين الله تبارك وتعالى من يأخذها ، ولمن تحل له ، فذكر ثمانية أصناف . لا تبعث هدية ولا تخبأ لغائب .
ولا تجوز قسمتها بعد اجتماعها (2) ؛ وقسمتها بالنظر والاجتهاد من أهل الصلاح (3) .
وليس فيها وقت ينتهي إليه دون حسن النظر لمن سميت له على قدر الحاجة .
[ باب في قسم المواريث ]
وبينها القادر الحكيم في أربع آيات من كتابه والخامسة لأولي الأرحام .. فبين جميع علومها على كثرة ما فيها من الفنون ، واختلاف الأصناف ، وسعة المعالم ، وبين جميعها (4) في أخصر ما يكون ، وأقصد فبين بها ذكر ما لم يذكر .
[ أصحاب الفروض وغيرهم ]
فقال عز وجل في الآية الأولى : { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء } : يعني إن كان الولد بنات ليس معهّن ذكر ، { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } إلى الأبوين ، { وَإِن كَانَتْ } ابنة { وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ } : يعني أبوي الميت ، { لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ } (5) وما فضل فهو للأب ، والأب عصبة (6) .
__________
(1) …الآية 60 من سورة التوبة.
(2) …كذا في جميع النسخ ، والأنسب : (( إلا بعد اجتماعها )) .
(3) …وهم الإمام أو مفتي المسلمين في عهد الكتمان . انظر الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج2 ، ص54 .
(4) …في كل النسخ : (( جميعا )) ، والأنسب ما أثبت من ( هـ ) .
(5) …الآية 11 من سورة النساء.
(6) …كذا في جميع النسخ ، والأنسب : (( والأب عاصب )) . يعني إضافة إلى سهم السدس الذي فرض الله ، له باقي التركة إن لم يكن للميت ولد ذكر فيحجبه .
وولد الولد بمنزلة الولد إذا لم يكن الولد من البنين إناثاً أو ذكوراً وليس لولد البنات ميراث . فإن لم يكن ولد وولد الولد ، { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } : أم وأب ، فللأم الثلث ، واللأب ما بقي وهو الثلثان .
وإن ورث مع الأبوين زوج أو امرأة فللأم ثلث ما بقى . وفي هذا اختلاف من قبل الرأي ، وبعض الفقهاء يقولون : (1) إذا كان الأب يأخذ أكثر مما تأخذ الأم فللأم ثلث الجميع (2) .
والمأخوذ به عندنا أن لها ثلث ما بقي لأنا وجدنا الله إنما قسم لهما حيث لم يذكر معهما غيرهما (3) على الثلث والثلثين قال : { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } ولم [32] يذكر غيرهما . ولا يعطى الأم في كل موضع مما يرث الأبوان إلا الثلث إذا لم يكن إخوة فإن (4) كان للميت إخوة اقتصرت الأم على السدس ، إن كان الإخوة إخوة ، أو أخوات ، أو أخ وأخت ، وأخت من أب وأم (5) ، أو من أب أو من أم ، لقوله (6) تعالى : { فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ } (7) فلا يحجبها الأخ الواحد عن الثلث .
[ ميراث الأجداد ]
والجد بمنزلة الأب في قولنا الذي نأخذ به (8) .
__________
(1) …في ( هـ ) : جاءت العبارة كما يلي : (( وفي هذا اختلاف من قبل ، أرى بعض الفقهاء يقولون... )) .
(2) …انظر هذه القضية القطب اطفيش : شرح النيل ، ج15 ، ص419 ، 423 .
(3) …محمد رواس قلعة جي : موسوعة فقه عمر ، ص63 . القطب اطفيش : شرح النيل ، ج15 ، ص420 .
(4) …في ( هـ ) : جاءت العبارة كما يلي : ((... مما يرث الأبوين ، إلا الثلث إذ لم يكن إخوة فإذا... )) .
(5) …(( وأم )) إضافة من ( هـ ) . وهو الأظهر من السياق .
(6) …في ( هـ ) : (( لقول الله تعالى )) .
(7) …الآية 11 من سورة النساء.
(8) …انظر توضيحا وشرحا وافيا في المسألة : ابن بركة العماني : كتاب الجامع ، ج2 ، ص591 .
ولا يرث الإخوة مع الأب ، ولا ولد ذكر ، ولا جد ، ولا ولد الولد ، فإن لم يكن له أب ولا جد ولا ولد ولا ولد الولد (1) ، ورث الإخوة مع الأم .
ولا يرث أحد مع الأب والجد إلا الولد وولد الولد ـ مكان الولد ـ والأم والزوج والمرأة ـ مكان الزوج ـ .
ولا يرث الأب ولا الجد مع الولد الذكر إلا السدس .
ولا يرث مع الإناث إلا السدس ، وإن فضل المال فيكونان عصبة مع الإناث .
والجد لا يرث معه أخ ولا أخت في قولنا .
[ ميراث الجدّات ]
ولا يرث من الجدات مع الأم شيء (2) .
ولا ترث الجدات أكثر من السدس .
وترث الجدة من الأب وابنها حي في قولنا الذي نأخذ به .
وبعض العلماء لا يورثونها وابنها حيُّ ولا نأخذ به (3) وترث الجدة ـ في قولنا ـ إذا لم تكن الأم ، وإن لم تكن الجدة من الأم وكانت الجدة من الأب ورثت ؛ فإذا كانتا جميعا ورثتا السدس بالسوية .
ويرث ثلاث من الجدات ولا ترث الرابعة في قولنا الذي نأخذ به وفيه اختلاف .
وبعض العلماء (4) يورثون أربع جدات ، وذلك إذا لم يكن دونهن جدتان أو جدة .
والثلاثة : جدة الأم ( أم أمها ) وجدتا ( أم أمه وأم أبيه ) ؛ والرابعة التي فيها اختلاف ، ونحن لا نورثها : ( أم أب الأم ) . ولا يرث أب الأم ، في قولنا وفي قول غيرنا إلا أن يكون عصبة .
[ ما يتعلق بأصل التركة ]
__________
(1) …في ( هـ ) : (( ولا ولداً منه الولد ، ورث الخوة )) .
(2) …كذا في النسخ ، ولعل الصواب : (( شيئا )) .
(3) …راجع تفاصيل هذا الموضوع في : يحيى بكوش : فقه الإمام جابر بن زيد ، ج2 ، ص567 .
(4) …هذا القول منسوب إلى الإمام جابر بن زيد رحمه الله . انظر : يحيى البكوش : فقه الإمام جابر بن زيد ، ج2 ، ص585 .
أصول ما ذكرنا إلى هذا الموضع في الآية الأولى . وهي في الأبوين ، والد . والميراث بعد الدين ، والوصية ؛ والكفن قبل الدين . ولا يغلى به (1) إذا كان الديون ، وهو من جملة المال ، ثم الديون من جملة المال ، ثم الوصية من الثلث ما كانت ، إذا لم تكن حقا واجبا لأحد من الناس أقريبا كان أو أجنبيا (2) .
وحق الوصية للأقربين ، وإن أوصى أحد للأجنبي فللأقرباء ثلثا ما أوصى به في قولنا (3) .
وما أوصى به الكفارات ، أو تطوع ، أو حج ، أو عمرة ، أو تفريط في تزكية مال ، أو عتق واجب ، أو تطوع ، ما كان لله ، وما لم يكن لأحد من الناس حقا لازما .
[ آية الميراث بسبب النكاح ]
ثم ذكر في الآية الثانية الزوج والزوجة فقال : { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } (4) والدين قبل الوصية مثل الأولى .
__________
(1) …في ( ب ) و( ج ) : (( يغل )) ، ولعل الصواب ما أثبت من ( د ) و( هـ ) ، أي لا يغالي في ثمنه .
(2) …من كانت له ديون كثيرة فإنه لا يدين بالكفن لأن الكفن أولى من الديون في إخراجه من جملة المال . (( ومن لا مال له فمؤونة تجهيزه على من لزمته نفقته في حياته وإن لم يكن ففي بيت المال وإلا فعلى المسلمين )) . القطب : شرح النيل ، ج15 ، ص337 .
(3) …وهو قول الإمام أبي عبيدة رحمه الله . وكلمة الأجنبي يعني بها من لا يستحق الوصية ولا الميراث . انظر أبو غانم الخراساني : المدونة الكبرى ، ج2 ، ص209.
(4) …الآية 12 من سورة النساء.
و (( لا وصية لوارث )) (1) والوصية من الثلث إن كانت امرأة واحدة من غير ولد أو ولد الولد .
وامرأتان كذلك ، وثلاث وأربع يشتركن في الربع مع غير ولد ؛ وكذلك يشتركن في الثمن مع الولد أو ولد الولد .
[ آية الإخوة ]
وقال في الآية (2) الثالثة : { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ } : (3) والكلالة الذي ليس له أب ولا جد ولا ولد الولد . { أَو امْرَأَةٌ } : تورث كلالة ، { وَلَهُ أَخٌ } : للرجل الموروث أو المرأة ، وله أخ من أم ، أو أخت من أم (4) ، { فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ } : ولم يفضل الذكر على الأنثى ، { فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ } لا يزايدون (5) بعد وهم في الثلث (6) شرعا سواء الذكور والإناث .
ولا يرث الإخوة من الأم مع ولد ، ولا ولد الولد ، ولا أب ولا جد ، في قولنا المأخوذ به .
{ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ } : مثل الأولى .
قضى رسول الله عليه السلام أن الدين قبل الوصية (7) : الدين من جميع المال ، والوصية من الثلث .
__________
(1) …رواه الدار قطني عن جابر بن عبد الله وحسنه السيوطي . ورواه الربيع في مسنده .
(2) …في ( هـ ) : (( الآيات )) .
(3) …في ( هـ ) : سقط (( أو امرأة )) . ويبدو أنه صواب لأنه سيأتي تفسيرها .
(4) …في ( د ) : سقط (( أو أخت من أم )) . والصواب ما أثبت من ( هـ ) .
(5) …في ( د ) و( هـ ) : وفي نسختي ( ب ) و( ج ) : (( لا يزيدون )) .
(6) …(( في الثلث )) إضافة من ( هـ ) . وهي أصوب ليتضح المعنى .
(7) …رواه الدار قطني عن علي : هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 ، ص355 .
{ غَيْرَ مُضَآرٍّ } : في وصيته ، فقد حرم الله الضرر في الوصية . فقال : { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ } : يعني قسمة المواريث . { وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ } : فيما تعبده ويتبع حكم الله ، ويقسم بقسمة الله ، { يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } : فيما تعبده به ، ويخالف أمره { وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } : في قسمة المواريث ، { يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } (1) .
[ أية النصف ]
ثم قال في الآية الرابعة ، وهي التي في آخر سورة النساء ، وهي تسمى آية النصف : { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ } من أب وأم ، أو من أب ، { فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ } { إِن لَّمْ يَكُن لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ } : ولا يرث الإخوة مع الأب { يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } : لئلا يضلوا ، { وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (2) هذه في الإخوة من الأبوين ومن الأب ، (3) إذا لم تكن الإخوة من الأبوين فالإخوة من الأب بمنزلتهم يرثون ما يرثون ، ويحجبون ما يحجبون .
__________
(1) …الآيات 12 ـ 13 ـ 14 من سورة النساء.
(2) …الآية 176 من سورة النساء.
(3) …في ( هـ ) : سقط (( ومن الأب )) .
وإن كانت أخت من الأبوين وأخت من الأب فللأخت من الأبوين النصف وللأخرى (1) السدس تمام الثلثين . وكذلك إن كن أخوات من الأب أكثر من واحدة لهن السدس مع الأخت من الأبوين ، إذا لم يكن مع أخوات من الأب أخ ، وإن كان معهن أخ أو أخوة خرجن من الفريضة وصار الأخ من الأب مع الأخوات من الأب مع الأخوات من الأب (2) والأم عصبة للذكر مثل حظ الأنثيين .
فإذا [34] كن أخوات للأبوين أكثر من واحدة حرزن الثلثين ، فليس لأخوات الأب شيء ، إلا إن كان معهن ذكر . ولا يكون الأخوات عصبة ، وقد يكن مع البنات عصبة . ولا ترث بنت الأخ ولا العمة ولا بنت العم شيئا إلا لمن لم تكن عصبة .
[ آية العصبة ]
وقال في الآية الخامسة : { وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ } (3) يعني الميراث ، فهؤلاء العصبة : الولد وولد الولد وإن سفلوا إذا كانوا ذكورا ، أو إناثا وذكورا أولى من الإخوة .
وإن كن بنات فالأخوات معهن عصبة ، إذا لم يكن أب ولا جد ( أب الأب ) . والأخوات مع البنات عصبة . وبنات البنين بمنزلة البنات .
وبنات البنين لهن مع الابنة الواحدة السدس تمام الثلثين .
والإخوة من الأبوين أولى من الإخوة من الأب .
والإخوة من الأب أولى من بني الإخوة من الأبوين .
وبنو الإخوة من الأبوين أولى من بني الإخوة من الأب .
وليس لبنات الأخ ميراث إن لم تكن عصبة .
وبنو الإخوة أولى من العم .
والعم أخو الأب للأبوين أولى من العم أخي الأب للأب .
والعم أخو الأب للأب أولى من بني العم من الأبوين .
وبنو العم أخي الأب للأبوين أولى من بني العم أخي الأب للأب .
وبنو العم أولى من عم الأب أخي الجد للأبوين .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( فللأخت للأبوين السدس ، وللآخر السدس... )) .
(2) …في ( هـ ) : سقط (( مع الأخوات من الأب مع الأخوات من الأب )) . وقع للناسخ انتقال نظر ، لتكرار : (( من الأب )) .
(3) الآية 75 من سورة الأنفال.
وعم الأب أخو الجد للأبوين أولى من عم الأب أحي الجد للأب .
والعم أخو الجد أولى من بني العم أخي الجد للأبوين .
ولا يرث المملوك حرا .
ولا المشرك المسلم .
ولا يرث القاتل قتيله عمداً كان (1) أو خطأ .
[ باب في عدد النساء ]
قال الله عز وجل : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } (2) .
وفرض في الأيسات : { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ } (3) وكذلك فرض في اللواتي لم يحضن ، وفرض في أولات الأحمال : { أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } (4) ما كان من تمام أو سقط إذا تيقن بهؤلاء بعد الدخول بهن .
وفرض العدة على النساء ، وائتمنهن على العدة ، قولهن في العدة جائز ، ما لم يكن ادعين أمراً فاحشا لا يمكن لهن وهن مأمونات . قال الله في التوكيد عليهم فيما فرض إليهم : { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } (5) .
قال : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } (6) يعني العدة إذا كان إنما طلقها واحدا أو اثنين .
[ الطلاق الثالث ]
وأما إذا طلقها ثلاثا ، { فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } (7) قد دخل بها ، وهذا كله في المدخول بهن .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( كان )) .
(2) …الآية 228 من سورة البقرة.
(3) …الآية 4 من سورة الطلاق.
(4) … الآية 4 من سورة الطلاق.
(5) …الآية 228 من سورة البقرة.
(6) …الآية 228 من سورة البقرة.
(7) …الآية 230 من سورة البقرة.
جعل حد الطلاق فيهن ثلاثا ، فلا يحل للرجل أن يطلق امرأته ثلاثا معاً ما لم تكن بينهما رجعة ، ولا تحل المراجعة بإضرار ليطول عليها العدة ، قال الله تعالى : { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا... } إلى قوله : {... وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا } (1) يعني أن يطلق ثم يرجع ، ثم يطلق يرجع (2) ، لا لحاجة تكون له فيها إلا ليطول عليها في العدة .
[ طلاق السنة ]
ولا يطلقها إلا على طهر ، فمن فعل فقد عصى ربه ومضى طلاقه ، وذلك قول الله : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } (3) يعني لطهرهن من غير جماع ، قال : { ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } (4) هذه لا عدة عليها تتزوج إن شاءت من يومها ذلك ، وليس له عليها رجعة إلا أن تشاء (5) هي بنكاح جديد ومهر جديد . وإن طلقها ثلاثا فلا يحرم عليه تزويجها ، يتزوجها إن شاءت ، فتكون عنده على تطليقتين ، وقد مضت الثالثة . (6)
[ الطلاق بالإيلاء ]
وذكر المولى (7) عدة عنها فقال : { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (8) فجعل عدة الإيلاء أربعة أشهر .
__________
(1) …تمام الآية : (( ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا... )) الآية 231 من سورة البقرة.
(2) …في ( هـ ) : سقط (( ثم يطلق ثم يرجع )) .
(3) …الآية 1 من سورة الطلاق.
(4) …الآية 49 من سورة الأحزاب.
(5) …في ( هـ ) : (( يشاء )) . وهو خطأ .
(6) …أي لا اعتبار للطلاق الثلاث قبل المس فتعتبر تطليقة واحدة لأنه لا عدة فيها . بكوش يحيى : فقه الإمام جابر ج2 ، ص430 .
(7) …كذا في جميع النسخ ، وفي ( هـ ) : (( الولا )) . والعبارة مع ذلك غير مستقيمة المبنى . ولعل صوابها : (( وذكر عدة المولى منها فقال )) .
(8) …الآية 226 من سورة البقرة.
وكل يمين حلف به وامتنع من الوطء لليمين أربعة أشهر فهو إيلاء ، إذا كان إنما وقع اليمين على البدن ، فأما إذا وقع على الموضع فليس فيه إيلاء ؛ وإن تركها أربعة أشهر أو أكثر من أربعة أشهر ، لأنه لا يستطيع أن يمس في غير ذلك الموضع ، فإذا مضت أربعة أشهر للمولي ولم يف تزوجت (1) إن شاءت من يومها ذلك ، في قولنا الذي نأخذ به ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه (2) ، وقال غيره : تستأنف بعد أربعة أشهر عدة المطلقة ، إذا كانت ممن تحيض فثلاثة قروء ، وإن كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر ؛ وإن كانت حاملاً فحتى تضع حملها ، وهي أملك بنفسها (3) في قول ابن مسعود (4) .
غيره أنه قال : لا يحل لزوجها أن يتزوجها (5) في تلك العدة ولا لغيره ، وقول ابن عباس أعدل عندنا ، وبه أخذ أصحابنا .
__________
(1) …في ( هـ ) : وردت العبارة هكذا : (( فإذا مضت أربعة أشهر للمولى ولم يف [ كذا ] تزوجت تزوجت )) .
(2) …هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 ، ص214 . ابن بركة : كتاب الجامع ، ج2 ، ص183 . وابن عباس هو : أبو العباس عبدالله ( 619 ـ 687م ) صحابي جليل لازم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه الحديث ، وكان عالما بالتأويل والتفسير ، ينسب إليه (( تنوير المقباس )) . انظر : الإصابة ، تـ 4772 . وانظر موسوعة فقه عبدالله بن عباس ، تأليف محمد رواس قلعة جي .
(3) …في ( هـ ) : (( بنفسه )) .
(4) …هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 ، ص214 .
وابن مسعود هو : عبدالله بن مسعود بن غافل الهذلي ( تـ 32هـ / 653م ) صحابي جليل خدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل فيه : وعاء مليء علما . وهو حليف بني زهرة ، ولي بيت المال بالكوفة ، وروى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الكثير من الأحاديث . انظر الإصابة ، تـ 4945 . الزركلي : الأعلام ، ج4 ، ص280 .
(5) …في ( د ) : (( إن تزوجها )) .
والمولى منها في قول ابن عباس أربعة أشهر مدخول بها أو غير مدخول بها . فمن آلى بالله فليكفر يمينه (1) قبل أن يدخل بامرأته أو بعده في أربعة أشهر .
[ الظهار ]
ومن آلى من امرأته بظهار نفسها يحملها عليه ، كظهر ذات محرم منه ، فلا يقربها حتى يكفر كما قال الله : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } (2) .
[ عدة الوفاة ]
وأما عدة المتوفى عنها زوجها فأربعة أشهر وعشراً ، لقول الله عز وجل : (3) { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } (4) ، فهي عدة كل متوفى مدخول بها أو غير مدخول بها ، كانت ممن تحيض أو صغيرة لا تحيض ، أو كانت حاملا قد وضعت ، [36] إلا حاملا جاوزت أربعة أشهر وعشراً فعدتها أبعد الأجلين في قولنا الذي نأخذ به ، وهو العدل إن شاء الله .
وللمطلقات النفقة والسكنى في عدتها ، وليس للمتوفى عنها نفقة ولا سكنى .
[ باب في نفقة المرضع وحد الرضاع ]
__________
(1) …في ( د ) : (( يمنه )) . وهو خطأ .
(2) …الآيتين 3 و 4 من سورة المجادلة.
(3) …في ( د ) : سقط (( عز وجل )) .
(4) …الآية 234 من سورة البقرة.
قال الله تعالى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } (1) يعني أن لا يسترضع الزوج ولدها عند غيرها بالأجرة إذا كانت أمه ترضعه بذلك الأجر ، وأمه أحق بما كان مسترضعاً به عند غيرها .
{ وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ } : يعني ولا يضار مولوده ، يعني الأب الذي ولد له الولد لا يضار بولده ، إذا لم يكن له مال يسترضع به جبرت أمه على رضاعة الولد ، وإن دفع المراضع ولم يقبل الصبي ثدي مرضع جبرت أمه على رضاعه ، ولا تترك أن تلقي (2) الولد فيموت هزلا .
قال : { وَعَلَى الْوَارِثِ } : يعني وارث الصبي إذا (3) مات أبوه .
{ مِثْلُ ذَلِكَ } : يعني ما على الأب من النفقة والإضرار .
{ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا } : فيما يوافق ، { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } : أن يفصلا الولد المسترضع دون تمام الحولين .
ولا رضاع بعد الحولين في قولنا الذي نأخذ به ، وهو ما صدقه الكتاب ؛ وقال بعض : الرضاع الذي لا ريبة فيه بعد أربع سنين (4) .
[ باب في مسائل مختلفة ]
[ سنة الختان ]
سنن (5) الختان مجمع (6) عليها أنها واجبة .
__________
(1) …الآية 233 من سورة البقرة.
(2) …في ( د ) و ( هـ ) : (( تلقا )) . والصواب ما أثبتناه .
(3) …في ( هـ ) : (( إن )) .
(4) …هو قول الإمام أبي عبيدة مسلم . انظر القطب اطفيش : شرح النيل ، ج7 ، ص12 .
(5) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( سنين )) . وهو تحريف .
(6) …في ( هـ ) : (( مجتمع )) .
ومن ترك الختان من الرجال فلا صلاة له (1) ، ولا تزويج ، ولا تؤكل له ذبيحة ، ومن ترك الختان من النساء فلا حرج عليها ، ولا يلزم النساء من ذلك ما يلزم الرجال (2) ، من شاء من النساء اختتن ومن شاء ترك .
[ فصل فيما يفرق فيه الذكور عن الإناث والعكس ديانة ]
وإنما يقال : إن دين النساء ودين الرجال واحد ، لأنه إنما يقع على صنف من الناس الطاعة لله فيما تعبده ، فإذا فعل فهو على دين الله ، وليس يفترق الدين لافتراض الفرائض ، وإنما هو دين جماعة (3) الطاعة ، لأنه يكون على الرجال أشياء حطها الله على النساء ، ويكون على النساء أشياء حطها الله على الرجال ؛ ويحل (4) للرجال ما يحرم على النساء ، ويحل للنساء ما يحرم على الرجال ؛ وكذلك العبيد . ويجب على بعض الرجال ما حط الله عن بعض ، وكل دينهم واحد وقد جمعته الطاعة لله . وذلك أن الله كلف الرجال الجهاد وصلاة الجمعة مع الأيمة ركعتين ، وليس ذلك على العبيد والنساء ، وحط الجمعة على [37] المسافر ؛ وأحل للنساء الحلي والحرير وحرمه على الرجال ، وأحل للرجال ما ملكت أيمانهم ، وحرمه على النساء بالجلابيب (5) وضرب الخمر على الجيوب وحرم عليهن إبداء الزينة ، ولم يحرم ذلك على الرجال .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( له )) .
(2) …في ( هـ ) : (( الرجل )) .
(3) …في كل النسخ : (( جماعته )) . ولعل الصواب : (( جمعته الطاعة )) ، أو ما أثبتناه من ( هـ ) .
(4) …في ( هـ ) : (( ويحرم )) . وهو خطأ .
(5) …في ( هـ ) : (( بالأجلابيب )) . وهو خطأ .
وما (1) سوى ما ذكرنا مما تعبد الله به بعض خلقه دون بعض من إنفاذ (2) أحكام أمر بإنفاذها خاصة من الناس وهم الأيمة والقضاة ، ومن أمر الحج والعمرة ، ألزمه صنوفا وحطه عن صنوف... كل ذلك تجمعه الطاعة ، ويكون أمرهم واحداً (3) ودينهم واحداً .
[ فصل في الأذان ]
ذكر الله الأذان ذكراً (4) ولم يأمر به (5) .
أجمع الناس أنه من سنة رسول الله عليه السلام ، واختلفوا فيه ، وقولنا الذي نأخذ به : الأذان مثنى مثنى ، والإقامة كذلك ، وهما من سنة رسول الله عليه السلام (6) ، وهما في أوقات الصلاة : الأذان في الوقت والإقامة في الوقت .
واختلفوا في ذلك ، والذي أخذنا به أن الأذان للوقت كالإقامة ، وقد أجمعوا أنه لا أذان بعد فوات الوقت ، وهذا تقوية أنه للوقت لا قبل ، كما أنه لا بعد (7) ، مع أنهم أجمعوا أنه يؤذن في الوقت .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( وأما )) .
(2) …في ( د ) و( هـ ) : (( إنفاذ )) . بدال مهملة . في هذا الموضع وفيما سيأتي ، وقد صححناه فيما سيأتي دون إشارة إلى ذلك ، نظراً لتكرار هذا الخطأ الشائع في المخطوطات المغاربة وخلطهم بين الدال المعجمة والمهملة .
(3) …في ( د ) : (( واحد ، ودينهم واحد )) . وهو خطأ . وفي ( هـ ) : سقط (( ودينهم واحدا )) .
(4) …في ( د ) : (( ذكر )) . وهو خطأ . وفي ( هـ ) سقط : (( ذكراً )) .
(5) …وذلك في قوله تعالى : (( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزؤا ولعبا )) سورة المائدة الآية 58 .
(6) …روى الإمام الربيع بسنده الصحيح عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن ، والأذان مثنى مثنى ، والإقامة مثنى مثنى ) الجامع الصحيح ، باب 27 في الآذان ، رقم 175 . القطب اطفيش : شرح النيل ، ج2 ، ص26 .
(7) …في ( هـ ) : في العبارة خطأ وسقط : (( لا يعد ، مع أجمعوا )) .
واختلفوا في الإقامة للصلاة (1) الفائتة ، قال بعضهم (2) : لا إقامة على أحد لصلاة فات وقتها ولكن يتوجه ويكبر ، قال بعضهم : ذلك في الصلاة التي صُلّيت وانقضت ، وأما ما فات وما لم يصل ، فليُقم لها ، والله أعلم .
على أن الحجة ـ إن شاء الله ـ أنه لا إقامة إلا للوقت ، لأنه لا أذان إلا للوقت ، والإقامة أبداً أن تأتي مقرونة بالأذان الأول .
وأن الرجل الواحد إذا أذن وأقام يجزي عن الخلق الكثير ، ولا يجزي عنهم توجيه الواحد ولا إحرام (3) الواحد .
فهذا [مـ ] ما (4) لا يحصى ، فالله نسأله التوفيق للصواب ، ونعوذ به من تهوين ما قال المسلمون من الحق ، فالحق أردنا ، وإياه قصدنا .
[ فصل في الأمر بإتمام الأعمال ]
وليس على الناس (5) ما فات إلا في الفرائض ، وبها أكد (6) الله على نفسه ، وسنذكر بعض ذلك إن شاء الله :
الرجل يوجب على نفسه الصيام من الليل حتى يصبح صائما ، ثم يأتي عليه في نهاره ما يبطل صومه ، فيلزمه بدله ، لأنه أوجبه على نفسه .
وكذلك من أحرم بحج نافلة أو عمرٍة نافلة ، فقد أوجب على نفسه القيام بجميعه ، والفراغ من المناسك ، وحضور المشاهد كلهّا ، وعليه من الكفارة فيما يصيب ما على صاحب الفرض .
وكذلك من أحرم بصلاة نافلة ، بثياب طاهرة ، وجسد طاهر ، ثم دخل عليه ما ينقض صلاته النافلة ، كان عليه بدلها لأنه أوجبها ، وإن كانت نافلة .
وأما من أحرمها بثوب نجس ، أو عليه وضوء [38] فذكر الإعادة عليه لأنه لم يدخل في الصلاة ، وهو كمن عقد الصيام من الليل وهو جنب حتى أصبح فلا إعادة عليه ، لأنه أصبح مفطراً .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( لصلاة )) .
(2) …في ( ب ) و( ج ) سقط : (( بعضهم )) .
(3) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( الإحرام )) .
(4) …في جميع النسخ : (( ما )) . والأصوب ما أضفناه .
(5) …في ( هـ ) : (( على أنا )) . ولا معنى له .
(6) …في جميع النسخ : (( كذا )) . وقد صححناه على ما اعتيد من الاستعمال .
وأما الذين يقولون : إنّ الإقامة تلزم الصلاة التي لم تصل ، وإن فات الوقت ، ولا تلزم الإقامة للصلاة التي صليت بعد الوقت إذا انتقضت عليه لعله نجاسة الثياب أو طهارة (1) ، فيدخل عليهم في قولهم أنهم يوجبون الإقامة للصلاة التي صليت ، لعله أنهم يوجبون الإقامة لها على من ذكرها في وقتها ثم يضيعها (2) لفوات (3) الوقت ، ففي هذا دليل وحجة لمن قال : إن الإقامة إنما هي للوقت كالأذان ، لأنّ فوات (4) الوقت لا يزيل حقا وجب في الوقت ، فلما كان هذا هكذا ثبت (5) أن الإقامة إنما هي للوقت .
تم الكتاب والحمد لله (6)
الخاتمة
بعد هذا العمل الذي أخذ مني جهداً كبيراً ، أشكر الله عز وجل على هذه النعمة التي تفضل بها عليَّ من تحقيق هذا الكتاب وإخراجه للنور على أحسن وجه إن شاء الله .
كما لا يفوتني أن أثني بالخير والدعاء الصالح على كل من أمد لي يد المساعدة أثناء التحقيق ، بل قبلها وبعدها ، فاللهم تقبل على الأحياء منهم والأموات أجمعين ، فيا رب زدنا ولا تنقصنا ، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ، واغفر لنا إصرارنا وإسرافنا وما أنت أعلم به منا .
واجعل عملنا هذا خالصاً لوجهك الكريم ، واجعله فوق ما يظنون ، إنك على كل شيء قدير .
آمين...
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مراجع التحقيق
بشر بن غانم الخراساني أبو غانم : المدونة الكبرى ، ترتيب : القطب اطفيش ، تقديم : سالم بن حمد الحارثي ، طبعة مصورة من مخطوط ، نشر وزارة التراث ، عُمان ، ط2 ، 1984م .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( طاهرة )) . وهو خطأ .
(2) …في ( هـ ) : (( يضعها )) . وهو خطأ .
(3) …في ( د ) : (( لفوت )) . وما أثبتناه فمن ( هـ ) .
(4) …في ( هـ ) : (( وفات )) . وهو تحريف .
(5) …في ( هـ ) : (( أتبث )) . وهو تصحيف .
(6) …في ( د ) : (( تم الكتاب والحمد لله ، في 6 شعبان سنة 1124هـ )) . وهو تحريف . وفي ( هـ ) : (( تم الكتاب )) .
بكير بن سعيد أعوشت : دراسات إسلامية في أصول الإباضية ، ط1 ، مطبعة البعث قسنطينة ، الجزائر ، 1402هـ / 1982م .
الربيع بن حبيب ، أبو عمرو : الجامع الصحيح ، تحقيق : أبي إسحاق إبراهيم اطفيش ، ط2 ، المطبعة السلفية ، القاهرة ، 1349هـ .
سعيد الخوري : أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد ، مطبعة مرسلي ، بيروت ، 1889م .
سليمان الباروني ، أبو الربيع : مختصر تاريخ الإباضية ، مطبعة الإرادة ، نشر : مكتبة الاستقامة ، تونس ، 1938م .
سليمان بن الأشعث إلسجستاني ، أبو داود : سنن أبي داود ، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ، دار الفكر ، بيروت .
السيد سابق : فقه السنة ، ط5 ، دار البيان ، الكويت ، 1391هـ / 1971م .
عامر بن علي الشماخي : كتاب الإيضاح ، تحقيق لجنة من العلماء ، ط2 ، الوطن ، بيروت ، 1390هـ / 1970م .
عبد الرحمن بن أبي بكر ، جلال الدين السيوطي : الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير ، دار الفكر، بيروت .
عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتى الوارجلاني ، أبو عمار : كتاب الموجز ، تحقيق : عمار طالبي بعنوان ، آراء الخوارج الكلامية ، ط1 ، الشروق ، نشر : ش . و . ن . ت . ، الجزائر ، 1398هـ / 1978م .
عبدالله بن حميد السالمي ، نور الدين أبو محمد : مشارق أنوار العقول : تصحيح وتعليق : أحمد بن حمد الخليلي ، ط2 ، مطابع العقيدة ، عُمان ، 1398هـ / 1978م .
علي يحيى معمر : الإباضية بين الفرق الإسلامية ، مطابع سجل العرب ، ط1 ، القاهرة ، 1396هـ / 1976م .
عمرو خليفة النامي : Journal of Semitic studies chaptes أوراق مصورة .
عوض محمد خليفات : الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ، مطبعة الجويني ، تونس ، 1984م .
لفيف من المستشرقين : المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي ، دار الدعوة ، استنبول ، دار سحنون ، تونس .
لواب بن سلام بن عمرو الإباضي : الإسلام وتاريخه من وجهة نظر الإباضية ، تحقيق : ق . شفارتز ، وسالم بن يعقوب ، دار اقرأ ، ط2 ، 1405هـ / 1985م .
محمد أسعد طلس : تاريخ العرب ، ط3 ، دار الأندلس ، بيروت ، 1403هـ / 1983م .
محمد بن بركة العماني ، أبو محمد : كتاب الجامع ، تحقيق : عيسى بن يحيى الباروني ، ط1 ، 1391هـ / 1971م .
محمد بن يوسف اطفيش ، قطب الأيمة : تيسير التفسير ، ط1 ، حجرية ، 1325هـ / 1907م .
محمد بن يوسف اطفيش ، قطب الأيمة : شرح كتاب النيل وشفاء العليل ، ط2 ، دار الفتح ، بيروت ، مكتبة الإرشاد ، جدة 1393هـ / 1973م .
محمد رواس قلعة جي : موسوعة فقه عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) ، ط3 ، دار النفائس ، بيروت ، 1406هـ / 1986م .
محمد فؤاد عبد الباقي : المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ، دار الأندلس ، بيروت .
مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ط7 ، الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة ، 1407هـ / 1987م .
هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، تحقيق : بلحاج شريفي ، ط1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، 1410هـ / 1990م .
مفتاح الرموز المستعملة في التحقيق
كل عنوان بدون معقوفتين هو من وضع المؤلف .
كل عنوان جانبي أو فصلي وضع بين معقوفتين هو من وضع المحقق .
كل رقم صغير بين معقوفتين يشير إلى أرقام الصفحات في المخطوط الأم ، أي نسخة ( د ) .
كل باب وضعت أرقامه الهامشية متسلسلة منفصلة عن الباب الآخر .
في الهوامش :
ص = الصفحة .
ج = الجزء .
تح = تحقيق .
الحروف الموجودة في الهامش بين قوسين تشير إلى النسخ المعتمدة في التحقيق :
( ب ) = نسخة مكتبة البكري
( جـ ) = نسخة مكتبة الجابرية .
( د ) = نسخة مكتبة الحاج بابكر بن مسعود (1) .
( هـ ) = نسخة مكتبة الحاج بابكر بن مسعود (2) .
تم بحمد الله

مركز الدراسات الاباضية

أصول بني مزاب الأمازيغية

ⴰⵜ ⵎⵥⴰⴱ ⴰⵎⴰⵣⵉⵖ

Icon 09

إنّ بني مزاب أمازيغ, و يطلق على الأمازيغ كذلك اسم البربر، و البربر ينقسمون إلى قسمين : البرانس و هم أبناء برنس، و البُتر و هم أبناء مادغيس الملقب بالأبتر، و هما أخوان ، و من نسل مازيغ بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام .

كلّ قسم من البرانس و البتر يتفرّع إلى شعوب كثيرة لا تحصى . و أحد شعوب البتر زْنَاتَهْ, و من بين شعوب البرانس كتامة و صناهجة.

يتفرع زناتة إلى خمسة فروع, من بينها وَاسِينْ , و من بطون واسين بنو مرين و بنو راشد وبنو بادين. و من أفخاذ بادين بنو مزاب المنتسبون إلى مزاب بن بادين بن محمّد بن زَحِّيكْ بن واسين بن يَصْلَتِينْ بن مَسْرَا بن زَاكِيَا بن وَرسِيكْ بن أَدِّيرَتْ بن جَانَا (أو شَانَا) جدّ زناتة .

إذن, فإن بني مزاب من أفخاذ بادين , أحد بطون واسين, الذي هو فرع من فروع زناتة , و زناتة أحد شعوب البُتر, و البُتر أحد قسمي الأمازيغ.(1)

-----------------

(1)الهُويَّةُ المِزَابِيَّةُ - أهمُّ عناصِرها و تشكُّلُها عبر التاريخ - تأليف : يوسف بن بكير الحاج سعيد  - المطبعة العربية  1432 هـ / 2011 م

أعلام الإباضية السوافة

أسماء بعض أعلام الإباضية السوافة

Icon 09

هذه قائمة بعض  الفقهاء السوافة الإباضية:

ـ أبو طاهر إسماعيل بن أبي زكريا السوفي ( النصف الثاني من القرن الخامس القرن 11م)، وهو من فقهاء الإباضية وحملة علمهم وله فتاوى كثيرة ومؤلفات عديدة، وكان مسكنه في ورجلان.

ـ سارة اللواتية السوفية (النصف الثاني من القرن الخامس الهجري 11م)، ومسكنها سوف، صالحة عابدة، كانت تروي أشعارا بالبربرية، كانت تأوي الشيوخ وتزورهم طلبا للعلم.

ـ عبد الله المنصور النصيري السوفي( القرن الخامس هجري)، من بني منصور بوادي سوف، تذكره المصادر الإباضية مقاتلا لحماد بن بلكين الزيري في حصاره لقصر وغلاتة.

ـ أبو عثمان خليفة بن عمارة السوفي المارغني(أواخر القرن الخمس وبداية القرن السادس الهجريين)، وهو من زواغة بجربة..

وللإباضية علماء درسوا في سوف، منهم: أبو الربيع سليمان بن علي، وأصله من تيمجار في جبال نفوسة بليبيا. وكذلك الربيع بن يخلف الوسلاتي المزاتي النفطي القابسي...

عن صفحة : أمازيغ أزناتة وادي سوف

أقسام البربر

Icon 07وكان البربر شعبا عظيما وأمة كبرى، كثيرة القبائل والأفخاذ. وتنقسم الأمة البربرية الكبرى إلى قسمين عظيمين، كل قسم يحتوي على قبائل كثيرة. تنقسم إلى برانس وبتر تشتمل على قبائل كثيرة أكبرها هي هوارة، وكتامة، وزواوة، وصنهاجة، وأوربة، ومصمودة. والبتر أكثر عددا من البرانس فقبائلهم كثيرة، وكل قبيلة تتفرع منها قبائل مختلفة الأسماء. واكبر قبائل البتر هي لواتة، ونفوسة، ونفزاوة، ومزاته، وزناتة، ولماية، ومكناسة، ومطغرة.

وكانت مواطن اغلب القبائل البترية في وسط المغرب وجنوبه، فلم يكن منها في السواحل إلا القليل. وكانت لهم الجبال والهضاب يعتصمون بها. واغلب الثورات التيانفجرت على الرومان والوندال والروم المستعمرين كانوا هم الذين يقومون بها. وقد انتشر الدين المسيحي في سكان المدن منهم ولكن على المذهب الدونتوسي البربري الذي يحمل روح المسيحية الحقيقية، وهو الدعوة إلى العدل والإنصاف والإخاء، كما تأثروا بالحضارة البونيقية تأثرا كبيرا، واقتبسوا من الحضارة الرومانية ما يوافق مزاجهم.

وسكان الجبال والهضاب وجنوب المغرب في الصحراء لم يختلطوا كثيرا بالرومان ولم ينغمسوا في مفاسد الحضارة فتفسد أخلاقهم، فضلوا اقرب إلى البداوة يمتازون بقوة الأجسام، ومتانة الأخلاق، وجرأة الفؤاد. إنهم أنياب المغرب يبرزها إذا ادلهمت الأيام. والبتر هم الذين اتعبوا الفاتحين، وظلوا عقبة كأداة في سبيل المسلمين. والبتر أيضا اقرب إلى المغرب بطبيعتهم البدوية وأخلاقهم. فان الذين اعتنقوا الإسلام في برقة، وتفتحت له قلوبهم في جنوب افريقية، وانخرطوا في الجيش الإسلامي ينصرونه ويؤيدونه، كان اغلب هؤلاء من البتر.

أما البرانس فاغلبهم يسكنون السواحل، وهي موطن الرومان والروم، ومحل الحضارة والمدينة، فتحضروا وشاركوا في بناء المدينة التي أقامها الرومان والروم في المغرب، بل اقتبس الرومان أنواعا من المدينة منهم لما احتل بلادهم، لأنهم كانوا اسبق إلى الحضارة من الرومان؛ فلولا ما كانت ترفل بلادهم من حضارة ونعيم، وما كانت تغض به من خيرات وملذات ما طمع فيها الرومان.

ان البونيقيين هم أساتذة البربر في الحضارة، وهم الذين فتحوا عيون البربر، واخذوا بأيديهم إلى طريق الحياة، فنهضوا في القرن الثالث قبل الميلاد فأسسوا ممالكهم الكبرى التي ورثت الحضارة البونيقية، فصار المغرب بها متجه الأنظار لعمرانه وسعادته ورقيه.

وكان البرانس سكان السواحل قد اختلطوا بالرومان فاثروا بهم فضلو متحضرين. وقد انتشرت في سكان المدن منهم المسيحية على المذهب الدونتوسي. وكانت منزل هوارة من البرانس على الساحل طرابلس من سرت إلى مدينة طرابلس، وكانت عاصمتها هي مدينة لبدة في شرق في طرابلس، وأثارها الموجودة إلى الآن دليل على الدرجة العظمى التي كانت عليها والبربر في الحضارة والتقدم. أما منازل كتامة فعلى ساحل قسنطينة، منة سكيكدة إلى بجاية، ومنازل زواوة في بال القبائل من غرب بجاية إلى شرق مدينة الجزائر، ومنازل صنهاجة من شرق مدينة الجزائر إلى مليانة.

أما أوربة فمن شمال تاهرت إلى وهران،ولها منازل أيضا في غرب فاس مناه «سقومة » قلعة أوربة ومدينة وليلي،أما مصمودة فلها جبالها في غرب مدينة مراكش. ومع كل قبيلة من هذه القبائل في هذه الأمكنة فصائل من القبائل الأخرى تحل معها وتعيش في ديارها،وإنما الجمهور والكثرة لتلك القبيلة.

وكان المغرب في نظر البربر وطنا واحدا لا يتجرأ. فمن غرب الإسكندرية إلى الاطلانطي وطن واحد، فأينما حل البربري فهو وطنه وبين قومه، ولا تكمش ولا انفصال. وكان البربر امة واحدة متماسكة وان تعددت قبائلها.

وكان البرانس أكثر حضارة، والمسيحية قد انتشرت فيهم أكثر، واختلاطهم بالروم كان اشد. فوجد الروم في مزاج الحضارة وفي المسيحية ما يجذب البرانس إليهم، فصاروا يتملقون رؤساءهم، ويتقربون إلى أمرائهم ليجعلوا من البربر الحلفاء الأقوياء ليستطيعوا الوقوف في وجه المسلمين الفاتحين. وكان الروم يبثون دعايتهم المسمومة في الإسلام والمسلمين، ويصورون العرب للبربر على إنهم كالمستعمرين، لا تدفعهم إلا بطونهم وجشعهم لغزو البلدان، وأنهم عتاة مستبدون لا يحملون أي خير للبربر.

وكان البربر سيما البرانس في المغرب الأوسط قد استرجعوا حريتهم، وتكونت لهم إمارات يديرها رؤساء منهم، وآلوا ان يقارعوا ويهزموا كل قوة تحدث نفسها باستعبادهم واحتلال بلادهم.

وقد استطاع الروم ان يصوروا للمغرب الأوسط والأقصى الإسلام والمسلمين كما أرادوا فآمن البربر بسمومهم لجهلهم بالإسلام والمسمين، لأنهم بعداء عن مركزهم في القيروان. واعتقد البربر ان المسلمين أعداؤهم، وان الإسلام عقيدة تناوئ دينهم المسيحي، وان أبا المهاجر قد جاءهم مجئ الروم والرومان يحمل إليهم الفقر والجهل والعبودية فثارت ثائرتهم واستعدوا للجلاد.

وكانت الزعامة في المغربين الأوسط والأقصى لقبيلة أوربة كثرة عددها وغناها وحضارتها ومناعة مواقعها، وكان رئيسها كسيلة بن لمزم الأوربي. وكان كسيلة قوي الشخصية، ذكي الفؤاد، غيورا على وطنه، وكان البربر يجلونه ويحبونه، وكان نصرانيا متمسكا بدينه، وكان لا يعرف حقيقة الإسلام والمسلمين، فاستطاع الروم ان يوحوا إليه ما أرادوا في الإسلام والمسلمين، فرآهم عدوا لدينه ووطنه، ورأى أبا المهاجر في ميلة فعلم انه لابد ان يسير لافتتاح المغرب الأوسط والأقصى، فذهب في المغربي الأقصى والأوسط يدعو البربر لمكافحة العرب، والاستعداد لحربهم وإجلائهم عن البلاد. فتحمي البربر بثورة أميرهم كسيلة فلبسوا لأمة الحرب واستعدوا للقراع، فتجمع لكسيلة جيش كثيف من البربر والروم فرنا إلى المشرق مستعرا يرقب مسير أبي المهاجر أو يسير هو إليه. فسمع أبو المهاجر باستعداد كسيلة فسار إليه. وكان كسيلة قد عسكر بتلمسان، وارى انها عاصمة إمارته فوصل أبو المهاجر بجيشه فحط رحاله حول تلمسان، فالتقى الجيشان جيش المسلمين وجيش كسيلة فوقعت معركة عنيفة سقط فيها قتلى كثيرون من الطرفين، ثم انزل الله نصره على المسلمين، فهزموا جيش كسيلة فولى الأدبار، واسر كسيلة فحمل إلى أبي المهاجر فأحسن إليه أبو المهاجر وقربه وعامله معاملة الملوك. وكان أبو المهاجر معجبا بشخصية كسيلة، وبذكائه، ودهائه، ومكانته في البربر. فعرف انه إذا اسلم كسيلة فسيكون المفتاح الذهبي الذي يفتح قلوب البربر في المغرب الأوسط والأقصى لدين المصطفى. فحدث كسيلة عن الإسلام والمسلمين بما عرفه حقيقتهما. وكان كسيلة ذكيا طموحا مخلصا لقومه لا يريد لهم إلا الصلاح، فعلم ان الإسلام هو دين السعادة والقوة والحياة وخير الدارين، وان العرب المسلمين هم الإخوة الأصفياء الذين يسعدون البربر ويأخذون أيديهم إلى النجاح، فآمن كسيلة بما دعاه إليه أبو المهاجر فأصبح من المسلمين، واغرم بالعربية فصار يتعلمها، وأعجب بجمال الإسلام فيس سيرة المسلمين فأحبهم، وأصبح أبو المهاجر وصحبه هم خاصته وأولياؤه، وأحب أبو المهاجر كسيلة ورجا منه خيرا كبيرا للإسلام. فشمر كسيلة لمناصرة الإسلام والمسلمين، فدعا قومه البربر للدين الحنيف، وافهمهم ما جاء به المصطفى عليه السلام، وانه النور والحياة وخير الدارين، والفت نظرهم إلى جمال الإسلام في سيرة المسلمين، واراهم الفرق بيتهم فغي رحمتهم وإيثارهم وعملهم للناس وبين الروم الجشعين. وكان البربر قد تفتحت قلوبهم لأبي المهاجر والمسلمين فأحبوه لما أطلق رئيسهم كسيلة من الأسر، وأحسن إليه وعظمه وبجله، والبربر جنس كريم معتد بنفسه، يملكه من يحترمه ويعرف له مقامه، فاقبل البربر على الإسلام، فانتشر فيهم انتشار العطر القوى في الساحة، والنور الساطع في المكان، وأصبح البربر أحباء العرب يزدادون تقاربا على الأيام ليصبحوا شعبا واحدا يصل بينهم الإسلام، وتلحم بينهم العربية. فقرت عين أبي المهاجر بما رأى، وازداد بقينا بان السيف وحده ليس وسيلة لامتلاك الشعوب، فرجع إلى مقره قريبا من القيروان، وأقام «بدكرور » يراقب الأمور، ويحبط دسائس الروم، ويعمل لإزالتهم من المغرب،وهو على استعداد لكل من يريد مناوأة المسلمين فينهض إليه، أما إذا سكن فيتركه لان نور الإسلام لا يسكن، فهو يسير سيره، فلابد ان يصل إليه فيغزو قلبه، فيصبح للمسلمين يغير دماء، ويمسى جزءا منهم يورثهم النماء. وكان أبو المهاجر في المغرب بلينه وسياسته، وبإلحاحه عليهم بالدعاية كالشمس التي تخيم على الثمار فتلح عليها بالأنوار حتى تداخلها حلاوة النضوج وان تكونت فيها حشرة تفسدها قتلتها !

ودام الأمر على ذلك والإسلام كنور الصباح رويدا رويدا فيسير إلى الضحى فيعم المغرب، ويملأ قلوب البربر كلهم، حتى طلع الغمام، وهبت العواصف، فانهدم كثير مما بناه أبو المهاجر. لقد عزل أبو المهاجر وولي عقبة فجاء وهو مغرم بالقتال، فلم يتبع سياسة أبي المهاجر الحكيمة، وظن ان البربر امة هرمة كعلوج الروم يرضخون له سيف، ويستكينون له بالقوة، فآثر العنف العاصفة على اللين الحكيم فثارت البلاد، وانفجر المغرب، واصح الأصدقاء أعداء. اشترى قلوب البربر فكانت لمحمد، وثنى بأعنة المغرب فابتدأ يتجه إلى القبلة، واسكت النواقيس في كثير من النواحي فجلجل فيها الآذان، فلو دام لفتح البلاد كما يفتح الحب أفئدة العباد، بدون دماء تهرق، ومعامع تشغل المسلمين.

رحم الله أبا المهاجر فانه على قوته وبطولته كان على الرفق الذي حث عليه الرسول لما قال: ما دخل الرفق أمرا إلا زانه، وما داخل العنف شيئا إلا شانه. وكانت ولاية أبي المهاجر على افريقية في سنة 55 هـ. وعزله في سنة 62 هـ فمدته في المغرب سبع سنين ولم يذكر المؤرخون عدد جيشه فلا بد وان يكون أبو المهاجر قد قدم بقوة جديدة عند ولايته فيكون جيشه أكثر من عشرة آلاف.

-----------------------

 المصدر : محمد علي دبوز  تاريخ المغرب الكبير ج2  ص59-63

أكرموا عمّتكم النخلة

ورد في الأثر "أكرموا عمتكم النخلة"، وورد أيضا "أن الله صنع المخلة من فُضلة طينة آدم عليه السلام"، لذلك فهي عمّتنا من أبينا آدم.. تعالوا بنا في رحلة عبر واحاتنا لننظر واقع "عمّتنا".. لقد تراجع الناس عن خدمتها "وإكرامها" بما يجب..

"خدمة النخيل" التأبير (أسِيجَلْ) وتعديل العراجين ووضعها على الجريد حتى تستوي وتصير تمرا (أفراق دُ أسَرْسِي)وجني التمور وقطع الغلة في الخريف (أنقّا د أنكاظ).

وقد كان آبائنا وأجدادنا من قبلهم يفعلون ذلك ويربون أبنائهم على حب النخيل والأرض.. ويدفعون التكاليف الباهضة حتى ينعموا ببعض الراحة في بساتينهم خلال فصل الربيع والصيف خاصة.

وقد كان رائد معظمهم الأثر القائل "إذا قامت الساعة وكان في يد أحدكم فسيلة فليغرسها".. وقوله صلى الله عليه وسلم "ما أكل منها إنسان أو طير أو بهيمة إلا ولك بها صدقة..".. وحاصله أن التمر الذي كان عمدة الأجداد في السلم والحرب..

 

أماكن الشعوب البربرية الكبرى

Icon 07كان المغرب الأدنى تسكنه خمسة شعوب من أقسام البربر الكبرى. فلواتة كانت في برقة إلى خليج سرتن  الأكبر، ومن خليج سرت في طرابلس إلى مدينة طرابلس كان لهوارة. ونفوسة كانت في غرب مدينة طرابلس وجنوبها. وكانت زناتة في جنوب طرابلس تجاور نفوسة، ولو كانت وزناتة ومعظم زناتة في المغرب الأوسط.

أما في افريقية وهي القطر التونسي اليوم فنجد نفزاوة في وسطه لغربي وجنوبه، فمن جنوب مدينة الكاف إلى جنوب قسطيلية مواطن لنفزاوة. ومن نفزاوة قبيلة ورفجومة التي تسكن في غرب مدينة قابس وتجاور جبال آوراس.

أما في القطر الجزائري، فمن مدينة سكيكدة شرقا إلى مدينة بجاية غرب إلى شمال آوراس جنوبا، وهي نوميديا الوسطى والغربية، فلكتامة. ومن غرب بجاية إلى شرق مدينة لجزائر على طول الساحل فلزواوة، ما جبال آوراس معدن البطولة والباس ففيها مجراوة من زناتة، ولواتة، وهوارة. ومن لواتة القبيلة البربرية الكبرى في جبال آوراس بنو باديس، وكنت لهم اليد العليا قديما في جبال آوراس. 13

أما في وسط الجزائر وغربه فمن شرق مدينة الجزائر إلى غرب مدينة مليانة غربا إلى مكان المسيلة جنوبا فلصنهاجة. ومن مليانة شرقا إلى وادي ملوية غربا كان لزناتة. ونجد في هذه البقاع أيضا مطماطة في جبال الونشريس، ولماية في جنوب تيهرت ومها هوارة ولواتة في نواحي تيهرت أيضا.

أما المغرب الأقصى فكان شماله لغمارة من البرانس ومعها مضغرة قبيلة من بني فاتن احد أقسام البتر الكبرى. ونجد في شمال المغرب مكان فاس أوربة من البرانس أيضا.

أما وسط المغرب وجنوبه بجبال درن فالمصامدة. ومن المصامدة برغواطة التي استقلت في القرن الثاني الهجري إلى القرن الخامس في ساحل المحيط الأطلسي من مكان مدينة لرباط إلى أسفي.

أما صحراء الغرب لأقصى والأوسط فنجد في صحراء المغرب الأقصى قبائل صنهاجة.

وكذلك في غرب الصحراء للمغرب الأوسط. وفي صحراء المغرب الأوسط نجد هوارة. ومن مدنها [هفار] وارى ان تسميتها الأولى [هوارة] باسم ج هوارة هوار بن اوريغ. والبربر معتقدون بأصولهم، أوفياء لأجدادهم. وليس تسمية المن بأسماء من يراد الإشادة بهم، والاعتراف بجميلهم بالشيء الحديث. أرى ان تسميتها الأولى هوار، ثم وقع التحريف في الواو فقلبن [فافا] ويقع هذا القلب كثير في اللغة العامية. ووقوع الأخطاء ثم تشيع مما نعهده في اللغة الدارجة. ومع هوارة في الصحراء زناتة.

ومن زناتة ورجلة، ومن منها ورجلان، وهي عاصمة الصحراء في الشرق الأوسط قبل الإسلام وبعده إلى القرن العاشر الهجري. وكانت أماكن وادي ميزاب مواطنا لزناتة، وكذلك مدينة الاغواط فإنها للقبيلة البربرية الاغواط من زناتة. وعلى العموم فإننا نجد في الأغلب البرانس في البرانس في السواحل والبتر في الوسط المغرب الكبير وجنوبه.

هذه الشعوب الكبرى، في منازله ودياره قبائل بربرية أخرى تعيش معه عيش الغزال مع الاروى في الروض الواحد. فجميعهم أبناء مازيغ. والمغرب الكبير من أدناه إلى أقصاه كل وطنهم، فأينما تجد القبيلة هناءها وساعدتها فهو وطنها، تحط فيه الرحال، وتبني الديار، وتمتزج بسكانه الأمازيغ، وتصاهرهم، وتتعانق قلوبهم بالوداد والمحبة، ويعيشون أسرة واحدة لا فق بينهم في شيء.

هذه مواطن الشعوب لبربرية الكبرى في المغرب. وق علمنا ان أصل أجدادنا البربر هو حام بن نوح عليه السلام، وأنهم انتقلوا إلى المغرب من الشام فكيف كانت معيشتهم في عهود البداوة قبل ان يتمدنوا، وكيف كان لباسهم، وما مسا كنهم، وما هي تفاصيل أحوالهم الأخرى في العصر الحجري وفي عهود بداوتهم قبل ان يتحضروا. 14

--------------------

13- أنظر أخبار بني باديس في جبال آوراس في تاريخ ابن خلدون ج 6 ص 117 ط بولاق بالقاهرة

14  تاريخ المغرب الكبير محمد علي دبوز ج1 ص 43

أماكن ينصح بزيارتها

أماكن ينصح بزيارتها

image2

بعض القصور التاريخية المندثرة 
 
المنشآت الدينية
المسجـــد
المسجد القديم لقصر بنورة
المسجد الكبير لقصر غرداية
مسجد أولوال العطف تجنينت
 
المقابر والمصليات الجنائزية
مصلى أمي إبراهيم
مصلى الشيخ بابا ولجمه
مصلى الشيخ باعيسى اوعلوان
 
القصـــر آغرم
العطف - تاجنينت
بني يزجن - آت إزجن
غرداية - تغردايت
مليكة - آت امليشت
بنورة - آت بنور
 
ساحة سوق قصر غرداية 
ساحة سوق العطف
ساحة سوق قصر بني يزجن
 
المنشآت الدفاعية
برج بوليله و سور قصر بني يزجن 
واجهة قصر بنورة
 
الواحـــــــــــات
منشآت الري
 
المسكـــن 
 
الشوارع 

أهم المراحل التاريخية لبني مزاب

Icon 07

يمكن تقسيم تاريخ مزاب إلى أربعة عهود متمايزة:

 العهد الأوّل من تاريخ بني مزاب :

من الفتح الإسلامي إلى أواخر القرن الرّابع الهجري.

العهد الثّاني:

من اواخر القرن الرابع إلى نهاية القرن الثّامن الهجري.

العهد الثالث:

من بداية القرن التّاسع الهجري إلى سنة 1269هـ/ 1853م.

العهد الرّابع:

الفترة الأولى من العهد الرّابع، وتمتدّ من 1269هـ/ 1853م إلى 1299هـ/ 1882م.

الفترة الثّانية من العهد الرّابع وتمتدّ من 1299هـ/ 1882م إلى 1330هـ/ 1912م.

القترة الثاّلثة من العهد الرّابع وتمتدّ من 1330هـ/ 1912م إلى 1366هـ/ 1947م.

الفترة الأخيرة من العهد الرّابع وتمتدّ من 1366هـ/ 1947م إلى 1382هـ / 1962م.

 

العهد الأوّل :

يمتدّ من الفتح الإسلامي إلى نهاية القرن الرّابع الهجري، وكانت تعرف المنطقة فيه ببادية بني معصب، وكان سكّانها يغلب عليهم طابع البداوة والبساطة. ويمتاز هذا العهد بأنّ سكّان أرض الشّبكة اعتنقوا الإسلام ببساطة ثمّ سبقت إليهم آراء المعتزلة فأخذوا بها، وحافظوا على نظام حياتهم كشعب يعتمد على تربية المواشي بالدّرجة الأولى، وعلى الزّراعة الموسمية بالدّرجة الثّانية[1].

العهد الثّاني:

يمتدّ من نهاية القرن الرّابع الهجري إلى نهاية القرن الثّامن. وفيه تمّ تأسيس القرى الخمس الموجودة حاليا على وادي مزاب، واعتمد بنو مزاب على الفلاحة الثّابتة وتحوّلوا تدريجيا إلى المذهب الإباضي، وأنيطت إدارة شؤون كلّ قرية بحلقة العزّابة التي أصبح مقرّها المسجد.

العهد الثّالث:

يدوم أربعة قرون ونصفا، من بداية القرن التّاسع إلى إمضاء عقد الحماية مع فرنسا عام 1269هـ/ 1853م. في هذا العهد توسّع العمران بالوادي بفضل ممارسة التّجارة بالتّل، وتوجّت إدارة البلاد بهيئة عليا، واستقبلت المنطقة طوائف جديدة، وأسّست القرارة وبرّيان، ولعب الميزابيون دورا متزايدا في تاريخ شمال إفريقيا. وقد أحدثت هذه التّطوّرات الحضارية مشاكل أفرزت فتنا مزمنة.

العهد الرّابع:

الذي دام قرنا، يمتاز بفقدان مزاب لاستقلاله السّياسي تدريجيا، وبمقاومة الاستعمار، والدّفاع عن الشّخصية المزابية، والمطالبة باحترام بنود معاهدة الحماية. وفيه تأثّر بنو مزاب بالثّقافة الأوروبية والأحداث العالمية الكبرى، ولعبوا دورا تاريخيا في استرجاع السّيادة الوطنية الجزائرية[2].

 

[1] -علي يحيى معمّر: الإباضية في الجزائر، الجزء الثّاني، ص488.

[2] -تاريخ بني مزابدراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية.يوسف بن بكير الحاج سعيد ص7-8

أول دخول الإباضية في إفريقيا

ان الذي بث الدعوة وقام بنشر المذهب الأباضي بالمغرب الكبير هو سلمة بن سعد قال الشيخ يحيى علي يحيى امعمر النفوسي في كتابه الاباضية في موكب التاريخ في الحلقة الثانية:

"وانطلق سلمة بن سعد من جزيرة العرب إلى افريقيا وحيدا يقتحم المجاهل والقفار ويغشى المجتمعات التي لا تعرف له جنسا ولا لغة وليس له من سلاح في كل ذلك الا ذاك الايمان الذي عمر به قلبه وتلك المعرفة الشاملة لكتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالحين من الصحابة والتابعين ولم يمض عليه عشر سنوات حتى انتشرت دعوته ما بين تلمسان وسرتا "قسطنطينة" وحتى كان مذهب الاباضي مذهب لأغلب السكان في ليبيا وتونس والجزائر.

كان يقول في مبدا دعوته: وددت ان يظهر هذا الأمر يوم واحدا فما أبالي ان يضرب عنقي ولقد حقق الله أمله في مدة لم يكن يتصورها ونال من التوفيق ما يضفيه الله على الأخيار من خلقه الذين تعدهم الأقدار لتبليغ رسالة الله بعد الأنبياء عليهم السلام".

وسلمة بن سعد هو الذي دل حملة العلم إلى المغرب او بعضهم على موضع أبي عبيدة مسلم ابن كريمة بالبصرة مؤهل العلم والشريعة ومركز الإشعاع ولما اخذ العشرة المشهورون بغيتهم من العلم الصحيح رجعوا إلى أوطانهم ينشرون المذهب الاباضي في جميع الافاق بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة وانتشر في اغلب البلدان الافريقية كاجريد وبلاد اريغ وبلاد الزب ونفزاوة وفزان ووادي ملوية وسجلماسة وطرابلس وغدامس والقيراون وجبل أوراس وبلاد نفوسة وجربة وغيرها مما هو مسطر في كتب التاريخ ولهم دولة قائمة بالعدل تحكم بالكتب والسنة في اليمن وعمان وزنجبار وطرابلس وتيهرت.

ولكن الشيخ سليمان داود بن يوسف المعروف بالشيخ يوسف العطفاوي يقول: "إن المذهب الإباضي إنما دخل الجزائر مع الفاتحين، لأن الإباضية ليس فيها شيء غير ما في الإسلام الذي جاء به الفاتحون الأولون الصادقون.

وعندما تقول إن المذهب الإباضي دخل بتاريخ كذا فإن قولك هذا يشعر بأن المذهب شيء آخر غير الإسلام، أو إنه يحمل شيئا لم يكن في الاندفاعة الأولى التي حملت الإسلام إلى هذا المغرب بصفائه ونقائه.
والحقيقة أن الإباضية هي الإسلام حافظ عليه من تسموا بهذا الاسم. فلما انحرف منحرفون عن الإسلام، إما بالقول، وإما بالعمل، وإما بالعقيدة، وإما بهما جميعا، وقف أولئك الناس يردون ما يراد إدخاله إلى دين الله من الأباطيل، فصورتهم السياسة الماكرة بصورة حزب أو مذهب أو كتلة أو ما شئت من أسماء، وحاولت أن تجعلهم حركة منفصلة قائمة بنفسها، بينما هي في الواقع ما زالت تلك الاندفاعة المشرقة الأولى التي جاءت تحمل دين الله كما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

-------------------------

"*" راجع كتاب الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الرابعة للشيخ على يحيى معمر

"*" راجع كتاب دور الميزابيين في التاريخ الجزائر قديما وحديثا لللأستاذ حمو محمد عيسى النوري
عن وادي ميزاب / قوة العزَّابة

أيهما أسبق بن خلدون أم الدرجيني؟!

Icon 09

ومن دون تردد؛ فـ "مزاب" أسبق؛ فهي الأقرب لما ذكره ابن خلدون في نسب البربر لولا التحوير، والدرجيني قبله حافظ لنا على الأصل، وإذا سلمنا أن البربر -السكان الأصليين لهذه البلاد- يصعب عليهم النطق بالعين، فنقول: إن تسمية "بني مصعب" تعريب لـ "مزاب"، وقد نفترض وقوع ذلك من أحد مشايخ العلم، فهو قد كيّف التسمية البربرية وفق ثقافته العربية الجديدة؛ لملاحظة الشبه في النطق، وربما حتى لاستحضار صعوبة المنطقة وأهلها أيضا..

وولوع بعض مشايخ العلم بتعريب الأسماء أمر ملاحظ، ولعل ذلك يتجلى أكثر عند القطب اطفيش -رحمه الله-، حتى إنه يعمد إلى أسماء تلاميذه؛ فيكيفها وفق النطق العربي، فمثلا يقول: "أبو أحمد" لـ "باحمد"، وأبو نوح لـ "بانوح"، ثم إن اجتهاد الطلبة والمشايخ في تلك العصور المتقدمة في تعلم العربية والنطق بها، قد يدفعهم حتى إلى تعريب الأسماء!

وهذا الاجتهاد قد لا يكون موفقا مع بعضهم، ولعل هذا ما دفع أهل المشرق إلى طلب إعادة صياغة كتاب أبي زكرياء يحي بن أبي بكر (عاش في النصف الأول من القرن الخامس الهجري) في السير، فقام بهذه المهمة الدرجيني في كتابه "طبقات المشايخ بالمغرب" كما هو معروف، ومع ذلك فثمة بقية من الصيغ البربرية وتراكيبهم فيما كتبه الدرجيني نفسه؛ كما لاحظ ذلك أستاذنا الشيخ صدقي محمد بن أيوب أستاذ اللغة العربية، فيما علق بذهني، والله أعلم بحقيقة الأمر.

ملاحظة: نحتاج إلى مراجعة النص أعلى في مخطوطة من عهد المؤلف أو قريبة منه.

-------------------------

المرجع  :قبس من السير والتاريخ (3) للفاضل  Abouishak Sa

إقبال الإمام على الدرس والتدريس لقلة مشاكل الدولة لاستقرارها

واعتماد الأمة على نفسهاوكان الإمام كعادة لا يقتصر في الأعمال على شئون السياسة. إن دولته مستقرة،وتمسك الناي بالدين يكبح النفوس فتقل الجرائم والمشاكل وتعاون أهل لدولة واعتمادهمعلى أنفسهم، وفض الخاصة للمشاكل والخصومات، وجعل حمل الإمام خفيفا،مشاكل الدولة التي تشغل فكره ووقته قليلة إن الأمة تعتمد على نفسها، وليستعبئا ثقيلا على الحكومة، والدولة الرستمية متمسكة بالدين الذي يأمر الأمة أن تعتمدعلى نفسها، وتعمل، وتجد، وتجتهد، وتسابق الأمم لتكون هي الأغنى والأقوى، لا تتكل علىالحكومة أن تطعمها وتقدم إليها كل الضرورات.  إن اعتماد الأمة على نفسها، وكثرة العلماء والصلحاء فيها، وأعضاء مجلسالشورى، هؤلاء الذين يفضون الخصومات، ويحلون المشاكل، فلا تصل إلى الإمام، وجعلأعمال الإمام السياسية قليلة. فانصرف في بقية الوقت الواسع إلى دراسة الكتب،والى التدريس العالي. فكانت له حلقة في مسجده في ميري يؤمها الطلبة الكبارالمتخصصين للعلم فيلقي عليهم الدروس في مختلف الفنون. وكان الإمام يرى التعليم اكبر عبادة. وكان لشخصيته العلمية يلذه نشر العلم والحياة العلمية، فخصصللتدريس جانبا كبيرا من وقته.

وكان الإمام يوال النصح والإرشاد لرعيته في جبل نفوسة. وكانت الوفود تترىعليه من أنحاء الجبل، فيلقي عليهم المحاضرات والدروس، ويزودهم بالزاد العقلي النافع،ويوجههم أحسن توجيه في كل الميادين. وكان له درس بين الصلوات في مسجدهللعلامة يثقفهم ويهديهم، ويعلمهم فلسفة دينهم، وأسرار الشريعة الإسلامية التيمن الله بها عليهم.

قال الشيخ الباروني: "ويقال إن اغلب دروسه [للعامة] في مسجده في السنينالسبع التي أقامها في جبل نفوسة في مسائل الصلاة ولم يتمها"1 وذلك لان دروسه في فلسفة الصلاة أيضا، وآثارها العظمة في النفس، وتطهيرها للمرء من كل الدنايا والمهلكات!

وكان جبل نفوسة وكل أنحاء الدولة الرستمية مستقرة. وقد دام هذا الهدوء في الجبل إلى آخر أيام الإمام فيه. فثارت هوارة في سنة ست وتسعين ومالئة على الملكية المستبدة، وعلى الأغالبة الذين أرغموها بالقوة على الدخول في دولتهم، واحتلوا بلادهم بالسيف والسنان، ووطأوها بأرجلهم القوية لتخضع وتستكين.

-------------

1-الأزهار الرياضية ج 2 ص 142 ط البارونية بالقاهرة 1324 هـ

محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير ج3 ص436-437

إنصاف د. محمود هرموش للإباضية

بطاقة تعريفية بالدكتور / محمود مصطفى عبود هرموش :

ولد في بلدة سفيرة بشمال لبنان سنة 1954 .

حائز على دبلوم العلوم الشرعية واللغوية في المعهد العلمي الشرعي بمدينة حمص في سورية سنة 1970 إلى سنة 1975 .

نال شهادة الثانوية ، بتقدير : ممتاز .

تخرج سنة 1979 مِن كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر ، ونال شهادة الليسانس .

وتخرج بعد ذلك مِن جامعة محمد بن سعود بالرياض سنة 1981 ، ونال شهادة دبلوم في الفقه والأصول ، بتقدير : جيد جدا . ثم درجة الماجستير في كلية الشريعة بنفس الجامعة ، بتقدير : ممتاز .

ثم التحق بكلية الإمام الأوزاعي في بيروت، ونال منها على شهادة دكتوراه سنة 1993 ، بتقدير : ممتاز .

ثم رقي في جامعة دمشق إلى رتبة أستاذ في أصول الفقه .

حاز على جوائز ، منها : جائزة عبدالهادي الدبس ، في لبنان .

درّس في عِدّة جامعات ، مدّة عشرين سنة .

أشرف وناقض عِدّة أطروحات في مرحلتي الماجستير والدكتوراه .

شارك في عِدّة مؤتمرات ، منها ما أقيم بسلطنة عُمان .

أستاذ متفرّغ في جامعة الجنان ، وعضو المجلس العلمي فيها .

 

له إنتاج فكري غزيز ، خصوصا في الجانب الفقهي وأصول الفقه بالتحديد ، ومِن بيْن مؤلفاته الكبيرة : موسوعة في القواعد الفقهية في الفقه الإباضي ( أربعة أجزاء ) تحتوي على ما يقارب 700 قاعدة مشروحة .

 

مقاطع مِن محاضرة " الإجتهاد الفقهي عند الإباضية وغيرهم "


ألقاها بمسجد الغفران (غرداية - وادي مزاب - جنوب الجزائر)

4 محرم 1432هـ (يوافقه الجمعة 10 / 12 / 2010) 

 

استقبال مزاب للمهاجرين

استقبال بني مصعب للمهاجرين من مختلف الجهات العهد الثاني

يقول الشّيخ عليّ يحيى معمّر:" وفي أوائل القرن الخامس توالى الجفاف على منطقة وارجلان وما جاورها عددا من السّنين، وزفقر كثبان الرّمال على سدراته. وكانت بعض الأدوية التي تنساب تحت طبقات من الأرض، حتّى إذا وصلت إلى منطقة سدراته ووارجلان نبعت على شكل عيون غزيرة، قد تغيّرت مجاريها فغارت تلك العيون، فضاقت الحياة بالنّاس لاسيما أصحاب الماشية... فلم يجدوا منتجعا لإنقاذماشيتهمغير بادية بني مصعب... هكذا قرّروا أن يتّجهوا إليها"[1]هذه الهجرة تمّت لأسباب اقتصادية ناتجة عن ظروف طبيعية. وهناك هجرات أخرى لأسباب سياسية، أهمّها انقراض دولة بني مدرار في سجلماسة عام 366هـ/ 976م[2]، ووصول بني هلال إلى المغرب عام 443هـ/ 1050م، والتّخريب الأوّل لسدراته عام 467هـ/ 1075م على يد أحد أمراء قلعة بني حمّاد المنصور بن النّاصر، والتّخريب الثّاني لها عام 626هـ/ 1229م على يد يحيى بن إسحاق الْمَيُورْقِيالمرابطي، المعروف بابن غانية، في ثورته ضد الموحّدين. وخربت سدراته أخيرا عام 672هـ/ 1274م.يضاف إلى هذه الهجرات الجماعية استقبال وادي مزاب لعائلات أو لأفراد على مرّ القرون من المناطق المذكورة ومن غيرها. فقد احتضن جماعات متلاحقة وأفرادا شاركوا بني مزاب في إنشاء قراهم وتعميرها. فقد أتى هؤلاء المهاجرون من سدراته ووارجلان ووادي أَرِيغْ، وقصر بني خفيان قرب المنيعة، وجبل عمور وقصر البخاري والمدية، ووادي غنيم قرب الأبيض سيدي الشّيخ، ومن جبل نفوسة وجربة ومن سجلماسةوفقيق والسّاقية الحمراء وغيرها. هؤلاء القادمون جميعهم إباضية أو اعتنقوا المذهب الإباضي عند استقرارهم بالمنطقة، ويطلق عليهم جميعا اسم بني مزاب مثل من سبقهم بها.يتبيّن ممّا سبق أنّ تصوير بني مزاب بأنّهم نزحوا إلى سدراته من تاهرت عند انقراض الدّولة الرّستمية، وأنّ سكّان سدراته هاجروا منها إلى وادي مزاب عندما خرّبها الميورقي، وعمّروه وأسّسوا قراه، تصوير خاطئ الهدف منه جعل إباضية المغرب جماعة من النّاس تطوف من مكان إلى مكان، والأمر غير ذلك كما رأينا.

-----------------------------------

[1]_ الإباضية في الجزائر، الجزء الثّاني، 436.

[2]_ استمرّت من 140هـ/757مإلى 366هـ/976م على مذهب الصفرية.

استقرار الدولة الرستمية

استقرار الدولة الرستمية وهناؤها وسعادتها بالعدل والدين

 

لقد كانت افريقية تغلي بثوراتها على الولاة الضعفاء. وكان السخط والشقاء والحاجة تسودهما. فكيف كان المغرب الأوسط وما يتبعه من المغرب الأدنى: جنوب افريقية، وجزيرة جربة، وجبلا نفوسة. وكان هانئا، سعيدا، مطمئنا، تحت جناح الدولة الرستمية الجمهورية العادلة التي تسوسه بسياسة الدين، وتلزم فيه هدى الخلفاء الراشدين. إنها دولة إباضية أنشأها الإباضية الذين يتمسكون بالإمامة الإسلامية والجمهورية العادلة كل التمسك.

فكيف نشأت الدول الإباضية الجمهورية في المغرب فأسعدته، ودخل بها أعراسه البهيجة، وأعياده الباسمة، وعهود قوته وسعادته! وكان الملجأ الأمين الهانئ للمضطهدين الأحرار في الدول الملوكية في المشرق. يلجئون إليه فيجدون الإخوة والصفاء، والحرية والعدل، والحضارة الإسلامية الراقية التي تنبع من الدين المكين، والعلم الزاهر، ونعمة تمسك أئمته وولاته وموظفيه بالدين في كل شيء؟!

محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير ج3 ص 130

اعتناء الدولة الرستمية بتعليم المرأة وتثقيفها

وكانت الدولة الرستمية تعتني كل الاعتناء بتثقيف المرأة، وبتعليمها كل ما يجعلها زوجة صالحة، وأما كريمة، وأساسا للدولة العظيمة التي يريدها الجمهوريون في المغرب لأنفسهم. وكانت تعرف دينها كل المعرفة، وتتخلق بأخلاقه العظيمة. وتفهم العربية وتقرؤها، وتكتب بها، وتتقن كل الصناعات المنزلية، وتتجلى بالثقافة النسوية الراقية التي تجعل الدنيا في عين زوجها على نضارة خديها، وابتسام شفتيها، وتجعل داره كأحضانها تغمره بالعطر، وتسعده بالحب، وتنعش كل حواسه بالجمال.

وقد برع في العلم نساء عالمات في الدولة الرستمية ضاهين فيه فحول العلماء من الرجال. ذكر الشماخي، والدرجيني، وأبو زكرياء عددا كثيرا منهن في كتبهم. ومن العالمات النابغات في المغرب الأوسط في الدولة الرستمية أخت الإمام افلح. وقد برعت في علم الفلك حتى بزت فيه أخاها افلح! انه لا يهتم به إلا الخاصة من العلماء، والفحول من ذوي المعرفة. وقد برعت فيه العالمة النابغة بنت عبد الوهاب، ومما يدل على أن درجتها في العلوم الشائعة في النساء كالعلوم الشرعية واللغوية كانت فيها في أعلى الدرجات.

ولم تكن العالمة بنت الإمام وحدها على هذه الدرجة الرفيعة في العلم، بل كان بيت الرستميين كله كذلك.

عناية المرأة في الدولة الرستمية بالعلم وغرامها بتثقيف نفسها

وكانت النساء يحضرون هذه الدروس في المساجد. وكن يتقاطرن في وقت الصلاة إلى اقرب مسجد منهن فيصلين مع الجماعة، ويحضرن هذه الدروس بين الصلوات، وينقلنه في وجدانهن وعقولهن إلى منازلهن، فيعرفه يشعر بروحه كل من لم يستطع الذهاب إلى المسجد من ربات البيوت، ويغشي وجدانهن المتأجج بالدرس أطفالهن فيصطبغون به.

وكانت المرأة في الدولة الرستمية بالتربية الأولى في البيوت الصالحة الراقية، وفي مدارسهن الرشيدة، وبصلاح الآباء والأزواج، وبهذه الدروس التي تتدفق بها المساجد فتملؤها بأسباب الصلاح؛ كانت بهذا صالحة، ومثقفة العقل، عليها دينها وعقلها لا غرائزها وأهواؤها كنبات المدارس الاستعمارية.

صلاح المرأة في الدولة الرستمية بالدين والعلم وإسعادها للزوج والدولة

وكانت المرأة في الدولة الرستمية مثال الصلاح والثقافة والإسعاد لزوجها. يحظى في ظلهن الزوج بكل سعادة وهناء، وتفيض الديار بهن بكل انس وحب، ونعيم وحضارة، ويفتحن بيمنهن واستقامتهن وإخلاصهن وحبهن للزوج والأسرة أبواب البركات، والخيرات، والنجاح في كطل الميادين؛ ويجعلهن الحياة تبسم للزوج كثغورهن الباسمة بالصفاء والمحبة، والأيام تشرق له إشراق وجوههن بالدين.

وكانت المرأة في الدولة الرستمية للأبناء خير أم! أنجبت للدولة بدينها وتربيتها الصحيحة الأجيال القوية التي استطاع بها المغرب أن يرفع رأسه، ويحقق كل آماله في العزة والحرية والسعادة، وستنزل رحمة الله ونعمائه بصلاح المجتمع وطهره وزكائه، بفضل تلك الأم الطاهرة الصالحة المثقفة!

وكان في كل مسجد من مساجد الدولة الرستمية قسم خاص للنساء يفصله عن قسم الرجال جدار مخرم يستر النساء، ولا يحجب عنهن صوت المدرس، وتلاوة الإمام، ولا زالت هذه السيرة الإسلامية الحميدة في مساجد والدي ميزاب بجنوب الجزائر إلى اليوم.

فترى في كل مسجد قسما خاصا للنساء يمتلئ بهن فيس وقت الصلاة، وفي وقت الدروس الحية، في التفسير، والحديث، وفي سيرة الرسول ذ، والخلفاء الراشدين وصلحاء المغرب، وفي الأخلاق، وفي الأمراض الاجتماعية كلها. وترى النساء يتشربن تلك الدروس في حرارة وحماس وانتباه كما تتشرب الزلابية الساخنة العسل من الإناء الذي تغمس فيه، فتراهن والحمد لله حلاوة لأزواجهن، يسعدنهم، وصلاحا وطهرا للمجتمع، وترى الأزواج بصلاحهن، وثقافة عقولهن في نعيم وهناء، وفي طمأنينة وسعادة. لا يحسون بالمرارة والسواد تملأ به قلوب أزواجهن المتفرنجات التعيسات اللائي جردتهن المدارس الاستعمارية ن دينهن وأخلاق الدين، وجعلتهن في تلك المدارس اسفنجة عطشى تغمس في المحبرة!

ليت مغربنا الكبير وهو يتمنى الحياة الهنيئة السعيدة، ويريد أن يكون اكبر دولة إسلامية ترجح بها كفة المسلمين في كل الميادين، يوقن بان ذلك يكون بالمرأة الصالحة المثقفة التي يعمر الدين الإسلامي العظيم جوانب نفسها، ويورثها كل ثقافة وصلاح، ويرث المجتمع منها والدولة كل طهر وقوة، فيرضى عنا الله.

النساء بتلك الدروس الدائمة على نصاعة ونقاء زهور الفل والياسمين التي يباكرها الطل في كل غداة فيزيدها نقاء، وتغاديها النجوم في كل سحر فتغسلها بالندى، وتجعلها خليفتها في رؤوس الشجر في البياض والصفاء، وفي النضارة والنقاء!

قال الشماخي يذكر قسم النساء في مسجد من مساجد جبل نفوسة الذي كان ضمن الدولة الرستمية، ويذكر ولع العلامة الشيخ أبي زكرياء يحيى بن الخير الجناوني بالبحث والاستقصاء والاطلاع. قال الشماخي: " ومما ذكر عن الشيخ أبي زكرياء انه أقام عند أبي الربيع مدة طويلة ) يدرس العلم في المسجد الذي يلقى فيه دروسه العالية، وكان مدرسة للتخصص في العلوم ( ومن عادة نفوسة أن يجعلوا سترا على الصف الأخير في جميع مساجدهم يدخله النساء لسماع العلم والصلاة. فلما أراد الانصراف من عند شيخه وودعه ليرتحل قال: أمهلوني حتى ادخل خلف الستر لأراه لعلي اسأل عنه"1.

--------------------------

1- -السير للشماخي ص 536 .

محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير ج3 ص 337-361

الأستاذ الفاضل الشيخ محمد شحاته أبو الحسن

أنا لا أحابي أحداً في موقفي هذا ، ولكني أقول إن أصحاب هذا المذهب الذي تجنَّى عليه البعض ، أكثر منَّا تسامحاً واستجابة لأمر الله سبحانه بالتآلف ، فقد عشت بين أظهرهم ، أقوم بتدريس مادة التفسير في معهد القضاء الشرعي ما يزيد على اثني عشر عاماً لم أجد ما يكدِّر الصفو ، ولا ما يحملني على قولٍ بعينه دون دليل ، رغم الاختلاف في بعض المسائل ، وكنا أنا وطلابي والعلماء الأجلاء في المذهب نتبع الدليل الأقوىفممن اعترف لهم قديماً عالم المدينة مالك بن أنس ، فإنه قال خطبنا أبو حمزة خطبة حيرت المبصر وردت المرتاب ، وأبو حمزة هو المختار بن عوف الاباضي قائد جيش إمام المسلمين طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي رضوان الله عليهم ، وان أبا حمزة خرج بالجيش إلى مكة فاستفتحها ، ولاقته جموع الأعداء في قديد فمزقهم كل ممزق ، ودخل المدينة واستفتحها ، وخطب أهلها خطبة تناقلتها الألسن والأسفار ، أقام فيها الحجة وأوضح المحجة ، وعلماء القوم يسمعون ، ومن جملتهم مالك ، فما كان له عندهم جواب سوى ما قال مالك المقدم ، ومعنى قوله: " حيرت المبصر " أي: جعلت العالم المتبصر في مذهبه محتاراً ، حيث سمع ما لم يسمعه من الحجة والبرهان ، وقوله: " وردت المرتاب " ، أي: من كان مرتاباً في دينه ردته عنه إلى مذهب أبي حمزة  .

وقد روى المدائني أن أبا حمزة رقي يوما منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا ولا بطرا ولا عبثا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منا، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وضعف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله، وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ أقبلنا من قبائل شتى، النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافا واحدا. قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله وأيدنا بنصره، فأصبحنا والله بنعمة الله إخوانا، ثم لقينا رجالكم بقديد، فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم آل مروان، فشتان لعمر الله ما بين الغي والرشد. ثم أقبلوا نحونا يهرعون يزفون قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب، بكل منهد ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت رحاهم، بضرب يرتاب منه المبطلون، وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، ويشف صدور قوم مؤمنون، ياأهل المدينة أولكم خير أول، وآخركم شر آخر. (((((ياأهل المدينة الناس منا ونحن منهم، إلا مشركا عابد وثن، أو كافر أهل الكتاب، أو إماما جائرا.)))) يا أهل المدينة من زعم أن الله كلف نفسا فوق طاقتها، أو سألها ما لم يؤتها، فهو لله عدو، ولنا حرب. يا أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القوي والضعيف، فجاء تاسع ليس له منها ولا سهم واحد، فأخذها لنفسه، مكابرا محاربا لربه. يا أهل المدينة بلغني أنكم تنقصون أصحابي؛ قلتم: شباب أحداث، وأعراب جفاة. ويحكم! يا أهل المدينة وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا أحداثا؟! شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا لله أنفسا تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالمهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا؛ خوفا من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا؛ شوقا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد انتضيت، وإلى الرماح قد شرعت، وإلى السهام قد فوقت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا وعيد الكتيبة لوعيد الله، ولم يستخفوا وعيد الله لوعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب، فكم من عين في منقار طائر طالما فاضت في جوف الليل من خوف الله تعالى، وكم من يد زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها في طاعة الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله من تقصيرنا، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

رسالة بعنوان (بيان للناس ) لم تزل بخط المؤلف لم تطبع ص 4 ، ومنقول نص الرسالة من كتاب (الحق الدامغ) لسماحة الشيخ احمد بن حمد الخليلي .

الإباضية بوادي مزاب

كان وادي مزاب قبل استيطان الاباضية له آهلا بالسكان المعتزلة الواصليين ومن سبقهم يسكنون القرى المندرسة منها مدينة الصوف (أغرم نتلزضيت) في العطف. وكان يسكن بالعطف فريق من المعتزلة ومن أشهر علمائهم بها سليمان بن عبد الجبار وقبره مشهور بها ومقبرة الواصليين مشهورة بها كذلك وهي على حالها إلى يومنا هذا.


وقد ذكر علماء السير إن الإمام محمد بن أبي بكر الريفي المتوفى سنة 440 هـ لما جاء من وارجلان موفدا من الرجال الاباضية بها إلى وادي ميزاب نزل بتلامذته مدينة العطف ووجد فيها السكان الواصليين فبنى مسجده سنة 422 هجرية ولا يزال معروفا قائما في العطف إلى يومنا هذا فباشر فيه مهمته التي جاء من اجلها وهي الدعوة إلى المذهب الاباضي والى سير العزابة ونظمها التي يرجع الفضل إليها في بقاء طهارة البيئة وبقاء الدين الإسلامي بجوهره الخالص في هذه الربوع.

اشتهر ابتداء عمرانه وتمدنه وازدهاره بالنشاط العلمي والفكري منذ القرن الثاني الهجري حيث اصبح مهجرا وملاذا للاباضية في نمو وازدياد كلما نالهم حيف أو اضطهاد في قطر آخر وكانت تجاور وادي ميزاب أقطار حالفة بالآهلين كوادي اريغ ووارجلان وهما أقوى عمرانا وأوفر خيرات واكبر عددا غير انهما لم يقويا على صد الغارات التي كانت الحكومات المتوالية على الأقطار المجاورة لهما والقبائل المحيطة بهما تشنها عليهما في تلك العصور المملوءة ظلما وطغيانا وجهلا فكان مآلهما المهاجر إلى وادي ميزاب حيث يجدون فيه شيئا من الآمن والمنعة فاتخذوه مقرا مع النازحين إليه من تيهرت وما يتبعها من البلدان وقد نص على ما ذكره الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش رحمه الله في مجلته القاهرية المنهاج صفحة 157.


كما هاجر إليه كثير من سجلماسة بعد انقراض دولة بني مدرار من الأقطار الأخرى من المغرب الأقصى ومن جربة وجبل نفوسة وغيرها وجلهم قبائل بربرية وفيهم الكثير من العرب.
حتى صار لمجموع الامة بوادي ميزاب وحدة قومية ووحدة سياسية على رغم قحولته واشتداد المحل فيه إذا كان الأمن والراحة فيه اكثر من سواه وهما أنشودة الإنسان بل مطمح كل حيوان وكانت لهم به مؤاخاة دينية وميزة خاصة نظامية تكاد تكون منفردة عن كل ما كان مرتبطا به من الشعوب منذ أواخر القرن الثالث الهجري عند انقراض إمامة الرستميين بشمال إفريقيا كما كانت لهم وحدة لغوية تواضع عليها بربرهم وعربهم بحكم المصاهرة والمساكنة والعلاقة المذهبية.


فبنوا على غرار القرى والمدن المندرسة المدن السبع الحالية أقدمها العطف سنة 402 هـ ثم مليكة ثم غرداية ثم بني يزقن ثم بنورره وهذه متقاربة النشأة وأما القرارة عمرت سنة 1040 هـ وبريان سنة 1070 هـ.

قد كونوا في هذه المراكز من الوادي حضارة وعمرانا بعدما كانت من قبل قاعا صفصفا لم يقو على إنعاش الحياة فيه ساكنوه واختاروها سكنا ووطنا لهم في قلب الصحراء ليكونوا في حصانة من دينهم آمنين من كل هجوم أو اعتداء يجاهدون جهاد صابرا ثقيلا في سبيل العيش بها قانعين بفقر المادة وبقوة الإيمان والحصانة الدينية والأخلاقية.


وجد في بعض مخطوطات قطب الأئمة الشيخ اطفيش الحاج محمد بن يوسف أن أول من وصل من المشائخ الاباضية بوادي ميزاب هو الشيخ بابعيسى العلواني نازحا إليه من الساقية الحمراء بالمغرب.


-----------------------------------------

"*" راجع كتاب الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الرابعة للشيخ على يحيى معمر

"*" راجع كتاب دور الميزابيين في التاريخ الجزائر قديما وحديثا لللأستاذ حمو محمد عيسى النوري
عن وادي ميزاب / قوة العزَّابة

الإباضية بين الفرق الإسلامية

الفرق بين الاباضية والخوارج

c 7

 

تحميل كتاب الإباضية بين الفرق الإسلامية PDF

الفصل الأول : الإباضية .

الفصل الثاني : الخوارج .

الفصل الثالث : الخوارج في نظر الإباضية .
الفصل الرابع : رأي المخالفين في الإباضية .
الفصل الخامس : الفرق بين الإباضية والخوارج في العقائد .
الفصل السادس : ملخص للبحث .
الفصل السابع : مصادر الإباضية .
وخاتمة البحث
والمراجع
والفهارس

الفصل الأول : الإباضية .

أولا ) : ظهورها وأسباب التسمية بهذا الاسم :

ظهر المذهب الإباضي , في القرن الأول الهجري في البصرة . فهو من أقدم المذاهب على الإطلاق . والتسمية كما هو مشهور عند المذهب , جاءت من طرف الأمويين ونسبوه إلى عبدالله بن إباض وهو تابعي عاصر معاوية وتوفي في أواخر أيام عبدالملك بن مروان , وعلة التسمية تعود إلى المواقف الكلامية والجدالية والسياسية التي اشتهر بها عبدالله بن اباض في تلك الفترة .

ثانيا ) : شخصية جابر بن زيد :

يرجع المذهب الإباضي في نشأته وتأسيسه إلى التابعي الجليل جابر بن زيد الذي أرسى قواعده الفقهية وأصوله . فهو إمام متحدث فقيه , وتبحر بعمق في الفقه , وأمضى بقية حياته بين البصرة والمدينة بشكل جعله على صلة بأكبر فقهاء المسلمين حينذاك . وقد روى عن ابن عباس قال للناس : اسألوا جابر بن زيد فلو سأله المشرق والمغرب لوسعهم علمه . وقد أصبح أعظم فقيه في البصرة , وله أتباع عديدون كعبدالله بن اباض ومرداس بن حيدر وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة .

ثالثا ) : شخصية أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة :

ولقد اكتملت صورة المذهب الاباضي على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة , المتوفى في خلافة أبي جعفر المنصور وإليه انتهت رئاسة الإباضية بعد موت جابر بن زيد . وبإشارته أسس الإباضية في كل من المغرب وحضرموت دولا مستقلة وخرج على يديه رجال الفكر والدين من مختلف الدول الإسلامية آنذاك عرفوا " بحملة العلم " . ولقد أفلح عبدالرحمن بن رستم في تأسيس الدولة الإباضية بتهارت فهو تلميذ من تلاميذ أبي عبيدة وأحد حملة العلم .

رابعا ) : شخصية عبدالله بن اباض :

هو عبدالله بن اباض التميمي ولد زمن معاوية ( 40 ـ 60 هـ ) وتوفي في آخر حياة عبدالملك بن مروان . ويعد من أتباع جابر بن زيد الذي توفي سنة 93 هـ . وقد اهتم بالجوانب السياسية والكلامية والعسكرية والتنظيم والتخطيط لتكوين دولة إسلامية معتمدة على الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين .
وقد اشتهر بالرسالة التي أرسلها إلى عبدالملك بن مروان الأموي ( 65 ـ 86 هـ ) يبين فيها آراءه وعقائده بكل وضوح .


الفصل الثاني : الخوارج .

أولا ) : مدلول كلمة الخوارج :

• يطلق بعض المؤرخين كلمة الخوارج " على أولئك الذين اعتزلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عندما قبل التحكيم ورضي به , لأنهم في نظر هؤلاء نقضوا بيعة في أعناقهم , وخرجوا من إمامة مشروعة " .
• ويطلقها فريق من المتكلمين في أصول العقائد والديانات " وهم يقصدون بها الخروج من الدين , استنادا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : أن ناسا من أمي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية . وورد حديث بروايات متعددة وألفاظ مختلفة " .
• أما الفريق الثالث " فيطلقها ويقصد بها الجهاد في سبيل الله , استنادا لقوله تعالى :
( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله , ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ).

ثانيا ) الثورات في فجر الإسلام :

لكي نوضح موقف هؤلاء القوم ـ الخوارج ـ يجب أن نستعرض حركة الثورات منذ فجر الإسلام ونضع صورته الواضحة بين أيدينا لتصح المقارنة ويكون الاستنتاج أقرب إلى الحق , وأدنى إلى الدقة .
• بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايع الناس أبي بكر الصديق رضي الله عته , وبعد البيعة مباشرة وقعت أول ثورة في الإسلام " هي حركة المرتدين " .
• واستقرت الأمور بعد الانتهاء من الثورة الأولى طيلة خلافة أبي بكر وعمر , وتولى عثمان الخلافة , فسارت الأمور ست سنوات كاملة سيرتها في زمن الخليفتين السابقين , فقد أصبح نقد أعمال الخليفة يجري في كثير من المجتمعات ولم تتم ست سنوات أخرى حتى كانت الثورة الجامحة التي ذهبت بحياة عثمان بين سمع ويصر كثير من الصحابة وكانت هذه الثورة الثانية .
• وبايع المسلمون عليا بن أبي طالب أميرا للمؤمنين , وكان أول من بايع : طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام , ولكن ما كادت تتم البيعة حتى كان طلحة والزبير يحملان لواء الثورة مع جماعة من كبار الصحابة وقد استظهروا بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها , فذهب فيمن ذهب وكانت هذه الثورة الثالثة في الإسلام .
• أما معاوية أظهر أنه يطالب بدم عثمان , وجهز علي بن أبي طالب جيشه القوي , وسار به نحو الشام حيث التقى بالجند الثائر في الموضع المعروف صفين وبدأت المعركة ولم يبق للقضاء على هذه الثورة الجامحة إلا لحظات , والتجأ الثائرون إلى الحيلة والخدعة ولجأوا إلى المكر والمكيدة , فرفعوا المصاحف وهم يصيحون يا أهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله وكانت هذه الثورة الرابعة .
• طلب الثائرون هدنة , ودعوا الخليفة الشرعي وجيشه إلى تحكيم حكمين . وقد فطن أمير المؤمنين وبعض من جيشه إلى هذه الخدعة , وعرفوا القصد من الهدنة , ورضي بالتحكيم وقبل الهدنة وأمر بإيقاف القتال في الحال . حين فعل ذلك , تداعى أولئك الذين لم يرتضوا التحكيم , وحذروا عليا قبوله , وهم يرون أن معاوية باغ لا حق له , وأن بيعة علي قد انفسخت بموافقته على الهدنة ورضائه بالتحكيم , فلم تبق لأحد في أعناقهم بيعة , وركنوا إلى موقع يسمى حروراء فانعزلوا فيه ينتظرون تجدد الحوادث وهذا الانعزال عن جيش علي الثورة الخامسة .
• وبعد إعلان أبو موسى الأشعري مندوب علي : عزل علي من الخلافة وترك الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤون .
وبهذه الخطوة أصبحت الأمة الإسلامية منقسمة إلى ثلاث دول :
1) دولة يرأسها معاوية وإن لم يبايعه عليها أحد إلى ذلك الحين .
2) دولة يرأسها علي بن أبي طالب بعد أن فشلت في نظره حكومة الحكمين , وعاد فاستمسك بالبيعة الأولى دون أن يعترف بعزل أبي موسى الأشعري له مندوبه في قضية التحكيم .
3) دولة يرأسها عبدالله بن وهب الراسبي , بعد أن بايعه جمع كبير من الذين انفصلوا عن علي عند قبول التحكيم ثم عند إعلان الحكم بعزل علي عن الخلافة , ومع كل فرقة من هذه الفرق جمع غير قليل من كبار الصحابة , وفيهم بعض المشهود لهم بالجنة أمثال حرقوص بن زهير السعدي .

ثالثا ) : المدلول البعيد لكلمة الخوارج :

إن عددا من الثورات وقع منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى انتهاء خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأي هذه الثورات يحق أن يطلق على القائمين بها لقب الخوارج مع ملاحظة الخروج عن الخلافة الشرعية والمروق عن الدين ؟
أقسم هذه الثورات إلى ثلاثة أقسام :
• القسم الأول : ثورة ليس لها تعليل ولا أسباب غير عدم تمكن الإسلام في قلوب القائمين بها , وعدم إيمانهم الإيمان الصحيح بتكامل الرسالة المحمدية , ويتجلى هذا في الثورة الأولى " التي ارتد فيها فريق , وامتنع فريق آخر عن أداء الزكاة " .
• القسم الثاني : ليس لها أسباب ظاهرة معقولة أما أسبابها الحقيقية الخفية , فهي النزاع على مناصب الدولة , من خلافة أو عمالة , ويتمثل في الثورة الثالثة التي قام بها طلحة والزبير رضي الله عنهم وفي الثورة الرابعة التي قام بها معاوية .
• القسم الثالث : ثورة أسندت إلى أسباب ظاهرة يتراءى للناظر أنها معقولة , وتمثل ذلك في الثورة الثانية التي قتل بها عثمان رضي الله عنه , وفي الثورة الخامسة التي اعتزل فيها جماعة من جيش علي بعد التحكيم , وعزل أبي موسى الأشعري له .


رابعا ) : المدلول السياسي لكلمة الخوارج :

لو كان لمقصود من كلمة الخوارج , هو الخروج السياسي عن خليفة تمت له البيعة الشرعية , لكان إطلاق هذه الكلمة على طلحة أو على معاوية وأتباعه , أو على الثائرين على عثمان أظهر وأوضح .
أما إذا لوحظ المعنى السياسي مع المعنى الديني فإنه لا يمكن إطلاق هذه الكلمة عليهم , كما أنه من العسير إطلاقها على المعتزلين لعلي رضي الله عنه .
والسبب في هذا العسر أن هؤلاء الثائرين سواء كانوا من القسم الثاني أو من القسم الثالث إنما ثاروا غير منكرين لأصل من أصول الإسلام , ولا مكذبين بمعلوم من الدين بالضرورة , ومع كل طائفة منهم فريق من كبار الصحابة , فيهم بعض المشهود لهم بالجنة .
الفصل الثالث : الخوارج في نظر الإباضية .

يقول العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني :
وزلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حين تأولوا قول الله في ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) . فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها . وأما المارقة فقد زعموا أن من عصى الله تعالى ولو في صغير من الذنوب أو كبير أشرك بالله العظيم , وتأولوا قول الله عز وجل ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) .
فقضوا بالاسم على جميع من عصى الله عز وجل أنه مشرك , وعقبوا بالأحكام , فاستحلوا قتل الرجال , وأخذ الأموال والسبي للعيال , فحسبهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن ناسا من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فتنظر في النصل فلا ترى شيئا , وتنظر في القدح فلا ترى شيئا , وتتمارى في الفوق ) .
فليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أشبه شئ بهذه الرواية منهم , لأنهم عكسوا الشريعة , قلبوها ظهر البطن , وبدلوا الأسماء والأحكام , لأن المسلمين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يعصون ولا تجري عليهم أحكام المشركين , فليت شعري فيمن نزلت الحدود في المسلمين أو في المشركين ؟ فأبطلوا الرجم والجلد والقطع . كأنهم ليسوا من أمة أحمد عليه الصلاة والسلام . انتهى

يرى الإباضية أن إطلاق كلمة الخوارج على فرقة من فرق الإسلام لا يلاحظ فيه المعنى السياسي والثوري , سواء كانت هذه الثورة لأسباب شرعية عندهم أو أسباب غير شرعية , ولذلك فهم لم يطلقوا هذه الكلمة على قتلة عثمان , ولا على طلحة وابن الزبير وأتباعهما , ولا على معاوية وجيشه , ولا عل ابن فندين والذين أنكروا معه إمامة عبد الوهاب الرستمي وإنما كل ما يلاحظونه إنما هو المعنى الديني الذي يتضمنه حديث المروق والخروج عن الإسلام يكون :
إما بإنكار الثابت القطعي من أحكامه .
أو بالعمل بما يخالف المقطوع به من نصوص أحكام الإسلام ديانة , فيكون هذا العمل في قوة الإنكار والرد .
وأقرب الفرق الإسلامية إلى هذا هم الأزارقة ومن ذهب من مذهبهم ممن يستحل دماء المسلمين وأموالهم , وسبى نسائهم وأطفالهم .

تحليل النصوص :

• إن النصوص التي كتبها علي يحي معمر حول موضوع الخوارج والإباضية , قد تميزت بالعمق الفكري والمنهجية العلمية , فلقد اعتمد فيها على التالي :
1) الاستقراء .
2) القياس التاريخي شارحا ومبينا وناقدا , مدلول كلمة الخوارج من حيث مضمونها الديني والسياسي , وتطورها التاريخي مستعينا في ذلك بالوقائع التاريخية وحقائقها , من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ظهور الثورة الخامسة التي رفضت مؤامرة التحكيم .

فتوصل إلى النتيجة الحتمية التي تفرض بداهتها على كل منصف وباحث نزيه يريد الحقيقة العلمية , أن مدلول كلمة الخوارج لا تنطبق على أنصار الثورة الخامسة سواء من الجانب الديني أو السياسي , وهذا الاستنتاج شبيه بالاستنتاج الرياضي التي تلزم فيه النتائج عن المبادئ العقلية اضطرارا بالضرورة وإلا وقعنا في تناقض .
وهذا الاستدلال المنطقي واقع على الحدس العقلي الواضح الذي لا يمكن أن يغلط فيه الإنسان كمبادئ العقل التي تفرض نفسها فرضا . وإذا رفضناها وقعنا في تناقض مع قوانين المنطق وحقائق التاريخ .

• أما العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني , قد جعل حدا فاصلا بين الدلالتين المتناقضتين من حيث العقيدة :
1) الحد الأول : إن الأزارقة أثبتوا وأقروا الشرك للمسلمين العصاة واستحلوا دماءهم وأموالهم وهذا الأصل عندهم يخالف أحكام الإسلام . فخرجوا على الإسلام فهو خروج بالعقيدة والعمل .
2) الحد الثاني : فهم الإباضية لا يستحلون دماء وأموال عصاة المسلمين وأن كبائرهم كالزنا وشرب الخمر , لا تخرجهم من ملة الإسلام فهم موحدون يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .

وكثيرا ما نقرأ ونسمع ما يبذله بعض المذاهب في إلصاق الإباضية بالخوارج وذلك لا لشيء إلا لقصد التشنيع عليهم وإظهارهم بالفساد والمروق من الدين بل إنهم عندما يذكرون الخوارج يقولون : " الإباضية حاليا " .
ولكن ما الذي يدل على أنه لا ينبغي وصف الإباضية بأنهم الخوارج ؟
الجواب :
1) إذا نظرنا إلى التعريفات التي أوردها أصحاب المقالات للخوارج مثل الشهرستاني والأشعري نجدها عامة تنطبق عل الكثيرين من أصحاب الفتنة وغيرهم .
2) إذا كانوا يصفون الإباضية بأنهم خوارج لتأييدهم المحكمة ويعتبرون خروج المحكمة مروق من الدين فكيف يكون خروج المحكمة عن علي ـ كرم الله وجهه ـ مروق من الدين وخروج معاوية وأتباعه ولعن علي على المنابر ليس مروقا من الدين ؟!!
3) إن اسم الخوارج يطلق على الفرق التي مرقت من الدين لحكمهم على المسلمين بأحكام المشركين...
4) إن الحجة التي يحتجون بها على إن الإباضية من الخوارج هي كون الإباضية يتفقون مع الخوارج في بعض النقاط القليلة .


فبعد هذا العرض والبيان الواضح يتبين لنا بكل جلاء أن الإباضية ليسوا من الخوارج .

الفصل الرابع : رأي المخالفين بالإباضية .


وفي هذا الفصل أقسم المخالفين إلى قسمين :
أولا ) : كتاب المقالات ( من علماء الفرق ) مع الإباضية :

1) الإباضية عند الأشعري :
يقول أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة 330 هـ في كتابه ( مقالات الإسلاميين ) صفحة 171 من الجزء الأول ما يلي :
{ ومن الخوارج الإباضية :
فالفرقة الأولى منهم يقال لهم الحفصية كان إمامهم حفص بن أبي المقدام , زعم أن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده , فمن عرف الله سبحانه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار أو عمل بجميع الخبائث من قتل النفس , واستحلال الزنى , وسائر ما حرم الله من فروج النساء , فهو كافر بريء من الشرك } .
واستمر الأشعري يذكر أمثال هذه الشنائع لهذه الفرقة ثم قال :
{ والفرقة الثانية مهم يسمون باليزيدية , كان إمامهم يزيد بن أنيسة } ثم ذكر آراء هذه الفرقة وشنائعها , ومنها { وزعم أن الله سبحانه سيبعث رسولا في العجم , وينزل عليه كتابا من السماء يكتب في السماء وينزل عليه جملة واحدة } ويقول بعد أسطر : { وتولى ـ أبي يزيد هذا ـ من شهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة من أهل الكتاب , وإن لم يدخلوا في دينه , ولم يعملوا بشريعته , وزعم أنهم بذلك مؤمنون } .
ثم يقول :
{ والفرقة الثالثة من الإباضية أصحاب حارث الإباضي , قالوا في القدر بقول المعتزلة , وخالفوا فيه سائر الإباضية } .
وبعد أن يذكر لهم جملة من التشنيعات يقول :
{ والفرقة الرابعة منهم , يقولون بطاعة لا يراد الله بها , على مذهب أبي الهذيل , ومعنى ذلك أن الإنسان قد يكون مطيعا لله , إذا فعل شيئا أمره الله به , وإن لم يقصد الله بذلك الفعل , ولا أراده به } .
هكذا بدا أبو الحسن الأشعري حديثه عن الإباضية , فبمجرد ما ذكرهم بدأ في تقسيمهم إلى فرق , وجعل ينسب إلى كل فرقة جملة من الآراء والأقوال .

الرد على ما ذكره الأشعري في كتابه :

(( عند الرجوع إلى كتب الإباضية التي ألفت في عصر أبي الحسن الأشعري , والتي ألفت قبله والتي ألفت بعده , فإن القارئ لن يجد فيها شيئا عن هذه الفرق , ولا عن أسمائها ولا عن آرائها ولا عن أئمتها . وخذ ما شئت من كتب السير والتراجم عند الإباضية , التي تتقصى أخبار أئمتها وعلمائها ومشائخها , فإنك لن تجد ولا إشارة عابرة إلى أولئك الأئمة الذين ذكرهم الأشعري واعتبرهم أئمة لفرق كاملة من الإباضية .
واقرأ ما شئت في كتب العقائد عند الإباضية , فإنك لن تجد ذكرا لهذه الفرق ولا لآرائها , وكل ما نستطيع أن نعتذر به عن إيراد أبي الحسن , لهذه التفاصيل أنه وقع فريسة لبعض المشنعين , فكان يتلقى مقالات الفرق عن ناس يثق بهم , ولكنهم ليسوا في المحل الذي يراه لهم ويضعهم فيه من الثقة والصدق . سواء كان نقله عنهم عن طريق الرواية والسماع , أو عن طريق القراءة والإطلاع في كتب مدونة . فهو يشير إلى أي ذلك على كل حال .
ويكفي فيما أعتقد لنفي أن يكون ما قاله الأشعري عن الإباضية صحيحا جهلهم به , وعدم ذكرهم لأي شئ منه في مراجعهم العامة والخاصة المكتوبة والمتحدثة .
وفي عصر أبي الحسن الأشعري كان الإباضية وعلماؤهم منتشرين في جميع ما يسمى اليوم بالبلاد العربية : كالحجاز والعراق والشام وجنوب الجزيرة ومصر . بل إنهم كادوا يكونون أغلب السكان في المغربين الإسلاميين الأدنى والأوسط , ويوجد لهم عدد من كبار العلماء ـ حينئذ ـ في كل الحواضر الإسلامية كمكة والمدينة والبصرة وعمان وحضرموت واليمن ومصر وبلدان الشمال الأفريقي .
ومع هذا فإن أبا حسن لم يذكر أحدا من أئمة الإباضية كجابر بن زيد وجعفر بن السماك العبدي , وأبي سفيان قنبر , وصحار العبدي وأمثالهم من أئمتهم في النصف الثاني من القرن الأول ولا ذكر شيئا من أقوالهم .
ولم يذكر أحدا من أئمتهم في النصف الأول من القرن الثاني أمثال أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة , وضمام بن السائب , وأبي نوح صالح الدهان , وغيرهم كثر من علماء النصف الثاني من القرن الثاني , وعلماء النصف الأول من القرن الثالث , وعلماء النصف الثاني من القرن الثالث وإلى عصره من علماء المذهب الإباضي .
فهو إما أنه لا يعرفهم ولا يعرف شيئا من مقالاتهم , وإما أنه يعرفهم أو يعرف بعضهم على الأقل ويعرف مقالاتهم , ولكنه لا يجد فيها شيئا يستدعي النقد والتعليق أو حتى مجرد العرض . فلم يتحدث عنهم وعن مقالاتهم لا بخير ولا بشر .
فترك الإباضية الحقيقيين برجالهم ومقالاتهم , وألقيت بين يديه مقالات وأسماء لفرق مجهولة عند الإباضية كل الجهل , وأقوالها تناقض ما عند الإباضية كل المناقضة , فزعمت المصادر التي استقى منها أن هذه الفرق والمقالات للإباضية باعتبارهم إباضية أو منهم , والإباضية منهم براء بعداء ليسوا أقرب إليها من أبي الحسن نفسه .
فكيف وقع أبو الحسن في هذا الخطأ الشنيع , مع أنه من أوائل من انتبه إلى أسباب الزيف عند كتاب المقالات ومن أوائل من شرح الطرق التي يصل منها الخطأ إلى من يكتبون عن الفرق ومقالاتها ومذاهبها , ومن أوائل من حذر من الوقوع فيها ؟!! .

3) الإباضية عند البغدادي :
يقول عبد القهار بن طاهر البغدادي المتوفى سنة 429 هـ في كتابه الفَرق بين الفِرق صفحة 103 ما يلي :
{ أجمعت الإباضية على القول بإمامة عبدالله بن إباض , وافترقت فيما بينها فرقا , يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة ـ يعنون مخالفيهم من هذه الأمة ـ براء من الشرك والإيمان . وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار , وأجازوا شهادتهم , , وحرموا دماءهم في السر واستحلوها في العلانية , وصححوا مناكحتهم والتوارث منهم , وزعموا أنهم في ذلك محاربون لله ولرسوله لا يدينون دين الحق , وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض والذي استحلوه الخيل والسلاح , فأما الذهب والفضة فإنهم يردونها على أصحابها عند الغنيمة .
ثم افترقت الإباضية فيما بينها أربع فرق وهي : الحفصية والحارثية واليزيدية , وأصحاب طاعة لا يراد الله بها } .
وغير ذلك كثير وذهب يورد الفضائح أو الشنائع حينا بدعوى أنها مقالة الإباضية جميعا وحينا آخر بدعوى أنها قول بعضهم أو قوم منهم .


الرد على ما ذكره البغدادي في كتابه :

إن البغدادي كان يعيش في القرنين الرابع والخامس , وفي هذا العصر كان الإباضية قد عرفوا في أغلب البلاد الإسلامية من خراسان إلى الأندلس واشتهرت لهم مؤلفات في أغلب فروع الثقافة الإسلامية ـ لا سيما علم الكلام ـ ودونت تواريخهم وسيرهم وعرف علماؤهم وأئمتهم في طبقات يأخذ بعضها عن بعض , إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , كما أن أكثر المذاهب الإسلامية قد تميز بعضها عن بعض في أصولها وفروعها , وآرائها ومقالاتها وأئمتها وعلمائها ,
ومع ذلك فإن أولئك الذين ذكرهم البغدادي هم أولئك الذين ذكرهم الأشعري من قبله حاشرين إياهم في الإباضية والإباضية لا يعرفون عنهم شيئا ولم يذكروهم لا في كتبهم ولا في طبقات علمائهم .

والذين جاؤوا من بعدهم قاموا يستقوا من ماء الأشعري والبغدادي القدماء منهم أو المعاصرين فكلهم أخذوا بقول الأشعري .

ثانيا ) الباحثين مع الإباضية :
1) الأصول التاريخية للفرقة الإباضية بقلم الدكتور عوض محمد خليفات , الجامعة الأردنية , عمَّان ـ الأردن :
بعد أن ذكر الدكتور في بداية حديثه تاريخ الإباضية , ومؤسسي المذهب وأماكن انتشاره ومبادئ المذهب الإباضي ذكر ما يلي :
{ وهكذا فإن جهود مشايخ الأباضية وحملة العلم وتنظيماتهم السرية الدقيقة خلال القرنين الأول والثاني الهجريين , قد أثمرت تأسيس دول إباضية مستقلة في الجزر العربية وبلاد المغرب , كان لها دورا هام ومجيد في التاريخ الإسلامي .
وفي ظل هذه الدول قام الأباضيون بجهود مشكورة في نشر الإسلام في أماكن كثيرة , وكان لهم فضل كبير في هذا الشأن في كل من أفريقية الشرقية وأفريقية السوداء جنوب الصحراء , وبعض مناطق الشرق الأقصى .
كما قام الإباضيون بجهود كبيرة في سبيل إثراء المكتبة الإسلامية بالمؤلفات الكثيرة المتنوعة التي تتناول مختلف جوانب الفكر الإسلامي . ويمكن للباحث المطلع على هذه المؤلفات أن يسجل الملاحظات التالية حول بعض الأمور التي لا تزال محل نقاش وجدل بين الباحثين والمفكرين :
1ـ أن الإباضية ليسوا خوارج كما تزعم بعض كتب المقالات والملل والنحل وكما يدعي بعض الكتاب المحدثين الذين قلدوا هذه المؤلفات دون تدقيق وتمحيص . الواقع أن الإباضية لا يجمعهم بالخوارج سوى إنكار التحكيم .
2ـ أن الإباضية حرموا قتل الموحدين واستحلال دمائهم وحرموا استعراض الناس وامتحانهم كما فعل متطرفو الخوارج مثل الأزارقة والنجدية .
3ـ أن الإباضيين ينظرون إلى الدين نظرة واحدة متكاملة لا فصل فيها بين المظاهر الروحية والمادية ولا طغيان لأحدهما على الأخرى . وتبعا لذلك فقد أنكروا التصوف ورفضوه .

4ـ إن المدقق في المصادر الفقهية الإباضية يجد أصحاب المذهب الإباضي من أكثر المسلمين إتباعا للسنة الشريفة والإقتداء بها . أما ما تلصقه بهم بعض المصادر من تهم فإنما هو ناتج أمرين : الجهل والتعصب .
5ـ إنهم وحدهم الذين طبقوا مبدأ الشورى في الحكم بعد الخليفتين أبي بكر وعمر . }

وختم الدكتور كتابه بنصيحة سأذكرها في آخر بحثي .

2) براءة الاباضية , بقلم الأستاذ فهمي هويدي , كاتب مصري , صحفي , شهير باهتماماته الإسلامية :
ذكر الأستاذ فهمي الكثير من الحقائق التي وقعت على الإباضية من تهم , ثم ذكر مؤتمر الفقه الإسلامي الذي انعقد في سلطنة عمان , ومما قال :
{ هذه عناوين هامة , أرشحها لصدارة أحداث العالم الإسلامي في سنة 1988مـ :
• دعا مؤتمر الفقه في عُمان إلى فض الاشتباك بين مختلف المذاهب الإسلامية .
• طالب ممثلوا فقهاء الأمة بتجميد صراعات القرن الأول وإغلاق ملفات الفتن والأحزان التي شهدتها تلك المرحلة .
• أوصوا بمداومة اللقاء بين فقهاء المذاهب الإسلامية بعيدا عن المنافسات المذهبية العصبية .
• حثوا أهل العلم عن دراسة المسائل المختلف عليها في فقه المذاهب الثمانية وتحقيق أدلتها والترجيح بينها , دون التزام بمذهب معين . }

3) فلسفة الخوارج , بقلم الشهيد سيد قطب , الشهاب ( المصرية ) , غرة جمادي الأولى 1367 ـ مارس 1948 :
بعد أن ذكر سيد قطب نبذة عن الخوارج , ذكر فرق الخوارج ومن ضمنها الإباضية ثم قال:
{ وقد انقرضت هذه الفرق جميعا إلا الإباضية فبقيتهم " بشمال أفريقية بالجزائر وتونس وفي شرقها بجزيرة مسقط وما إليها " ومن علمائهم الأجلاء صديقنا الشيخ إبراهيم إطفيش ولهم كتب متداولة وهم ينكرون على غيرهم أن يطلق عليهم اسم الخوارج , ويقولون نحن فئة من المسلمين لنا أرؤنا وما ذهبنا إليه مع إيماننا بالله ورسوله وكتابه فما بالكم تفردوننا بهذا الوصف وتخصونا به وهو اعتراض له وجاهته , ولئن كان لهذه التسمية ما يبروها في الماضي فما أحوجنا أن نتناساها اليوم والمسلم أخو المسلم } .

4) مسند الإمام الربيع بن حبيب , بقلم الشيخ عز الدين التنوخي , من علماء الحديث البارزين , عضو في المجلس العلمي السوري :
{ وما آثرت تخريج أحاديث المسند والشرح , ولا سيما ما رواه الشيخان إلا لتطمئن قلوب إخواني أبناء السنة بأن مسند الربيع الذي بني عليه المذهب الإباضي هو صحيح الأحاديث , وأكثرها مما جاء في الصحيحين , وجابر بن زيد ممن روى عنهم البخاري وغيره لكيلا يقع فيما وقع فيه خصوم الإباضية أو من لم يعرف حقيقة مذهبهم... } .
حتى قال : { هذا , وما كان أهل عمان أقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة إلا لأن مذهبهم كما أطلعت عليه مبني على السنة وتقديم العمل على الحديث لا على الفقه والمذهب , عملا بما جرى عليه إمامهم جابر بن زيد الذي عمل بنصيحة شيخه عبدالله بن عمر الذي روى عنه .
فقد جاء في (( الحجة البالغة )) أن ابن عمر رضي الله عنه قال لجابر بن زيد : (( إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية , فانك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت )) . ولذلك نعتقد ونقول : إن المعقول ومن القلب المقبول أن لا نهتدي إلا بقوله تعالى : (( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول )) } .

5) الإباضية مذهب وسلوك , بقلم الشيخ السيد عبد الحافظ عبد ربه , من علماء الأزهر المرموقين :
{ والإباضية دائما تهيئ المسلم بأن يكون مع الله في معاملاته وعباداته , في الجامع وفي الشارع , في الحق والمصنع , في المتجر والمعمل , في المعهد والمدرسة والجامعة ـ وحده أو مع الناس ـ في كل حركاته وسكناته... تدعوا إلى مجتمع نظيف شريف , نزيه عفيف يكره الفوضى والديماجوجية , تسوده المحبة ويظله التراحم , يمقت الغش , ويثور على الرشوة , ويجرم المحتكر , ويحاكم المتجر المتحكم في أقوات الناس وفي ضرورياتهم . الإباضية هي كل هذا وأكثر من هذا .. } .
ثم ذكر أسباب عداوة الإباضية قائلا :
{ عادوها لأنها تجهر بكلمة الحق وتنطق بالصواب ولا تحب الجهر يالسوء من القول ..
عادوها لأنها تريد أن تطبق شرع الله وتحقق المفاهيم الإسلامية الصحيحة ..
عادوها لأنها تعالج كل الأمور بموضوعية صادقة بعيدا عن التهرج والهوى ..
عادوها لأنها تعمل جاهدة على تأكيد العدل والتبشير به بقدر ما تحارب الظلم والظالمين... }
وفي آخر كتابه قال :
{ ولقد كانت الإمامة في المذهب ـ على مستوى العالم الإباضي كله من مشرقه إلى مغربه ومن شماله إلى جنوبه ـ تقوم مقام الخلافة في صدر الإسلام والعصور التالية في الإجراءات والمضمون وفي جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم , وتقوية جهاتهم الداخلية والخارجية , يصدرون عنها , ويقيسون عليها , ويعيشون في رحابها , ويمارسون من خلالها شئون الدنيا والدين...
وكان الإمام على الحقيقة هو الخليفة الراشد...
وما زالت هذه الخلافة أو الإمامة تنتقل من عصر إلى عصر بدءا بجابر بن زيد حتى ألقت بمقاليدها اليوم طائعة مختارة ـ عن طريق العلماء الأفاضل والزعماء المصلحين والأمراء النابهين من أهل الحل والربط ـ إلى الإمام الجليل والعالم الفذ , والعبقري النابغة ورجل المواقف والمكرمات غالب بن علي بن هلال الهنائي , الذي حورب واضطهد , وضيق عليه , وامتحن إلا أنه صبر وصابر , ورابط وثابر في سبيل عقيدته , ومن أجل دعوته وإمامته , شد الله أزره وقوى ظهره...


الفصل الخامس : الفرق بين الإباضية والخوارج في العقائد .


الخوارج :
(1) اعتبروا أنفسهم المسلمين المؤمنين المستخلفين في الأرض واعتبروا أعدائهم مشركين .
(2) أباحوا دماء المسلمين في السر والعلانية .

الإباضية :
قال أبو حمزة الشاري : " الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة : مشركا بالله عابد وثن , أو كافرا من أهل الكتاب , أو متسلطا في الأرض يحكم في عباد الله بغير ما أنزل الله "
وقال الإمام نور الدين السالمي :
ونحن لا نطالب العبادا فوق شهادتيهم اعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا إخواننا وبالحقوق قمنا

الخوارج :
(3) يقولون : ما كف أحد عن القتال منذ أنزل الله البسط إلا هو كافر , يعني يكفرون القاعد عن القتال .

الإباضية :
يعتمدون على الدعوة والإقناع ولا يلجئون إلى العنف , وأدل شيء على ذلك طريقة الكتمان والدعوة السرية مثل ما فعل أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وجابر بن زيد الأزدي رغم إنكارهم الشديد على حكام الدولة الأموية لسلوكها المنحرف عن الكتاب والسنة .
وطريقة الكتمان باللحوء إلى الدعوة السرية ليست مخصصة بوقت بل هي طريقه يتبعها الإباضية عندما يظهر أعداء الإسلام ولم يكن لهم القدرة لمقاومتهم حتى يستطيعون ذلك وذلك عندما يكونوا نصف عدوهم .

الخوارج :
(4) إن صاحب الكبيرة مشرك , ويقول بعضهم إن الإصرار على الصغيرة شرك وعدم الإصرار ولو على كبيرة ليس شرك .

الإباضية :
لا يقولون بذلك , لكنهم يسمون العاصي كافر نعمة بمعنى انه استخدم شيئا من نعم الله في معصية الله وهذا يسمى كفر دون كفر وله أدلة كثيرة .


الخوارج :
(5) أوجدوا مبدأ امتحان لكل من يلتحق بهم ليتأكدوا من مطابقة آرئه لآرائهم وعقائدهم .

الإباضية :
لا يوجد لديهم مثل هذا المبدأ ويعتبرون جميع المسلمين متساوين في الحقوق فلا يمتحنوا أحدا لهذا الغرض ولا يتجسسوا عليه لأن التجسس عندهم حرام حتى على الكافر إلا في حالات شرعها الإسلام .

الخوارج :
(6) يعتقدون أنه يجوز أن يبعث الله نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته وأنه كان كافرا قبل بعثته.

الإباضية :
يقولون بعصمة الأنبياء , يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
وواجب عليك أن تعرف ما يجوز للرسل وما قد لزما
وما استحال عنهم فاللازم في حقهم نعتا هي المكارم
كالصدق والتبليغ والأمانة والعقل والضبط وكالفطانة
والمستحيل ضدها كالكذب وكالجنون وارتكاب الريب

الخوارج :
(7) يستحلون دماء أهل العهد والذمة وأموالهم ويستحلون دماء من يعيشون في كنفهم من المسلمين .

الإباضية :
يقول الإمام السالمي رحمه الله :
ويرفع الحرب لجزية أتت منهم وفي المجوس حكمهم ثبت

الخوارج :
(8) تولوا أصحاب الحدود والجنايات منهم .

الإباضية :
يقول الإمام السالمي رحمه الله :
ولاية المؤمن فرض حققا وهكذا براءة الذ فسقا

الخوارج :
(9) قالوا : لعل الله يعذب المؤمنين بذنوبهم بغير النار ثم يدخلهم الجنة .

الإباضية :
:يقول الشيخ أبي طاهر الجيطالي في كتابه القواعد : مما يجب اعتقاده على كل مكلف أن يعلم إن لله ثوابا لا يشبهه ثواب وثوابه الجنة وهي ثواب الله لأوليائه في الآخرة .
الخوارج :
(10) أجمعت النجدات من الخوارج أن لا حاجة للناس إلى إمام وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي في غاية المراد :
إن الإمامة فرض حينما وجبت شروطهما لا تكن عن شرطهما غفلا

الخوارج :
(11) يقول بعضهم : الفعل من العبد خلق وإبداع لأن الله تعالى فوضها للعباد .

الإباضية :
يقولون :
ومن يقل إلهنا لم يخلق أفعالنا بعدا له من أحمق
لقوله لكل شيء خالق سبحانه الرب المليك الرازق
لو كان خالق سواه لزما تعدد الإله قطعا حتما
ولو تعدد الإله لظهر فساد هذا العالم الذي بهر
لكن لنا في فعلنا اكتساب به الثواب وبه العقاب
من ثم قد نيل به على الرتب إلا النبوات فليس تكتسب

الخوارج :
(12) يقول بعض الخوارج : القدر خيره وشره من العبد .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله : " وما يجب الإيمان به قضاء الله وقدره لأنهما أصلان من أصول الدين وركنان من الإيمان " .

الخوارج :
(13) من أقام في دار كفر فهو كافر لا يسعه إلا الخروج .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
وبعد ما فحت أم القرى نسخت ما كان من هجرة مفروضها اتصلا

فلا تجب الهجرة حتى من دار الكفر إلا إذا منع عليه إقامة الدين وتعذر عليه ذلك .


الخوارج :
(14) يقول بعض الخوارج : تجب البراءة من الطفل حتى يدعي إلى الإسلام ويجب دعاؤه إذا بلغ .

الإباضية :
قال القطب : " تجب ولاية غير البالغ لأنه تعالى يمن بالرحمة ولا يظلم بالعذاب , ولأن كل مولود يولد على الفطرة " .

الخوارج :
(15) أباحوا أموال المسلمين واعتبروها حلالا في السر والعلانية .

الإباضية :
فقد أطبقت كتبهم على أنه لا يحل شيء من أموال المسلمين وإن كانوا بغاة ولو في حالة قتال .
وهذا ما يقوله الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
ومال أهل البغي لا يحل وإن يكن قوم له استحلوا

ثم ذكر الذين استحلوا أموال المسلمين بقوله :
خوارج ضلت فصارت مارقة من دينها صفرية أزارقة
فحكموا بحكم المشركينا جهلا على بغاة المسلمينا

الخوارج :
(16) منهم من قال إن التقية جائزة ولو في قتل النفس .

الإباضية :
لم تجز تقية بالفعل كالحرق والغرق ومثل القتل
لكن جواز ما أبيح للضرر كالأكل للميتة والدم اشتهر

الخوارج :
(17) ينكر بعض الخوارج سورة يوسف من القرآن ويقولون أنها قصة من القصص.

الإباضية :
يعرفون القرآن " أنه كلام الله ووحيه وتنزيله نزل به الروح الأمين على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المبدوء بسورة الفاتحة والمنتهي بسورة الناس " .


الخوارج :
(18) قالت الشيبانية من الثعالبة أن الله لم يعلم حتى خلق لنفسه علما , والأشياء تصير معلومة له عند حدوثها ووجودها .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
فهو عليم لا بعلم جلبا وهو سميع لا بسمع ركبا

الخوارج :
(19) بعض الخوارج أسقط الحدود التي لم ترد في القرآن مثل رجم الزاني وحد قذف المحصنين من الرجال مع وجوبه على المحصنات من النساء .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي عن الرجم : وهو سنة مجمع عليها وحكي عن الخوارج والنظام وأصحابه من المعتزلة إنكاره , ولا مستند لهم إلا أنه لم يذكر في القرآن وهذا باطل فقد ثبت بالسنة المتواترة .

الخوارج :
(20) يقول بعض الخوارج إن الله علي عزيز عظيم جليل كبير لا لعزة وعظمة وجلال وكبرياء وكذلك سائر الصفا ت التي ليست له ولم يوصف بها لمعان .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
نعبده جل امتثال أمره سبحانه ونهيه وزجره
فإن يشأ يرحمنا بفضله وإن يشأ عذبنا بعدله
فالملك والعزة والسلطان له كذا القدرة والبرهان

الخوارج :
(21) أباحوا قتل الأطفال ممن لم يكونوا في معسكرهم واعتبروهم خالدين في النار .

الإباضية :
يقول الإمام الشاري إبراهيم بن قيس الحضرمي مخاطبا جيشه :
ولا تقتلوا طفلا وشيخا وغادة ومن كان مجروحا من البتر جاثما


الخوارج :
(22) قال البدعية نقطع أن من اعتقد اعتقادنا فهو في الجنة ولا نقول إن شاء الله فإن ذلك شك في الاعتقاد فنحن من أهل الجنة قطعا من غير شك .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
فإن يشأ يرحمنا بفضله وإن يشأ عذبنا بعدله

الخوارج :
(23) الإيمان العلم بالقلب دون القول والعمل .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
إيماننا القول والتصديق مع عمل فالقول مر فصدقه وكن عملا .

الآن عرف القارئ الكريم الفرق بين الإباضية والخوارج في العقائد وما اتفقنا مع الخوارج إلا في قضية التحكيم أما عدا ذلك فنحن معشر الإباضية لا نتبع الهوى وإنما نتبع القرآن والسنة والحمد لله نحن ماضون على سيرتهم .


الفصل السادس : ملخص البحث .

قال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في الحق الدامغ :
{ ولست أبالغ إن قلت إن الإباضية ـ أهل الحق والاستقامة ـ تمتاز عقيدتهم وتتسم طريقتهم في فهم أصول الدين بثلاثة أمور :
1ـ سلامة المنزع , فإنهم جمعوا في الاستدلال على صحة معتقداتهم بين الصحيح النقل وصريح العقل , فلم يضربوا بالنصوص الصحيحة عرض الحائط بمجرد تعارضها مع مقتضيات العقل بادي الرأي كما هو شأن أصحاب المدرسة العقلية الذين جعلوا العقل أسمى وأقدس , وأصح وأثبت مما جاء به النبيون عن الله عز وجل , فعولوا عليه في التحسين والتقبيح , والتعليل والحكم , كما أنهم لم يطفئوا شعلة العقل مستأسرين لظواهر الألفاظ الذين لا يأخذون من النص إلا قشوره , لا يتجاوزون شكله إلى جوهره ,,, .

2ـ عدم التعصب لأئمتهم تعصبا يجعلهم يتصاممون عن النقول الصحيحة , ويتعامون عن العقول الصريحة , كما نجد ذلك عن كثير من المتفقهة والمتكلمين , ومن أبشع ما وجدناه في ذلك قول العلامة الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين : ( ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية , فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل , وربما أداه ذلك للكفر , لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر ) .
فقد باين الإباضية هذا المسلك الضيق فقها وعقيدة إلى فسيح النظرة الشمولية للأمة , ولم يسوغ لأنفسهم أن يرفعوا كلام أحد من ائمتهم إلى درجة كلام الله وكلام رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام وإن بلغ في العلم والورع ما بلغ ,,, .

3ـ المرونة والتسامح في معاملة سائر فرق الأمة وإن بلغ الخلاف بينهم وبينهم ما بلغ , إذ لم يتجرأوا قط على إخراج أحد من الملة وقطع صلته بهذه الأمة ما دام يدين بالشهادتين ولا ينكر شيئا مما علم من الدين بالضرورة بغير تأويل ,,, . }

(( والمتأمل في منهج الإباضية الفقهي يجد أنهم يجمعون في فقههم بين أهل الحديث والرأي , بل هم إلى أهل الحديث أقرب , فالاستنباط عندهم يؤخذ من الكتاب والسنة والإجماع , فإذا عرض حادثة لم يرد في شأنها نص في هذه الأدلة الثلاثة أجروها على القياس , فإن لم تتوفر العلة أجروها على الاستدلال : وهو الاستحسان والاستصحاب , والإلهام )) .

إذن هذا المذهب ليس مستحدثا وإنما نشأ متأصلا على القواعد الصحيحة مدعما بالأصول الواضحة الثابتة , فبالنظر والتتبع لا يوجد في عقيدته ولا في فقهه ما يخالف الكتاب والسنة ولا عموم الأصول التي اتفق عليها المسلمون جميعا .

الفصل السابع : مصادر الإباضية .

أولا : مصادر الإباضية :
وفي ختام هذا البحث , يمكن أن أشير إلى بعض المصادر الإباضية ذاتها التي عالجت الفكر الإباضي , وبينت عقائده , ووضحت حقيقة آراءه , الدينية , والاجتماعية , والسياسية فمن يريد المزيد , والتثبيت والمقارنة بين المدرسة الإباضية , والمدارس الفكرية الأخرى , ليستخرج الأصول المتفقة والأصول المختلفة , ليتأكد عما قلناه في عن الإباضية :

المصدر صاحبه

1) الموجز , أبو عمار عبدالكافي الإباضي
2) كتاب السير , أبو العباس الشماخي
3) طبقات المشائخ , أبو العباس الدرجيني
4) قواعد الإسلام , أبو طاهر الجيطالي
5) الدليل والبرهان , أبو يعقوب الورجلاني
6) عقيدة التوحيد , عمرو بن جميع
7) شرح صحيح الربيع بن حبيب , نور الدين السالمي
8) طلعة الشمس , نور الدين السالمي
9) مشارق أنوار العقول , نور الدين السالمي
10) تيسير التفسير , قطب الأئمة محمد أطفيش
11) شرح النيل , قطب الأئمة محمد أطفيش
12) شامل الأصل والفرع , قطب الأئمة محمد أطفيش
13) الذهب الخالص , قطب الأئمة محمد أطفيش
14) الإباضية في موكب التاريخ , علي يحي معمر
15) الإباضية بين الفرق , علي يحي معمر


وهدفنا الوحيد منة ذلك هو أننا نريد أن نبدد المفاهيم الخاطئة , ونوضح حقيقة آراء الإباضية كما جاءت في مصادرهم لا زيادة فيها ولا نقصان , وإن الأمانة العلمية تفرض علينا أن نبين الأخطاء التي وقع فيها بعض الكتاب المسلمين والمستشرقين بعيدين عن التحيز والذاتية , ونتقيد بالروح العلمية التي تحاول تمحيص الوقائع وتقتضي نزاهة هي ألزم لوازم روح البحث العلمي كما هو معلوم عند الدارسين جميعا .

الخاتمة :

قيل عن الإباضية :

* " وكل من يتهم الإباضية بالزيغ والضلال , فهو ممن فرقوا دينهم , وكانوا شيعا , ومن الظالمين الجهال , جمع الله ما فرقوا ورتق ما فتقوا , ومزق شمل أعوان المستعمرين , والله محيط بالكافرين " .
خلاصة الرسائل في ترتيب المسائل طبعة 1356هـ
عضو المجمع العلمي العربي
عز الدين التنوخي

* " وإذا كان الأباضيون أصحاب أمجاد في الماضي , فلا زالوا كذاك في عصرنا الحاضر " .
إسلام بلا مذاهب
مصطفى الشكعة

* " ومن كل هذا يتبين . اعتدالهم وإنصافهم لمخالفيهم " .
كتاب المذاهب المذاهب الإسلامية
محمد أحمد أبو زهرة

* " قول ابن أباض أقرب الأقاويل إلى السنة " .
الكامل
المبرد

* " ورجال الإباضية يضرب بهم المثل في التقوى والصلاح والزهد "
تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الأفريقية
يحي هويدي

هذا ما وفقني به ربي لأكتبه وكلما كتبت في موضوع رأيت موضوع متعلق به وذو أهمية مثله وما كتبت سوى مقدمة سريعة وبسيطة عن مذهب أتهم في سيرته وأتهم في أصوله وفي تسميته وقد تركت الكثير من المواضيع والكثير من الردود والكثير من القضايا لم أطرحها لأنها بعيدة عن موضوع بحثي هذا .

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد بن عبدالله الرسول الأمين وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين .


المراجع :

1) الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث , علي يحي معمر , دار الحكمة , لندن ـ بريطانيا , الطبعة الرابعة , 1422هـ ـ 2001مـ .
2) الإباضية في ميدان الحق , ناصر بن مطر بن سعيد المسقري , مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية , الرستاق ـ سلطنة عمان ,الطبعة الأولى , 1420هـ ـ 1999مـ .
3) دراسات إسلامية في الأصول الإباضية , بكير بن سعيد أعوشت , الطبعة الثالثة .
4) مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية , محمد صالح ناصر , الحلقة الأولى , الطبعة الأولى , 1413هـ ـ 1992.
5) مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية , محمد صالح ناصر , الحلقة الثانية , الطبعة الأولى , 1413هـ ـ 1992

الإباضية وادي سوف

إباضيون سوافة... وستة قرون من العطاء الإباضي في سوف

Icon 09

لم أكن أعرف لماذا كلما صادفني أحد مشايخ الإباضية يكبر في ناظري وسرعان ما أشعر وكأنّ شيئا ما يجذبني إليه، فأكاد أقبل عليه مصافحا مسلّما ومستبشرا به، وكأنني أعرفه من زمن بعيد .. مازالت هذه الظاهرة تكبر معي وتلازمني بكل ما فيها من براءة وتلقائية، حتى أدركت أن هؤلاء السادة الكرام هم أجدادي وأهلي، لذلك كان ينتابني هذا الشعور تجاههم...

فهم الذين نزلوا في منطقة (سوف) ذات يوم وظلوا بها ستة قرون كاملة نشروا خلالها العلوم والمعارف، وكان عشرات من كبار الفقهاء السوافة  لكنهم إباضيّو المذهب كما سنرى..إباضيون سوافة وستة قرون من العطاء الإباضي في سوف

سنة 1980 كنت في الخدمة الوطنية بمدينة ورقلة، لم أكن أعرف لماذا أتوجّه مباشرة إلى مسجد "لالة عزة" لأصلي العصر وأنا أرتدي البدلة العسكرية، فأقبل نحوي وقتها احد الشيوخ وأظنه المؤذن ومنحني "قدوارة" زرقاء، كانت معلقة في مسمار بإحدى السواري الضخمة لهذا المسجد العريق، فأرتديها لأصلي العصر مع القوم.. ومضت الأيام تتدحرج والسنون تتوالى، وخلال 2005 ـ 2008  كثر ترددي على ورقلة، وأضطرّ في غالب الأوقات إلى المبيت فيها، فكنت أتوجّه أيضا مباشرة ودون سبق إصرار أو أية نيّة أخرى إلى مسجد لالة عزّة، حيث صليت الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وذات مرة صادفت زيارتي يوما من أيام الصيف الحار، فصلينا في السطح الذي يقع فوق المسجد، وهو سطح، الهواء فيه طلق، مكان يجد فيه المتعبّد حلاوة الركون إلى الله ويستشعر فيه قداسة المكان ووقار أهل الدار..

هناك ملاحظة فقط وقفت عندها مطوّلا ولم استطع فهمها سوى هذه الأيام من خلال مراسلة الأستاذ الفاضل سليمان بومعقل عن مسجد لالة عزة.. فخلال 2005 عندما زرت المسجد بعد غياب طويل، وجدت جزء مهمّا منه قد تم هدمه وتجديده بطراز عصري، فأعبت على القوم وقتها هدم مسجد عريق كهذا، وقلت لو أنهم رمّموه لكان أفضل..ورسخ في بالي أن الجزء المتبقي منه سيكون له نفس المصير، فلم يكن بوسعي نقل الملاحظة إلى أصحاب المسجد وانا مجرّد عابر سبيل.. حتى أشار إلى ذلك الأخ سليمان بومعقل في مقاله عندما اعتبر الهدم خطأ قائلا بصريح العبارة : " علما أنه هُدّم هذا المحراب و القبة مع الصفين الأولين للتوسعة والتجديد سنة 1991، و هو خطأ في حقّ التراث المعماري. محاولة لبعث المحراب والقبة الأصليين، اتّخذ في البناء الجديد ما يشبههما."

سوف ظلت لستة قرون محسوبة على التاريخ الإباضي:

هذا الموضوع بدأ يستقطب اهتمام مجموعة من الدارسين المحليين هنا بالوادي، والبحث الذي سنعتمد عليه اليوم في تقديم نبذة عن حياة الإباضية في سوف، عنوانه: "سوف في المصادر الإباضية" للأستاذ نصر الدين وهابي، معهد الآداب واللغات، المركز الجامعي بالوادي، عثرنا عليه في كتاب من إصدارات الجمعية الثقافية للمركز الثقافي محمد ياجور بقمارـ طبعة 2008. وهو البحث الذي اتسم بالموضوعية في عرض الشواهد التاريخية.. وقبل ذلك نشير أنه في الوقت الحالي يوجد عائلة واحدة بالوادي من أصول إباضية لا يزال بعض شيوخها أحياء، حتى انه حسب ما قيل لي أن بني عمومتهم قد جاءوهم خصيصا من غرداية ليمكنوهم من إرثهم المترتب لهم بعد وفاة المورّث في منطقة ميزاب..

يقول صاحب البحث المذكور في شرح كلمة (سوف) حسبما ورد في كتب السادة الإباضية ما يلي: "تتوفر كتب التاريخ الإباضية على قدر هائل من المادة التي تعني( سوف) لسبب بسيط جدا هو أن هذا الإقليم كان لقرون عديدة موطنا إباضيا بدرجة مهمة، ملأ هذا المذهب أرجاءه كما ملأ كل الأقاليم المحيطة به... وذلك من أوائل القرن الثاني الهجري إلى القرن التاسع الذي انحسرت فيه الإباضية وتراجعت لتستقر في وادي ميزاب..ومن ثم فإن (سوف) لستة قرون تقريبا محسوبة على التاريخ الإباضي وهو المسئول عنها والمطالب بأخبارها.."

ويضيف الباحث: "سوف محوّلة من(أسوف)، فالمصادر الإباضية تصرّ على أنها(أسوف) وليست سوف، كما تذكر أريغ وليست ريغ..".

ويضيف الباحث متحدثا عن التواجد الإباضي في سوف، فيقول : "سوف تعرفت على الإباضية منذ القرن الأول الهجري عند تأسيس الدولة الرستمية، بل أن ثمة من القرائن المثبوتة في المصادر الإباضية ما قد يفهم معه أن سوف عرفت الإباضية قبل تأسيس هذه الدولة وأن المذهب الإباضي سبق الدولة الرستمية.."

أسماء بعض أعلام الإباضية السوافة

يجب أن يعلم الجيل الجديد بأن الإباضيين هم أجدادنا وآباؤنا، والدليل على ذلك هي هذه القائمة من الفقهاء السوافة الأقحاح ولم يكونوا لا مالكيين لا تجانيين ولا قادريين أو رحمانيين أو حنابلة بل كانوا إباضية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ومن هؤلاء نذكر:

ـ أبو طاهر إسماعيل بن أبي زكريا السوفي ( النصف الثاني من القرن الخامس القرن 11م)، وهو من فقهاء الإباضية وحملة علمهم وله فتاوى كثيرة ومؤلفات عديدة، وكان مسكنه في ورجلان.

ـ سارة اللواتية السوفية (النصف الثاني من القرن الخامس الهجري 11م)، ومسكنها سوف، صالحة عابدة، كانت تروي أشعارا بالبربرية، كانت تأوي الشيوخ وتزورهم طلبا للعلم.

ـ عبد الله المنصور النصيري السوفي( القرن الخامس هجري)، من بني منصور بوادي سوف، تذكره المصادر الإباضية مقاتلا لحماد بن بلكين الزيري في حصاره لقصر وغلاتة.

ـ أبو عثمان خليفة بن عمارة السوفي المارغني(أواخر القرن الخمس وبداية القرن السادس الهجريين)، وهو من زواغة بجربة..

وللإباضية علماء درسوا في سوف، منهم: أبو الربيع سليمان بن علي، وأصله من تيمجار في جبال نفوسة بليبيا. وكذلك الربيع بن يخلف الوسلاتي المزاتي النفطي القابسي...

ويذكر الباحث نصر الدين وهابي، أن المصادر الإباضية هي من تكلم على سوف بغزارة في الوقت الذي زهدت عن ذكرها المصادر الأخرى، والسبب في ذلك أنهم كانوا يعدونها محسوبة على مذهب خصم لهم، في حين أن المؤرخين من غير الإباضيين اشتغلوا في التأريخ لمذهب الشيعة تحت قيادة الفاطميين.

أسباب انحسار الاباضية عن سوف

يقول الباحث نصر الدين وهابي في محاضرته المذكورة ما يلي : " والذي خلصت إليه في بحثي عن أسباب إنحسار الإباضية في (سوف) هو إمكان الرجوع بها لسببين هما:

1ـ تحول إباضية سوف في غالبيتهم إلى مذهب النكارية( فرقة منشقة)، والنكارية لا تعني البقاء في المذهب الإباضي في صورة ثانية، إنما تعني الخروج منه والتوجه إلى مذهب السنة (حسب تعبير صاحب البحث)، لذا لم يبق اليوم غير إباضية وهبية(فرقة أخرى منشة أيضا عن المذهب الأم) أما النكار فذابوا مع الأيام في المذاهب الأخرى، وكان مذهب المالكية المرشح الأول للتغلغل في (سوف).

2ـ يعود هذا السبب إلى الصراع المرير بين زناتة الإباضية وقبائل بني هلال العربية التي ستمثلها على مسرح الأحداث في سوف، (طرود) و(عدوان)..

وانحسار المذهب الإباضي عن سوف، صحبته دعايات غالبا ما تحصل بين الأخوة الفرقاء، كتلك التهم التي ألصقت بالمذهب الإباضي فيما بعد من خلال وصفه بالخارجي او الرافضي.. والحقيقة أن المذهب الإباضي هو براء من كل ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب، ولكن الفرقاء كما قلنا لا يفتئون ينتحلون التهم ضد بعضهم بغرض الإساءة والانتقام. ومن المغالطات التي يرتكبها بعض الباحثين سامحهم الله إما عمدا أو سهوا أنهم لا يعدون المذهب الإباضي بالمذهب السني، وهذه هي مغالطة أخرى يبدو انه آن الأوان لتصحيحها.

 

----------------------------

المصدر:  جريدة الحوراء الأسبوعية

الإخوة الإسلامية الكاملة في الدولة الرستمية

وكانت الدولة الرستمية دولة الإخوة الإسلامية الكاملة. ق فتحت ذراعها لكل الناس، ورحبت بكل الطوائف، وقصدتها الأجناس من كل أنحاء العالم. وكان فيها اليهود والنصارى، كما كان فيها العجم والعرب والسودانيون والأوروبيون من صقلية وايطاليا والأندلس والجزر الأخرى القريبة من المغرب. وكانوا يتوافدون عليها للتجارة أو للعمل أو للإقامة. كما قصدت الدولة الرستمية كل الطوائف الإسلامية من المشرق فاستوطنتها. وكان فيها الكوفيون والبصريون والمصريون، والخراسانيون وغيرهم. وكانوا جميعا يجدون من الدولة الرستمية الجمهورية العادلة كل اعزار واحترام، وكل عدل ومساواة. لا تفضل البربر أبناء الوطن الأصليين عليهم، ولا تعاملهم كغرباء. أنهم أما يكونوا مسلمين فهم في وطنهم، لان الإسلام قد جعل المسلمين إخوة، وإما أن يكونوا من الأديان الآخرة فهم أهل الذمة؛ على الدولة رعايتهم، وحمايتهم وتعليمهم، والأخذ بأيديهم إلى ما فيه صلاحهم ونجاحهم وسعادتهم.

محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير ج3 ص 298-299

الإسلام وتوحيده للشعوب

الدين الإسلامي العظيم ومزجه وتوحيده بين الشعوب

إنه ولو لم تتغلب الدماء البربرية على الدماء الفارسية في العائلة الرستمية، فان الدين الواحد، وهو الدين الإسلامي العظيم الذي تتمسك به العائلة الرستمية كل التمس، ويتمسك به البربر تمسكها ليجعلهم شيئا واحدا في الأخلاق والاتجاه، فيمتزجون امتزاج النور بالنور، ويصيرون عنصرا واحدا لا فرق بينهم في شيءإن الاختلاف إنما يكون بين العائلة الرستمية والبربر لو انتقلت إلى المغرب في القرن الأول قبل أن يؤثر الدين الإسلامي تأثيره البالغ في شخصية البربر، وفي شخصية الفرس. أما في القرن الثاني سيما في آخره فقد جعل الدين الإسلامي كل المتمسكين له متماثلين في الأخلاق، وصيرهم امة واحدة هي امة محمد عليه السلام، وشعبا واحدا لا فرق بينهم في الاتجاه والعقيدة التي تفرق بين الناس انه لأثر الدين الإسلامي العظيم في المزج بين مسلمين وجعلهم نفسا واحدة ذات طباع واتجاه واحد، قال الله سبحانه للمسلمين " إن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" فحكم بأننا امة واحدة –معشر المسلمين- وإن اختلفت دماؤنا وأقطارنا.

كان البربر وهو جمهور الدولة الرستمية واغلب سكان المغرب في ذلك الزمان يرون العائلة الرستمية جزءا أصيلا منهم لما قررنا في الوراثة والدماء، والدين الإسلامي الذي تتمسك به الدولة الرستمية كل التمسك. فهو قانونها المقدس. إنه دين يحرم التعصب للعرق، والتحيز للنسب، ويأمر بالاعتداد في الناس بالتقوى والتمسك بالدين الذي يجعل المؤمنين إخوة بصبغهم بصبغة واحدة هي الراسخة والبارزة في المرء أكثر من صيغة الوراثة الخاصة.

كانت الدولة الرستمية تتمسك بالدين كل التمسك. وكانت حربا على العصبية المذهبية وللعرف. وما ثار أهلها على الأمويين والعباسيين وخلعوهم ورموهم كالجورب المتهري إلا لظلمهم، وأنانيتهم، وتعصبهم لأنفسهم وعروقهم.

إن الدولة الرستمية قد فتحت أبوابها لكل المسلمين من كل أنحاء العالم الإسلامي، ومزجتهم بها، ورأتهم جزءا منها، لا فرق عندهم بين عربي وبربري وأعجمي. فالكل مسلمون. وهم امة محمد عليه السلام، والله قد جعلهم للبربر إخوة فقال: "إنما المؤمنون إخوة".

هذه هي نظرة الدولة الرستمية لمن يحل فيها من الأجناس المسلمة التي تهاجر إليهم كالسودان والعجم الآخرين الذين قد لا يصاهرونهم. أما العائلة الرستمية فإنهم يرنها في جسمهم رأسا، وفي وجههم الجميل العين الكحيلة. فكيف -لعمري- يقول الشيخ مبارك ألميلي في كتابة تاريخ الجزائر: إن العائلة الرستمية أجنبية في الدولة الرستمية، وإن الفتن الواقعة في عهودها المختلفة سببها عدم ثقة الحكومة بالأمة لأنها أجنبية.

قال الشيخ مبارك ألميلي: "أما الحالة الداخلية في الدولة الرستمية فالحرب فيها اغلب من السلم ! ذلك أن الحكومة لم تتمكن من بسطك نفوذها في المملكة على ضيف رقعتها ! فالقبائل مستقلة تحت أمراء منهم. وليس ثم من وحدة سياسية ولا دينية ! والحكومة أجنبية لا ثقة لها بالأمة ! وتتساهل لذلك في اتهامهم بالانتزاء عليها ! فنشأت الفتن من ضعف الحكومة وسوء ظنها بالأمة"(1).

إن هذه الأحكام كلها خاطئة. وارى أن الشيخ مبارك رحمه الله قد نقلها من بعض الأوروبيين المتعصبين الذين ينظرون بحقد متأجج إلى تاريخنا الإسلامي المغربي، فيصورونه لأبنائنا اسود وهو ابيض ! إننا نكبر في الشيخ مبارك دينه ورسوخه في العلم. ومع هذا يحشر لنا في كتابه هذه الأحكام التي لا يقولها إنسان يعرف عظمة الدين الإسلامي وكزجه بين الأجناس المختلفة فتكون امة واحدة، وأسرة واحدة ممتزجة كل الامتزاج. 

إن الحكومة إنما تكون أجنبية في الدول الملكية المطلقة التي يستولي فيها الملوك على الرئاسة بحد السيف، ويخضعون الأمة لهم بقوة الجيوش الجرارة، ويرغمونها على الخضوع لهم بالرغبة الرهبة. فتشعر الأمة والرعية بأولئك الملوك المستبدين المغتصبين لرئاستها صخورا ثقيلة على كواهلهم، وشيئا أجنبيا ينبت في أجسامهم فيورثهم الآلام. فتسوء ظنون الملوك بالرعية فلا يثقون بها لما يشعرون به من كرهها لهم. أما الدولة الرستمية فان الرعية كلها هي التي تختار في حرية تامة أئمة الدولة ورؤساءها، وتقدمهم إلى الرئاسة لحبها لهم، وثقتها التامة فيهم، وتلح عليهم أن يقبلوا الرئاسة وهم يهربون من الرئاسة. فإذا قبلوا رئاستها أسرعت كل الطوائف إليهم وكل الطبقات فبايعتهم بقلوبها وأيديها، ورأتهم الرءوس الصحيحة على أعناقها، ونظرت إليهم بنظرة الطفل إلى ثدي أمه، يراه سبب حياته وقوته لا نتوءا زائدا في صدرها؛ وأحبتهم، وأطاعتهم، والتقت حولهم التفاف الشغاف على القلب، والأم الحنون على الدماغ. تقيهم وتقي الدولة معهم من كل سوء، وتقضي على فتن المتمردين، ودسائس الدساسين.

إن الأئمة الرستميين لم يعدوا أنفسهم أجانب في الدولة، وكذلك الدولة لا تراهم أجانب فيها. ولا نجد زوبعة واحدة مما وقع ي الدولة الرستمية سببها سوء الظن من الأئمة أو من الرعية كما قرر الشيخ مبارك في أحكامه الخاطئة على الدولة الرستمية.

إن الفتن القليلة التي وقعت في الدولة سببها ما ذكرنا. إن السبب الأكبر فيها سيما ما وقع في عهد الإمام أبي بكر عهد الإمام أبي حاتم هو دسائس الملكيين المتعصبين الذين يكرهون الإمامة الإسلامية، ويتخذون كل وسيلة وينفخون في كل رماد لإضعافها بالفتن، والقضاء عليها.

إن الذين ثاروا في هذه العهود إنما هم سكان العاصمة، وهم خليط من شعوب ونحل شتى. كان الكثير منهم إما عامي يسيطر عليه دعاة الفتنة، أو من جواسيس الملكيين الذين بثوا في العاصمة ليكيدوا للدولة. أما القبائل البربرية، وهم جمهور الرعية، والأغلبية الكبرى في الدولة، وهم لحمتها وسداها وعمادها، فقد التفوا حول الأئمة في تلك الفتن الملكية فاستطاعوا إطفاءها.

وكانت الدولة الرستمية دولة جمهورية عادلة ديمقراطية تقوم على الإمام الإسلامية. 

وكان صدرها يفيض بالإخاء لكل المسلمين. وكانت كالمسجد تفتح أبوابها وترحب بكل الأطهار، وتجتمع فيها كل الطوائف الإسلامية، وهم بالوداد والاحترام الذي تفيض صدورهم كالألوان المختلفة في الزرابي الجميلة، والزهور المتنوعة في الخمائل البديعة، يزين بعضها بعضها ، ويظهر كل لون ما في صاحبه من الروعة والحسن والجلال، ويكون كل منه للآخر –وإن خالفه في المذهب أو الجنس- كالوجوه البيضاء التي تشب وتبرز جمال وسحر وبهاء ما فيها من عيون سوداء !

كانت الدولة الرستمية على هذا الصفاء الذي يملؤها به الدين تتمسك به، وعلى هذه الإخوة الإسلامية الكاملة. وكان الإمام افلح مثال العدل وحسن السياسة. فبلغت الدولة في عهده نضوجها الكامل، ودخلت في كهولتها. واستقرت استقرار الكهل السعيد الذي يورثه الرزانة والهدوء نضوجه وتحقق آماله في الحياة.

....................................

(1)  السير للشماخي ص 203 ط البارونية

تاريخ الجزائر للشيخ مبارك ألميلي ج 2 ص 33 ط أولى بالجزائر.

تاريخ المغرب الكبير الجزء الثالث ص 465-469

الإصرار ومفهوم الإحباط

الإصرار على العمل الفاسد يكون سببا لإحباط العمل الصالح

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حق حمده سبحانه له الحمد كله وله الأمر كله أحمده بما هو أهل له من الحمد وأثني عليه وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه وأومن به وأتوكل عليه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا وداعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا فبلغ رسالة ربه وأدى أمانته ونصح هذه الأمة وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :

فلا ريب أننا نؤمن جميعا أن رحمة الله تعالى واسعة وأنه عز وجل سبقت رحمته غضبه ولكن لمن هذه الرحمة فقد قال سبحانه "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون" أخبر الله سبحانه وتعالى أن هذه الرحمة إنما هي للمتقين ومن هؤلاء المتقون ؟

المتقون وصفهم القران وصفا دقيقا عجيبا عندما ذكر الله سبحانه وتعالى البر وأركانه الاعتقادية والعملية والخلقية ثم أتبع بعد ذلك قوله أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون فهذا يعني البر إذ أن الله يقول قبل هذه الخاتمة "البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتمى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصبرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" وقبل هذه الآية في نفس هذه السورة التي جاءت فيها وهي سورة البقرة يصف الله تعالى المتقين بقوله "الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقنهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون".

كذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يصف المتقين في سورة آل عمران عندما قال "قل أؤنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا عند ربهم جنت تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار" فمعنى ذلك أنهم توابون يقولون ربنا اغفر لنا ذنوبنا يعترفون بذنوبهم ويتوبون إلى الله سبحانه وتعالى منها ثم يصفهم بقوله "الصابرين" هذا الوصف يدل على أنهم صابرون على ما يجب أن يصبر عليه وصابرون عما يجب أن يصبر عنه فهم يصيرون على طاعة الله ويصبرون عن معصيته "الصادقين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار" فقوله القانتين يدل على عبادتهم والمستغفرين بالأسحار يدل على كثرة مراقبتهم لنفوسهم ومحاسبتها حتى أنهم يقومون في وقت السحر مستغفرين لله سبحانه وتعالى مما ألموا به من الخطايا وكذلك عندما وعد الله سبحانه عباده جنة عرضها السموات والأرض خصها بالمتقين ثم وصف هؤلاء المتقين "الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين" .

ومما وصفهم الله سبحانه وتعالى به أنهم لم يصروا على ما فعلوا فهم لا يصرون على أعمالهم مع إدراكهم بأنهم واقعون في مخالفة الله ويدل على هذا الوصف نفسه للمتقين ما جاء في سورة الأعراف من وصفهم عندما قال الله تعالى "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون" فهؤلاء عندما يلم بهم شيء من وسوسة الشيطان التي قد تدعوهم إلى مقارفة شيء من مكروهات الله سرعان ما ينتبهون ويدكرون ويرجعون عن ضلالهم إلى هداهم ومن غيهم إلى رشدهم ومن انحرافهم إلى استقامتهم فهم سرعان ما يعودون إلى الطريق القويم الذي يسيرون عليه والذي يؤدي بهم بمشيئة الله إلى رضوان رب العالمين

ونحن نجد أن البشائر في القران الكريم إنما هي للذين اتقوا وليست للفجار "أم نجعل الذي أمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار" لا يكون المتقون والفجرة سواء إذ ليس ذلك من عدل الله سبحانه وتعالى كذلك نجد في سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما يدل على وصف هؤلاء المتقين فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن عطية السعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يبلغ أحد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به مما به بأس". أي أن من شأن المتقي أن يكون شديد الاحتياط حتى يترك الأشياء التي لا بأس بها حذر الوقوع فيما فيه بأس ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى قال "إنما يتقبل الله من المتقين" .

وهذا يعني أن قبول العمل يكون من المتقين لا يكون من الفجار فالفجار تحبط أعمالهم ذلك لأنه جاءت النصوص القرآنية صريحة في كون العمل الفاسد عندما يصر عليه الإنسان يكون سببا لإحباط العمل الصالح فالله سبحانه وتعالى بين أن المن والأذى يبطلان الصدقات يقول الله تعالى "يايها الذين أمنوا (هذا خطاب للمؤمنين) لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا" ومعنى ذلك أن جميع الأعمال التي كسبوها من الخير لا يبقى في أيديهم شيء منها هذه الأعمال تتساقط بسبب المن والأذى وليس المن والأذى أكبر الكبائر كما جاء في القران الكريم الدليل الواضح الذي يدل على أن رفع الصوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم محبط للأعمال فالله سبحانه وتعالى خاطب خير القرون وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبهم بماذا وهو أصدق القائلين "يأيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" فجعل رفع الصوت على صوته صلى الله عليه وسلم والجهر له كما يجهر بعض الناس مما يحبط الأعمال "أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" وهذا خطاب لمن ؟ للذين كانوا في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) للصحابة رضوان الله عليهم ووصفهم الله بالذين أمنوا ومعنى ذلك انه ليس هذا خطاب للمنافقين الذين كانوا في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما هو للذين أمنوا بشهادة القرآن هؤلاء الذين جاهدوا في الله حق جهاده هم الذين صبروا وصابروا وضحوا بأنفسهم وقدموا أرواحهم في سبيل الله يحذرون أن تحبط هذه الأعمال التي قدموها من جهاد وغيره بسبب رفع الصوت فوق صوت النبي (صلى الله عليه وسلم عليه وآله وسلم).

هذا وقد جاء في السنة على أن عقيدة إسقاط الأعمال بارتكاب المخالفات الشرعية والإصرار عليها أمر كان متداولا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم وذلك أنه جاء أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما بلغها أن زيد بن أرقم رضي الله عنه باع لجاريته بيعها على نحو الذي يسمى عند الناس ببيع الذرائع فوجهت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها خطابا للجارية أخبري زيد أنه أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالحديث أورده ابن القيم في أعلام الموقعين وحسنه وأما اعتراض ابن حزم في كتابه المحلى انه لا يصح ذلك لأن العمل لا يحبط بهذا التصرف مردود لما ثبت في القرآن نفسه من لخيرة القرون لصحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذين كانوا في عهده "لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" .

فالعقيدة أيضا واضحة من الآيات التي ذكرناها ومن وصف الله تبارك وتعالى لعباده المتقين الذين وعدهم الله الرحمة ووعدهم تقبل أعمالهم ووعدهم جنة عرضها السموات والأرض ووصف الرسول (صلى الله عليه وسلم) لهولأ المتقين وانتشار هذه العقيدة في أوساط الصحابة حتى أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت ما قالته لجارية زيد وحملتها ما حملته في الرسالة لإبلاغها زيدا حتى يتدارك نفسه وإلا يفسد حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إما اعتراض من اعترض على ذلك بأن الله تعالى قال "فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون" فهو مردود لأن هذه الموازين هي موازين القسط يوم القيامة التي اخبر الله سبحانه وتعالى بها . قبل ذلك بين الوزن ما هو؟ "الوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون" بين أن الوزن في ذلك اليوم الحق وهو عدل الله بين عباده ومن عدل الله تعالى الذي دل عليه الكتاب انه لا يتقبل الأعمال إلا من المتقين وقول الله تعالى "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" إنما هو مقيد بكون هذا العمل لم يحبط بعمل الشر الذي يعمله أما مع وقوع عمل الشر الذي يحبط عمل الخير كما نص على ذلك القرآن فلا ريب أن هذا الخير وإن يرى إياه صاحبه إلا إنه ليس مما يوفر له أجره يرى إياه حسرة وندامة بحيث يفوته ما عمله من خير بسبب إصراره على معصيته لله .

ومن المعلوم أن هذه العقيدة هي التي تمنع صاحبها من التهور وهي عقيدة أهل الحق والاستقامة وتصونه من الانزلاق في المزالق التي ينزلق فيها أصحاب عقيدة الأرجاء التي تستهين بحرمات الله تعالى وتجرئ صاحبها على عدم المبالاة في الوقوع فيما منع الله الوقوع فيه فإن الله سبحانه وتعالى بين لنا في كتابه بيانا شافيا أن عقيدة الإرجاء عقيدة يهودية وأن تعليق الأمل على الطمع على مغفرة الله بدون توبة ورجوع إلى الله من العقائد التي كانت شائعة عند اليهود وأن هذه العقيدة جرأتهم في الوقوع في مخالفة أمر الله فالله تعالى يقول : "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وأن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق"

فترون أن الله سبحانه وتعالى بين أن هؤلاء افتروا بسبب هذه العقيدة عقيدة غفران الخطايا ووقعوا فيما وقعوا فيه من المحاذير وأتوا ما أتوا من محذورات الله تعالى فاجترءوا على اشترائهم العرض الأدنى بما هو خير اشتروا عرض الأدنى بمقابل ما هو خير بسبب طمعهم في المغفرة والله تعالى حذر هذه الأمة من التشبه بهذه الأماني وبين أن هذه الأماني ليست من الحق في شيء فقال سبحانه: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتب من يعمل سوءا يجزى به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكرا أو أنثى فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا" فحذر الله من التعلق بمثل هذه الأماني التي تعلق بها اليهود وظنوا انهم لا يجزون بأعمالهم السيئة فالله تعالى قال "من يعمل سوءا يجزى به" أي سوء كان والله تعالى غفار ولكن لمن هذه الرحمة بين مغفرته لمن تكون وقال تعالى : "وأني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى"

فلابد من الجمع بين هذه الأمور كلها وهي التوبة والإيمان والتوبة لا تنشأ إلا من الإيمان الراسخ والعمل الصالح ثم الاهتداء في جميع الأعمال بحيث يتوقى الإنسان الأعمال السيئة ويسير في طريق الأعمال الصالحة وأن وقعت أية مخالفة بادر بالاستغفار والتوبة منها ويدل على هذا دلالة واضحة على ما جاء من قسم الله تعالى في كتابه بالعصر أن جميع الجنس البشري خاسر إلا من استجمع صفات الإيمان فالله سبحانه يقول "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" فذكر أولا الإيمان فهو الركن الأساسي من أركان النجاة من الخسران الذي كتبه لبني الإنسان والركن الثاني العمل الصالح والركن الثالث التواصي بالحق والتواصي بالصبر وتدرون أن الصبر يشمل الصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله فبعد هذه الدلائل لا يبقى لمن تشبث بالأماني أي متعلق والله تعالى أعلم وهو ولي التوفيق وصلي اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . 

اختاره ونقله لكم أبو مجــــــــاهد

الاقتصاد في الماء

الاقتصاد في الماء

Icon 09هذه صورة مأخوذة من تربص تعليم الصلاة يظهر فيها المتربصين يتدربون على إسباغ الوضوء بالأباريق.

وجه من أوجوه حضارة مزاب هو الاقتصاد في الماء والعيش وفق آليات حفظ الماء تلك هي أهم مقومات حضارة مزاب التي عمّرت لقرون عديدة وأسهمت في ميلاد وتطور علوم وفنون عريقة في تقسيم المياه وازدهار بلاد الشبكة بالحياة والواحات الغنّاء.

 

 

 

 

 

المصدر : Slimane Hadj

 

التجارة 03

الحياة الاقتصادية العهد الثّالث 

كانت تتمّ في سوق البلدة، حيث يتبادل أهلها مع قوافل البدو منتوجاتهم. فكان الأوّلون يقدّمون المنسوجات التي صنعتها أيدي المزابيات و الفائض من محصول التّمور، مقابل الصّوف والسمن وغير ذلك من خيرات البادية. يظهر من هذا أنّ اقتصاد المنطقة كان يتعاون على حمله كلا الجنسين. فبينما يظلّ الرّجل في بستانه مكابدا لقساوة الطّبيعة وصادًّا لغارات البدو، كانت المرأة في منزلها تغزل وتنسج، علاوة على قيامها بشؤون البيت المعروفة.

كان الإنتاج السّنوي في مزاب من ملابس الصّوفية في القرن التّاسع عشر يقدّر بسبعين ألف قطعة، وكان آنذاك حوالي سبعة آلاف امرأة تشتغل في النّساجة بالبيت، وكان يدخل إلى مزاب سنويا ثلاثون ألف جزة صوف[1].

إنّ الوافدين من الإباضية على بلاد الشّبكة عبر القرون، اختاروا المنطقة لبعدها عن طرق القوافل التّجارية المعروفة آنذاك، حرصا منهم على اعتزال الحركات التّجارية وما تؤدّي إليه من الرّفاهية وجلب الطّامعين.

إلاّ أنّ القوافل التّجارية لم تلبث أن حوّلت مسالكها، فأصبح مزاب محطا لها، وهمزة وصل بين الشّمال و الجنوب وبين الشّرق والغرب. وممّا ساعد على ذلك أفل نجم سدارته، بخرابها عام 1274،ثمّ خراب تَمَنْطِيطْ عام 1492م.

في القرن الثّامن عشر الميلادي كانت القوافل المارّة على غرداية تحمل إلى الشّمال التّمور والملح والعاج و الذّهب والجنود والأقمشة وريش النّعم، وإلى الجنوب الحبوب والزّيت و السكّر و النّحاس ومنتوجات مصنوعة بالتّل وأوروبا.

ظلّت غرداية قرونا مرحلة في التّبادل بين التّل والسّودان، كما كانت مرحلة في التّبادل التّجاري بين قوراره وتوات غربا ومنطقة وارجلان شرقا.

بهذا نصل إلى القول بأنّ التّجارة ليست سبب إنشاء مدن وادي مزاب، لكنّها ساهمت في تنميتها اقتصاديا واجتماعيا.

يبدو أنّ تزايد السكّان وضعف مردود الفلاحة أجبرا بني مزاب على التّفكير في مواد أخرى للعيش، يضمنون بها بقاءهم في المنطقة، فأخذوا في الاغتراب إلى مدن التلّ قصد التّجارة. لم نعثر على تاريخ بداية هذا الاغتراب، إلاّ أنّ المؤرّخين يذكرون أنّه كان يوجد في مدينة الجزائر مزابيون في بداية القرن الرّابع عشر الميلادي .

إنّ الفلاحة لا تضمن للمزابي الذي يقتصر نشاطه عليها مستوى معيشيا مقبولا. مشكل الرّي وإنهاك التّربة يفرضان حدا للمساحة المزروعة ومدودها هذه الظّروف جعلت من الواحات بؤرا للاغتراب.

كان أهل غرداية يكثر ذهابهم إلى قسنطينة وسطيف وغليزان، وأهل بني يزقن إلى قسنطينة وقالمة وسوق اهراس والبليدة، وأهل العطف إلى الجزائر وقسنطينة، وأهل بونورة إلى الجزائر وتيارت، وأهل مليكة إلى الجزائر وباتنة وخنشلة و السور وبوغار، وأهل بريّان إلى الجزائر وقسنطينة، وأهل القرارة إلى العلمة وباتنة وخنشلة و البليدة، وكان بعض المزابيين يقصد تونس و ليبيا وحتّى الإسكندرية.

أكثر المغتربين إلى تونس من غرداية و القرارة وبني يزقن، يكثر عددهم بالعاصمة وفي جربة. أمّا في غيرهما فنجد مثلا في 1867م تسع عائلات مزابية في سوسة.

في الجزائر العاصمة أحصي عام 1838م،629مزابيا، ارتفع عددهم حتىّ بلغ عام 1846م،2233، في حين أن العدد الإجمالي للمزابيين المغتربين في تلك السنة بلغ3.036، بعد ذلك سقط عددهم في العاصمة حتىّ بلغ عام 1850، 861، ثم عاد إلى الارتفاع ليصل عام 1856، 1449مزابيا.

نجد في إحصاء نوفمبر 1852م أنّ عدد المزابيين في سكيكدة بجاية سبعة وخمسون، عددهم في سوق أهراس عشرة، وفي المدية 364.

وفي سنة 1858م، أحصي في الشرق الجزائري 351مزابيا، 153منهم بمدينة قسنطينة.

أهل العطف كانت تجارتهم في اللّحوم و البقول، وأهل غرداية وبني يزقن في الأقمشة والألبسة، وأهل بونورة في الفحم والخشب والزّيت، وأهل مليكة في الحبوب والتّمور والحمّامات. أمّا أهل برّيان والقرارة فتجارتهم كانت متنوّعة.

إنّ انتقال بني مزاب بين الجنوب والشّمال قصد التّجارة لم يكن شيئا مضمونا ميسورا. فقد كانت فقوافلهم تتعرّض في الطريق لغارات النّهب والسّلب من طرف قطاع الطّرق. لذلك فإنّك تجدهم لا يغامرون بالسّفر إلاّ في قافلات ذات حجم كبير، وكانوا يدفعون للبدو غرامات.

كانت قرى مزاب تدفع غرامات للأرباع ومخاليف الجرب وسعيد عتبه وغيرها لحماية قوافلهم الذّاهبة إلى التّل.

يقول الشّيخ حمو عيسى:«هذا الوضع من الفوضى والاضطراب و قلّة الأمن في الطّريق حمل المزابيين على عقد تحالف دفاعي وتعاوني مع بعض الأعراش من المخاليف والأرباع وأولاد نايل، لحماية القوافل والأموال من قطّاع الطّرق ومن النّهب والسّلب فيما بين الصّحراء والتّل»[2]

في 1050هـ/1640م، عقدت جماعة كبيرة من تجّار قصر البخاري والمدية والبليدة والجزائر سفر رفقة مع نحو ثلاثين من غير المزابيين، أكثرهم من الشعانبة، وفيهم بعض المخادمةوالمذابيح. وبعد نحو مرحلتين من ناحية الجلفة التقوا بجيش، فوجّه أمرا إلى المزابيين فقط بدفع ثلاثمائة ريال وأنواعا من السّلعة عيّنوها، فرفضوا ذلك، فأراد الجيش أن يهاجمهم،فانحازالشعانبة ومن معهم من المخادمة و المذابيح إلى المزابيين،فوقعت معركة انجلت بأحد عشر قتيلا، ففرّ الجيش وترك قتلاه، فدفنهم الغالبون.

إثر ذلك، عقد التجّار المزابيون في 1052هـ/1642م مؤتمرا بالجزائر بباب الواد وقرّروا فيه:

أوّلا-ضم المالكية بمزاب إلى مجموعة الإباضية التجّار بالجزائر في اجتماعاتهم.

ثانيا-الإذن لهم بدفن أمواتهم في مقبرة سيدي بَنُّورْ.

ثالثا-عقد رفقاتالسّفر معهم من مزاب إلى الجزائر،ومن الجزائر إلى مزاب.

رابعا- التّعاون من الطّرفين في جميع المهمّات، كإعانة كلّ ضعيف بما يمونه ويبلّغه إلى وطنه.

خامسا- التّحالف ضدّ كلّ عدو يحارب الجزائر ويهاجمها.

سادسا- التّعاون على كلّ ما يحتاج إليه مزاب ممّا يرتبط بالجزائر سياسيا أو اقتصاديا.

إنّ في مقبرة سيدي بنّوركثيرا من مالكية مزاب دفنوا فيها منذ ستين وألف هجري[3].

يوجد مخطوط بخط الشّيخ الحاج إبراهيم بن بيحمان، باسم ممثّلي جموع بني مزاب في مجلس عمّي سعيد، يشكون فيه من قبيلة أولاد صالح في جبال الشفة التي تتعرّض للقوافل الذاهب إلى الجزائر أو العائدة منها إلى مزاب[4].

ومن ذلك، الهجوم الذي تعرّضت له قافلة بني مزاب المتوجّهة إلى التّل في جوليت 1850م

قرب تَاجْمُوتْ. وقد توسّط الآغا جلول، آغا السوقر، فأرجع المغيرون لبني مزاب1150 كسوة وتسعة عشر بعيرا وبغلا واحدا وعشر بندقيات ومسدّسا وقارابيلة وسبع مظلات. وقد احتفظوا على 760كسوة وثلاث بندقيات وأربعين غرارة تمرا وثلاث عشرة مظلة ومائتي بوجو.

من جهة أخرى، فإنّ التجّار المزابيين وغيرهم كانوا يدفعون ضربة جمركية لبايلكالتيطري عند خروج قوافلهم من المدية، حدّدت بمحبوب واحد على حمولة كلّ بعير، ونصف سلطاني على حمولة كلّ بغل، وبوجو واحد على حمولة على كلّ حمار[5].

وقدّر عام 1867م المحبوب بـ4.05فرنك فرنسي ونصف سلطاني بـ2.75 فرنك والبوجوبـ 1.80فرنك.

صورة ناذرة جدا لقافلة تتجه نحو قصر تغردايت سنة 1891 من أرشيف ماوراء البحار بإيكس أون بروفانس بفرنسا

كانت منطقة مزاب ملتقى القوافل التجارية و همزة وصل بين التل و الصحراء الكبرى و بلاد السودان ( إفريقيا الغربية خاصة )، حيث لعب التجار المزابيون دورا مهما في تبادل السلع بين الشمال و الجنوب الكبير، إذ كانوا يقومون بجلب الحبوب والمنتجات الأوربية المتمثلة في الأقمشة القطنية و البقول و السكر و القهوة و الشموع و الصابون و الحديد و الفولاذ من التل و يحملون إلى الشمال السلع التي يأتون بها من الصحراء و بلاد السودان و المتمثلة في الملح و العاج و الذهب و الجلود و الأقمشة و ريش النعم و العبيد ، إضافة إلى منتجاتهم المحلية المتمثلة في المنسوجات الصوفية و مسحوق البارود و التمور التي يجلبون كميات كبيرة منها من منطقة توات و قورارة ووارجلان التي يملكون فيها أكثر من عشر مجموع نخيلها زيادة إلى ما كانت تجود واحاتهم من فائض في الانتاج ؛ وبفضل كثافة نشاطهم بين الشمال و الجنوب و امتداده إلى أقاليم تونس و المغرب وتمركزهم في جل مدن التل، استحوذوا على جل العمليات التجارية في منطقة الصحراء الكبرى لفترة طويلة و حوّلوا مزاب إلى أهم و أكبر سوق تجارية فيها، رغم الظروف الأمنية الصعبة وغارات قطاع الطرق على قوافلهم؛
والعديد من المصادر الفرنسية القديمة أكدت ذلك، فمثلا ورد في تقرير صادرعام 1884 عن رئيس المكتب العربي الفرعي بالجزائر ما يلي :(6)


« Au moment de notre conquête de l’Algérie, le M’zab avait à peu près le monopole du commerce du Soudan et du Sahara ; c’est là qu’arrivaient toutes les caravanes d’In Salah et la plupart de celles du Gourara et de Ghadamès »
« Le M’zab est le grand marché de tout l’extrême Sud, c’est là que vont s’échanger les produits du Tell et ceux de l’industrie européenne, contre les produit du Sahara »

 

 

 


[1]_A . COYNE : le M’Zab , 24 .

[2]_دور المزابيين، الجزء الأوّل، 58.

[3]_إبراهيم مطياز: تاريخ مزاب، 153.

[4]_إبراهيم طلاي: مزاب بلد كفاح، 45.

[5]_Revue Africaine n° 11 , 213 .

6 bakir bennacer

التّعليم في وادي مزاب عبر التاريخ

التّعليم في وادي مزاب عبر التاريخ

c 7احصائيات العهد الرابع للتّعليم الحر الإسلامي المحاضر ودور العلم والمدارس القرآنية والتعليم الرسمي الفرنسي ومدارس الآباء البيض

التعليم في الفترة الثانية من 1882م إلى 1912م

التّعليم في الفترة الثالثة من 1912م إلى 1947م

التّعليم في الفترة الأخيرة من 1947م إلى 1962م

التقويم الأـمازيغي عبر التاريخ


احتفلت الشعوب الأمازيغية منذ مئات السنين أو ربما منذ آلاف السنين بالسنة الجديدة في بداية شهر يناير وغالبا في 13 من يناير
.

ولأن الأمازيغ في الشمال الخصب الأخضر المطير كان شعبا فلاحيا مستقرا عكس الأمازيغ الرحل في الصحراء الأمازيغية الكبرى، فقد ارتبطت السنة الأمازيغية الجديدة في الشمال بالفلاحة. وأصبح بعض الباحثين والملاحظين ينعتونها (عن حسن نية) بـ"السنة الفلاحية"، وكأن التقويمات الأخرى في بقية بلدان العالم ليست بتقويمات فلاحية أو دينية.

الحقيقة هي أن كل تقويم واحتفال بالسنة الجديدة لدى أي شعب من شعوب العالم يكون دائما مرتبطا بنشاط اقتصادي معيشي أو بأسطورة دينية أو شعبية أو بطقوس دينية معينة. لا وجود لتقويم فقط من أجل التقويم أو سنة فقط من أجل تدوين السنة. هناك دائما سبب اقتصادي أو ديني أو سياسي أو اجتماعي لإقرار تقويم معين أو سنة معينة من طرف دولة أو مملكة أو إمارة أو جمهورية أو قبيلة أو كنيسة أو غير ذلك. إذن كل تقاويم ويوميات وروزنامات العالم إما هي دينية أو اقتصادية فلاحية أو تجارية أو سياسية أو اجتماعية.

العدد 2967 في السنة الأمازيغية (الموافق لعام 2017) هو عدد رمزي لا يجب أن نحمله أكثر مما يحتمل. والشيء المهم هو أن السنة الأمازيغية حقيقة تاريخية احتفل بها الشعب الأمازيغي ضمن نظامه الإقتصادي الفلاحي في أرضه التاريخية، شمال أفريقيا، منذ أزمان قديمة وبشكل مستمر. أما عدد سنوات التقويم الأمازيغي فهو يرمز إلى تاريخ معين يحدده البعض وينتشر بالتعود وقد لا يعجب الكثيرين، ولكنه لا ينقص من عراقة السنة الأمازيغية شيئا. ومن المؤكد أن تاريخ الوجود الأمازيغي في تامازغا أقدم أضعافا مضاعفة من 2967 عاما، مثلما أن تاريخ وجود الأوروبيين في أوروبا أقدم بكثير من 2017 عاما.

وربما سيظهر في المستقبل من يقترح جعل معلمة تاريخية أو أركيولوجية أمازيغية أقدم - كنقطة بداية لحساب تعداد السنوات الأمازيغية بدلا عن تاريخ وصول Cicenq Amezwaru (شيشنق الأول) إلى حكم بلاد القبط في حوالي عام 950 قبل الميلاد. وفي جميع الأحوال يبقى 13 يناير عيدا ثابتا من الناحية التاريخية لثبوت احتفال الشعب الأمازيغي به منذ القديم واستمرار ذلك إلى اليوم.

وقد حدثت العديد من حالات التغيير والتعديل البعدي اللاحق للتقاويم وتاريخ بدء تعداد السنوات. فرجال الدين اليهود مثلا قرروا أن تقويمهم اليهودي (والعام اليهودي الأول) سيبدأ بعام واحد قبل تاريخ خلق العالم (حسب عقيدتهم)، رغم أنه قبل 5000 عام مثلا لم يكن هناك دين يهودي أصلا. فالسنة اليهودية الحالية 5774 أقدم من الديانة اليهودية نفسها والشعب اليهودي نفسه. ورغم ذلك فقد أصبح هذا التعداد اليهودي للسنوات شيئا طبيعيا جاريا به العمل لدى اليهود في العالم دون أي مشكل، لأن عدد السنين رمزي أولا وأخيرا. ويؤمن الكثير من اليهود المتدينين أن عمر الكون يبلغ 5775 عاما فقط.

المثال الآخر هو من إيران. حيث قرر الإيرانيون عام 1925 ميلادي الإنتقال رسميا إلى تطبيق التقويم الشمسي الهجري عوض التقويم القمري الهجري لتفادي المشاكل التي يطرحها التقويم القمري. وقاموا بإحياء أسماء الشهور الفارسية القديمة. وهذا التقويم الشمسي الهجري هو التقويم الرسمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية لحد الآن، وبأسماء الشهور الفارسية القديمة السابقة للإسلام. وتتبنى أفغانستان نفس التقويم الشمسي الهجري بشكل رسمي. وهكذا فالسنة في إيران وأفغانستان هي الآن 1392 هجري شمسي، مقابل 1435 هجري قمري في بقية البلدان المسلمة.

ولعل أشهر تعديل لتقويم رسمي هو التعديل الغريغوري على التقويم الجولياني القديم للسنة الميلادية. وحدث هذا التعديل عام 1582 ميلادي جولياني لتصحيح اختلالات السنة البسيطة والسنة الكبيسة وبقية الأخطاء الناجمة عنها ولتصحيح تاريخ الأعياد المسيحية. ومن المعلوم أن أصل التقويم الميلادي الجولياني (نسبة إلى Julius Caesar)بدأ مع الإمبراطورية الرومانية عام 46 ق.م (أي قبل ظهور المسيحية) وكان تقويما رومانيا صرفا بخلفيات وثنية.

1)التقويم الأمازيغي هل هو أصيل أم دخيل؟

يعمد البعض ممن يضايقهم التقويم الأمازيغي أو السنة الأمازيغية إلى اعتبار التأثير الروماني الأوروبي في التقويم الشمسي الأمازيغي الشمالي (أسماء الشهور الرومانية الممزغة وترتيبها...) نقطة نقص في التقويم الأمازيغي. ويعتبرونه "دليلا" على تبعية التقويم الأمازيغي للتقاويم الأجنبية. وهم ينسون أن جزءا كبيرا من شعوب العالم أخذت أسماء الشهور الشمسية من اللغات الأوروبية حديثا. والعربية نفسها تستخدم أسماء الشهور الشمسية الأوروبية (يناير، فبراير...) أو أسماء الشهور الشمسية السريانية (كانون، شباط، تموز...). وأصبحت الشهور الأوروبية هي الأكثر شيوعا على المستوى العالمي اليوم. ويرى معظم المتخصصين في هذا المجال أن أيام الأسبوع السبعة عادة اخترعها البابليون – السومريون وأخذتها عنهم الحضارات الأخرى. واليوم أيضا أصبح العالم أجمع يتبع هذا النظام الأسبوعي.

ومن المعلوم أن الأمازيغ عبر شمال أفريقيا كانت لديهم أسماء شهورهم الخاصة بهم قبل العصر الروماني والمسيحي والإسلامي، وكانت منتشرة على نطاق واسع عبر العالم الأمازيغي إلى حد أن المؤرخين الأمازيغ في القرون الوسطى (أو العصر الوسيط الإسلامي) تمكنوا من تدوينها وإيصالها إلينا.

كما أن كل أنظمة التقويم في العالم متأثرة ببعضها البعض. فالتقويم الروماني نفسه كان في الأول تقويما قمريا متأثرا بالتقاويم الإغريقية القمرية الأقدم، وكان في البدء يتكون من 10 شهور فقط بدون يناير ولا فبراير. والتقويم اليهودي متأثر بشكل مباشر بالتقويم البابلي الأقدم منه. وأسماء الشهور اليهودية والسريانية (شباط، آذار، نيسان، ايار، تموز، آب، أيلول، تشرين...) هي تقريبا نسخة حرفية من الشهور البابلية / السومرية (من العراق القديم) وليست يهودية ولا عبرية ولا عربية.

ومن المعلوم أن العديد من الشهور البابلية (تموز، آب، أيار،...) المستخدمة في الشرق الأوسط حاليا والأوروبية (يناير، مارس...) هي في الحقيقة أسماء لآلهة بابلية سومرية ورومانية قديمة أو مشتقة منها أو مرتبطة بها بشكل طقوسي أو ديني أو ثقافي. فشهر يناير جاء من اسم الإله الروماني Janus، ومارس جاء من اسم الإله الروماني Mars، وأبريل جاء من اسم الإلهة الإغريقية Aphrodite، وماي جاء من اسم الإلهة الإيطالية Maia.ويونيو جاء من اسم الإلهة الرومانية Juno.أما يوليوز فقد جاء من اسم الإمبراطور الروماني Julius Caesar.والشهر البابلي تموز جاء من اسم الإله البابلي Tammuzأو Dumuzi.وشهر ايار مرتبط باسم الإله Eaالبابلي...إلخ.

2)التقاويم عبر العالم:

-التقاويم البابلية / السومرية: من أقدم التقاويم في العالم وتطورت لأسباب دينية وفلاحية. بعضها قمري فقط وبعضها قمري شمسي مختلط. وكلها منقرضة الإستخدام ولكن توجد دلائل أركيولوجية على استخدامها من طرف البابليين والسومريين والسريان والآشوريين القدامى.

-السنة البابلية السومرية السريانية الآشورية القديمة: دينية، قمرية، ثم شمسية. تبدأ من 4750 ق.م الذي هو التاريخ التقريبي لبدء الحضارة الإنسانية الحديثة في بلاد الرافدين. ونحن الآن في السنة البابلية السومرية السريانية الآشورية رقم 6767. وتبتدئ سنويا في 1 أبريل. ويحتفل بها جزء من السريان والآشوريين حاليا.

-السنة الميلادية الغريغورية الأوروبية السائدة في العالم: رومانية وثنية في الأصل ثم أصبحت مسيحية، شمسية. حاليا هي: 2017.

-السنة الإثيوبية المسيحية: دينية، شمسية. السنة الحالية هي: 2009.

-السنة القبطية المسيحية: شمسية. السنة الحالية: 1733. ويحتفل بها المصريون المسيحيون حاليا.

-السنة الهجرية القمرية الإسلامية: حاليا هي 1438.

-السنة الهجرية الشمسية الإسلامية: التقويم الرسمي لإيران وأفغانستان. حاليا هي: 1395.

-السنة اليهودية: دينية. قمرية شمسية. حاليا هي 5777.

-السنة الصينية: قمرية أو قمرية شمسية. لا ترقم السنوات الصينية بل تعطى لها أسماء.

-السنة الأمازيغية الشمسية الشمالية: فلاحية تاريخيا، وربما كانت ذات طابع ديني ما مرتبط بالأديان الأمازيغية القديمة. أصبحت ذات طابع سياسي وهوياتي قوي مؤخرا. حاليا نحن في السنة الأمازيغية 2967. وحسابها مبني على أن أقدم شخصية أمازيغية معروفة في كتب التاريخ هي شخصية Cicenq Amezwaru (شيشنق الأول)، أو بالإنجليزية: Shoshenq I، الذي هو من أصل أمازيغي ليبي، والذي وصل إلى عرش المملكة القبطية حوالي عام 950 قبل الميلاد، وأسس الأسرة الفرعونية الثانية والعشرين.

-السنة الكردية: تاريخية، سياسية، شمسية (قديما كانت شمسية – قمرية). حاليا نحن في السنة الكردية 2629. وهي مبنية على تاريخ قيام مملكة الميديين المستقلة في بلاد كردستان وجزء من إيران وتركيا وسوريا. والميديون هم شعب قديم يعتبر جزءا من أجداد الأكراد والإيرانيين الحاليين.

3)الشهور الشمسية الأمازيغية ذات الأصل الروماني أو الأوروبي:

Yennayer أو Yanyur (يناير)

Yebrayer أو Sinyur (فبراير / يبراير)

Mares أو Meɣres أو Krayur (مارس)

Yebrir أو Kuzyur (أبريل)

May أو Semyur (ماي)

Yunyu أو Sedyur (يونيو)

Yulyuz أو Sayur أو izeɣ (يوليوز)

Ɣuct (غوشت) أو Tamyur (غشت)

Cutembir أو Tzayur (شتنبر / شتمبر)

Ktuber أو Mrayur (أكتوبر)

Nwanbir أو Yemrayur (نونبر)

Dujembir أو Duǧember أو Meggyur (دجنبر / دجمبر)

4)الشهور القمرية الأمازيغية الإسلامية الطوارقية:

يستخدم الطوارق في جنوب الجزائر ومالي والنيجر أسماءا أمازيغية للشهور الإسلامية العربية. وبعض الشهور القمرية الطوارقية الإسلامية المستخدمة ظهر في اللغة الأمازيغية الطوارقية مع انتشار الإسلام بينما يرجع أصل بعض الشهور الأخرى إلى التقويم الأمازيغي الطوارقي السابق للإسلام. ويجب الإنتباه إلى أن أسماء الشهور القمرية الأمازيغية الطوارقية الإسلامية ليست ترجمات لمعاني أسماء الشهور العربية الإسلامية، وإنما هي أسماء ذات معاني أخرى ولكن تستخدم كمقابلات أو معادلات للشهور الإسلامية.

Tamessdeq (تامسّدق) أو Tin Dufan : يقابل "محرم" العربي الإسلامي

Tallit Seṭṭeft (تالّيت سطّفت) : يقابل "صَفَر" العربي الإسلامي

Tallit Erɣet (تالّيت ارغت) : ربيع الأول

Awhim Wa Yezzaren : ربيع الثاني

Awhim Wa Yelkamen : جمادى الأولى

Sarat (سارات): جمادى الثانية

Tinamɣarin (تينامغارين) : رجب

Amezzihel (أمزّيهل): شعبان

Tin Oẓom (تين وژوم): رمضان

Tissi (تيسّي): شوال

Tan Ger Madden (تان گر مادّن): ذو القعدة

Tafaski : ذو الحجة

5)الشهور الأمازيغية القديمة ما قبل الإسلام وما قبل الرومان:

تنبيه: طريقة كتابة أسماء هذه الشهور الأمازيغية القديمة هي وفق طريقة النطق الأمازيغي القديم الذي كان سائدا في شمال أفريقيا والذي كان أقرب إلى النطق الطوارقي الحالي، حسب ما تشير إليه الدراسات.

الشهر 1 : Tayyuret Tezwaret (المعنى: القمر الأول)

الشهر 2 : Tayyuret Teggʷerat (المعنى: القمر الأخير)

الشهر 3 : Yardut

الشهر 4 : Sinwa

الشهر 5 : Tasra Tezwaret (المعنى: القطيع الأول)

الشهر 6 : Tasra Teggʷerat (المعنى: القطيع الأخير)

الشهر 7 : Awdayeɣet Yezwaren (المعنى: الظبي الأول)

الشهر 8 : Awdayeɣet Yeggʷeran (المعنى: الظبي الأخير)

الشهر 9 : Awzimet Yezwaren (المعنى: الغزالة الأولى)

الشهر 10 : Awzimet Yeggʷeran (المعنى: الغزالة الأخيرة)

الشهر 11 : Aysi

الشهر 12 : Nim

6) الفصول الأمازيغية:

Tafsut : الربيع

Anebdu أو Awilan : الصيف

Amwan : الخريف

Tagrest أو Tajrest : الشتاء

7) مصطلحات أمازيغية لضبط التقويم:

القمر: Ayur أو Ayyur أو Agur

الشمس: Tafuyt أو Tafukt أو Tafuct (ثافوشث)

السنة الكبيسة: Aseggʷas amanaẓ

السنة الصغيرة: Aseggʷas ameẓẓyan

السنة الشمسية: Aseggʷas n tfuyt

السنة القمرية: Aseggʷas n wayur

ظهور الهلال: Talalit n wayur (ولادة القمر)

البدر: Taziri

الليالي الثلاث الأواخر من الشهر القمري: inektiben

اليوم الـ31 من يناير: Amerḍil (أمرضيل)

خسوف القمر: Anobeẓ n wayur

كسوف الشمس: Anobeẓ n tfuyt

المراجع:

8) المراجع الأكاديمية:

- أسماء الشهور في أمازيغية القرون الوسطى Names of the months in medieval Berber ، من كتابة الباحث: Nico van den Boogert ضمن كتاب: Articles de linguistique berbère ، من إعداد الباحث: Kamal Naït-Zerrad. منشورات: L'Harmattan. فرنسا. 2002.

- القاموس الطوارقي الألماني اللغوي والثقافي Wörterbuch zur Sprache und Kultur der Twareg. تأليف: Hans Ritter. منشورات: Harrassowitz Verlag. ميونيخ، ألمانيا. 2009.

- القاموس الطوارقي الفرنسي Dictionnaire touareg français. تأليف: Karl G. Prasse. منشورات جامعة كوبنهاغن، الدانمارك. 2003.

- المعجم العربي الأمازيغي، 3 مجلدات، تأليف: محمد شفيق، أكاديمية المملكة المغربية. الرباط. 1990، 1993، 2000.

- The Mul.Apin tablets ألواح "مول ابين" الطينية المسمارية البابلية. web.archive.org

- Calendars in Antiquity التقاويم في العالم القديم. Sacha Stern. منشورات Oxford. بريطانيا. 2012.

- Essai sur les origines des Touaregs محاولة للبحث حول أصول الطوارق. تأليف: Jacques Hureiki. منشورات: Karthala. فرنسا. 2003.

- Études berbères et chamito-sémitiques: mélanges offerts à Karl-G. Prasse

دراسات أمازيغية وأفروآسيوية. إعداد: Salem Chaker. منشورات: Peeters Publishers. بلجيكا. 2000.

 

المصدر

التوصيات التقنية لديوان حماية وادي ميزاب و ترقيته

 

التخطيط المحكم وتوزيع الهياكل الضرورية في القصور مثل: المساجد والمنازل والشوارع والأزقة، كان لها الأثر في خلق نوع من التوازن في الحياة اليومية على مستوى الأحياء. فالقصر يستجيب بذلك لكل الاحتياجات المادية والروحية للسكان.

ويستند هذا التخطيط المثالي على القوانين والقواعد العرفية التي تحكم التعمير في وادي ميزاب. هذه القوانين لا تزال راسخة، رغم التغيرات التي لا مفر منها في التعمير المحلي. بعض هذه القواعد والقوانين ضاربة في الزمن القديم. وأخرى جاءت بمبادرة واجتهاد المشايخ على مستوى المجالس التشريعية المحلية (مجلس عمي سعيد ومجلس باعبد الرحمان الكرثي).

ونفس الشيء بالنسبة لتلك التي لا تزال تطبق بشكل دائم من قبل مختلف مجالس الأمناء والتي ترجع إلى عدة قرون، ومن بينها قواعد تنظيم الشوارع والبناء ونظام تقسيم مياه السيل.

هذه القواعد جاءت في شكل توصيات غير مقيدة لا بالزمان ولا بالمكان، وتم إدماجها في المنشآت الحضرية الحديثة لوادي ميزاب.

القواعد المنظمة للسكن:

البساطة في الشكل  

يجب أن يكون ارتفاع البناية منسجم مع المساكن المحيطة بها، ويمنع على أي شخص حجب أشعة الشمس على الجيران.

وفي حالة من زاد عن ارتفاع مسكن جاره من هذه الجهة فعليه ترك فضاء من مسكنه بقدر الارتفاع الذي يريده، على أن لا يتعدى العلو الكامل 7.50م من مستوى الأرض. كما يمنع إنشاء الشرفات، وخصوصا التي تطل مباشرة على الشارع لأنها لا تتماشى مع تقاليد المنطقة من جهة ومع العمارة الصحراوية المحلية من جهة أخرى.

جميع البنايات تكون مغطاة بأسطح أفقية، وتمنع جميع أنواع وأشكال الأسطح الأخرى، ما عدا كوات التهوئة (المدخنة) وأسقف الدرج.

*_علو البنايات لا يتعدى طابقين وسطح (طابق أرضي+ طابق أول+ سطح)، أما البنايات الواقعة خارج القطاع المحمي فلا يعدى ارتفاعها 9م.

الملكية المشتركة مسموح بها (أي البيوت المتراصة والمتلاصقة ببعضها البعض). وإن وجدت، فإن المسافة التي يجب أن تفصل بين المبنى والآخر يجب أن تكون على الأقل مترين. يحظر إنشاء أي فتحة تطل على الجار.

كما يجب اجتناب أكثر من باب واحد للمرآب (المستودع)، ويجب ألا تتجاوز مقاييسه x2.50 x 2.50 م. ومن المستحسن أن يدرج المرآب ويندمج مع شكل وحجم البناية. كما يمنع استعمال أي زخرفة على الواجهة.

يجب أن تخضع جميع البنايات إلى شرط التوازن والانسجام العام من أجل حماية دائمة للمنظر العام للمدينة.

يجب أن تكون جدران الأسوار مطابقة للمعايير المحلية، بمعنى، بنيت بمواد محلية في أبسط صورة لها، وتجنب الزخرفة الأجنبية عن المنطقة، فضلا عن غيرها من أشكال بناء الأسوار الحديثة.

وحدة الشكل:

يجب أن تبدي جميع البنايات بساطة في الحجم ووحدة في المظهر من أجل تناسق عام.

يجب أن تكون جميع الواجهات متكاملة ضمن الإطار العام وهيكل المباني في المدينة بهدف تحسين الانسجام في الشكل.

تكون الفتحات، وخصوصا التي تطل على الشارع، ضيقة ومحدودة، لتسمح من تخفيض تسرب الهواء الساخن صيفا والبارد شتاء وتجنب العواصف والرياح الرملية، والحفاظ على درجة حرارة مستقرة في الداخل. مع احترام عادات وتقاليد المنطقة.

أما بالنسبة للون، فإن جميع المباني الجديدة أو القديمة يجب أن تعتمد اللون الرملي أو ما يقاربه. ويتميز هذا اللون بتكامله الكلي في المحيط المبني، بالإضافة إلى أن تغييره بمرور الزمن محدود، على عكس الألوان الأخرى التي تخضع لتغيرات نتيجة تأثير العوامل الطبيعية عليها تقربها في نهاية المطاف من اللون الرملي.

الجدران الخارجية يجب أن لا تكون ملساء، لحمايتها من العوامل المناخية وتخفيض تعرضها لأشعة الشمس من خلال توفير قدر من الظل الدائم عليها.

يجب أن تكون الملصقات مدمجة في الهيكل المعماري العام، باستثناء تلك التي هي في حد ذاتها، تشكل عنصرا من عناصر التصميم الحضري.

يمنع إنشاء الأقواس باستثناء الساحات العمومية والشوارع التجارية والتي تكون محل دراسة لإبداء الرأي حولها.

النموذج المعماري الذي يتلاءم مع المناخ الجاف والحار هو الذي يسمح بتوفير حد أدنى من الكسب الشمسي صيفا ومن الضياع الحراري شتاء، ولهذا السبب يتم توجيه المساكن نحو الجنوب الشرقي للاستفادة من أشعة الشمس شتاء والحماية منها صيفا. بالنسبة للأسطح المكشوفة، فمن الأفضل أن تكون خاضعة لدراسة متأنية تسمح بتكييف أفضل لحجمها وشكلها بحيث تسمح بتوفير أقصى تظليل مما يزيدها جمالا متميزا.

كل بناية تخل بالانسجام مع المواقع المصنفة، ومهما كانت طبيعتها، تعتبر ممنوعة. كما يحظر اقتلاع النخيل وأي مساس بالمساحات الخضراء بصفة عامة. (يجب أخذها بعين الاعتبار عند كل دراسة.

 

الجانب الفكري عند الإباضية

صالح بن أحمد البو سعيدي

Icon 09

المقدمة :

إن الباحث في أدبيات المذهب الأباضي يواجه أول ما يواجهه من تساؤل في بحثه عن تصنيف المذهب الأباضي، فهل يصنفه على أنه فرقة عقدية أم حركة سياسية أم اتجاه فكري أم مدرسة أصولية أم مدرسة فقهية؟.

والحقيقة أن المذهب الإباضي ليس واحدا من ذلك بعينه، وإنما هو مجموع ذلك كله، فالمذهب الإباضي حركة سياسية وفرقة عقدية واتجاه فكري ومدرسة أصولية فقهية في الوقت ذاته، لا يطغى جانب من تلك الجوانب على آخر بل كلها وبمجموعها تشكل منظومة واحدة نطلق عليها اسم (المذهب الإباضي).

فعلى عكس الكثير من المذاهب والفرق الإسلامية الأخرى التي يطغى على بعضها الجانب الفقهي وعلى بعضها الجانب العقدي وعلى بعضها الجانب السياسي نجد أن المذهب الإباضي قد استطاع وبعبقرية فذة أن يوفق بين تلك الجوانب وأن يستوعبها كلها وأن يكون له موفقه المتميز فيها جميعا وبصمته الواضحة عليها كلها.

فإذا أتينا الى الجانب السياسي سنجد أن المذهب الإباضي حركة سياسية قائمة بذاتها لها أطروحاتها التي لا يستطيع المطلع إلا أن ينحني أمامها إعجاباً وإكباراً.

وإذا أتينا إلى الجانب العقدي سنجد أيضاً أن المذهب الإباضي له أحكامه العقدية القائمة على ركائز راسخة وأدلة قوية.

وإذا انتقلنا إلى الجانب الفقهي سنجد ثروة هائلة من الإسهام الفقهي في كل أبواب الفقه من العبادات والمعاملات وفقه الجنايات والأحوال الشخصية.

والشيء نفسه نجده في علم أصول الفقه، فللمذهب الإباضي آراؤه وتحقيقاته في هذا العلم، ومؤلفاته التي أوسعت هذا العلم تحقيقا ودراسة.

إن كل ذلك هو ما يمكن أن نطلق عليه اسم (الفكر الإباضي).

الوسطية والاعتدال في الفكر الإباضي:

لعل أهم ميزة يمتاز بها الفكر الإباضي هي الوسطية والاعتدال في الطرح بين الإفراط والتفريط، وهذه الميزة يمكن أن تلمحها بسهولة في كل زاوية من زوايا المذهب الإباضي سواء في العقيدة أم الفقه أم الفكر السياسي ام غير ذلك، وهذا ليس شيئاً متكلفاً في الفكر الإباضي لأنه مأخوذ من نهج الإسلام نفسه "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً"

والأمثلة على هذه الوسطية في الفكر الإباضي كثيرة يمكننا أن نذكر منها:

1-الوسطية بين الاستدلال بالنقل والاستدلال بالعقل: ففي حين يميل بعض الفرق في الاستدلال إلى الجانب النقلي واستبعاد العقل إلى حد كبير كما نجد ذلك عند المحدثين، تفرط فرق أخرى بالتعويل على الاستدلال العقلي إلى الحد الذي ذهبت إلى تحكيم العقل على الشرع كما نجد ذلك عند المعتزلة، غير أننا نجد الإباضية يمزجون بقدرة عجيبة في الاستدلال بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية دون تغليب جانب على آخر.

2-الوسطية بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي: وهذا وإن كان قريباً من المثال الأول إلا أنه أقرب إلى الفقه بينما الأول أقرب إلى العقيدة، فالإباضية يقفون وسطاً بين مدرستي الحديث والرأي، ففي استدلالهم بالأحاديث لا يركنون إلى التمسك بالفهم الحرفي لمضمون الحديث كما هو شأن الظاهرية، ولكنهم في الوقت نفسه لا يحاولون رد الحديث لمجرد أنهم لم يستطيعوا فهمه أو لأنه يتعارض مع قاعدة عامة، وإنما يحاولون قبول الحديث والعمل به ما وجدوا لذلك سبيلاً.

3-في الفكر السياسي فإنهم لا يوجبون الخروج على الإمام الجائر مهما كانت الأحوال كما هو رأي الخوارج، ولكنهم في الوقت نفسه لا يحرمون الخروج عليه حتى مع القدرة وإمكان تغييره كم هو رأي بعض الفرق، وإنما يرى الإباضية أن الخروج على الإمام الجائر جائز بصورة عامة، وهذا الجواز يميل إلى التحريم عند خوف الفتنة وتغليب احتمال الفشل في تغيير الوضع القائم، ويميل إلى الوجوب متى ما كان احتمال النجاح أقوى، لأن القيام بالعدل من أسس الشريعة الإسلامية.

4-في مصطلح الحديث فإن الإباضية لا يقولون بأن الحديث الآحادي لا يجوز الاحتجاج به مطلقاً كما هو رأي بعض الفرق الإسلامية، ولكنهم في الوقت ذاته لا يقولون إنه حجة في الأمور الاعتقادية، وإنما يذهبون إلى أن حديث الآحاد يوجب العمل ولا يفيد العلم‘ فهو حجة في الأمور العملية وليس حجة بذاته في المسائل الاعتقادية، وهذا هو مذهب المحققين من الأصوليين والمحدثين.

موقف الإباضية مع مخالفيهم :

القسم الأول:

ينقسم الناس في الفكر الإباضي إلى قسمين أساسيين: مسلمين وغير مسلمين، أما غير المسلمين فهم كل من لم يرض بالله رباً أو بمحمد رسولاً أو بالإسلام ديناً وهي الجمل الثلاث التي يشترطها الإباضية للخروج من الشرك إلى الإيمان (شهادة أن لا إله إلا الله وإن محمداً رسول الله وأن ما جاء به محمد هو الحق من عند الله) فلا ينتقل غير المسلم إلى أن يكون قي جملة المسلمين إلا بإيمانه وإذعانه لتلك الجمل الثلاث.

ويدخل في جملة غير المسلمين المشركون عبدة الأصنام والأوثان والملحدون وأهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمجوس.

ويطلق الإباضية على غير المسلمين أسماء: المشركون والكافرون والكفار، وبطريق الأولى هم مستحقون لأوصاف: الفساق والمنافقون والظالمون، وعند اقتران اسم المشركون وأهل الكتاب فالمراد بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى وبالمشركين غيرهم من عبدة الأصنام والأوثان، وهو إطلاق اصطلاحي لاختلاف اليهود والنصارى عن غيرهم في بعض الأحكام الدنيوية الواردة في القرآن الكريم وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.

القسم الثاني:

أما المسلمون في الفكر الإباضي فهم كل من رضي بالله تعالى رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً وأذعن للجمل الثلاث التي أشرنا إليها سابقاً والتي لا يكون الإنسان مسلماً إلا بالإيمان بها.

وإذا كان الإنسان قد نشأ في بيئة مسلمة أو ولد لأبوين مسلمين فإنه لا يطالب بالنطق بتلك الجمل بل يحكم عليه بأنه مسلم ويعامل معاملة المسلمين ما لم يبدر منه خلاف ذلك، أما إذا لم ينشأ في بيئة مسلمة أو لم يكن أبواه مسلمين فأنه لا يكون مسلماً في نظر المسلمين إلا إذا نطق بتلك الجمل، وكذلك إذا ارتد عن الإسلام وثبت عليه ذلك فإنه لا يرجع إلى بيت الإسلام إلا بمعاودة نطقه بتلك الجمل.

ويطلق الإباضية على المسلمين أسماء: المسلمين والمؤمنين وأهل التوحيد وأهل القبلة، وهي أسماء يدخل فيها كل المسلمين باختلاف مذاهبهم وآرائهم ومدارسهم العقدية والفقهية.

فإذا كان الإنسان مسلماً فإن له جميع حقوق المسلمين من حرمة دمه وماله وعرضه ودفع الزكاة له ووجوب القصاص له أو دفع الدية كاملة في حالة الاعتداء على حياته وجواز تزويجه وتزوجه والصلاة خلفه وعليه ودفنه في مقابر المسلمين إلى غير ذلك من الحقوق، ولا يفرق الإباضية اطلاقاً بين إباضي وغيره في هذه الحقوق.

وإذا حدث واعتقد غير المسلم شيئاً من العقائد المخالفة لما يعتقد الإباضية صوابه فإن الإباضية يرون أن واجبهم ومن حقوقه كمسلم إيضاح العقيدة الصحيحة له ودفع الشبه التي جعلته يعتقد غير الحق، ولكن ذلك لا يخرجه من جملة المسلمين ولا ينقصه شيئاً من حقوقه كمسلم فإن القاعدة التي يتمسك بها الإباضية أن من دخل الإسلام بيقين فلا يخرج من الإسلام إلا بيقين مثله، فما دام هذا المخالف له دليله الذي يستند عليه ولو كان أوهى من خيط العنكبوت فإن ذلك كاف في أن يبقيه في جملة المسلمين.

وفي ذلك يقول الإمام السالمي:

ونحن لا نطالب العبادا *** فوق شهادتيهم اعتقادا

فمن أتى بالجملتين قلنا *** إخواننا وبالحقوق قمنا

إلا إذا ما نقضوا المقالا *** واعتقدوا في دينهم ضلالا

قمنا نبين الصواب لهم *** ونحسبن ذاك من حقهم

فما رأيته من التحرير *** في كتب التوحيد والتقرير

رد مسائل وحل شبه *** جاء بها من ضل للمنتبه

قمنا نردها ونبدي الحقا *** بجهدنا كي لا يضل الخلقا

لو سكتوا عنا سكتنا عنهم *** ونكتفي منهم بأن يسلموا .

القسم الثالث:

ويطلق الإباضية على المخالفين لهم من المسلمين اسم: المخالفين ويقابلها الموافقون، أو القوم ويقابلها الأصحاب فيكثر في كتب الفقه: ذهب قومنا الى........ وذهب أصحابنا إلى.......، وقد يطلقون عليهم اسم مبتدع أو كافر كفر نعمة، وهذا الاسم الأخير يطلقه الإباضية أيضاً على الإباضي المرتكب للكبيرة، وهو لا يعني الشرك وإنما هو مجرد اصطلاح ويقابله عند غير الإباضية اصطلاح (كفر دون كفر).

ولا يخرج الإباضية مخالفيهم من الإسلام ولا يسقطون شيئاً من حقوقهم كحرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم فلا يستحلون قتالهم أو غنيمة أموالهم أو سبي ذراريهم ولا يحرمون تزويجهم والتزوج منهم ويبيحون إعطاء الزكاة لهم ولهم حقوقهم كاملة في الميراث والقصاص والديات، ولهم حق الصلاة لهم ودفنهم في مقابر المسلمين.

ولم يحدث قط أن حكم عالم من علماء الإباضية على أحد من المخالفين بالشرك والخروج من الإسلام إلا ما حدث من الإمام هارون بن اليمان من علماء إباضية حضرموت في القرن الثالث الهجري فإنه ألف رسالة حكم فيها على المشبهة والمجسمة بالشرك، وحجته في ذلك أن الله تعالى لا يوصف بصفات البشر من لزوم الأعضاء له، فإذا جاء من يصف الله تعالى بأن له أعضاء حسية كاليد أو الرجل أو العين أو الوجه فهذا يعني أنه يعبد إلهاً غير الذي نعبده إذ إن الله عز وجل الذي نعبده لا يتصف بتلك الصفات، وما دام الأمر كذلك فهو إذن ليس بمسلم.

غير أن الإمام محبوب بن الرحيل وكان إمام الإباضية في ذلك الوقت رد على الإمام هارون بن اليمان برسالة أرسلها إلى حضرموت وأخرى إلى عمان فند فيهما ما ذهب إليه الإمام هارون، وقال ما ملخصه أن المجسمة والمشبهة يعبدون الله تعالى الذي نعبده ولكنهم يصفونه بصفات لا تليق به من الصورة والأعضاء معتمدين على فهمهم الظاهر لآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يخرجهم من جملة المسلمين بل هم باقون على وصف الإسلام.

ومنذ ذلك الحين لم يتغير موقف الإباضية من مخالفيهم وأن ما يعتقدونه لا يخرجهم من الإسلام، بل هم مسلمون باقون على إسلامهم ولهم جميع حقوق المسلمين ما دام لهم دليل يستندون إليه.

الفكر السياسي عند الاباضية:

القسم الأول:

يمتاز الفكر السياسي عند الإباضية عن غيره من أنواع الفكر لدى المذاهب الإسلامية بميزتين مهمتين هما: وضوح الهدف ووضوح الطريقة للوصول إليه.

فغاية الإباضية من أي تحرك سياسي قاموا به كان على الدوام واضحاً لديهم تمام الوضوح، ويتلخص هذا الهدف في أقصى طموحاته في إقامة دولة إسلامية تحكم العالم بأسره وفق شرع الله تعالى، بحيث يكون كل من في الأرض منقادين لشرع الله عز وجل، ويبدأ هذا الهدف بإقامة الدولة الإسلامية في اي بقعة من الأرض يمكن أن يتحقق ذلك فيها.

والدولة الإسلامية التي يسعى الإباضية إلى إقامتها هي الدولة التي يكون كل من فيها بدءاً من إمامها وعماله إلى كل رجل وأمرأة منقادين لحكم الشرع الشريف وملتزمين بأحكامه.

وقد استطاع الإباضية وبذكاء ملفت أن يتجاوزوا إشكالية السعي إلى السلطة، وإشكالية الحكم على الإمام الجائر، فبالنسبة للإشكالية الأولى فإن الإباضي لا يسعى إلى السلطة من حيث ذاتها وإنما يسعى لإقامة حكم الله تعالى فإذا وجد من يكفيه ذلك حمد الله تعالى وكان عليه أن يساعد ذلك الحاكم بكل ما يستطيع من جهد، أما إذا لم يجد من يكفيه ذلك كان لزاماً عليه أن يقوم بالواجب الذي كلفه الله به فهو في الحالتين إنما يقوم بشيء ألزمه الله به لا سعياً لمنصب ولا حباً في جاه.

وأما بالنسبة للإشكالية الأخرى وهي الحكم على الإمام الجائر فإن الإباضية يرون أن الحاكم المسلم مطالب كغيره من المسلمين بان يتبع أمر الله في موقعه الذي هو فيه، فإن قام بما يجب عليه فبها ونعمت، وأما أن لم يقم بواجبه وخالف أمر الله فإن على المسلمين نصحه أولاً فإن أصر كان عليه أن يترك مكانه لمن يستطيع أن يقوم بحقه، فإن رفض هذا وذاك كان على المسلمين الأخذ بيده وإلزامه بالتنحي عن منصبه ليولوا عليهم من يقيم شرع الله تعالى فيهم.

القسم الثاني:

والإمام في الفكر السياسي الإباضي شأنه شأن أي مسلم يجب عليه أن يلتزم بأحكام الإسلام في كل أقواله وأفعاله، بل هو بحكم منصبه ينبغي أن يكون أحرص المسلمين على اتباع أمر الله تعالى لا يحيد عنه قيد أنملة، لأن انحرافه يؤدي إلى خلل كبير في بنية الدولة الإسلامية ويجرئ الناس على مخالفة شرع الله عز وجل.

وإذا استقام الإمام على أمر الله تعالى وقام بكل ما ألزمه الشرع به فإن له حق السمع والطاعة والموالاة، ولا يجوز لأحد ممن تشملهم دولته أن يخالف أمره أو أن يجاهر بالعصيان، فإن فعل كان على المسلمين مساعدة الإمام في خمد ثورته وإرجاعه إلى الجماعة ولا يحق لأحد إيواؤه ونصرته ومساعدته على بغيه لقوله صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من أحدث في أمرنا أو آوى محدثاً".

أما إذا خالف الإمام أمر الشرع وتجاوز ما يحق له أو تخلى عن شيء من واجباته، وثبت ذلك عليه فإن على الأمة رده إلى جادة الصواب وتقديم واجب النصيحة له لقوله صلى الله عليه وسلم: "الدين نصيحة" قالوا: لمن يا رسول الله، قال: "لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم".

فإن لم تجد النصيحة معه نفعاً وأصر على مخالفته لأمر الله تعالى وأبى واستكبر فإن ولايته تسقط عن المسلمين وتصبح طاعته غير واجبة عليهم لأن الحق فرع الواجب، وقد سقط حقه لعدم قيامه بواجبه، وحينئذ يكون المسلمون في حل من أمرهم في أن يولوا عليهم إماماً آخر يقوم فيهم بحكم الله ويقيم فيهم شرعه وأحكامه وحدوده.

وهنا لا يخلو الأمر من أحد أمرين: إما أن يكون ذلك الإمام الظالم ضعيف الشوكة قليل الأتباع ومن السهل خلعه وإقامة إمام آخر مكانه، وهنا ما على المسلين سوى المسارعة الى القيام بدون تردد، وإما أن يكون ذلك الإمام الظالم قوي الشوكة كثير الأتباع والأنصار وكان القيام عليه غير مضمون العواقب وحينئذ فإن المصلحة تقضي التريث واتخاذ تخطيط جديد، ولكن لا ينبغي بأي حال من الأحوال الاستسلام للأمر الواقع والاستكانة لظلم الظالمين.

وهنا يأتي دور العلماء في القيام بواجبهم وهو دعوة الناس إلى التمسك بتعاليم دينهم الحنيف، والسعي غلى إقامة الدولة الإسلامية المنشودة التي ستوفر لهم الأمن والأمان وتقيم فيهم حدود الله وأحكامه وشرعه وهذه الحالة هي ما تسمى لدى الإباضية بمرحلة الكتمان.

ولسنا هنا في تحديد صفات الإمام ومسؤولياته فهي معروفة لدى الجميع، غير أن ما يميز الإباضية في هذا الجانب شيئان:

1-    عدم اشتراط القرشية:

فالإباضية يرون أن كل مؤهل لإمامة المسلمين يمكن أن يكون إماماً بغض النظر عن قبيلته وعرقه، وهذا بلا شك يتفق مع المساواة التي جاء الإسلام لترسيخها والتي تتنافى مع هذا الشرط الذي لم يكن معروفاً حين اختلف المهاجرون والأنصار على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يدر في مداولاتهم ولم يشر إليه أحد.

والضابط لدى الإباضية في نسب الإمام إنما هو المصلحة، فإذا رأى المسلمون أن من المصلحة تولية إمام من قبيلة أو عشيرة معينة مع توافر الشروط الأخرى فيه فلا مانع من مراعاة ذلك، ويحدث أحياناً عكس ذلك تماماً وهو أن تكون المصلحة في تعيين من لا عشيرة له وهنا لا يتوانى الإباضية عن تعيينه كما حدث في المغرب حين فضّل العلماء تعيين عبد الرحمن بن رستم الفارسي رحمه الله وهو فارسي لا عشيرة له وكان هذا أحد الأسباب لإختياره إماماً حيث رأى العلماء أن ذلك أفضل لسهولة تغييره إذا ما حاد عن الطريق السوي.

وقد عد كثير من الباحثين هذا النهج مثالاً واضحاً على النهج الديمقراطي الذي يتميز به الإباضية.

2-    جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل:

فالإباضية يشترطون في الإمام شروطاً معروفة من حيث التقوى والورع والصفات الخَلْقية والخُلُقية، وإذا وجد أكثر من واحد تنطبق عليه تلك الشروط فيمكن تولية أي واحد منهم ولو كان هناك من هو أفضل منه.

القتال عند الاباضية:

بما أن كتاب التاريخ والمقالات قد حشروا الإباضية ضمن الخوارج فقد ترسخت في أذهان الناس فكرة أن الإباضية يستبيحون قتال المسلمين، وهذا مما لم ولن يقوم عليه دليل، بل الأدلة ظاهرة في أن الإباضية هم أطهر الناس يداً من دماء المسلمين، وقد ذكرنا سابقاً أن الإباضية لا يبيحون قتال مخالفيهم، وهو ما طبقوه عملياً على مدى تاريخهم، فلم يحدث إطلاقاً أن قاتل الإباضية أحدا من المسلمين على أساس مذهبي، وعلى كثرة الدول التي أقامها الإباضية وطبقوا فيها مبادءهم فلم يقوموا في يوم من الأيام بشن حرب على أحد من المسلمين على أساس مذهبي، وإنما كانت الحروب التي قام بها الإباضية ضد جماعة من المسلمين إما لإقامة دولة أو دفاعاً عن دولة.

أما بالنسبة للنوع الأول وهو الحرب من إجل إقامة الدولة فإن من مبادئ الإباضية السعي الدائم إلى إقامة العدل ومحاربة الظلم، والصراع بين الإباضية والظلم لم يهدأ في يوم من الأيام، ولذلك فإن الإباضية إذا ما رأوا في أنفسهم قدرة على القيام بواجبهم كمسلمين وإقامة الدولة الإسلامية على وفق كتاب الله وسنة نبيه فإنهم لا يتوانون عن ذلك لحظة واحدة، وفي هذه الحالة فإنه من المعتاد أن يوجد من لا تتناسب أهداف الدولة الإسلامية مع أهدافه فيقف عقبة في طريق إقامتها، ويحاول جاهداً أن يحول دون قيامها، ولذلك يجد القائمون بالقسط أنفسهم مجبرين على محاربته وإزاحته من الطريق.

ولا فرق لدى الإباضية بين أن يكون هذا الرافض لإقامة الدولة الإسلامية إباضياً وأن يكون غير إباضي، وعلى ذلك فإن المذهبية لا دخل لها هنا، وإنما هو قتال ضد أناس كان من المفترض أن يساعدوا على إقامة دولة يدعو إليها دينهم الذي يدينون به، ولكن مصالحهم الشخصية وأطماعهم الدنيوية كانت أهم عندهم من واجبهم الديني، وليتهم إذ لم يساعدوا في إفامة الدولة الإسلامية وقفوا على الحياد ولكنهم اتخذوا موقفاً معادياً لها، ولذلك حل قتالهم.

والإباضية عندما يقومون بقتال هذه الفئة فإنهم يحفظون لهم إسلامهم فلا يقاتلوهم إلا بعد إنذارهم وإقامة الحجة عليهم، ونصحهم وبيان حقيقة دعوتهم، فإن استجابوا فلا حق لأحد في قتالهم، وإن أبوا حل قتالهم في أدنى مراتبه فلا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم.

وأغلب حروب الإباضية من هذا النوع حدثت ضد إباضية من نفس مذهبهم مما يعني أن القتال لم يكن على أساس مذهبي، كما إن التاريخ يثبت أن الإباضية من أنزه الناس في قتالهم فلم يكونوا يتجاوزون الحق في حروبهم، وإنما كانوا وقافين عند حد الله تعالى.

وأما بالنسبة للنوع الثاني فهو لا يختلف كثيراً عن النوع الأول، فبعد أن تقوم الدولة الإسلامية فلا بد من أن يوجد من يحاول الإطاحة بها، إذ إن كثيراً من الناس لا يروق لهم العدل الذي عادة ما يقف في وجه أطماعهم وبلوغ غاياتهم الدنيئة فيسعون إلى تدبير المكائد وتجييش الجيوش للإطاحة بالدولة الإسلامية، وهنا يجد الإمام والمسلمون من خلفه أنه لا بد من تأديب أولئك البغاة الذين يحاولون تفريق شمل المسلمين وتحطيم وحدتهم وهدم دولتهم فيقوم الإمام أولاً بتحذير اولئك البغاة من مغبة عصيانهم وخروجهم على إمام صحت إمامته، فإن تابوا وأنابوا رجعوا إلى جماعة المسلمين ولم يمسسهم سوء، وإن أصروا واستكبروا كان حقاً على الإمام قتالهم حقناً للفتنة وإخماداًً للثائرة تطبيقاً لقوله تعالى: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين".

ومرة ثانية فإن هذا الباغي قد يكون إباضياً وقد يكون غير إباضي، فالقتال إذن ليس على أساس مذهبي، وإنما هو قتال لباغ على دولة المسلمين أياً كان مذهبه.

وهذه الحروب أنما تقع بين الإباضية القائمين بالحق أو الساعين إلى إقامته وبين جماعات تقف ضد هذا التوجه، أما إذا كانت هناك دولة مسلمة غير إباضية قائمة بجانب الدولة الإباضية فإن المتتبع لتاريخ المذهب الإباضي يجد أن الإباضية ليس من فكرهم السياسي محاربة الدول المسلمة التي هي محل رضا من العلماء فيها وإن كان الإباضية أنفسهم غير راضين عنها، فلا يذكر في تاريخ عمان أن الإباضية قاموا بمهاجمة أي من الدول المسلمة المحيطة بهم.

سعي الاباضية إلى الوحدة الإسلامية:

لقد سعى الإباضية قديماً وحديثاً إلى الوحدة الإسلامية ، وكانت هدفاً أسمى من أهدافهم، وأنقل هنا شيئاً مما قاله سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في كتابه (الحق الدامغ) حيث قال:

"ولعله مما يفاجئ كثيراً من القراء أن يطلعوا لأول مرة على عناية قادة الفكر من الإباضية بلمِّ شعث هذه الأمة وجمع شتاتها بعدما أثخنتها الخلافات المذهبية ، ومزقتها النزعات العصبية ، وكم تمنوا أن يحس سائر أعلام الأمة بمثل أحاسيسهم، ويشاركوهم في هذه الهموم التي تنوء بها صدورهم ، وتؤرق ليلهم ، وتقض مضجعهم ، وقد كانت منهم محاولات، للخطو في هذا الطريق والاستعداد لهذه المهمة بنفقات مالية يرصدونها من جيوبهم وجيوب المخلصين من سائر أبناء الأمة، وأصدق مثال على ذلك ما يجده القارئ في هذا السؤال الذي صدر من عالم مفكر وقائد محنك ذلكم هو الشيخ سليمان بن عبدالله بن يحيى الباروني، عضو مجلس المبعوثان بالدولة العثمانية ، المشهور بسليمان باشا الباروني، وهو من إباضية جبل نفوسة بالقطر الليبي، وقد توجه بسؤاله هذا إلى عالم الإباضية بالمشرق، ومرجعهم في أمور الدين، الإمام عبدالله بن حميد السالمي، ونص السؤال:

"هل توافقون على أن من أقوى أسباب اختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها ؟ على فرض عدم الموافقة على ذلك فما هو الأمر الآخر الموجب للتفرق ؟ على فرض الموافقة فهل يمكن توحيدها بالجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدد في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الاتحاد من كل شيء ؟ وعلى فرض عدم إمكان التوحيد فما الأمر القوي المانع منه في نظركم، وهل لإزالته من وجه؟ على فرض إمكان التوحيد فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة ؟ وأي بلد يليق فيه إبراز هذا الأمر ؟ وفي كم سنة ينتج؟ وكم يلزم من المال تقريباً؟ وكيف يكون ترتيب العمل فيه؟ وعلى كل حال فما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعاً وسياس ؟ مصلح أم مفسد؟.. " .وكان هذا السؤال في عام 1326هـ

فكان من جواب الإمام له:"... نعم نوافق أن منشأ التشتيت اختلاف المذاهب وتشعب الآراء، وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة على حسب ما اقتضاه نظركم الواسع.

وللتفرق أسباب أخرى منها التحاسد والتباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها طلب الرئاسة.

وجمع الأمة على الفطرة الإسلامية بعد تشعب الخلاف ممكن عقلاً مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمراً كان: "لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم" والساعي في الجمع مصلح لا محالة ، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحضهم على التسمي بالإسلام ( إن الدين عند الله الإسلام)، فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية ولو بعد حين ، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه ويكون الحق أولاً عند آحاد من الرجال ثم يفشو شيئاً فشيئاً حتى يرجع إلى الفطرة .

وهي دعاية الإسلام التي بعث بها محمد عليه الصلاة والسلام ، وتضمحل البدع شيئاً فشيئاً، فيصير الناس إخواناً،       ( ومن ضل فإنما يضل عليها)، ولو أجاب الملوك والأمراء إلى ذلك لأسرع الناس في قبوله، وكفيتم مؤونة المغرم، وإن تعذر هذا من الملوك فالأمر عسير والمغرم كثير وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي ومتردد الملائكة، ومقصد الخاص والعام، حرم الله الآمن، لأنه مرجع الكل . وليس لنا مذهب إلا الإسلام، فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضاً، ونرد الباطل على من جاء به وإن كان حبيباً، ونعرف الرجال بالحق، فالكبير عندنا من وافقه والصغير من خالفه، ولم يشرع لنا ابن إباض مذهباً، وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق. إهـ

وإذا كان الأدب مرآة تعكس ما في نفس الأديب من كوامن الأحاسيس فإن الأدب الإباضي قديمه وحديثه طافح بعصارات مشاعر الألم الذي يحسون به بسبب تشتت الأمة وانحلال عقد نظامها ، وإذا كنت أخي القارئ شاهدت صورة من ذلك فيما نقلته لك من قول أديب معاصر فإليك صورة أخرى تعكس مشاعر أديب بارع وعالم جامع من أدباء هذه الطائفة وعلماءها الغابري