عقيدة - موقع آت مژاب ... للحضارة عنوان

أثر العقيدة في الأنسان

إننا نعتقد بوجود أشياء أكثر من ذوات وصفات مدركة بالحواس وغير مدركة، ونجد قلوبنا مطمئنة مما نعتقد به ليس فيها أدنى شك كاعتقادنا بوجود ذواتنا وصفاتنا.ولو جاءنا الناس كلهم أو جلهم يحاولون تشكيكنا فيما نعتقد به لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً.وحتى يستقر فينا العلم هذا الاستقرار الراسخ لابد أن نرى أنه اصبح يوجه كثيراً من تصرفاتنا وأفعالنا، ويحرك كثيراً من عواطفنا، ذلك لأنه كما انعقدت أفكارنا وعقولنا على معرفته معرفة غير قابلة للتشكيك انعقدت عواطفنا عليه انعقاداً يصرف أفعالنا وحركتنا، وحبنا وبغضنا، بطريقة شعورية أو بطريقة غير شعورية.

ومتى بلغ شعورنا بالشيء إلى حد يحرك عواطفنا ويوجه سلوكنا حمل اسم «عقيدة»، إن للعقيدة جانباً مهماً مع سيرة حياة الإنسان هذا المخلوق الذي يختلف وضعه عن سائر المخلوقات والكائنات الأخرى في هذه الأرض.فسلوك الحيوان يتسم بأنه مظهر من مظاهر دوافعه وغرائزه المتصلة بحدود حاجاته ومصالح جسده، فإذا أشبعت حاجاته كف وعف. أما الإنسان فقد جعلت غرائزه ودوافعه وأهواؤه وشهواته رعية تحت سلطة إرادته الحرة، ومنح بالإضافة إلى إرادته عقلاً يمكن أن يدرك به الخير والشر والنفع والضر.

فإذا استرشدت إرادته بعقله وكان إدراكه للأمور صحيحاً استقام سلوكه، وإذا تخاذلت إرادته فخضعت لأهوائه وغرائزه كان كالأنعام بل كان أضل سبيلا.وإذا نظرنا إلى تأثير العقيدة في تاريخ الجنس البشري نجد أمراً عجباً، فالعقيدة تبدل مجرى حياة الناس أفراداً و جماعات من حالة إلى أخرى، ولذلك أمثلة متعددة منها: ما قصه الله سبحانه وتعالى علينا من نبأ سحرة فرعون، فإنهم لما جاءوا وهم فارغون من العقيدة لم يكن لهم هم أبداً إلا المصالح الدنيوية، لا يعرفون إلا هذه الحياة المحدودة المحصورة بين المبدأ والمصير.فقد حكى الله سبحانه وتعالى عنهم ما قالوا لفرعون.«أإن لنا لاجراً إن كنا نحن الغالبين»، فما كان لهم من مطمع إلا الفوز بشيء من الأجر والشهرة والظهور، وقد أدرك فرعون ما صرحوا به من رغبة في الأجر، ومالم يصرحوا به من رغبة في الظهور والشهرة.. فقال لهم مجيبا «نعم وإنكم إذاً لمن المقربين..ولكن عندما خالطت بشاشة الإيمان شغاف قلوبهم كان منهم ما قصه الله تبارك وتعالى علينا في آيات متعددة.. منها قوله تعالى «لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا».

صورة أخرى سجلها التاريخ تدلنا على عظيم أثر العقيدة في حياة البشر، فالعرب الجاهليون كانوا قد اشربوا وأد البنات، وكان منهم عمر بن الخطاب «رضى الله عنه»، كان بجانب ذلك أشد كفار قريش عداء للدعوة الإسلامية، ولكنه ما كاد يدخل في دين الله تعالى، حتى أصبح يعرض ابنته حفصة على أصحابه وإخوانه في الله يتزوجها من شاء منهم بعد أن كان وجود البنت في حجره عاراً.

وهذا الصنيع من عمر بن الخطاب «رضى الله عنه» لهو حجة قاطعة على من يعضلون ولياتهم عن الزواج، ويرون في قيامهم بعرض بناتهم لذوي الدين ما يبعث على التشكيك في شرف المرأة وطهرها، وما ذلك إلا لضعف العقيدة في نفوسهم. وقد أكرم الله تعالى عمر بن الخطاب بمصاهرة النبي- صلى الله عليه وسلم- فأصبحت ابنته في عداد أمهات المؤمنين.

وهذا بلال بن رباح -رضى الله عنه- يبرز لنا شيئا من مواقفه الغراء المتمخضة من العقيدة الصحيحة، فعندما أسلم لاقى ما لاقاه من العذاب المهين.. يذهب به إلى بطحاء مكة فيطرح في رمضائها بعد أن يجرد من ملابسه وتوضع الصخرة العظيمة على صدره.. ويوضع في جسده الحديد الساخن.. كل ذلك ليصدوه عن الإسلام، ولينطق بكلمة الكفر.. وهو لا يجبهم إلا بقوله «أحد أحد»، التي تزيد من غيظهم فيزاد في تعذيبه حتى إنه ليرى فمه ينبس بكلمات لا يسمعونها، فيبعث في نفوسهم الأمل أنه يريد أن ينطق بكلمة الكفر فيخففون من عذابه، فإذا بهم يسمعون كلمة «أحد أحد». !! هذا الموقف العظيم يضئ للمسلم طريقه في هذه الحياة التي تموج بكثير من الإبتلاءات، ليثبت أمامها وينازلها لأنه يسعى إلى ما هو أسمى وأعلى وخير أبقى إنها الدار الآخرة، فيها جنة المأوى.وبهذا كله نعلم إن العقيدة هي اعظم مؤثر في سلم القيم في حياة الإنسان.. فالدين كله مبنى على هذه العقيدة لذلك سميت العقيدة «أصول الدين» لأنها الأساس الذي يقوم عليه صرح الدين وبدونها يكون العمل مزلزلا غير ثابت ولا يستقر على حال ولا يقر له قرار. 

الكـاتـب : أحمد بن مظفر الرواحي 

 

أصول الدينونة الصافية للشيخ أبي حفص عمروس بن فتح

كتاب أصول الدينونة الصافية

تأليف الشيخ: أبي حفص عمروس بن فتح النفوسي

تحقيق: حاج أحمد بن حمو كُّروم
مراجعة:
مصطفى بن محمد شريفي
محمد بن موسى باباعمي
الطبعة الأولى
1420هـ / 1999م

تقديم
(( إن كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه ))
كلمة عظيمة من إمام عظيم في إمام عظيم .
هذه العبارة لهي شهادة علمية رفيعة المستوى ، وأجازة من الأجازات العلمية العالية منحها واحد من أقطاب العلم وعظماء الإسلام ذلكم هو الإمام المحكم محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي العماني رضي الله عنه إلى واحد من عباقرة العلم وعلماء الإسلام هو أبو حفص عمروس بن فتح المساكني النفوسي رضي الله عنه.
إن علاّميَّة عمروس ودقة فهمه وقوة استنباطه لمسائل العلم وقضاياه جعلت من الإمام الكبير محمد بن محبوب إن يظهر إعجابه بهذا النابغة المغربي الذي سبقته شهرته العلمية إلى المشرق العربي ولا سيما عُمان عندما تم اللقاء بينهما في مكة المكرمة حرسها الله تعالى ، حتى اخذ الحديث بالإمامين الكبيرين شجوناً وشئوناً كل مأخذ وتوغل بهما وتوغلا فيه إلى مكنون العلم الذي يضن به على غير أهله .
إن هذه الحادثة اللقائية المكية ترشدنا إلى ما لعمروس من منزلة عظمى في العلم ودرجة عليا في الفهم .
لذلك نجد إمام المنقول والمعقول أبا يعقوب الوارجلاني رضي الله عنه يورده في كتابه (( الدليل والبرهان )) من بين الأئمة العشرة الذين نقل عنهم مسائل عقدية تعتبر قواعد في علم العقيدة .
فلا غرو أن تأتي (( الدينونة الصافية )) صافية من غير كدر نقية من أية شائبة عذبة المورد سائغة للشاربين .
على أن الدينونة معناها الدين وهو دين الإسلام الحنيف ، مشتقة من دان يدين وهي كلمة ليست لها صيغة تصريفية عند العرب ، وإنما مما عدوه من النوادر وقليل النظائر ومنه قولهم (( طار طيرورة ، وسار سيرورة ، وحاد حيدودة ، وكان كينونة ، ودام ديمومة ، وهاع هيعوعة ، وساد سيدودة ، وقال قيلولة )) .
إن هذا العمل الجليل هو واحد من نتاج فكر عمروس ووحي عبقريته الفذة ضمنه دقيق مسائل العبادات وواضح قضايا الأحكام .
ولقد جاء عمل الأستاذ الفاضل / حاج أحمد بن حمو كّروم في تحقيق الكتاب جهداً واضحاً ملموساً ، فهو قد بذل فيه جهداً مشكوراً حيث استطاع أن يجمع مخطوطات خمسا للكتاب وهو أمر يعتبر من أساسيات عمل التحقيق .
وان وزارة التراث القومي والثقافة وعلى رأسها سمو السيد / فيصل بن على بن فيصل آل سعيد وزير التراث القومي والثقافة حينما تهم بنشر هذا الكتاب فإنها تضيف إلى المكتبة الإسلامية كنزاً قيما من كنوز العلم والمعرفة ، وتملأ بذلك حيزاً من مساحة الفكر الإسلامي العظيم عقيدة وشريعة .
وما ذلك إلا إستلهاماً من توجيهات القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ليكون حاضر هذه الأمة موصولا بماضيها تراثاً ، وليكون اللاحق سائراً على درب السابق تاريخاً ، وليكون السلوك مستمداً من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ومأثور أهل العلم اعتقاداً وعملاً .
والله نسأله التوفيق إلى كل خير والسداد في القول والعمل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
أحمد بن سعود السيابي
10/ 6/ 1418هـ.
12/10/ 1997م .

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
مقدمة
{ الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } وبعد :
ففي إطار الهواية التي اخترتها مناط مستقبلي ألا وهي : جمع مخطوطات الأصحاب ، وتحقيقها بعد تنظيمها عثرت على هذا المخطوط النفيس في مكتبة البكري بالعطف أثناء قيامي بوضع بطاقات فنية لمخطوطات المكتبة في رمضان 1410هـ / 1990م .
وما زالت نفسي تميل للقيام بتحقيقه وإخراجه للنور حتى طلب مني أحد الأساتذة أن أفيده بمخطوط كلامي يقوم هو بتحقيقه فسارعت إلى الإجابة لطلبه حتى لا تنفلت الفرصة بأن قدمت له المخطوط الذي بين يديك .. وعندما تصفحه وجده دون مستوى الشرط الذي طلبه فأرجعه لي .
هنالك عقدت العزم على نفسي في بداية سنة : 1411هـ / 1991م لأن أقوم بالعلمية معتمداً على نفسي وعلى إمكانياتي الكليلة في الميدان راجياً من المولى عزّ وجل العون والتّوفيق ، وأهمّ ما حفّزني إليه هو وجود نسخة ثانية في مكتبة المدرسة الجابرية ببني يزقن ، إضافة إلى وجود تسهيلات لاقتناء النسختين من قيمي المكتبتين حفظهم الله ورحم المحبَّسين ـ وكذا المكتبة الخاصة لشيخنا الحاج محمّد بن بأحمد الحاج سعيد العطفاوي ـ رحمه الله ـ وأبنائه المعتنين بها تقبّل الله منهم .
استغاثة ملحة
وهنا لا أنسى أن أغتنم الفرصة لأوجّه استغاثة إلى :
أصحاب مكتبات الآباء والأجداد : أن يتّقوا الله في خزن المخطوطات التي في حوزتهم وألاّ يستحوذوا عليها في (( عمدٍ ممدَّدة )) وليعملوا صالحاً للحضارة والأجيال ـ على الأقل ـ بعدم إهمالها والاِستخفاف بحقّها... وأن يمدّوا يد المساعدة للرّاغبين على الاِطّلاع عليها لأنَّها ليست ملكهم وحدهم بل هي ملك للأجيال حتى لا تضيع الأمانة من أيدينا ..
أصحاب الشّهادات والألقاب العليا في مختلف فنون العلم الحديث : أن لا يتوانوا في تجديد أمر هذا التّراث الحيّ الضّخم ، وأن يمدّوا له أيديهم وأفكارهم وقلوبهم ؛ لئلاّ تستفزّه الأيدي المادّية والأفكار المغرضة... واعلموا أن الحجّة قائمة عليكم بم أوتيتم من (( بسطة في العلم والجسم )) والتاريخ لا يرحمكم ولا يعذركم في الكسل بما وفّر الله لنا من الوسائل المتطوّرة في الحياة .
أصحاب رؤوس الأموال : أن لا يردّوا طلاّب المساعدة المادّية في هذا الميدان... فالمال مال الله... وما نحن إلاّ موظّفون مكلّفون ومحاسبون بل ومسؤولون عنه : من أين ؟ وإلى أين...
وقبل أن أختم هذه الكلمات يجدر بي أن أعرض عليك أخي القارئ الخطّة التي سلكتها أثناء القيام بعمليّة التّحقيق الموضوعيَّ لفصول الكتاب ، ونصوص ترجمة المؤلّف .
عرض خطّة البحث والتّحقيق
نقلت هذه المخطوطات من مخطوطة ( د ) وقارنتها بمخطوطة ( أ ) و ( ب ) و ( جـ ) و ( هـ ) .
غالب الأخطاء اللغوية الموجودة في نسخة ( ب ) لم أثبتها في الهامش نظراً لكثرتها وبساطتها ، ويبدو أنّ ناسخ المخطوطة ( ب ) لم يكن عالما باللغة رحمة الله وتقبّل منه .
أشرت في الهوامش إلي ما كان من غموض كلمة بين النسخ فأبيّن الأنسب ليستقيم المعنى .
شرحت بعض الكلمات الجديدة والمصطلحات العلميّة ليفهمها القارئ .
خرّجت الأحاديث والآيات وأتممت ما يجدر إتمامه ، قدر المستطاع .
اعتمدت النسخة ( د ) أُمَّا للمخطوطات الأخرى نظراً لقدمها ، وجودة خطّها ، وضبطها وقلَّة الأخطاء فيها ، ولكونها تامَّة . اللهمَّ إلاَّ بعض الأخطاء الواضحة التي لا بدَّ من تصحيحها داخل المتن ، اعتماداً على النسخ الأخرى ـ خاصَّة ( هـ ) ـ مع الإشارة إلى ذلك في الهامش وهي قليلة .
أنني أطلت في التّرجمة رغبة مني في كشف الضبّاب الكثيف عن هذه الشّخصية النّموذجيّة التي لا يعرفها كثير من النّاس .
وضعت الفهارس المختلفة للكتاب ليسهل على الباحث مبتغاه .
بينّت القيمة العلمية للمخطوط وعرفت به وأثبت نسبته للمؤلّف حتى لا يكون مختلقاً عليه للشّهرة ، أو لقيطا تبنّاه بغير حق...
كما أنَّني حاولت إرجاع بعض الآراء في متن المخطوط إلى أصحابها اعتماداً على بعض أمَّهات كتب الفقه ، ومن أبرزها : (( مدوّنة أبي غانم الخرساني )) رحمه الله ، التي هي مصدر من المصادر الهامّة لهذا الكتاب .
لقد سمحت لنفسي بوضع عناوين الأبواب والفصول والفقرات ليجد القارئ راحته أثناء الاِستفادة منه... فأيّ عنوان وجدته بين معقوفتين فهو منّي .
لقد حاولت الاِبتعاد ما أمكن عن وضع تعليقات على الأفكار لئلا يتخم الكتاب فيخرج عن إطار التّحقيق إلى الشّرح إلاّ ما كان لا بدّ منه .
فما كان من حسن فبفضل الله وما كان من نقص فمن نفسي... وعلى الله قصد السّبيل وهو أعلم بما تخفي الصّدور...
والسلام عليكم ورحمة الله
القسم الأول
حول حياة المؤلف
ترجمة حياة المؤلَّف : الشيخ أبي حفص عمروس بن فتح المساكني النفوسي
مولده
ولد الشيخ عمروس بن فتح في قافلة نفوسة المتوجّهة إلى البقاع المقدّسة في أواخر العقد السّادس من القرن الثّاني الهجري . (1)
عائلته
أبوه : لم يسجّل لنا المصدر عن أبيه أيَّة معلومة تذكر...
أمُّه : توفيت وتركته في المهد صبيّا ، ورجعت بسببه من طريق الحجّ وعندما حضرتها الوفاة أوصت بالحجّ وغيره ، لَّما سئلت عمّن استخلفت في إنفاذ هذه الوصيّة... فأشارت إلى الذي في المهد ، وهو ابنها الرّضيع (( عمروس )) (2)
أخته : هي العالمة المشهورة بمواقف وأمجاد كثيرة منها ثلاثة للتّمثيل :
اشتراكها في نسخ مدونة أبي غانم الخرساني إذ كانت هي التي تملي على أخيها عمروس . (3)
__________
(1) …مجموعة ستة كتب... الكتاب الرابع ، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية لعبد الله بن حميد السالمي ص70... غير أن الشماخي في كتاب السير لم يذكر عمروس بن فتح منهم ص228 ؛ وكذا ج1 من مخطوط سير المشايخ لأبي الربيع الوسياني ص6... وبالتالي يبدو وأن السالمي استنتجه استنتاجا من السياق وهو الصحيح .
(2) …الدرجيني أبو العباس : طبقات المشايخ بالمغرب ، ط1 ، تحقيق إبراهيم طلاي ، مطبعة البعث ـ قسنطية ـ الجزائر ـ ج2 ، ص324 .
(3) …انظر النقطة الرابعة من (( فتاويه واجتهاداته )) من مقدمة هذا الكتاب .
اشتراكها في وقعة (( مانو )) بجبل نفوسة مع النسوة ، أين استشهد أخوها ، فلمّا خشيت على نفسها وعليهنَّ الفتنة من الظلمة أمرت كلَّ واحدة منهنّ أن تستخلفها الأخرى في تزويجها بمن يريدها بسوء . (1)
سئل الشّيخ سدرات بن إبراهيم المساكني النفوسي عن امرأة ولدت ولداً فبقي آخر في بطنها هل تأكل في رمضان نهاراً ؟ قال : نعم ، فقال بعض الأشياخ نعس الشّيخ ، فقالت أخت عمروس : (( إن نعس لم ينعس علمه وكلامه ، وجدناها تأكل إذا انشقّت المبولة(2) فكيف بهذه... )) (3)
أخوه : من خلال ما حفظته لنا كتب السير يبدو أنَّه لم يفقد حظّه من العلم ودرجته حيث اختبر أخاه عمروساً بسؤال عندما انتهى فترة التعلّم لائماً فقال له : (( لو رأيت إجرافاً في فدادينك ؟ )) فقال له مجيباً : (( لو رأيت أجرافاً يتلموا دينك... )) (4)
قبيلته
هي نفوسة البربرية التي نسب الجبل الغربي لطرابلس إليها بليبيا ؛ هذه القبيلة قال عنها الشمّاخي : (( بلغت في العلم والتقى والعدل والورع مبلغاً عظيماً ، يكاد أن يكون حاكيه كاذباً... بالشرق والغرب ، ولذا قال الإمام عبد الوهّاب رضي الله عنه : (( إنَّما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاته... )) (5)
__________
(1) …أبو زكريا يحيى بن أبي بكر : سير الأئمة وأخبارهم ، ت إسماعيل العربي ، مطبعة أحمد زبانة ، الجزائر ، نشر المكتبة الوطنية الجزائرية ، الجزائر ص104 . الشماخي : سير ص229 .
(2) …المبولة : هي الماء الذي يسبق خروج الولد ، انظر هذا الحكم في كتاب : شرح النيل ، للقطب أطفيش ، ج1 ، ص313 .
(3) …الشماخي : السير ، ص267 .
(4) …الشماخي : السير ، ص229 ، (( يتلموا دينك )) هكذا وجدت الكلمة . ولعل الصحيح ما قال الباروني : (( لو رأيت أجرافاً تثلم دينك لهان عليك أمري )) . الأزهار الإباضية ، ص254 .
(5) …الشماخي : السير ، ص267 .
هذا الجبل الذي كان ملاذ كثير من القبائل : (( لواته ـ مزاته ـ هوارة )) ويؤمه الأصحاب عند فتور النفس في العبادة فيقولون : (( نصعد الجبل لنصقل قلوبنا )) يعني بالعلم والذكر ومجالسة الصالحين . أبو زكرياء الجناوني : الوضع ، مقدمة المحقق ، ص11 .
هذه القبيلة التي يصفها المؤرخون بأنها في ذلك الزمان أكثر الناس حجاً فكانوا يحجون بنسائهم وذراريهم ، حتى إنهم ولد لهم في ركب واحد ثلاث مائة مولود ذكر . الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص325 . الشماخي : السير ، ص228 . الوسياني : سير ( مخ ) ج1 ، ص6 .
مكان ولادته ونشأته
مكان ولادته :
(( قطرس )) وهي القرية الجاثمة على ضفّة وادي تالة العميق من أرض الرحيبات بجبل نفوسة في ليبيا . (1)
نشأته :
في هذه الأجواء الطاهرة المفعمة بالعلم والورع تربّى الفتى عمروس وترعرع فوجد فيها خير عزاء وعوَض عن أمّه التّي لم يحظ بحنانها المدّة الكافية لأبناء سنّة...
حياته العلمية
لقد درس أوّلاً في مسقط رأسه (( قطرس )) مبادئ العلوم الدينيّة واللغويّة... ثمّ انتقل إلى المغرب (2) ليتعلّم هناك مدّة عشرين عاماً ..
هذا ما كتبته المصادر عن تعلّمه بصفة إجماليّة دون التعرض لأيّ تفصيل يشير إلى مشائخه ورفقائه في الدراسة أو العلوم التي درسها أكثر من الأخرى...
هل كان الشيخ مدرّسا ؟ : إنّ الإجابة عن هذا السؤال ذات شقّين أساسين ظنيين هما :
المصادر القديمة : إذا نظرنا إلى الكتب القديمة فلا نجد إشارة واضحة تذكر عنه أنَّه كان مدرّسا لحلقة من التلاميذ إلاّ ما نستشفُّه من ظلال بعض النصوص حيث ذكر الشيخ سليمان الباروني في تعليقاته :
على رسالة والده الشيخ عبد الله الباروني : " سلّم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئَّمة الدين " : ((... وهي قطرس ، وفيها مسجد الشيخ عمروس وأظنّه ابن فتح المساكني النّفوسي... )) (3)
وهل هذا المسجد المنسوب إليه بناه في حياته لهذا الغرض ؟ أم سمّي باسمه تكريما ؟ لا ندري...
__________
(1) …علي يحيى معمر : الإباضية في موكب التاريخ ، ج2 ، الإباضية في ليبيا ، القسم الأول ، ص137 .
(2) …الشماخي : السير ، ص229 . هذه الكلمة : (( المغرب )) لم تتعرض لها المصادر المعتمدة بشيء من التوضيح ، فأصبحت محتملة إلا أن الاستعمال السائد آنذاك عند الإباضية لهذه الكلمة هو (( تيهرت )) عاصمة الدولة الرستمية إذ كانت كعبة الطلاب والعلماء والمتكلمين حيناً من الدهر حتى غدت تعرف بـ (( بغداد المغرب )) كما أنها جاءت في غرب جبل نفوسة .
(3) …المصدر المذكور : ص54 .
ذكر الوسيانيُّ أنّ جماعة اجتمعوا في موضع يسمّى : " تنين أزدرشل " في طلب العلم وفيهم أبو نصر من تمصمص ، وهو المفتي والمجيب ، وفيها نفاث بن نصر ، وكان يلقي مشكلات المسائل عليهم ، وربّما عسر جوابها عن أبي نصر ومن معه ، ثمّ أتى عمروس ومهدي فسكت نفاث فقال أبو نصر : (( الآن جاء السلوقان اللذان يحرزان الحيّ وأمّا جروة أبي نصر فتنبح على (1) أكل الذئب الغنم فهرب الذئب " يعني بالجروة نفسه ويعني بالذئب نفاث ويعني بالغنم نفوسة ، والسلاليق (2) هما مهدي وعمروس(3) والسؤال هو : هل كان دائما يحضر هذا المجلس أم جاءه عرضا ؟ لا ندري...
يقول الحسن بن محمّد الوزّان القابسي من علماء القرن 10هـ : (( عمروس : مدشر يقع على بعد نحو ستّة أميال من طرابلس داخل الأراضي ويوجد فيه عدد كبير من النخيل وبساتين مليئة بمختلف الأشجار المثمرة )) (4)
هل كان في هذه المدينة مدرّسا ؟ لماذا نسبت إليه ؟ لا ندري...
لقد تصفّحت الكتب التي أوردت نسب المذهب الإباضي (5) فلم أجده مذكوراً في أيّ سلسلة من سلاسلها الذهبيّة ، نظرا لأنّ هذه السلاسل عادة ما تحوي المتصدّرين لحلقات العلم الذين يتلقّى عنهم التلاميذ أمانة الدين فيبلّغونه لمن بعدهم من التلاميذ والدعاة...
__________
(1) …الشماخي : السير ، ص328 .
(2) …السلاليق جمع السلوقي : الكلب الكبير المدرب على الحراسة .
(3) …الوسياني : سير المشايخ ( مخ ) ، ج1 ، ص23 . الدرجيني : طبقات المشايخ ، ج2 ، ص314 .
(4) …وصف إفريقيا ، ج2 ، ص110 ، ترجمة محمد حاجي ومحمد الأخضر .
(5) …الباروني محمد بن زكريا بن موسى : نسبة الدين ، ملحق بسير الشماخي . الباروني : رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين . القطب أطفيش : الرسالة الشافية .
المصادر الحديثة : أمّا إذا تصفّحنا الكتب الحديثة فإنّنا نجدها تذكره مدرّسا بدون إسناد لمصدر الفكرة... فمنهم المحقّق الشيخ عبد الرحمن بكلّي يقول : (( وقّف حياته على العلم تحصيلا وتأليفا وتدريسا... )) (1)
وعلى هذا فإنّني أرجّح أنّ الشيخ لم يكن مدّرسا لحلقة علم وإنّما كان من المتمكّنين في العلم المشتغلين بالمناظرة في مجالس المخالفين ودحض شبههم ، والدليل هو عدم إسناد سلسلة المذهب الإباضي إليه ، وهيبة نفاث منه إذا حضر مجلسا للمناظرة...
إذن فهو إمام من أئمّة الإسلام الذين ذاع صيتهم بأقوال انفردوا بها ، وساهموا في حفظ المذهب من التلاشي بتآليفهم القيّمة ، وغيرتهم النيّرة...
اشتغاله بالقضاء
لقد اشتغل الشيخ في وظيفته القضاء مدّة قصيرة ، حيث عيّنه أبو منصور إلياس ـ والي جبل نفوسة ـ على قضاء الجبل ، في عهد الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح ثم ابنه الإمام أبي حاتم يوسف بن محمد رحمهم الله ، ثمّ استقال من المنصب بسبب مضايقة بل مخالفته آراء بعض علماء عصره إذ أنَّه كان مرنا في أحكامه وفتاويه ، وهم يرفضون هذه المرونة خشية الفتك بعرى الدين بالنزوع إلى الرخص ، والسبب المباشر لهذه الإستقالة هو قضاءه بين عبد ومولاه وعندما اشتكى إليه العبد كان الشيخ أبو مهاصر يسمع ـ وهو شديد الأمر والنهي في دين الله ـ فغضب من جوابه وقال له : (( اِعطه حقّه من مولاه ، وإلاّ نزعك الله من ذلك المكان وردّ فيه غيرك )) . ولقد أبى الرجوع عن استقالته رغم الإلحاح عليه (2) وربّما لأنّ المعارضة على أحكامه قد تكرّرت عليه كثيراً من هذا الشيخ وغيره...
نماذج من أقضياته
__________
(1) …الجيطالي إسماعيل بن موسى : قواعد الإسلام ، تحقيق عبد الرحمن بن عمر بكلي ، هامش المحقق ، ج1 ، ص12 .
(2) …الشماخي : السير ، ص229 ، الباروني ، الأزهار الإباضية ، ص254 .
لقد رغبت في عرض هذه النماذج رغم أنَّها إطالة للترجمة وذلك لأنَّها لا تخلو من إبراز الجوانب اللاّمعة في شخصية الشيخ وتعيننا على تفهُّم الأفكار التي بثَّها في كتابه...
اختصم إليه ذات مرّة رجلان فاستمسك أحدهما بالآخر ، فقال للمدّعى عليه : (( ردّ الجواب )) فسكت ، فأعاد عليه فسكت... فقام إليه فركضه برجله ، فقال له جلساؤه عجلت يا عمروس...
فجمع أصابعه بيده فقال : (( كم هؤلاء )) فقالوا : (( خمسة )) ، فقال لهم : (( ما عجلت له إلاَّ كما لم تعجلوا أنتم إذ لم تعدوها واحدا واحداً ))... فقال لألياس : (( إن لم تأذن لي بثلاث ، فخذ خاتمك عنّي : قتل مانع الحقّ ، والدالَّ على عورات المسلمين ، والطاعن في دين المسلمين )) . (1)
وذكر أنَّ قافلة وقع عليها قطَّاع الطرق فانتهبوها ، ثمَّ إنَّ أصحاب القافلة والقطَّاع اصطحبوا جميعا إلى جبل نفوسة في زمان ولاية أبي منصور إلياس وقضاء عمروس ، فتشاجروا فيما بينهم ، وكلُّ يدَّعي القافلة ، وانتهوا إلى الوالي فحار في أمرهم ؛ وقال : أحكّم بينهم عمروس... ثمَّ إنَّ عمروساً عزل أصحاب القافلة على حدة ، وانفرد بكلَّ واحد منهم يسأله عما رفع وما علامة حمله ومتاعه ، فكتب ذلك كلّه ، ثمَّ انفرد بالقطّاع فسألهم كما سأل الأولين ، فكتب ما قالوا ، ثمَّ أخرج ما في الأحمال فوجده كما قال الأولون أصحاب القافلة بها لهم... ووجد قول القطّاع مختلفا بعضه ينقض بعضا ؛ فقال القاضي عمروس لألياس : (( هؤلاء أصحاب القافلة وأولئك أضيافك أضفهم )) . يعني يحبسهم ويؤدبهم . (2)
جهاده واستشهاده
__________
(1) …الوسياني : سير المشايخ ( مخ ) ج2 ، ص2 ، الدرجيني : طبقات المشايخ ج2 ، ص321 . الشماخي : السير ص226 .
(2) …الوسياني ، سير المشايخ ( مخ ) ، ج1 ، ص3 ، السير ص226 ، علي يحيى معمر : الإباضية في ليبيا القسم 1 ، ص141 ـ 142 .
إضافة إلى كلّ ما كنت أذكره لك من جهاد الشيخ بلسانه وقلمه فإنّه لم يهمل نصيبه من الجهاد بالسيف حيث شهد وقعة " مانو " بين نفوسة والأغالبة ، وكان في آخر المعركة يحمي الناس ويذود عنهم ولم يقدروا عليه ، (( وكان على فرس سابق ، فلمّا أعجزهم وأتعبهم عمدوا إلى الحبال فنصبوها له واضطروّه إليها فعثر به الفرس فأخذوه أسيرا ومضوا به إلى الفاسق إبراهيم بن الأغلب ، فسألوه أن يستعفيه ليعفيه ، فقال لهم : كلمة لا تسمعوها منّي ، ولكن أسألك في سراويلي هذه لا تكشفوني منه ، فأخذوه يقطعونه بالحديد من أنامله ، فلمّا وصلوا إلى عضده استشهد (( رحمه الله )) . (1)
فقال ابن عذاري المرّاكشي : (( وفي سنة 284هـ كانت وقعة نفوسة لأبي العبّاس بن إبراهيم فقتل منهم مقتله عظيمة ، وأسر منهم ثلاثة مائة ، فلمّا وصل بهم إلى والده إبراهيم إبراهيم بن أحمد دعا بهم... فقرب إليه شيخ منهم ، فقال له إبراهيم : (( أتعرف علي بن أبي طالب ؟ )) فقال له : (( لعنك الله يا إبراهيم على ظلمك وقتلك )) . فذبحه إبراهيم وشقّ عن قلبه وأخرجه بيده وأمر أن يفعل ببقيّة الأسارى كذلك... حّتى أتى على اخرهم ونظمت قلوبهم في حبال ، ونصبت على باب تونس )) . (2) وهي في عهد المعتضد بالله الخليفة العبَّاسي ببغداد (ت : 289هـ) لا في عهد المتوكّل (ت : 247هـ) كما يشير الوارجلانُّي والدرجينيُّ .
وفاته
__________
(1) …أبو زكريا : سير الأئمة ، ص104 ، الشماخي : السير ، ص229 ، الدرجيني : طبقات المشايخ ، ج1 ، ص89 ، سليمان الباروني : الأزهار الإباضية ، ص282 ، علي يحيى معمر : الإباضية في ليبيا ، القسم 1 ، ص 142 .
(2) …ابن عذاري : البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ط2 تحقيق ج ، س كولان وأ . ليفي بروفنسال ( دار الثقافة بيروت ، ج ، ص130 ) .
وهناك اختلاف طفيف بين المراجع في تحديد سنة الواقعة التي تعنينا في ضبط السنة التي توفَّي فيها الشيخ عمروس بن فتح رحمه الله... فالمصادر الإباضيَّة كُّلها متَّفقة على سنة 283هـ (1) نقلاً عن ابن الرقيق القيرواني صاحب تاريخ إفريقيَّة ، إلاَّ الشيخ البكري فقد أشار إلى أنَّ هذه الوقعة كانت في سنة 282هـ . (2)
أمَّا المصادر غير الإباضية فهي تشير إلى السنة التي وقعت فيها الكرة من ابن الأغلب على نفوسة ، وهي سنة 284هـ (3) أي بعد عام من وقعة مانو...
وبناء على هذا التاريخ يتبين لنا أن الشيخ قد عمر طويلا(4) . وأهم دليل نستند إليه في هذا هو نسخه لمدونة أبي غام الخراساني في عهد الإمام عبد الوهاب الذي توفي سنة 190هـ ، وبالتالي لا يمكن أن يكسب هذه الثقة ، ولا يستطيع أن يصل إلى هذا المستوى من التفكير إلا بعد أن تجاوز سن البلوغ (18 سنة على الأقل) (5) . وبذلك يمكن أن نقدر ميلاده في أواخر العقد السادس من القرن الثاني للهجرة .
أسرته
لم تتعرض المصادر التي بين أيدينا لشيء من أسرة الشيخ (زوجه وأولاده) إلا بصورة يسيرة عامة ، وذلك عندما كتب وصية حياته قبيل الخروج إلى معركة مانو .. (6) .
حالته المادية
يبدو أن الشيخ في الجانب المادي كان دون الأغنياء الكبار ، وأفضل من الفقراء الضعاف ، إذ أنه كان يملك ما يلي :
__________
(1) …الشماخي : السير ، ص268 ، الباروني : الأزهار ، ص280 ، الجيطالي : قناطر الخيرات ، تحقيق عمرو خليفة النامي ، ج ، ص49 .
(2) …الجيطالي : قواعد الإسلام ، هامش المحقق ج1 ، ص12 .
(3) …ابن عذاري المراكشي : البيان المغرب ، ج1 ، ص130 .
(4) …الدرجيني : طبقات ج2 ، ص320 . ويقول الشماخي نقلاً عن الدرجيني : (( حاز قصب السبق ، وإن كان في السن متأخراً . السير ، ص225 .
(5) …الدرجيني : طبقان ج2 ، ص323 . يقول ( وعمروس حينئذ حدث ) أي صغير السن .
(6) …الدرجيني : طبقات ج2 ، ص323 ، الشماخي : السير ، ص228 .
أدوات الكتابة والتأليف (نسخه لمدوَّنة أبي غانم ، وتأليفه كتابه في الأصول) .
السفر إلى الحج الذي يتطلب الزاد ووسيلة النقل .
الخروج إلى البادية ابتغاء فضل من الله ونعمة مع أبي مهاصر .
له عبد نصراني (1)... وبغلة يستقي عليها . (2)
وسائل الجهاد (فرس سابق وسيف قاطع) .
مؤلفاته
لقد نسب المؤرخون للشيخ عددا من المؤلفات منها الموجود ، ومنها المفقود ، منها المكتوب ، ومنها الذي بقي في الخاطر أمينة غير محققة...
كتاب " العمروس " الذي أجاب به الشيخ عبد الخالق الفزاني (3) .
كتاب في الخاطر مشروعا هو في قول الدرجيني : (( بلغنا أنه هم أن يعلق تأليفا في الفقه ولم يسبق في طريقته ، عزم أن يفرق في العلم على ثلاثة أوجه : التنزيل والسنة والرأي ، وما يتعلق بكل واحد منها من المسائل فيرتب كل باب من أبوابه ويبنيه على القواعد الثلاثة... فلم يقدر الله بذلك بل قضى له بإعجال الحمام )) (4) .
كتابان في الأصول والفقه . (5)
كتاب عمروس بن فتح . (6)
كتاب أعلام الملة .
كتاب الحكم والمعارف .
كتاب الدينونة (7) الصافية . (8)
كتاب في الرد على النكاث وأحمد بن الحسين . (9)
__________
(1) …الشماخي : السير ، ص230 .
(2) …الشماخي : السير ، ص229 .
(3) …الشماخي : السير ، ص229 ، الجيطالي : قناطر الخيرات ، تحقيق د. عمرو خليفة النامي ، ص49 . ولعل انفراد الشماخي بذكره هو الذي جعل الدكتور النامي ينفي وجود هذا الكتاب تماماً في مؤلفات الشيخ ( دليل المؤلفين الليبيين ص300 .
(4) …أبو زكريا الوارجلاني : سير ، ص96 ، الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص321 ، الشماخي : السير ص225 .
(5) …أبو زكريا : سير ، ص99 . هكذا ذكرهما بدون أي توضيح .
(6) …البرادي : الجواهر المنتقاة ، ص219 ، هكذا بدون أي توضيح .
(7) …هذه الكتب الثلاثة ذكرها الشيخ عبد الرحمن بكلي في هامش ص12 من كتاب قواعد الإسلام للجيطالي .
(8) …دليل المؤلفين العرب الليبيين ، ص300 .
(9) …المصدر السابق .
تلاحظ أخي القارئ أنني جمعتها بدون تعليق ، ولو كانت بدون عنوان أو كان عنوانها مكرراً ، وذلك خشية أن يكون أحدها موجوداً ، فأجني عليه بالغفلة والسكوت ، ولا مانع أن أشير إلى أن المحقق في التراث الإباضي الدكتور عمرو خليفة النامي جزم في مقدمته على كتاب " الرد على جميع المخالفين " ص(ي) المحققة المرقونة ، بأنه لم يبق لنا من تراث الشيخ عمروس إلا رسالتان : إحداهما بعنوان " الدينونة الصافية " وأخرى بعنوان " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " . وأما الشيخ فرحات الجعبيري في كتاب البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية ص109 ، فيجزم بوجود الأولى منهما فقط ، وأشار إلى مكان وجودها في المكتبة البارونية بجربة تونس .
فتاويه واجتهاداته
لقد اشتهر الشيخ بفتاويه مثبوتة في بطون كتب المذهب الإباضي في الأصول والفروع ، ولذلك احتل مكانة مرموقة في تاريخ أعلام المذهب ؛ ولعل انفراده ببعض هذه الفتاوي عن معظم علمائنا ، يجعلني أتجرأ على العلماء فأصفه بأنه بلغ " درب الاجتهاد في الدين "... وعندما أعرض لك بعضا منها فاحكم بما شئت بعد اطلاعك الموضوعي على ما يتضمنه الكتاب الذي أرجو أن أكون موفقاً في تحقيقه إن شاء الله .
جلس الشيخ ذات مرة مع داود بن ياجرين وماطوس بن هارون رضي الله عنهم يتحدثون حتى قالوا لعمروس : (( أهل شروس لا يكذبون )) ، فكان عمروس بعد ذلك يجيز شهادتهم ، فتذاكر الشيخان ما يفعل عمروس ، فقالا له : (( مالك تحكم بكل أهل شروس ؟ )) فقال لهما : (( إنما أحكم بكما لا بهم ، لأنكما زكيتماهم بقولكما : أهل شروس لا يكذبون )) ، فقالا له : (( ما ذلك مرادنا )) ، فترك جواز شهادتهم بعد ذلك إلى أهل العدالة والرضى . (1)
سأله رجل بمحضر أبي مهاصر عمن أخذ من مال ابن طيلون ، خرج فتاب ولم يعلم له صاحباً ، قال : (( تسأل عن مولاه ، فإن أعياك أمره فتصدق به ))... فغضب أبو مهاصر فقال : (( لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا ))... قال عمروس : (( إن أردت أن تقعد فاقعد ، فإن من شأن المسلمين أن لا يؤيسوا أحداً من رحمة الله )) . (2)
__________
(1) …الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص3 ، ولكن الدراجيني استبعد أن يقع مثل هذا العبث بأحكام الله من الشيخ ، فقال (( وعمروس أجل من أن يتجاوز إلى هذا القدر ، أو ينسب إليه هذا التهاون )) فأوله بأنه توبيخ مؤدب مع الشيخين لأنهما أعلى منه مرتبة حتى يعدلا فتواها ، إلى أن قال : (( وهذه إحدى فضائله ، لا ينسب إليه غير هذا )) . الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص322 .
(2) …الشماخي : السير ، ص227 . قال الشيخ على يحيى معمر : (( لقد كان أبو مهاصر شديداً وهو يرى أن يلزم صاحب الخرج أن يبحث عن صاحبه أو ورثيه مهما كلفه الأمر ، ولن يبرئه من التباعة غير ذلك ، أما عمروس فقد كان أعمق فهماً لأسرار الشريعة .. وقد أصبح قول عمروس هو القول المعمول به في الأحوال المشابهة )) . الإباضية في ليبيا ، القسم الأول ، ص140 .
حدث جماعة من المشايخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع هو وعمروس بن فتح رحمهما الله ، فلبثا أياماً على غير ماء في برية من الأرض ، لا يجدون ما يتوضؤون به ، إنما كانوا إذا حضرت الصلاة تيمموا وصلوا ، وتكدر خاطر أبي مهاصر لذلك ، حتى قال ذاماً لهذه الحال : (( قلوب تربو عليها الشحوم مما سمنت ، ووجوه تعلوها الغبرة ، قلت سلامة الدين مع أهل الوبر ، إنما الدين في المدر ، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لاتباع شهواتنا ، وإني لأخاف أن أكون ممن عاب الله عز وجل ، فقال فيهم : { أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } (1) (( فرد عليه عمروس بأن قال له : (( ليس في ذلك ما تخافه ، فقد أباح الله التيمم عند الضرورة ، فأبان ذلك في كتابه ، وعلى لسان نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك في ابتغاء الفضل ، وقطع الفيافي ـ المجاهل من الأرض ـ وقال : { وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ } (2) وقال : { عَابِرِي سَبِيلٍ } (3) وقال : { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } (4) )) فلم يقنع ذلك جميعاً أبا مهاصر بل أرتحل راجعاً إلى منزله . (5)
__________
(1) …الآية 59 من سورة مريم.
(2) …الآية 10 من سورة الجمعة.
(3) …الآية 43 من سورة النساء.
(4) …الآية 43 من سورة النساء.
(5) …الدرجيني : طبقات ج2 ، ص306 .
من أهم الحسنات التي سجلها له التاريخ ، هو استنساخه لمدوَّنة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني ، هذا العالم الذي مرَّ بالشيخ عمروس بجبل نفوسة ، فأودع عنده مدوَّنته التي رواها عن حملة العلم ـ تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ـ في الفروع ، وهو قاصد وجهة بغداد المغرب ـ تيهرت ـ لزيارة الإمام عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن... فأفتى عمروس لنفسه باستنساخ الوديعة رغم أنَّه لم يستأذن صاحبها (1) فأملتها عليه أخته حتَّى أتمَّاها ، وردها في مكانها ، وعندما رجع أبو غانم إليها اكتشف ذلك ، بعلامة وقعت على الأصل وهي نقطة حبر لم ينتبه إليها عمروس ، أو تعمدَّها . فقال له : (( أسرقت هذه ؟ )) قال : (( نعم ، سمَّاني سارق العلم )) إخباراً لا أمراً . (2)
وكأنه بهذا يشير إلى جواز استعمال وديعة من هذا النوع بمثل هذه الطريقة ، إذا كانت في صالح المسلمين .
__________
(1) …يشير الوسياني إلى أنه استأذنه فأبى .
(2) …ويقول عنه الدرجيني : (( وكأن الكتاب في اثني عشر جزءاً. وفي إثر هذا كان ما كان من إتلاف ديوان تاهرت غصباً وحرقاً ، ولولا تمسك عمروس بهذا الكتاب لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب ديوان يعتمد عليه ؛ وذلك بحسن نية عمروس وبركته ويمنه )) انظر : الوسياني : سير (مخ) ج1 ، ص4 . الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص323 . الشماخي : السير ، ص228 . الباروني : الأزهار ، ص253 . علي يحيى معمر : الإباضية في موكب ، الإباضية في ليبيا ، القسم الأول ، ص128 . وهذه المصادر كلها تعلق على فعل عمروس وتحمده .
لما حضرت الوفاةُ أمَّ عمروس أوصت بوصايا وأشهدت عليها... فقيل إلى من تفوّضين تنفيذ هذه الوصايا ؟ قالت إلى ذلك الذي في مهدي فأشارت إلى عمروس الرضيع... فلما بلغ أشده شرع في تنفيذ الوصايا في وجوهها ، إلا وصيتها بالحج فقد توقف عنها . لماذا ؟ لأنه لا يعرف منزلة أمة من الولاية والبراءة... وجعل يسأل في جهات من نفوسة عن أحوالها ، فلم يجد من يعرف حالها وتولاها غير امرأة واحدة ، فتولاها لذلك وحج عنها...
ويريد من هذا العمل أن يرشدنا إلى أمرين هامين في مجال العقيدة :
أن الحجة في ولاية الدين يمكن أن تقوم بشهادة النساء والعبيد إذا كانوا ممن قبل قوله وتقوم به الحجة .
أن الذي يحج عن غير متولى فإنه غير مرضى الفعل ولا مشكور الحال... (1)
والثالثة تتمثل : في جواز استخلاف الوارث على تنفيذ الوصية ولو كان في المهد صبيا .
كانت لأبي محمد ملي الإيدر في بقرة تحلبها امرأة كل صباح دون أي جهد ، وذات مرة مرة ركضت فدفقت قدح الحليب على غير عادتها فلما شكت الزوجة لبعلها قال : ما هذا إلا لنازلة سوء شنيعة نزلت بالجبل فأخذ عكازه وخرج مبادراً ، فأتى مجمع أهل الجبل ، فوجدهم مختلفين على رجل ينكل ويجلد ، فسألهم عن شأنه فقالوا له : جاء في كتاب الوالي... فقال : أبسواد في بياض تهرق الدماء يا نفوسة ؟ أو قال : يا معشر المسلمين ؟ فقالوا لعمروس : جاوبه... فقال : إذا قيل الحق بطل الجواب... قال : فسألوا عن الرجل فغدا هو غير المكتوب فيه... فقال لهم عمروس : إذاً قصوا ضربه... فأعطوا ديته فأعطى فيهم عمروس سهمه... (2)
__________
(1) …الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص6 . الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص325 .
(2) … الوسياني : سير (مخ) ، ص14 . الدرجيني ، طبقات ، ص334 .
لما سمع عمروس بموت الشيخ أبي مهاصر موسى بن جعفر رضي الله عنه أكبر المعارضين لفتاويه ـ سارع ليبلغ جنازته ، فوصلهم وهم يجعلون التراب على قبره ، فوضع عليه يده فقال : (( الآن يا أخي أمنت لك )) . يعني من همزات عدو الله إبليس ومكائده...
وفي الحديث : (( إن إبليس يأتي المؤمن عند خروج روحه ويكيده ، ويقول له : سلمت منّي آمنك منك الآن يا عدو الله )) يعني ذلك الشيخ عمروس رضي الله عنه أجمعين لا يعني غير ذلك (1) قال الشماخي : قال الجهال : استراح منه وتأولوه لأموره الدنيوية... أعني جهال إفطمان بلد أبي مهاصر... (2)
قبيل خروجه للجهاد الذي حظي فيه بالشهادة كتب وصيته ومكنها ورثته فقال لهم (( اعملوا بما فيها وأنا خصيمكم غداً بين يدي الله )) (3)
مكانته العلمية
يقول أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر : (( وكان عمروس عالماً كبيراً... )) (4) وقال : (( وكان حافظاً فاطناً حاضر الحجة )) . (5)
وقد وصفه الشيخ الدرجيني قائلاً : (( بحر العلوم الزاخر ، المبرز أول السباق وهو الآخر ، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم ، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادفة تلك الهموم... لازم الدرس والاجتهاد ثم رابط على الجهاد... (6) ولم تزل الأمثال مضروبة به بعلومه وآدابه ، وحيال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه إذ كان علم الدين يقتدى به )) (7)
__________
(1) …الوسياني : المصدر السابق ، ص22 .
(2) …الشماخي : السير ، ص228 .
(3) …الوسياني المصدر السابق ، ص4 ، الدرجيني ، طبقات ص323 ، الشماخي المصدر السابق ص228 .
(4) …سير الأئمة وأخبارهم ، ص99 .
(5) …نفس المصدر السابق .
(6) … الدرجيني : طبقات ، ص320 .
(7) … المصدر السابق ك ص321 .
وروى أبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني عن أشياخه أن عمروساً عالم غاية زمانه . (1)
قال الشيخ علي يحيى معمر : (( كان عمروس من أكبر أئمة العلم والدين وله أقوال إنفرد بها وحسب من أجلها إماماً )) . (2)
وذكر الشيخ سليمان الباروني أنه استشهد من نفوسة في وقعة مانو أربعمائة عالم فيهم من المشاهير والعلماء الكرام أبو ميمون وعمروس وماطوس . (3)
وذكره الأستاذ بحار إبراهيم من بين مشاهير علماء تيهرت فقال : (( ويشغل عمروس بن فتح النفوسي مكاناً بارزاً في طبقات الإباضية إذ كان عالماً غاية زمانه... (4) وقد صنفه الدرجيني في كتابه طبقات المشايخ بالمغرب في الطبقة السادسة (250 ـ 300 هـ) (5)
وذكره الشيخ أحمد بن سعيد الشماخي في سيره عند تسمية شيوخ نفوسة ثالثهم (أبو حفص عمروس بن فتح من أمو ساكن) . (6)
__________
(1) … الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص2 . علي يحيى معمر : الإباضية في موكب التاريخ ، ج2 . الإباضية في ليبيا ، القسم 1 ، ص139 .
(2) … الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص2 . علي يحيى معمر : الإباضية في موكب التاريخ ، ج2 . الإباضية في ليبيا ، القسم 1 ، ص139 .
(3) … الباروني : الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية ، ج2 ، ص282 .
(4) … إبراهيم بحار : الدولة الرستمية ، ص326 .
(5) … الدرجيني : ج2 ، ص326 .
(6) … الشماخي : السير ، ص590 .
سافر إلى الحج مع جماعة من أصحابه فدخلوا إلى مجلس علم يتصدره الشيخ محمد بن محبوب بن الرحيل العماني ، فأدنى مجلسهم دون أن يتعرف على أعضاء الوفد...وأثناء تجاذب الفتوى بين الحاضرين ألقى عمروس سؤالاً... فقال ابن محبوب : إن كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه فقالوا له هو السائل : فرفع ابن محبوب مجلسه وزاد في دنوه فجعل عمروس يسأله في مسائل الدماء وأكثر ، فقال ابن محبوب : هذا من مكنون العلم فلا يعلن به في قوم جهال ، فقال عمروس لأصحابه : إحفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب فلما قدموا نفوسة ، قال عمروس : هلموا ما تكلفتكم ، قالوا : لم يبق معنا إلا قولك إحفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب لنرد بها على إخواننا . ثم إن عمروساً أعادها مسألة مسألةَ . (1)
قال الشيخ عبد الرحمن بكلي : (( الإمام عمروس بن فتح المساكني النفوسي إمام من أئمة الدين وكهف من كهوف العلم في القرن الثالث الهجري )) . (2)
أرسل له أحد الأشياخ من علماء فزان رسالة يطلب منه أن يؤلف له كتاباً في الأصول ، فكتب إليه الكتاب المعروف بـ (( العمروسي )) وكتب إليه رسالة فلما رآه الفزاني ـ وهو الذي ألف الكتابين المعروفين بأصول الكلام ـ قال النفوسي أعلم مني... (3)
مميزاته وعصره
مميزاته :
فمن خلال ما استعرضنا في الأبواب السابقة تتجلى لك مميزات الشيخ فيما يلي :
الورع والتقوى : وكان له الحافز على العدل في القضاء ، كما أنه لم يسمح لنفسه بالحج عن أمه حتى يجد من زكاها له في الولاية .
الذكاء والاجتهاد : يمكن أن تتجسد ذلك من خلال بعض النماذج التي وضحتها لك في باب القضاء والفتاوى .
__________
(1) … الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص6 ، الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص324 ، الشماخي : السير ، ص227 .
(2) … الجيطالي : قواعد الإسلام ،ج1 ، ص12 ، تحقيق الشيخ عبد الرحمن بكلي .
(3) … الشماخي : السير ، ص229 .
حب العلم : والدليل هو : المدة التي قضاها في التعلم ، ثم تخصصه في الفتوى ، وكذا استنساخه للمدونة .
تقدير العلماء : يظهر ذلك جلياً في قصته مع داود بن ياجرين وماطوس بن هارون في إجازته شهادة أهل شروس كلهم .
إحقاق الحق : إن اقتحامه لأكثر القضايا ولو لم ترق الوالي أو الخصم يكفي دليلاً لذلك .
حب الجهاد : ولا أدل على ذلك من عدم تمكن العدو منه إلا بعد أن نصب له فخاً لإسقاطه .
الشجاعة والإقدام : فهو لا يخاف ممن يعارضه في فتوى ولو كانت نقيض رأي الحاكم ولا أدل على هذه الشجاعة من عدم الخضوع لابن الأغلب في طلب العفو منه .
عصره :
لقد وجد الشيخ عمروس في ظروف سياسية مضطربة لم تعرف الاستقرار إلا في فترات متقطعة قصيرة...
ففي المغرب : نجد ثورة ابن فندين ـ ثورة ابن السمح ـ ثورة نفات بن نصر ـ فتنة ابن عرفة ـ غارات الأغالبة على الدولة الرستمية وولاية نفوسة والقيروان ـ وقعة مانو ـ فتنة زواغة مع والي نفوسة ـ فتنة ابن طولون ، وعلى النقيض من هذا نجده قد عايش الازدهار العلمي الذي يعد فيه الشيخ واحداً من نماذجه ويكفي أن نعرف أن وقعة مانو فقط حصدت أربعمائة عالم من نفوسة وحدها ، ولا ندري كم حصدت الثورات الأخرى ليتجسد لنا هذا الازدهار الفائق في تيهرت .
كما أنه عايش أيضاً الازدهار الاقتصادي الذي امتاز به عصر الدولة الرستمية وضواحيها... هذا الازدهار الذي مد جذوره إلى السودان وغانا ومالي وتشاد وسجلماسة ، وشارك في نشر الإسلام في هذه الربوع التي لم يصل إليها الفتح الإسلامي إلا من خلال القوافل التجارية الآتية من شمال إفريقية . (1)
__________
(1) … لمزيد من المعلومات راجع : كتاب الدولة الرستمية ، للأستاذ بحاز إبراهيم .
أما في عمان بالمشرق : فإننا نجده في عمان قد عاصر إمامة غسان ابن عبد الله اليحمدي (207هـ) ـ وعبد الملك بن حميد (ت226هـ) ـ والمهنا بن جيفر (277هـ) ـ والصلت بن مالك الخروصي (ت273هـ) ـ وراشد بن النظر اليحمدي (ت277هـ) ـ وعزان بن تميم الخروصي (ت280هـ) ، ولقد كان الرخاء والاستقرار يسود عهود الأئمة الأربعة الأولى بصفة عامة لولا تقطعه بفترات من الكوارث الطبيعية والبشرية أما في عهد الإمام الخامس فقد عمت فيه الفوضى والتعصب للقبيلة ( عدناني ، يماني ) وبلغ أشده في عهد الأخير منهم فانتشرت الفتن الداخلية بين القبائل وتوالت حتى استنجد المضريون لخلع الإمام بعامل المعتضد العباسي محمد بن بور في عمان فاستغل الخليفة الفرصة لاحتلال عمان فأمد الوالي بخمسة وعشرين ألف مقاتل فأسفرت المعركة عن قتل الإمام وعدد كبير من العمانيين منهم أربعمائة عالم إلى أن بويع لمحمد بن الحسين الخروصي سنة 282هـ ، وثمانية آخرين إلى سنة 320هـ . ومع ذلك لم تخل من علماء أجلاء لهم باع طويل في التأليف والمناظرة مثل : موسى بن علي بن الحصين العنبري وبشير بن المنذر ـ أحد حملة العلم ـ ومحمد بم محبوب بن الرحيل ـ الذي التقى به الشيخ عمروس في مكة ـ وأبو المؤثر الصلت بن خميس وغيرهم كثير... (1)
أما في بغداد : فقد تعاقب على الخلافة الإسلامية هارون الرشيد (ت: 193هـ) ـ والأمين (ت: 198هـ) ـ والمأمون (ت: 218هـ) ـ المعتصم (ت: 227هـ) ـ والواثق (ت: 232هـ ) ـ المتوكل على الله (ت: 247هـ) ـ المنتصر (ت: 284هـ) ـ المستعين بالله (ت: 252هـ) ـ المعتز (ت: 255هـ) ـ المهتدي (ت: 256هـ) ـ المعتمد (ت: 279هـ) ـ المعتضد (ت: 289هـ) .
__________
(1) … لمزيد من المعلومات راجع : كتاب عُمان تاريخ يتكلم ، لمحمد بن عبد الله السالمي وناجي عساف ، والعقود الفضية في أمور الإباضية ، للحارثي ، ص256 .
وهذه القائمة الطويلة دليل على عدم الاستقرار السياسي في عاصمة الدولة العباسية ، وهذا لا ينفي وجود ازدهار مرموق في الجانب العلمي والاقتصادي .
أما في الأندلس : فقد شهد أواخر أيام عبد الرحمن الداخل (ت: 172هـ) ، ثم ولاية هشام الأول (ت: 181هـ) ، ثم ولاية الحكم الربضي (ت: 206هـ) ، ثم ولاية عبد الرحمن الثاني (ت: 238هـ) ، ثم ولاية الأمير محمد الأول (ت: 273هـ) ، ثم ولاية المنذر (ت: 275هـ) ، ثم ولاية عبد الله بن محمد (ت: 300هـ) . وبذلك يكون قد عاصر أيام تكون الدولة الأندلسية وأيام شبابها التي لم تخل ازدواجية بين السلم والحرب مع الداخل والخارج ، وبين الازدهار الاقتصادي والعلمي والتطور الاجتماعي ، فمثلاً عاصر عالم الطيران والكيمياء والفيلسوف الشاعر يحي الغزال ، والأديب الكبير أحمد بن عبد ربه . كما شهد عصره توسع مسجد قرطبة والتطور العمراني بالأندلس .
غير أن الشيخ فيما يبدو لم يكن له أي اتصال بهذه الحركات الحضارية في أطراف الدولة الإسلامية ، إلا ما كان عرضاً في آخر حياته من حروب نفوسة مع الأغالبة ، أو سفراً قاصداً أثناء لقائه مع ابن محبوب في مكة .
ولعل السبب يكمن في اكتفائه بالحركة العلمية بالمغرب الإسلامي ، وكذا ارتقائه منصب الصدارة العلمية في هذه الحركة حيناً من الدهر .
شخصيات لامعة عاصرها الشيخ
أثناء جمع معلومات الترجمة عثرت على كثير من الشخصيات الإباضية وغير الإباضية ، ذات المكانة العلمية أو السياسية التقى بها الشيخ أو عاصرها ، وهي مؤثرة في الأحداث بصورة أو بأخرى ، خاصة في مواطن الإباضية بالمغرب . ولعلك ـ أخي القارئ ـ قد التقيت مع أكثرها في الفقرات السابقة للترجمة ، فرأيت من الأفضل أن أحصرها لك في هذه القائمة ليسهل عليك ضبط تأثيراتها المباشرة أو البعيدة في تكوين حياة الشيخ وترقيتها .
الشخصية... علاقتها بحياة الشيخ... مصادر ترجمتها
أبو الحسن الأبدلاني... الفقيه الشهير ومنجد تيهرت... الشماخي : السير ، ص172
أبو بكر بن أفلح... إمام بتيهرت قتل ابن عرفة في عهده... الباروني : الأزهار ، ص222
أبو ذر أبان بن وسيم النفوسي... وال على جبل نفوسة وعالم... الباروني : الأزهار ، ص219
أبو عبيدة بن الأعرج... فقيه من تيهرت... الباروني : الأزهار ، ص243
أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني... وال على جبل نفوسة... الباروني : الأزهار ، ص143
أبو مهاصر موسى... عالم صاحب الشيخ... الشماخي : السير ، ص198
أبو ميمون... عالم وشهيد موقعة مانو... الشماخي : السير ، ص232 ، ص269
أبو نصر التمصمصي... عالم التقى به الشيخ... الشماخي : السير ، ص202
أحمد بن الحسين... عالم التقى به الشيخ... الشماخي : السير ، ص328
أفلح بن العبَّاس النفوسي... وال على جبل نفوسة وعالم... الباروني ، الأزهار ، ص245
أفلح بن عبد الوهَّاب... إمام بتيهرت وعالم... أبو زكريا : سير ، ص85
أيُّوب بن العبَّاس... وال على جبل نفوسة وفارسها... الباروني : الأزهار ، ص152
إبراهيم بن أحمد الأغلبي... قائد جيوش وقعة مانو... أبو زكريا : سير ص107
إلياس النفوسي ، أبو منصور... وال على جبل نفوسة وعالم... الباروني : الأزهار ، ص251
الطيب بن خلف بن السمح... زعيم معارضة لوالي نفوسة... الباروني : الأزهار ، ص277
بشر بن غانم ، أبو غانم... عالم من خراسان التقى بالشيخ... ابن خلفون : أجوبة ، ص11
جنا التنزغتي... عالم وشهيد وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص203 ، 269
خلف بن السمح بن عبد الأعلى... زعيم معارضة لإمامة أفلح... الباروني : الأزهار ، ص168
داود بن ياجرين... عالم من نفوسة... الشماخي : السير ، ص273
سدرات البغطوري ، أبو القاسم... عالم شارك في وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص235
سدرات بن إبراهيم المساكني... فقيه مفتٍ في نفوسة... الشماخي : السير ، ص230
سعيد بن أبي يونس القنطراري... عالم شارك في وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص214
سليمان الفرَّاء... عالم التقى به الشيخ... الشماخي : السير ، ص262
شيبة... عالم وشهيد وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص269
عبد الله بن الخير ، أبو محمًّد... عالم وإمام مسجد... الشماخي : السير ، ص236
عبد الوهاب بن عبد الرحمن ابن رستم... إمام بتيهرت ومدرّس بجبل نفوسة... أبو زكرياء : سير ، ص56
ماطوس بن ماطوس... عالم وشهيد وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص265
ماطوس بن هارون... عالم وشهيد وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص265
محكَّم الهواري... قاضِ بجبل نفوسة... الباروني : الأزهار ، ص210
محمد بن أفلح ، أبو اليقظان... إمام بتيهرت ومدرَّس ومجادل... الباروني : الأزهار ، ص236
أحمد بن طولون ، أبو العبَّاس... والي المأمون على مصر ومحارب نفوسة... طلس : تاريخ العرب ، ج6 ، ص36
محمد بن عبد الله ، أبو عبد الله... قاض بتيهرت... الباروني : الأزهار ، ص247
محمد بن عرفة... صهر أبي بكر بن أفلح ومساعده... الباروني : الأزهار ، ص223
محمد بن محبوب العماني... عالم التقى به الشيخ في مكَّة... ابن خلفون : أجوبة ، ص122
محمد بن يانس... المفسَّر الشهير ومنجد تيهرت... الشماخي : السير ، ص165
معبد... عالم وشهيد وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص242، 269
ملي الإيدرفي ، أبو محمد... عالم وحاكم بجادو... الدرجيني : طبقات ، ص333 الشماخي : السير ، ص284
مهاصر السدراتي ، أبو مرداس... شيخ زاهد وقور التقى بالشيخ... الشماخي : السير ، ص174
مهدي النفوسي الويغوي... المتكلم الشهير ومنجد تيهرت... الشماخي : السير ، ص170
ميال بن يوسف... عالم وشهيد وقعة مانو... الشماخي : السير ، ص269
نفاث بن نصر النفوسي... زعيم فرقة النفًّاثية ومجادل... الباروني : الأزهار ، ص195
هود بن محكم الهواري... المفسر المشهور... هود بن محكم : تفسير ، مقدمة المحقّق
يزيد بن فندين... زعيم معارضة ورئيس فرقة... الباروني : الأزهار ، ص102
يوسف النفوسي ، أبو بكر... عالم بعد وقعة مانو... الباروني : الأزهار ، ص282
يوسف بن محمد ، أبو حاتم... إمام بتيهرت وعالم... الباروني : الأزهار ، ص265
ملاحظة :
ولا شك أنني لم أستقص جميع هؤلاء الأعلام ، وإنما على الأقل جمعت لك أغلبهم ، وقد اكتفيت بذكر مصدر واحد أو أثنين نظراً لأن أغلبها يأخذ بعضها من بعض .
هل هناك عمروس غيره في هذا الميدان ؟
إن المتصفَّح لكتب تاريخ الإباضيَّة يجد " عمروسين " غيره في المغرب ، وثالثهما من الأندلس ، ولكي نسلَّ شيخنا من بينهم كما تسلُّ الشعرة من العجين ، يجدر بنا التعريف بهم للتمييز بينهم .
أبو حفص عمروس بن عبد الله الزواغي :
ذكره الدرجيني في الطبقة التاسعة (400 ـ 450هـ) (1) وقال عنه الشمَّاخي : (( كان شيخاً مذكوراً في أهل الخير والصلاح )) . (2) وله حِكم وفتاوى مبثوثة في كتب اللقط والمعلقات .
أبو حفص عمروس اليفرني :
قال الشماخي : (( وقيل إنّ أهل أمرساون ذبحوا بقرة ولم تتحرّك فسألوا الشّيخ عمروس اليفرني وكان بتميجار... فقال : اجعلوا قطعة من لحمها في الماء فإن نزل فكلوه وإن طفا ولم ينزل فلا تأكلوها )) (3) .
وحسب التّراجم التي بعده وقبله يبدو أنّه من علماء الخمسين الثّانية من القرن السّابع الهجري وأوائل القرن الثّامن الهجري .
عمروس الأندلسي :
__________
(1) …الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص403 .
(2) …الشماخي : السير ، ص495 .
(3) …الشماخي : السير ، ص552 .
كان والياً على طليطلة أيام الحكم بن هشام الأوّل على قرطبة (180ـ 206هـ) وعمروس هذا من أصل إسباني وهو مدبّر فتنة طليطلة ـ يوم الحفرة ـ إذ أقام مذبحة ضّد الثورة التي ثارت على حكم البيت الأموي في الأندلس... فخمدت الأوضاع مؤقتاً لكن سرعان ما تحولت إلى عصيان مدني عصف بالاستقلال الداخلي أكثر من ربع قرن (1) .
وعليه فإنه من الواجب عليك ـ أخي القارئ ـ أن لا تحسب الشّحم فيمن لحمه ورم... وطبعاً لا بدّ من تميز بين صاحب المخطوط وهؤلاء الثّلاثة وغيرهم مّمن لا أعرفهم بالسياق والسّباق والقرائن ، { أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[6] } (2) .
المراجع المعتمدة في الترجمة
أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي : كتاب السير ، ط حجرية ، القاهرة ، 1301هـ / 1884م .
أبو العبَّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني : كتاب طبقات المشايخ بالمغرب ، ت . إبراهيم طلاي ، مطبعة البعث ، قسنطينة ، الجزائر ، 1975م .
أبو زكريا يحي بن أبي بكر الوارجلاني : كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، ت . إسماعيل العربي ، مطبعة أحمد زبانة ، الجزائر ، 1399هـ / 1979م .
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني : الدّليل والبرهان ، ط حجرية ، البارونيّة ، مصر ، 1306هـ / 1889م .
أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي : قواعد الإسلام ، ت . عبد الرحمن بن عمر بكلّي ، المطبعة العربيّة ، غرداية ، الجزائر ، 1397هـ / 1977م .
أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي : قناطر الخيرات ، ت . عمرو خليفة النامي ، القسم الأوّل ، الطبعة الأولى ، مطبعة الاستقلال الكبرى ، القاهرة ، 1385هـ / 1965م .
عبد الله بن يحي الباروني : رسالة سلّم العامّة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين ، ت . سليمان باشا الباروني ، مطبعة النجاح ، مصر ، 1324هـ / 1906م .
__________
(1) …د. حسين مؤنس : معالم تاريخ المغرب والأندلس ، ص278 .
(2) …الآية 6 من سورة الحجرات.
علي يحيى معمّر : الإباضية في موكب التاريخ ، ج2 ، الإباضية في ليبيا ، القسم 1 ، مكتبة وهبة مصر ، 1384هـ / 1964م .
أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي : اللمعة المرضية في أشعّة الإباضية ، ضمن مجموعة ستّة كتب ، غرداية ، الجزائر .
سالم بن حمد الحارثي : العقود الفضيّة في أصول الإباضيّة ، دار اليقظة العربيّة ، سوريا ، لبنان ، 1394هـ / 1974م .
سليمان بن عبد الله الباروني : الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية ، مطبعة الأزهار البارونيّة .
أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي : الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخلّ به كتاب الطبقات ، ط . حجرية ، القاهرة ، 1302هـ / 1885م .
أبو زكريا يحيى بن أبي الخير الجناوني : كتاب الوضع ، ت . أبو إسحاق إبراهيم أطفّيش ، ط1 ، مطبعة الفجالة الجديدة ، القاهرة ، مصر .
أبو الربيّع سليمان بن عبد السلام الوسياني : سير مشايخ المغرب ، ج1 ، مخطوط بدار التلاميذ بالعطف ، غرادية ، الجزائر .
إبراهيم بم بكير بحّاز : الدّولة الرستمية ، مطبعة لافوميك ، الجزائر .
محمد بن عبد الله السالمي وناجي عساف : عمان تاريخ يتكلم ، المطبعة العمومية ، دمشق ، 1383هـ / 1969م .
ابن عذاري المراكشي : البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج1 ، ت . ج . س . كولان وإ . ليفي بروفنسال ، ط2 ، دار الثقافة ، بيروت ، 1980م .
د. حسين مؤنس : معالم تاريخ المغرب والأندلس ، مؤسسة المعارف للطباعة والنّشر ، بيروت ، ط1 ، 1397هـ 1977م .
دار الكتب طرابلس ، دليل المؤلفين العرب الليبيين ، مطابع الثورة ببنغازي ، ليبيا ، 1397هـ / 1977م ,
الحسن بن محمد الوزان الفاسي ، وصف إفريقيا ، ترجمة محمد حجي محمد الأخضر ، ط2 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت 1403هـ / 1983م .
د. محمد أسعد طلس : تاريخ العرب ، ج6 ، ط3 ، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ، 1403هـ / 1983م .
القسم الثاني
حول التعريف بالمخطوط وإثباته
إثبات نسبة المخطوطة إلى المؤلف
هذا المخطوط النفيس أثبت نسبته إليه القدماء والمحدثون من المؤرخين والمحققين الإباضية وغيرهم ، نذكر منهم :
أبو زكريا يحي بن أبي بكر الورجلاني (ت: 471هـ) في كتاب سير الأئمة وأخبارهم قال : (( وكان عمروس عالماً كبيراً له كتابان في الأصول والفقه .. )) (1)
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ( ت: 570هـ ) في الجزء الثاني من كتاب الدليل والبرهان قال : (( وأما قول عمروس فيما يسع الناس جهله فيما ضيقه المشايخ على الناس وسَّعه هو ، قال عمروس : (( والذي يسع جهله من الإيمان حتى يحل تفسيره ، فما كان من تفسير جملة التوحيد ، مثل إنفاذ الحدود على الله عز وجل )) (2) فهذه العبارة مأخوذة من هذا الكتاب نفسه ، فراجعها في ص {11} من المخطوط الأم .
وكذلك ذكر عبارة أخرى من هذا الكتاب نفسه : (( إنما يقيم الحجة في دين الله العالم الغاية الذي لا يوجد على قوله مزيد... )) (3) فراجعها في المتن .
__________
(1) …أبو زكريا : في كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، ص99 .
(2) …الوارجلاني : كتاب الدليل والبرهان ، ج2، ط . البارونية ، مصر ، 1306هـ ، ص14.
(3) …المصدر نفسه : ص77 .
أبو القاسم بن إبراهيم البرادي (ق9هـ / 15م) ذكره في الرسالة التي ألفها في تقييد كتب الإباضية (المشارقة وأهل جبل نفوسة والمغاربة) .. حيث استهل به ـ تآليف جبل نفوسة ـ فقال : (( وأما تواليف أصحابنا أهل الجبل فمنها كتاب الشيخ أبي حفص عمروس بن فتح من أهل القرن الثالث... (1) .
أبو العباس أحمد بن عبد الواحد الشماخي ( ت: 928هـ ) في كتاب السير قال : (( وبعث إليه بعض الأشياخ المتكلمين من أهل فزان أن يؤلف له كتاباً في الأصول فكتب إليه الكتاب المعروف بالعمروسي... )) (2) .
القطب محمد بن يوسف أطفيش ( ت: 1332هـ ) استشهد ببعض نصوص هذا الكتاب في موسوعته شرح النيل وشفاء العليل ؛ وحتى صاحب المتن عبد العزيز الثميني رحمهم الله جميعاً (3) .
الدكتور عمر خليفة النامي (؟) ذكره برقم 12 ، ضمن قائمة المخطوطات التي ضبطها عام 1970م ، حيث رآها في زيارته إلى مناطق الإباضية في شمال أفريقيا عام 1968م (4) .
__________
(1) …انظر كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي الإباضي الذي حققه د. عمار طالبي بعنوان " آراء الخوارج الكلامية " ، ج2 مطابع الشروق ، بيروت ، نشر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر 1978م ، ص287 ، وانظر الجوهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات لأبي القاسم بن إبراهيم البرادي ، الطبعة البوني ، مصر 1301هـ ، ص219 ، وانظر اللمعة المرضية من أشعة الإباضية لعبد الله بن حميد السالمي ضمن مجموعة ستة كتب ، ص85 .
(2) …الشماخي : السير ، ص229 .
(3) …انظر مثلاً : ج4 ، ص9 . وقارنها بصفحة {9} من مخطوط هذا الكتاب . ج14 ، ص612 ، وقارنها بصفحة {25 } من مخطوط هذا الكتاب .
(4) …. Jornal Of Islamic studies : Adscription of new Ibai manuscripts from North Africa , by A. K . Ennami ,p.80.
عبد الرحمن بن عمر بكلي ( البكري ـ محبس مكتبة البكري التي أخذت منها مخطوطة ( ب ) ـ : 1986م ) ، تقبل الله منه وأجزل مثوبته ، قال في تحقيقه لكتاب " قواعد الإسلام " للشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي : ((... فترك لنا كتباً قيمة... وكتاب الدينونة... )) (1) .
بطاقة تعريف تقنية عن النسخ المعتمدة
وصف المخطوطة ( أ )
مكانها : هي عبارة عن ورقة مزدوجة انفصلت عن مجموع المخطوطة ، وجدتها في مجموعة من مخطوطات شيخنا الناسخ : الحاج سعيد الحاج محمد بن باحمد العطفاوي ، رحمه الله رحمة واسعة ( ت : 1411هـ / 1990م ) في مكتبته بالعطف .
بدايتها : ((... مملوكاً وذلك لقوله تعالى : { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ }... )) .
نهايتها : ((... فلما كان هذا هكذا ثبت أن الإقامة إنما هي الوقت... تم الكتاب والحمد لله رب العالمين ، على كاتبه لنفسه )) .
عدد الأوراق : 4 صفحات تامة لكنها ممزقة من فوق .
مقاسها : 7,17 سم × 24 سم .
عدد الأسطر : 26 سطراً في كل صفحة .
خطها : مغربي مفهوم واسع ، لولا انفساح عام طرأ على صفحاتها بعوامل الزمن ، ويتخلله اللون الأحمر في عناوينها .
ناسخها : باحمد بن الحاج قاسم بن دادي حني بن باحمد بن عيسى بن الحاج سعيد العطفاوي .
تاريخ النسخ : يوم 11 رمضان المعظم 1296هـ
وصف المخطوطة ( ب)
مكانها : يقع نص المخطوطة ( ب) الذي نقلت منه هذا الأصل ضمن مجلد تحفظه لنا مكتبة البكري ـ العطف ـ ولاية غرداية ( الجزائر ) برقم (م31/ ع1) . وبعدها كتاب فيه فوائد أخذت من شرح الشيخ عمرو بن رمضان الجربي التلاتي للعقيدة الإباضية المسماة : (( مقدمة التوحيد )) .
__________
(1) …ج1 ، ط1 ، المطبعة العربية ، غرداية 1976م ، ص12 .
بدايتها : )) { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } . صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما . كتاب فيه أصول الدينونة الصافية ، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه .
الحمد لله أرانا الحقَّ ببرهانه ، وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة... فهذه محنة الفصل بين التوحيد وجميع ملل الشرك الخمسة... )) .
نهايتها : ((... ووجوه تربيته تعالى لخلقه لا يحيط بها إلا هو... فلما كان هذا هكذا أثبت أنَّ الإقامة إنما هي الوقت... تم الكتاب والحمد لله ربَّ العالمين... )) .
عدد الأوراق : 24 ورقة أي 47 صفحة .
مقاسها : 5,21 سم × 16 سم .
عدد الأسطر : 24 أو 25 سطراً في كلَّ صفحة .
خطها : مغربي مفهوم ، ويتخلله اللون الأحمر للعناوين والفقرات .
ناسخها : لم يذكر في نهايته وإنما أخذته من المخطوط الذي قبله ، لتشابه الخط ، وهو حاج بن محمد بن بكلي .
تاريخ النسخ : لم يذكر في نهايته وإنما أخذته من المخطوط الذي قبله ، لتشابه الخط . وهو يوم الخميس 1ربيع الثاني 1275هـ
قيمتها : تتمثل في أنها تامة وفي وضوح خطها رغم كثرة أخطائها النحوية والنسخية .
وصف المخطوطة (ج)
مكانها : يقع نص المخطوطة (ج) التي قابلتها على هذا الأصل وصححته عليها في بدايته ، مصورة صورة طبق الأصل ، تحفظها لنا مكتبة المدرسة الجابرية ببني يزقن ـ ولاية غرداية ـ ( الجزائر ) . بعدها : مخطوطة رسالة الحقائق للشيخ أبي القاسم بن إبراهيم البرادي... وغيرها من متناثر الفوائد .
بدايتها : (( { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } . صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما . كتاب فيه أصول الدينونة الصافية ، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه .
والحمد لله أنار الحق ببرهانه ، وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة... )) .
نهايتها : (( فلما كان هذا هكذا ثبت أن الإقامة إنما هي للوقت... تم الكتاب والحمد لله رب العالمين... )) .
عدد الأوراق : 28 صفحة مرقمة وقد صورت من وجه واحد .
مقاسها : 18سم × 27سم .
عدد الأسطر : 28 سطراً في كل صفحة .
خطها : مغربي رقيق ومتعِب إلا أنه مفهوم .
ناسخها : مجهول .
تاريخ النسخ : مجهول .
قيمتها : تتمثل في أن الناسخ له دراية بالنحو ، وأمين في النسخ وتامة .
عرض المخطوطة ( د )
مكانها : توجد ضمن مجلد به مجموع مخطوطات قيمة في مكتبة الحاج بابكر بن مسعود الغرداوي وهي عند حفيده الأستاذ بابكر الحاج يوسف .
بدايتها : (( { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وبه نستعين {كذا} ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
كتاب فيه أصول الدينونة الصافية ، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه .
الحمد لله الذي أنار الحق ببرهانه... ))
نهايتها : (( فلما كان هذا هكذا ثبت أن الإقامة إنما هي للوقت... تم الكتاب والحمد لله في 6شعبان سنة 1124هـ )) .
عدد الأوراق : 19 ورقة .
عدد الأسطر : 25سطراً .
مقاسها : 22سم × 16سم .
ناسخها : حسب المخطوط الذي قبله والذي بعده هو السيد يحيى بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الواحد بن عبد الرحيم ابن عبد الواحد الفناص اليفرني .
تاريخ النسخ : 6شعبان 1124هـ .
خطها : مغربي واضّح .
مدادها : أسود وأحمر .
ملاحظة : في وجه كل ورقة منها مكتوب : (( وقف على المصعبيين )) .
قيمتها : أنها تامة ، وخطها واضح ، وتاريخ نسخها أقدم ما في أيدينا من النسخ ، وأهم ما تمتاز به الدقة في الضبط وقلة الأخطاء . لذلك اعتمدناها أمّا لباقي النسخ .
عرض المخطوطة ( هـ )
مكانها : توجد ضمن مجلد به مجموع مخطوطات قيمة بمكتبة الحاج بابكر ابن مسعود الغرداوي وهي عند حفيده الأستاذ بابكر الحاج يوسف .
بدايتها : (( { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .
كتاب فيه أصول الدينونة الصافية ، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه .
الحمد لله الذي أنار الحق ببرهانه... )) .
نهايتها : (( فلما كان هذا هكذا أتيت [ كذا ] أن الإقامة إنما هي للوقت ثم [ كذا ] .
عدد الأوراق : 28 ورقة .
عدد الأسطر : بين 23 و 24 سطراً .
مقاسها : 21 سم × 16 سم .
ناسخها : مجهول .
تاريخ النسخ : مجهول ويحتمل أنها نسخت في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر بعد السابقة .
خطها : مغربي واضح .
مدادها : بني وأحمر .
ملاحظة : * تنقصها ورقة واحدة بين صفحة 40 و41 .
* بداية المخطوطة لا بأس به من حيث نقص الأخطاء ، ولكنها في الوسط والآخر مليئة بالأخطاء الإملائية والنحوية وغيرها...
* بعدها نصف صفحة بها فوائد في الأذكار .
قيمتها : أنها تامة إلا خرم ورقة واحدة ، وخطها واضح ، وتاريخ نسخها يبدو أنه قديم نسبيا .
ملاحظة عامة عن النسخ المعتمدة :
نلاحظ أن النسختين ( ب ) و( جـ ) كثيرا ما تتفقان على مواضع الخطأ ، أو السقط... مما يجعلنا نرجح أنهما من أصل واحد ، أو أن إحداهما أماً للأخرى .
ونفس الملاحظة يمكن أن تقال عن النسختين : ( د ) و ( هـ ) . فهما من أم واحدة , ورغم قدم ( د ) أكثر من ( هـ ) فإنه يستبعد أن تكون أماً لها ، لأن في الثانية بعض الإضافات غير موجودة في الأولى .
إثبات عنوان الكتاب
لقد ورد عنوان الكتاب في النسخ المعتمدة على لفظين : في ( ب ) و( د ) و( ج ) كتب : " أصول الدينونية الصافية " بالياء بعد النون الثانية... وفي نسخة ( هـ ) ضبط بلفظ " أصول الدينونة الصافية " بدون ياء بعد النون الثانية ، وهو الأصوب لما يلي :
أن هذه النسخ كلها تتفق في العبارة التي ختم بها باب العقيدة قائلا : (( وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية )) (1) .
من الجانب اللغوي في المعاجم لا نجد المصدر في كلمة " دان " إلا بلفظ " ديانة ودينونة " لا " دينونية " على صيغة النسبة ، ولا مجال للنسبة في هذا المكان ويرد في تعابير الفقهاء قولهم : (( فعل هذا دينونة )) (2) أو (( قال دينونة )) أي اعتقادا صحيحا .
لقد ورد هذا العنوان بلفظ " الدينونة " عند بعض المحققين المتأخرين مثل الشيخ عبد الرحمن بكلي والشيخ فرحات الجعبيري والدكتور عمرو النامي... بينما المتأخرون منهم لو يورده أحد بهذا الاسم إلا النساخ .
فأميل إلى أن النساخ هم الذين وضعوا هذا العنوان له وقد اقتسبوه من وسط الكتاب... والله أعلم بالصواب .
عرض المخطوطة :
تنقسم المخطوطة إلى ثلاثة أبواب رئيسية هي :
قسم العقيدة .
قسم العبادات .
قسم المعاملات .
وفي كل قسم تظهر عناوين مهمة جامعة لمعلومات ذات محور واحد ، تمتاز :
بضبط الحكم مباشرة ولو بدون دليل شرعي في بعض الأحيان ، اعتمادا على الدليل العقلي الموضوعي .
كما أن أسلوب الجدال والرد على مناقض رأي المذهب الإباضي ؛ ومقارعة الحجة بالحجة كان سيد الموقف في أغلب الأبواب . ولكنه كان أكثر وضوحا في باب العقيدة لأنه الميدان الخصيب لذلك النوع من الأساليب .
ومما يلاحظ أيضا في نصوص هذا الكتاب هو تسليط الضوء على بعض القضايا التي كانت محل خلاف أو اعتناء في اوساط الإباضية خاصة سكان جبل نفوسة ؛ بحيث إذا عرضناها على واقع هذه المنطقة اتضح لنا وجه الموافقة ، فمثلا : نجد مسألة الزكاة وبالضبط قسم الأنعام منها وقع فيها الإطناب والتوضيح بصورة ملفتة للانتباه ، والسبب واضح في أن المنطقة كانت منطقة رعي ورعاة وزهاد .
__________
(1) …انظر ص 13 من المخطوط .
(2) …انظر قوله : (( ومن قتل بالدينونة )) ص 27 من المخطوط .
والمثال الآخر : يتضح لنا جليا في عرض فريضة الحج عرضا واسعا أكثر من جميع الفرائض الأخرى ، وخاصة مسألة (( منهيات الإحرام وكفاراته )) ، ولعل السبب يرجع أيضا إلى واقع نفوسة التي وصف أهلها (( بأنهم أكثر الناس حجا وأزكاهم نهجا ، حتى إنهم كانوا يحجون بالنساء والذرية )) . (1)
كما نلاحظ أن هذه الأحكام قد اعتنت بجانب كبير من المعاملات المالية ـ سلبا وإيجابا ـ مثل الغنائم والمواريث التي تنتج عن كثير من الحروب التي خاضتها نفوسة في جبل نفوسة وفي تيهرت ـ بالجزائر ـ إذ أن أكثر إمدادات الحروب إلى الحكم الرستمي كانت من شرآة نفوسة الشجعان .
كما أن تفصيل الكلام في قضية قطاع الطرق والقصاص يبين لنا الأجواء التي كانت تعيشها منطقة المغرب بصفة عامة من كثرة الغارات والاعتداءات على الأموال والأنفس والثمرات ، سواء بين القبائل في الداخل او مع الجيران في الخارج كالأغالبة .
والملاحظة الأخيرة التي لا شك أنك أخي القارئ قد اكتشفتها أثناء تصفحك لفهرس الكتاب هي غياب الترتيب التسلسلي لمسائل بعض الفصول والأبواب . مثل وجود (( مسألة سنن الختان والأذان )) في آخر الكتاب رغم أنهما من مسائل الطهارة والصلاة . وسوف لا تكترث لمثل هذه الملاحظة إذا عرفت أنها ميزة أغلب الكتابات الإباضية في ذلك العصر ، سواء في التاريخ أو الشريعة (2) .
القيمة العلمية للمخطوطة :
يمكن لي أن أحصر القيمة العلمية لهذا الكتاب في أربع نقاط أساسية هي :
__________
(1) …الوسياني : سير ( مخ ) ج 1 ، ص 7 ، الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص325 ، الشماخي : السير ، ص228 .
(2) …لاحظ كتاب : بدء الإسلام وشرائع الدين ، لابن سلام الإباضي ، تح . ق . شفارتز والشيخ سالم بن يعقوب . والكتاب في التاريخ أصلا ، وإنمما سوف تجد فيه العقيدة والشريعة .
تساهم في كشف جوانب هامة عن التأليف عند الإباضية في عهد الدولة الرستمية ، هذه الدولة التي أبيدت معالمها من الجذور بعد أن أحرق الفاطميون مكتبتها (( المعصومة )) العظيمة ، لولا وجود كتب محفوظة هنا وهناك ، يتوارثها الأبناء عن الآباء في جو من السرية والحيطة المتناهيين ، إلى أن وصلتنا ، مثل هذا الكتاب .
أنها توضح لنا جوانب عن شخصية أحد الأعلام المغمورين في التاريخ الإسلامي للقرن الثالث الهجري ؛ هذه الشخصية التي ظلت مضرب المثل عبر القرون ـ للجد والنشاط واغتنام الفرص ـ فبارك الله في عمر الشيخ عمروس لإخلاص نيته في خدمة الإسلام ونفع عباد الله .
لها فضلها في الحفاظ على نصوص من مدونة أبي غانم الخراساني ، بل تلخيص بعضها تلخيصاً يتناسب مع طريقة التأليف في المغرب الإسلامي ، إذ أنها تعرض الإسلام على قوم عجم ليس لهم باع عريض في اللغة العربية ، فيبسط لهم الكلام ويمدده . (1)
إذا استعرضنا نصوص الكتاب إلى المنهجية العلمية في التأليف وجدناها لا تفقد حظها من ذلك ، إذ أنها : تعتمد على الدليل الشرعي والعقلي في أحكامها ، وتستعمل السند ـ ولو كان عاماً ـ في إثبات الترجيحات والاجتهادات الخاصة لكل مدرسة ، واختيار العبارات الواضحة ، حتى يتمكن العامي من فهمها .
أما النقطة التي نفتقرها في المصادر التي تحدثت عن الشيخ وآثاره ، فهو إظهار سبب تأليف هذا الكتاب بصورة مباشرة . ولعل السبب مذكور داخل الكتاب ولكنه غير كافٍ : (( وأردت أن أقصد بكتابي إلى بعض أمور تكون فيه الحاجة مما كلف الله به العباد )) . (2)
ولعله يرجع إلى عدم معرفة هذا الكتاب بعنوانه هذا منذ القديم ، والله أعلم بالحقيقة .
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
__________
(1) …قارن : أوقات الصلاة ، صلاة الجماعة ، زكاة الإبل ، زكاة الفطر ، الأذان... بما في مدونة أبي غانم الخراساني .
(2) …انظر ص10 من المخطوط .
وبه نستعين (1)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

القسم الثالث
كتاب فيه أصول الدينونة الصافية
تأليف
الإمام الفقيه
عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه
مقدمة الباب الأول
[ مسائل في العقيدة ]
مقدمة
الحمد لله الذي أنار (2) الحق ببرهانه وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة التي قطع الله بها عذر المبطلين ، وشهد بها على أعدائه بما أراد عزّ وجلّ ، لئلا يكون للعاصي (3) في معصيته عذر ، ولا يهلك من هلك إلا بعد إعذار وإنذار ، بعث رسله تترى ، وأنزل كتبه تتلى { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } (4) { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } (5) .
وأن الناس لم يختلفوا في شيء قط إلا وقد بينه الله في كتابه : { وَلكِن(6) يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } (7) { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } (8) { فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ } (9) { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء } (10) فلا يصل إليه الخير ، فهو على شبهة من أمره .
__________
(1) …في ( د ) (( وبه نستعين )) . وهو تصحيف .
(2) …في ( ب) : (( أرانا )) .
(3) …في ( د ) : (( للعاصين )) .
(4) …الآية 165 من سورة النساء.
(5) …الآية 42 من سورة الأنفال.
(6) …في ( د ) ( هـ ) : (( ولكن الله يضل...)) وهو خطأ إذ لا توجد آية هكذا .
(7) …الآية 93 من سورة النحل.
(8) …الآية 125 من سورة الأنعام.
(9) …الآية 22 من سورة الزمر.
(10) …الآية 125 من سورة الأنعام.
شرع الله دينه وبينه وأخذ على جميع من علمه إياه (1) الميثاق { لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } (2) .
وقد عبر الله تعالى قوماً لم يفعلوا ذلك ، فقال عزّ وجلّ : { فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } (3) .
وقوله : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } (4).
[ مسائل في العقيدة ]
[ المعاملة بين الموحدين ]
__________
(1) …في ( هـ ) سقط : (( إياه )) .
(2) …الآية 187 من سورة آل عمران.
(3) …الآية 187 من سورة آل عمران.
(4) …الآية 159 من سورة البقرة . وفي ( هـ ) : ((... ما أنزل الله من البينة... )) وهو خطأ .
فأول ما نحن ذاكروه : الإقرار لله بالوحدانية وأنه لا يشبهه شيء من خلقه ، وليس له شريك ، وأن محمداً عبده ورسوله ، والإقرار بما جاء به أنه الحق من الله ، فمن أقر بهذا فقد خرج من الشرك ، فهذه محنة (1) الفصل بين التوحيد وجميع ملل الشرك الخمسة ؛ (2) وإلى هذه (3) كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو المشركين ، فمن استجاب له كان مسلما ؛ ثم ابتلاهم الله بعد ذلك بالفرائض ، ومحصهم بها ، فقال عز وجل { الم[1] أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ[2] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[3] } (4) بغير الابتلاء (5) إلى قوله { ْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا } (6) في عمل ما أقروا به ، وهم المؤمنون { وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } (7) أهل الخيانة والتضييع لعمل ما أقروا به ، فسماهم الله منافقين ، اسماً لم يسم به أحداً من ملل الشرك ، فيهم كانت الحدود ، فهم مع المؤمنين ، جرت بينهم الحقوق من المناكحة والموارثة ، وأكل الذبائح ، والمدافنة [ 02 ] مع المسلمين ، وقبول الشهادة ، والقيام على جنائزهم ، والحج معهم ، والقصاص ، وتسويتهم في القود (8) والدية ، فهم بإقرارهم مع المسلمين في الأحكام . لا يبطل منهم بنفاقهم إلا ما أبطله القرآن ، من تحريم ولايتهم ، وتسميتهم بالإيمان وقد نفاه الله عنهم ، وتسميتهم بالكفر والنفاق ، (9)
__________
(1) …المحنة : الصفاء والنقاء .
(2) …إشارة إلى : المشركين ، اليهود ، النصارى ن المجوس ، والصابئين .
(3) …في ( هـ ) : (( هذا )) .
(4) …الآيات من 1 إلى 3 من سورة العنكبوت.
(5) …في ( د ) : (( الابتلى )) .
(6) …في ( هـ ) : (( وليعلمن )) . وهو خطأ .
(7) …سورة العنكبوت : 1 ـ 3 .
(8) …في ( ب ) و( ج ) : (( القود )) والصواب ما أثبتاه من ( د ) و ( هـ ) .
(9) …قوله : (( وتسميتهم بالكفر والنفاق... )) معطوف على قوله : لا يبطل ، ولا يدخل في الاستثناء ، أي يجوز تسميتهم بالكفر ـ كفر نعمة ـ وبالنفاق .
وتحريم التسمية لهم بالشرك ، ما لم ينكروا ما أقروا به (1) من التوحيد وإن كان الكفر يجمعهم .
فكان الناس على ثلاث (2) منازل ، كما قال الله تبارك وتعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا } : لنفسه { جَهُولا ً } : لأمر ربه... ثم قال : { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ } : فهذه منزلتان في الكفر ، { وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } : أهل الوفاء بالقول والعمل { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا[73] } (3) .
[ المنزلة بين المنزلتين ]
فهذه ثلاث(4) منازل في الخلق معروفة بأسمائها ، مختلفة في أحكامها ومنازلها ، ومن عدل الله أن يجمعهم من حيث اجتمعوا ، ويفرقهم من حيث افترقوا .
المشرك : المنكر للقول والعمل .
والمنافق : المقرّ بالقول المضيّع للعمل .
والمؤمن : الموفي (5) بما أقر به من القول والعمل .
__________
(1) …في نسخة ( ب ) : (( ما أقروا )) . وهو تحريف .
(2) …في ( هـ ) : (( ثلاثة )) .
(3) …الآية 73 من سورة الأحزاب.
(4) …في ( هـ ) : (( ثلاثة )) .
(5) …في( د ) : (( الموف )) . وهو خطأ إذ لا موجب لحذف الياء .
ولا يسمى أهل النفاق بالشرك ، وإن كان يجمعهم اسم الكفر ؛ كما لا يسمى أهل الشرك بالنفاق ، وإن كانت النار تجمعهم واسم الكفر... فهم كما قال الله : { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً[143] } (1) . لا هم مع المؤمنين في الاسم والثواب ، ولا هم مع المشركين في الحكم والسيرة ، قال الله : { مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ } (2) .
وندعوهم إلى ترك ما به ضلوا وكفروا ، فمن أبى قبول ما دعونا إليه ورد دعوتنا ، وسفًَّه مقالتنا ، وباين مناصبتنا (3) استحللنا قتاله ، ولا تجاوز سفك دمائهم إلى غنيمة أموالهم وسبي (4) ذراريهم ، محرم ذلك علينا ، لإقرارهم بتوحيد ربهم ، ولا يحرم منهم شيء مما كان أحلّ لنا منهم ، إلا الولاية وتسميتهم بالاسم الذي زال عنهم من اسم الإيمان ؛ وإنما كان السبي والغنيمة في أهل الشرك ، وقد حكم الله بذلك أحكاما ، وسار فيها نبي الله بسيرة معروفة ، اتبعها المؤمنون (5) حين ابتلوا فكنا أتباعاً غبر مبتدعين .
[ معاملتنا لأهل الكتاب ]
__________
(1) …الآية 143 من سورة النساء.
(2) …الآية 14 من سورة المجادلة.
(3) …المناصبة : المقاومة والعداوة
(4) …في ( د ) و ( هـ ) : (( وسبا )) وهو جائز ، فهو سبي يسبي سباءً ، وإنما حذفت الهمزة على عادة غالب النساخ المغاربة على الخصوص . وصححناها هنا وفيما سيأتي تماشيا مع ما يجري في الألسن . ولم نشر إلى ذلك في الهامش لكثرة ورودها ..
(5) …في ( هـ ) : (( المسلمون )) .
وننزل أهل الكتاب حيث أنزلهم الله : أن يقاتلوا حتى يقروا بالجزية عن ذل وصغار ، ونستحل منهم إذا أقروا بالجزية نكاح الحرائر منهم (1) ـ وهم أهل الملل الثلاث : اليهود والصابوون والنصارى ـ ، وقد قال الله في كتابه : { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ } إلى قوله : { عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } (2) يعني : عن ذل وهم صاغرون (3) .
وقال : { أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } : [ 03 ] يعني الحلال كله ، { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ } : يعني ذبائحهم ، ثم قال : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ } يعني الحرائر منهم ، { إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } : أن تتزوجوهن بمهورهن ، فتبين (4) بقوله : { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } (5) ناكحين غير زانين معلنين { وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } يعني أن يتخذ أحدكم خليلة يزني بها في السر ، فحرم الله ذلك ـ سره وعلانيته ـ كما قال في سورة الأنعام : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } (6) . وفي الأعراف : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } (7) .
__________
(1) …في ( هـ ) : ((من نسائهم)) .
(2) …الآية 29 من سورة التوبة.
(3) …في ( ب ) سقط : (( يعني عن ذل وهم صاغرون )) .
(4) …كذا في النسخ والأنسب : (( تبين )) .
(5) …الآية 5 من سورة المائدة.
(6) …الآية 151 من سورة الأنعام.
(7) …الآية 33 من سورة الأعراف.
وإذا حاربوا وأبوا الجزية ، تركنا تحليل ذلك منهم ، لأنهم يسبون في ذلك الحال ، فلا يحل لمسلم أن يتزوج امرأة يحل سبيها لغيره ، ولا نستحل نكاح إماء أهل الكتاب لأن الله لم يذكر في التحليل إلا الحرائر .
ويوطأن(1) بملك اليمين ، لأن الله أحل للرجل ما ملكت أيمانهم ، ما لم يكونوا بمنزلة التي يحرمهن المسلمون، من ذلك : الرواضع ، والمشركات ، وما دخلت بمن يحرمها ، أو دخل بها من يحرمها ، أو ذوات البعولة ، وما يشبه ذلك من الحواجز .
وليس على الرجل وقت (2) عدد في التسري . ولا يتزوج الحر الأمة إلا مضطراً ، ولا يتزوج إلا واحدة ؛ وإن وجد المضطرُ الصبر عن تزويج الأمة فهو خير له ، كما قال الله (3) : { وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } (4) .
[ معاملتنا مع المجوس ]
وحكمنا في المجوس ما حكم الله فيهم ، وسار به نبي الله عليه السلام : أن يقاتلوا ، حتى يقروا بالجزية ، فإذا أقروا أخذت منهم { عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } (5) ، ثم تركوا على ما هم دائنون به لأن الله يقول : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } (6) ، وقد يقال : أكره على الدين ، ولا تكره فيه ، ولا تؤكل (7) ذبائحهم ولا تنكح حرائرهم ـ سلما كان أو جربا ـ .
[ معاملتنا مع المشركين ]
__________
(1) …في ( هـ ) : (( يطين )) .
(2) …كذا في النسخ ولعل الصحيح : (( وقف عدد )) . أو معناه انتظار أيام العدة .
(3) …في ( هـ ) : سقط : (( الله )) .
(4) …الآية 25 من سورة النساء.
(5) …الآية 29 من سورة التوبة.
(6) … الآية 256 من سورة البقرة.
(7) …في ( هـ ) : ((وتوكل)) .
وحكمنا في عبدة الأوثان ما حكم الله فيهم وسار نبي الله عليه السلام : القتل (1) حتى يدخلوا في الإسلام ، لا يقبل منهم إلا الدخول في الإسلام ، لا تقبل منهم جزية ، لأنهم ليس لهم دين (2) يقرون عليه . والمجوس يدَّعون أثره من العلم وأنهم ـ زعموا ـ أهل دين آدم ، ولذلك (3) أخذت منهم الجزية... وأما عبدة الأوثان فلا يدعون (4) دينا... وفيهم أنزل الله : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } : يعني شركا ، { وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ } (5) . فهذه ملل الشرك فقد ذكرناها ن وبينا السيرة في كل ملة... وفيهم كان السبي والغنائم .
[ معاملتنا للمنافقين ]
__________
(1) …لعل الصحيح : (( القتال )) .
(2) …كذا في النسخ ، والأنسب : (( لأنهم ليسوا على دين )) .
(3) …في النسختين : ( ب ) و( ج ) : (( وذلك )) . والأنسب : ما أثبت في ( د ) و ( هـ ) .
(4) …في النسختين : ( ب ) و( ج ) : (( فلا يدعوا )) . وهو خطأ .
(5) …الآية 193 من سورة البقرة.
وأما المنافقون فهم في ملة الإيمان ، ويجري عليهم ملتهم التي ادعوا وأقروا بها ، وليسوا (1) بملة كملة اليهود والنصارى ، ولكنه إدغال (2) في الدين ، إما شهود في محرم ، أو تحريف في التأويل ، وإنما أصابوا النفاق بمعاص دون [ 04 ] الشرك في هوى (3) مضل ، أو تأويل شبهة في غير حق ، وأهله مقرون بالتنزيل ، ولا يجحدونه ولا ينكرونه ، ويجزي عليهم حكم ما أقروا ، ولا تستحل منهم إلا الدماء ، والبراءة منهم ، لأن الله تبارك وتعالى لم يحل منهم غير ذلك فقال : { مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا } (4) ويبين أنه إنما يحل منهم ذلك إذا باينوا (5) لقوله الله تعالى : { لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } (6) فأما إذا انتهوا (7) عن إظهار نفاقهم تركوا ، قال الله تعالى : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } (8) .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( وليسموا )) . وهو خطأ .
(2) …إدغال : من دغل يدغل : أي دخل دخول المريب...وله معنى الخيانة والخلط .
(3) …في النسخ ( ب) و( ج ) و( د ) : (( هواء )) والأنسب ما أثبت من ( هـ ) .
(4) …الآية 61 من سورة الأحزاب.
(5) …في النسخ ( ب ) و( ج ) (( بيانو )) . والصحيح ما أثبت من ( د ) و( هـ) .
(6) …الآية60 من سورة الأحزاب.
(7) …في ( ب ) و( ج ) : (( انتلموا )) .
(8) …الآية 9 من سورة الحجرات.
فلا نجاوز تحليل دمائهم إلى غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم ، ونسميهم بالكفر كفر والنفاق كما (1) قالت المرجئة (2) إن كل موحد مسلمُ مؤمنُ ، وإن لم يذر لله حرمة إلا انتهكها ، أو معصية إلا ارتكبهاً ، خلافاً لما قال الله ، وتركا لما حكم جرأة على الله ، ونقصاً لقول الله بمكابرة... وقد شرع الله ديناً نقياً صافياً خالصاً ، ليس فيه ند (3) ولا قذر (4) ولا ظلم ولا منكر ، ولا يدان فيه بمعصية الرب ن ولا يتولى فيه عدو ، (5) وليس يساعدهم على مقالتهم إلا سفيه أو فاجر ، يرتعي في رياض الهوى ويتجرأ (6) في الشهوات (7) ، جرأة العصاة على معصية الله ، وإسخاط ربهم .
[ لمن تمنح الشفاعة ؟ ]
__________
(1) …كذا في النسخ ، والأنسب : (( لا كما قالت )) . وفي ( هـ ) : (( وقالت )) .
(2) …هو إتجاه لبعض الفرق الإسلامية ( اليونسية ، الغسانية... )) .
(3) …ند : نفور . ويمكن أن نقرأ في ( د ) : (( قد )) . وفي ( هـ ) : (( قدا )) . ولعل صوابها : (( قذى )) .
(4) …في النسخ ( ب) و( ج ) و( هـ ) : (( قدر )) أي ضيق .
(5) …في ( هـ ) : (( غدر )) أو (( عذر )) .
(6) …في النسخ : (( يتجر )) . والأنسب ما أثبت .
(7) …في ( د ) (( بيانو )) : (( في شهوات )) والأنسب ما أثبت من باقي النسخ .
وأباح الفساق الحرام ، وقالوا : دونكم التوحيد تنالوا به الدرجة العلى في الجنة بشفاعة (1) محمد عليه السلام ، لو لم يتركوا لله معصية جهلاً كالسائمة (2) من البهائم لا يعرفون البراءة ولا الولاية ، يزعمون أنهم على دين ، وليسوا على شيء حتى يقيموه (3) ولا يعرفون من الدين إلا اسمه ، ويزعمون أنهم على الكتاب وليسوا يعرفون من الكتاب إلا صفته ، ولا يقودهم الكتاب فيما يحل ولا فيما يحرم ، ولا يحكمون بأحكامه ، ولا يسمون بأسمائه ، ويزعمون أنهم من أهل السنة ، وهم ممن أمات السنة (4) ، وينكرون البدعة وهم أهلها ، ويحتجون بالكثرة والظهور والغلبة ، وأن بيت الله الحرام في حكمهم ؛ وليس هذا من الحجة في شيء ، فكم من ولي الله في أيدي أعدائه أسيراً ذليلاً مقهوراً ، وقد ألقي إبراهيم صلوات الله عليه في النار ، وهو على حجة الله ، ولو كان مع الغلبة لكان الذين ألقوه في النار محقين ، ولكان الذين قاتلوا أنبياء الله في سالف الدهر محقين ، ولكان أبو جهل بن هشام ومن معه من مشركي قريش محقين حين أخرجوا نبي الله والمؤمنين من مكة ، ولكان (5) نبي الله وأصحابه مبطلين حين منُعوا من بيت الله الحرام أن يقربوه... قال الله عز وجل : { هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ
__________
(1) …الشفاعة لغة : الوسيلة والطلب ، وعرفا : سؤال الخير من الغير للغير ، وشرعا طلب تعجيل دخول الجنة أو زيادة درجة فيها من الرب عز وجل لعباده المؤمنين ، فتكون للأنبياء وغيرهم ، ويختص فيها نبينا عليه السلام بفضل الزيادة ، ثم يأتي من بعده . وهي عند الإباضية لا تجوز إلا للتقاة . انظر : السالمي : مشارق أنوار العقول ، ص 289 .
(2) …السائمة : الراعية في غير إسطبلها .
(3) …في ( ب) و( ج ) : (( يقيمون )) . وهو خطأ .
(4) …وهم الذين يرون أن الإسلام قول بلا عمل .
(5) …في النسختين : ( ب) و( ج ) : (( ولو كان )) .
مَحِلَّهُ } (1) . وتركوا حجة الله النيرة ، وأخذوا يخوضون في الأباطل . ألجأهم ثقل كتاب الله واستوحشوا [ 05 ] منه ، ونفروا عن الحق واستأنسوا بالروايات الكاذبة ، وقالوا : ( إن قوما يخرجون من النار ) ، بعد توكيد الله في غير موضع : أن من دخلها خالداً ، وما هم منها بخارجين ، (2) وإنهم ماكثون ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } (3) . حرفوا مقالة الله وافتروا على الله ، ولا يضرنا خلافهم ـ ولكنا نعلم ـ والحمد لله ـ أنهم كذبه .
__________
(1) …الآية 25 من سورة الفتح.
(2) …في ( هـ ) : (( بمخرجين )) .
(3) …الآية 37 من سورة المائدة.
وأنهم يستحلون شتم الإباضية (1) ، وحتى أنهم يقولون : شتمهم قربة إلى الله ، سفها بغير علم ؛ فبهذا نقض أول كلامهم ، أن جميع أمة محمد عليه السلام ، مسلمون حرام البراءة منهم ، فدينهم متضادد ، ينقض بعضه بعضاً ، وآخر كلامهم ينقض أوله ؛ وفساد مذهبهم أكثر من أن نأتي عليه بكتاب ولا خبر . وإن أولى الناس بالحق من أقامه ، ولم يستنكر مذاهبه ، ولم يختلف قوله ؛ إن أولى الناس بالله من اتبع أمره واستدل بحكمه ، واستدل بأمره ، وسمى الناس بما سماهم الله به في كتابه ، وحكم فيهم بما حكم الله ، ولم يتبع حكمه هوى ، ولا يميل به غضب ، ولا يأخذ المال إلا من حيث أذن الله له : ميراث من كتاب الله ، أو شراء ، أو بيع عن تراض ، أو هبة عن طيبة نفس أهل الهبات ، أو غنيمة من أموال المشركين غير المعاهدين... في طريق الهدى ، مع أهل الهدى ، يدعوهم إلى الهدى ، مع أهل العدل ؛ لا يغل (2) من المغنم ، ولا يستخفي حتى تقسم الغنيمة على جميع أهل العسكر ، ويدفع الخمس إلى الإمام ، ويقسمه فيمن قسمه الله . وإنما يصح الخروج بإمام الهدى أو بإذنه ، ولا يحل أن يصفي (3) أحد لنفسه من الغنيمة شيئاً ، إلا إن نفله به الإمام ، ما خلا طعاماً يأكله لبطنه ، أو علفاً
__________
(1) …الإباضية : فرقة من الفرق الإسلامية المعتدلة أسسها الإمام جابر بن زيد الأزدي العُماني ـ رحمه الله ـ في البصرة ، ولكنها نسبت إلى ناطقها الرسمي عبد الله بن أباض ـ رحمه الله ـ في القرن الأول الهجري ، وهي نقيض الخوارج في مبادئها إلا في قضية رفض التحكيم في معركة صفين ، ولا يزال أتباعها منتشرين في عُمان وشمال أفريقيا . انظر : علي يحيى معمر : الإباضية بين الفرق الإسلامية ، كل الكتاب . وعوض محمد خليفات : الأصول التاريخية للفرقة الإباضية . بكير بن سعيد أعوشت : دراسات إسلامية في الأصول الإباضية .
(2) …يغل : من الغل ، السرقة أو الخيانة في الغنائم .
(3) …كذا في النسخ ، والأنسب : يصطفي .
يعلف به دابته ، وما سوى ذلك فهو مقسوم ، حتى السهم يخرجه الرجل من جسده .
[ الرد على شبهات الصفرية ]
وقالت الصفرية (1) : بتشريك أهل الكبائر من أهل التوحيد ، واستحلوا سبي ذراريهم ، وغنيمة أموالهم جرأة على الله ، ديناً لم يشرعه الله ولم يسن (2) بسيرته نبي الله عليه السلام ؛ وتأولوا على ذلك تأويل شبهة خالفت الحق وخرجت من العدل ، فدخل عليهم من الضلال ما لا نهاية له .
وتناقض قولهم فأجازوا مناكحة أهل القبلة ، وأكل ذبائحهم ، وأجازوا شهادتهم ، والقيام بين أظهرهم ، وأستحلوا نكاح ذوات البعولة من غير موت أزواجهن ولا طلاق ، وانتحلوا (3) الهجرة ، وزعموا أنها كهجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا مما لا يحصى من فريتهم وخدعتهم ، فأخذوا (4) [06 ] ما أحبوا وتركوا ما كرهوا .
فإن كان أهل القبلة بمنزلة مشركي العرب ، فقد ضلت الصفرية بأكل ذبائحهم وموارثتهم ومناكحتهم .
__________
(1) …الصفرية : فرقة من فرق الخوارج تنتسب إلى زياد بن الأصفر ، يرون أن مرتكب الكبائر مشرك ، وأن التقية تجوز في القول لا في العمل . انظر : مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذهب . ص104 .
(2) …كذا في النسختين : ولعل الأنسب : (( يسر )) .
(3) …انتحلوا : نسبوا أنفسهم إلى هجرة زعموها ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( لا هجرة بعد الفتح )) . رواه البخاري عن مجاشع بن مسعود وصححه السيوطي .
(4) …في ( هـ ) : إضافة : (( وما أحبوا وتركوا )) .
وإن كانوا بمنزلة المجوس ، فذلك في المناكحة والذبائح وقبول الشهادة وترك ضرب الجزية عليهم . وإن كانوا بمنزلة أهل الكتاب فليضربوا عليهم الجزية إذا أسلموا ، وليحرموا نساءهم على رجال قومهم ، وليحرموا منهم الموارثة ، وإن كانوا من أهل التوحيد فقد ضلوا باستحلال سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم... يشبهون قومهم في بعض سيرتهم بالمسلمين ، وفي بعض يشبهونهم باليهود والنصارى ، وفي بعضها يشبهونهم بأهل اللات والعزى ، يستحلون غنيمة أموالهم ، ثم يقاسمونهم الميراث بكتاب الله !!
وعن النبي عليه السلام أنه قال : (( كل ما يورث حرام غنيمة وكل ما لا يغنم (1) حرام ميراثه )) (2) لأنه لا يجتمع في مال سيرتان : سبي وغنيمة بكتاب الله . واستحلوا نكاح نساء قومهم بكتاب الله ، ثم استحلوا سبيهم (3) مع ذلك ، ولا يجتمع حكمان في امرأة : نكاح بحلال ، وسبي بحلال .
وضلالتهم أكثر من أن أصف جميعها ، وقد ذكرت بعضها .
وقالت فرقة أخرى : لا ندري أي منزلة نضيف إليها المحدثين من أهل القبلة ، وذلك أسلم لنا وأحرز من الإثم ، وذلك أرضى لله ، أن (4) لا نقع في شيء من الخطأ لأن الناس اختلفوا فيهم فقال بعضهم مؤمنون مسلمون ، ثابته لهم الولاية والإيمان إيمانهم كإيمان المرسلين (5) والملائكة وجميع المؤمنين ، ليس أحد من أنبياء الله ورسله وملائكته أفضل منهم إيماناً... إيمان من لا يترك لله معصية إلا ارتكبها !
__________
(1) …في نسختي ( ب) و(ج ) : (( ما يغنم )) وهو الأظهر .
(2) …قال القطب : (( رواه تبغورين ، ولم ينسبه ، وهو حجة )) شرح النيل ، ج15 ، ص340 .
(3) …كذا في النسخ ، والصحيح : (( سبيهن )) .
(4) …في ( هـ ) سقط ( أن ) .
(5) …في ( ج ) : (( كإيمان المسليمن والمرسلين )) .
كإيمان جبريل وإسرافيل (1) والملائكة والرسل ؟ ! لا يضر ـ زعموا ـ مع التوحيد كبير ولا صغير ؟ ! (2) التائب من الذنوب والراجع عنها كالمصر عليها والمتمادي فيها ؟ !
وأشنع من هذا مما وصفته المرجئة ، وما دخلوا فيه من تشبيههم ربهم وتحديدهم له ، وما وصفوه به من الزوال والانتقال ، وما ردوا من تنفيذ وعيد الله ، وهم أشبه بقول اليهود { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } (3) .
وقالت طائفة أخرى وهم الصفرية : إن المحدثين من أهل القبلة كأهل حرب نبي الله ، فمن شك في شركهم فهو مشرك ، يحل منهم ـ زعموا ـ ما يحل من المشركين من الاسم والحكم والسبي .
وقالت طائفة : ضألون منافقون ليسوا بمشركين ؛ فهذه مقالة أهل العدل (4) .
[ نقض شبهات المعتزلة ]
وقالت المعتزلة (5) : ما أشركوا ولا كفروا ولا نافقوا ، ولكنهم ضلوا ضلالاً لا يبرئهم من الإيمان ، وليسوا [07 ] بمؤمنين ، ولكنهم ضلوا وفسقوا ، حرام ولايتهم وتحل البراءة منهم ؛ ثم أدخلوا في ولايتهم الشكاك الذين قالوا : لا ندري أي الاسم (6) أصابوا ، ولا حيث نزلوا وتولوا المرجئة الذين أثبتوا الإيمان والولاية لمن نفته عنه المعتزلة بدين ، فهم أحمق ! كل فرقة إنما تعتقد أصلا واحداً وتبتي عليه ، وهم يعتقدون ثلاثة أديان ، يستحلون في دين ما يحرمون في غيره ، لأنهم يحرمون ولاية المحدثين .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( وميكائل )) .
(2) …الكبير والصغير : يعني به كبيرة ولا صغيرة من الذنوب .
(3) …الآية 80 من سورة البقرة .
(4) …أهل العدل يقصد بهم الإباضية .
(5) …المعتزلة أو أهل العدل والتوحيد : فرقة إسلامية تعتمد على التأويل والعقل في استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية ، ومؤسسها هو واصل بن عطاء ( ت : 131 هـ ) ومن أعلامها : النظام والجاحظ والزمخشري والقاضي عبد الجبار... انظر : الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ص249 .
(6) …في ( هـ ) : سقط (( الاسم )) .
والمرجئة تستحلها بدين ، فجائز لهم أن يدخلوا في دين من يرونه مسلماً ، ويتركون دينهم بعد إذ علموا .. جائز لهم بعد العلم الرجوع إلى دين الشكاك ، ويرجعون بعد المعرفة شكاكاً حيارى .
وقالوا : أتصفوا لنا من أنفسكم ، واعدلوا الحكم بيننا وبينكم ، وقد وجدناكم تتولون (1) من نزل من ضعفائكم بتلك المنزلة . ولو أن (2) علماءكم يبرءون من رجل بما استبان لهم لم يلزم الغيب (3) من لم يعرف من براءته ما عرف العلماء .
ولو أن رجلاً من الضعفاء (4) تولي رجلاً بولاية العلماء ثم أحدث أمراً خلعته به العلماء ، ولا يفرز ذلك الضعيف علم العلماء ، فثبت على ولايته فتوليتموه !
وكذلك عذرنا نحن المرجئة والشكاك لضعفهم ، وإنما تولوه (5) على ما كان من إيمانه ، وقالوا إنما توليناه على الإسلام ، فكذلك عذرناهما بجهلهما كما عذرتهم ضعيفكم بجهله .
قلنا إنكم قستم أمرين غير مشتبهين ولا متناظرين ، وذلك إنما تولينا ضعفاءنا لردهم إلى علمائهم فيما لم تقم به عليهم الحجة ؛ لأن ضعيفنا يقول : أقف حتى ألقي العالم أو العلماء فأسألهم ، فما حملوني عليه احتملت ، وقولي قولهم ، وديني في الذي جهلت دينهم ؛ فمتى ما قال هذه المقالة ونزل هذه المنزلة كان قد وافق علم العلماء .
وأما الذين يقولون : لا علم أفضل من علمنا ، ولا لله دينا يعبد به أفضل مما كنا عليه ، فهذا قد نصب الحرام ديناً ؛ كما (6) نصبتم ما أنتم عليه ديناً .
[ الدليل على كفر النعمة ]
__________
(1) …في النسختين ( ب ) و( ج ) و( هـ ) : (( تتلون )) وهو تحريف .
(2) …في النسختين : (ب) و( ج ) : (( ولون )) ، وهو تحريف .
(3) …كذا في النسخ : ولعل الصواب : (( الغائب )) .
(4) …الضعفاء : يقصد بهم هنا غير العلماء أي المقلدون .
(5) …في النسختين : ( ب) و( ج ) : (( تولده )) ، وهو تحريف .
(6) …في النسختين : ( ب) و( ج ) : (( كم )) . وهو تحريف .
وقالوا لنا : ما أين علمتم كفر ضلال الإيمان ؟ قلنا : من قبل كتاب الله . قالوا : فأوجدونا ذلك . قلنا : من قبل أن الله أضاف الكافرين إلى النار . قالوا : فأوجدونا ذلك .. أين ذكر الله الزاني كافراً ؟ قلنا : من حيث وقع عليه الوعيد / فحيثما وجدنا الوعيد علمنا أن أصحابه كفار . كما أنا حيثما وجدنا الله وصف قوماً بالكفر علمنا أنهم مضافون إلى النار ؛ لقول الله : { النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } (1) . وقال { وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } (2) ؛ وقال : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا... } (3) وقال : { خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ } (4) . وقال [08] سليمان عليه السلام : { لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } (5) . مع اجتماع الناس في اللغة المطلقة الجائزة : أن لا تسأل أبدا عالماً أو جاهلاً إلا أخبرك عمن ليس بمؤمن أنه كافر . ولو أنك سألتهم : من أين يزعمون أن الزاني عدو الله ؟ لأنهم ينفذون فيه الوعيد ، ويسمونه فاسقاً ضالاً عدواً لله ؛ قالوا لك : من قبل أنه خرج من ولاية الله ، فلما خرج من ولاية الله استحق عداوة الله ، وليس بين عداوة الله وولايته منزلة ، مع أنكم تقرون لنا أنه عدو الله ؛ قلنا لهم : فعرفنا أنه عدو الله من قبل قوله : { فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ } (6) وكل عدو لله كافراً ، وإن كنتم من قبلنا عرفتم عداوته فاعرفوا كفره ، فإنا إنما قلنا إنه عدو لله لأنه كافر ، والله عدو للكافرين .
__________
(1) …الآية 72 من سورة الحج.
(2) …الآية 131 من سورة آل عمران.
(3) … الآية 3 من سورة الإنسان. وتمامها : ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) .
(4) … الآية 2 من سورة التغابن.
(5) … الآية 40 من سورة النمل.
(6) …الآية 98 من سورة البقرة.
وأما قولهم كيف يكون كافرا وليس فيه جميع الكفر ، وكان من قولهم : إن الناس لا يكونون (1) كافرين حتى يستكملوا جميع الكفر ، قلنا لهم لا يكون إذن ضالاً حتى يستكمل جميع الضلال ، وكيف يكون الناس بشيء من الضلال ضالين ، وبشيء من الفسق فاسقين ، ولا يكونون بشيء من الكفر كافرين ؟
وجاء عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبة يوم حجة الإسلام ـ ويقال حجة الوداع ـ : (( لا ألفينكم رجعتم بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) (2) وقوله حين سأله رجل عن قول الله تعالى : { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } (3) فقال رجل : أفي كل عام يا رسول الله ؟ فقال رسول الله عليه السلام : (( لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لما قدرتم عليها ، إذن لكفرتم )) (4) وقوله عليه السلام : (( ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة )) (5) وقد اجتمعت الأمة (6) على هذه الأحاديث عن رسول الله عليه السلام ، (7) يؤثره عنه عامة العلماء من الموافقين والمخالفين .
__________
(1) …في النسخ : (( لا يكونوا )) ، والصواب : (( لا يكونون )) إذ لا موجب لحذف النون .
(2) …روي الحديث عن عدد من الصحابة : جرير ـ ابن عمر ـ أبي بكر ـ ابن عباس ، في مسند أحمد والنسائي وأبي داود والبخاري مع اختلاف في اللفظ أحيانا وصححه السيوطي . ورواه الإمام الربيع بن حبيب بلفظ (( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) . حديث رقم 756 .
(3) …الآية 97 من سورة آل عمران.
(4) …رواه ابن ماجة والإمام الربيع عن أنس بن مالك برقم 394 .
(5) …رواه الإمام الربيع عن ابن عباس رقم 303 ، وابن ماجة عن أنس بلفظ : ((... العبد والشرك )) .
(6) …اجتمعت : يعني أجمعت .
(7) …في ( هـ ) : (( صلى الله عليه وسلم )) .
وكل عدو لله كافر ، وكل ضال كافر ، وكل فاسق كافر ، والله إذا اشتد في شتم قوم نسبهم من بعد الكفر إلى الضلال ، قال : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ } (1) . وقال : { وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } (2) .
والكفر اسم عام لجميع الضلالة وليس بخاص ، والشرك اسم خاص لبعض الضلال وليس بعام ، وكذلك اسم النفاق اسم خاص وليس بعام ، والضلال والفسق أسماء عامة . والخروج من الإيمان الدخول في الكفر ، والدخول في الإيمان الخروج من الكفر ، وليس بينهما منزلة ، لأن الكفر ضد الإيمان ، والإيمان تفسير .
وإنما كان الإيمان إيماناً لوجوب الثواب ، وإنما كان الكفر كفراً لوجوب العقاب ، ليس كما يقول من يقول : إنما كان الكفر كفراً لأنه معصية ن وكان الإيمان إيماناً لأنه طاعة ، أو قول [ 9] من يقول : إنما كان الإيمان إيماناً للأمر به ، والكفر كفرا للنهي عنه ، وليس كذلك . يقول أهل النظر : لأنه لو كان الكفر كفراً لأنه معصية للزم أن يكون كل معصية كفراً . ولو كان إنما كان الإيمان إيماناً للطاعة أو للأمر للزم أن يكون كل ما ليس فيه أمر لا يكون إيماناً ، فتخرج كل نافلة يتقرب بها إلى الله من حد الإيمان . ولو أن الكفر إنما كان كفراً للنهي عنه للزم الكفر بكل أمر كان فيه نهي ، وهذا لا يقوله عالم .
[ لا منزلة بين المنزلتين ]
__________
(1) …الآية 90 من سورة آل عمران.
(2) … الآية 46 من سورة الذاريات.
وأما الشكاك فالذين قالوا : لا ندري أي الأسماء أصابوا ، ولا أيهم بلغوا ، يؤول (1) بهم ذلك إلى أن يجهلوا منزلتهم ولا يعرفون أنهم على هدى ولا على ضلال ، لأنهم لو عرفوا أنهم على هدى لعرفوا أن من خالفهم على ضلال ، لأنهم يقرون أنه ليس بين الهدى والضلال منزلة ينزل بها أحد ثم إنهم جمعوا الجبابرة والمحدثين من المتأولين وكلَ صاحبِ شهوة يسمونهم بالإيمان أحياناً ثم يلعنونهم أحياناً بلا (2) علمٍ بموقع اللعنة ، ويستغفرون لهم ويتولونهم بلا علم بموقع الاستغفار ، ويستحلون من أوليائهم ومن مخالفهم (3) أحياناً ما يحرمون أحياناً : يستحلون دماءهم وأموالهم ؛ ثم قالوا : لا نقاتل من قال : (( لا إله إلا الله )) ، ثم يقاتلونهم أحياناً ، ويأخذون أموالهم ، وليس لهم دين موصوف ولا لدين الله عندهم معرفة . وضلالتهم أعجب وأكثر من أن يستطاع صفتها ؛ وكل من وصفت لك من المحدثين يدينون بما يقولون ويدعون الناس إليه ، ويزعمون أن الله نهاهم عن غيره من الأديان ، فهم مستحلون للحرام ومحرمون للحلال .
وقد اختلفت المرجئة فيما بينهم ، والصفرية أيضا فيما بينهم ، والمعتزلة حتى إن منهم من يوسع جهل القيامة والبعث والحساب ، لأنهم جعلوا الإيمان كله توحيداً .
وقد اتفقت المرجئة والصفرية بدءا أن الإيمان كله توحيد ، واختلفوا بعد ذلك في صفته ، فقالت الصفرية : من ترك العمل أشرك . وقال المرجئة : لا يشرك ولا ينافق ، وجعلوا التوحيد بعضه يسع جهله ، وبعضه لا يسع جهله ؛ فلو جعلوا ما يسع جهله من الإيمان غير التوحيد لدخلوا في قول المسلمين .
[ نقض شبهات السبئية ]
__________
(1) …عبارة : (( لا ندري أي الأسماء أصابوا ، ولا أيهم بلغوا يؤول )) سقطت من ( ب) و( ج ) . وفي ( هـ ) بدل (( يؤول )) نجد : (( يدل )) .
(2) …في ( ب) و( ج ) : (( بل علم )) . وهو تحريف .
(3) …كذا في النسخ ، ولعل الأصوب : مخالفيهم .
وأما السبابة (1) فإن كل رجل قلد أمره رجلا من بني هاشم ، فما أحل أحلوه ، وما حرم حرموه ، وإن غير الكتاب والسنة ، والصلاة حول (2) القبلة ، مع أنهم ثلاثة أصناف أو أربعة يسندون أمرهم إلى رجل واحد ، فمنهم من يزعم أنه إله ، ومنهم من يزعم أنه نبي ، ومنهم من يزعم أنه (3) إمام مطاع لا يأمر بشيء إلا كفر من عصاه .
__________
(1) …كذا في ( د ) وفي ( ج ) : (( السيابة )) وسقطت من ( هـ ) . والصحيح هو السبئية : فرقة من فرق الشيعة الضالة المتطرفة التي تنسب إلى عبد الله بن سبأ . وقد بلغ الضلال بهذه الفرقة أن ألهت الإمام عليا وأبناءه واعتقدت رجعة محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) وعدم وفاة على كرم الله وجهه . مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ص 114 .
(2) …في ( هـ ) : (( حولوا )) . ولعل الصواب : (( الصلاة وحول القبلة )) .
(3) …في ( هـ ) : سقط (( أنه )) .
تعليق المستخدم :السبابة هم غلاة الشيعة والله أعلم ..وقد سماهم كذلك أيضا التابعي سالم بن ذكوان الهلالي -رضي الله عنه- في سيرته الطويلة ..وسموا بذلك لكثرة سبهم للخليفتين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما كما أن سياق الشيخ عمروس في كلامه يفيد ذلك .أما السبئية فما عليه بعض المحققين أن قصص عبدالله بن سبأ باطلة لا تصح ..والله أعلم....وليعذرني من حقق الكتاب على هذا التطفل !
فالذين يقولون : إنه إله بريئون من الفريقين ، والذين يقولون إنه نبي رسول بريئون من الفريقين ، والذين [10] يقولون إنه إمام بريئون من الفرقتين ، وهو حي قائم (1) يعرف براءة بعضهم من بعض ، واستحل بعضهم دم بعض ، ثم لا يصلح بينهم ؛ وقد دخل عليهم ما يدخل على الخوارج (2) والمرجئة والمعتزلة من الضلال إلا صنف منهم الزيدية (3) وصف منهم الحسنية (4)
__________
(1) …في ( هـ ) : (( خير قائص )) . ولا معنى له .
(2) …الخوارج : هم مجموعة من المسلمين المعارضين لفكرة التحكيم التي رضي بها الإمام علي كرم الله وجهه وأنصاره في معركة صفين ، هذه المجموعة التي تفرعت إلى فرق عديدة منها : الصفرية والأزارقة والنجدية ، وأما الإباضية الذين ألحقوا بهم ظلما فلا تجمعهم بهؤلاء الخوارج إلا فكرة المعارضة للتحكيم والدليل هو إعلان الإباضية البراءة من هؤلاء الخوارج ومعارضتهم في تطرفهم منذ الإمام الذي تنسب إليه الفرقة (( عبد الله بن إباض )) الذي أعلن معارضته للخروج معهم باستعمال القوة ضد الملوك الجورة فسموا (( قعدة )) . وقد وضح ذلك في رسالته التي خاطب بها الخليفة عبد الملك بن مروان قائلا : (( وإنما نبرأ من ابن الأزرق وأتباعه من الناس ، لقد كانوا على الإسلام فيما ظهر لنا حين خرجوا ، ولكنهم ارتدوا عنه وكفروا بعد إسلامهم فنبرأ إلى الله منهم )) مختصر تاريخ الإباضية ، الباروني ص25 .
(3) …الزيدية : فرقة من فرق الشيعة المعتدلة تنسب إلى زيد بن علي بن زين العابدين بن الحسن بن علي كرم الله وجهه ( ت ـ 122 ) ، وكان أول من أعلن المقاومة بالسلاح ضد بني أمية في عهد هشام بن عبد الملك وهم يوجدون اليوم في اليمن ويعتقدون جواز الإمامة في غير آل البيت بشروط ن ومبدؤهم تميل إلى الاعتزال كثيرا . مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ص150 .
(4) …الحسينية : أو ( التوابين ) هي فرقة من فرق الشيعة نشأت في البصرة بعد مقتل الحسين بن علي في واقعة كربلاء المشهورة سنة 61 هـ ، وعلى رأسهم الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي وكان شعارهم أخذ الثأر على مقتل ( الحسين ) إذ إنهم يحسون بمسؤليتهم في مقتله . انظر : مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ص158 .
تعليق المستخدم :الصحيح أن الذين عارضوا التحكيم هم القراء من الصحابة والتابعين ولكن الخوارج من النجدية والأزارقة والصفرية ألحقوا أنفسهم بالقراء...أما الإباضية الكرام فهم الامتداد الأصيل لجيل القراء ..والله أعلم
، قالوا بالعدل وجامعوا (1) المسلمين في جميع كلامهم وأحكامهم وأسماء المحدثين ، ثم أدخلوا على أنفسهم الضلالة ، فلا نعلم أحداً من محدثي (2) أهل القبلة أحدث حدثاً هو أشد وأقبح منهم ، ولا هم (3) فيه أشد مكابرة لأهل العدل والحق ، وذلك أنهم زعموا أنه يحل لهم أن يحرموا الدماء التي (4) أحل الله في كتابه بلا قربة ولا رجعة ولا توبة ، وأن الكافرين الذين أحل الله دمائهم من المحدثين من أهل القبلة لهم أن يحكموا في كتاب الله ، فإن حكموا بأن دماءهم حرام حرمت ، وإن حكموا بأنها حلال أستحلت ، وإن ردوا (5) حكم الله بلا توبة كانت ممن أحل الله دماءهم ، وذلك أنهم جوزوا تحكيم الحكمين يوم صفين : حرموا دماء من قاتل عليا من أهل الشام مع معاوية ، وهم بغاة ولم يفيئوا إلى أمر الله ، وحكمهم في الكتاب والسنة ، والله يقول : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } (6) .
وقد بقي من أقاويل المخالفين كثير لم نذكره ن وبقي مما ذكرت حججاً عظيمة لم نذكرها ، لما يطول من ذكرها ، وقد ذكرت بعض ذلك وهي أكثر من أن نأتي عليها بكتاب .
[ ما لا يسع الناس جهله طرفة عين ]
وذكرت قول أهل الحق ، وأردت أن أقصد بكتابي إلى بعض أمور تكون فيها الحاجة مما (7) كلف الله به العباد وذلك أن أول ما يلزمهم الإقرار بالله ربا وبمحمد نبياً ، وبما جاء به حق ، وهذا ما لا يسع جهله طرفة عين .
[ ما يسع الناس جهله إلى قيام الحجة ]
__________
(1) …كذا في النسخ ، يعني : وافقوا .
(2) …في ( هـ ) : سقط : (( محدثي )) .
(3) …في( هـ ) : سقط : (( هم )) .
(4) …في النسخ : (( الذي )) والأنسب ما أثبت .
(5) …في ( ب) و( ج ) : (( أرادوا )) . وهو تحريف .
(6) …الآية 9 من سورة الحجرات.
(7) …في ( هـ ) : (( ما )) .
وأما الذي يسعهم جهله حتى يأتيهم وقت فعله وما يرضي الله عليهم (1) من الصلاة قبل وقتها ، والزكاة قبل وجوبها ، وصيام شهر رمضان قبل مجيئه ومحضره في أهله ، والحج والعمرة ، والبر بالوالدين ، وصلة الرحم ، وحق الجوار ، وما ملكت اليمين ، وشأن القبلة والولاية لأهل طاعة الله ، والعداوة لمن وقع عليه اسم الكفر ، وغض البصر ، وحفظ الفروج ، وصدق الحديث ، وحق ابن السبيل ، والاغتسال من الجنابة ، والاستئذان في البيوت ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والإخلاص في النية ، والعمل والقول ، وأداء الأمانة ، والوفاء بالعهد ، وذكر اسم الله ، على الذبيحة ، وما أشبه (2) ذلك مما أمر الله به ، (3) وحق الإيمان ، والجهاد في سبيل الله ، والتوبة من الذنوب ، فهذه ونحوها مما أمر الله بفعله يسع الناس جهله ما لم يأت وقت فعله ، [11] فإذا جاء وقت فعله لزمهم العلم والعمل به .
وقال من خالف الحق : إنما عليهم العمل وليس عليهم العلم ، وهذه أوهن الأقاويل وأضعفها ، (4) لأنه لو وسعه الجهل مع العمل لوسعه (5) أن يرى أن تارك (6) ذلك مسلم على تركه ، ويسعه أن يرى أن تارك جميع ما أمر الله به مسلم . ووسعه جهل إسلام من يعمل بجميع ما فرض الله عليه ، ووسعه أن يرى أنه كافر غير مسلم ، فإن ضيقوا عليه ذلك فقد ألزموه (7) العلم مع الفعل في وقت الفعل .
__________
(1) …كذا في النسخ والأنسب للعبارة : (( فهو ما يرضي الله )) .
(2) …في ( د ) : (( وما أشباه )) . وهو خطأ .
(3) …في ( هـ ) : سقط : (( به )) .
(4) …في ( هـ ) : (( وأضعفه )) .
(5) …في ( هـ ) : (( لوسه )) . وهو تحريف .
(6) …كذا في ( د ) و( ج ) وهو أنسب ، وفي ( ب) : (( ناكر )) .
(7) …في ( هـ ) : (( لزموه )) .
وأما الذي يسعه جهله من الإيمان حتى يحل له تفسيره ، فما كان من تفسير التوحيد مثل إنفاذ (1) الحدود عن الله والأقطار ، وإثبات القدرة له (2) والعلم وجميع الصنع الحدث أن يضاف إليه أنه صانعه ومحدثه ، وتصديق كل ما جاء عنه من خبر عما هو كائن أو يكون . وإضافة كل شيء إليه ، وما رأوا أو ما لم يروا سمية (3) ، وليس معه مكون ، وأنه بائن من صفات المخلوقين { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } (4) فهذا ذكروا جل تفسيره .
[ ما لا يسع جهله من التوحيد ]
ولا يسع جهله من ذلك ما أخبر الله من ذكر الجنة والنار ، والبعث والحساب ، والملائكة والكتب والرسل ، فهذا وأشباهه من تفسير التوحيد ولا يدعى في الجملة إلى هذا التفسير ، وهو داخل في جملة التوحيد . والمنكر لتفسير التوحيد منكر لجملة التوحيد ؛ كما أن الإيمان بجملته إيمان بتفسيره ، وكذلك الكفر بتفسيره كفر بجملته ؛ لأن المنكر لشيء من هذا أن يضيفه إلى الله منكر لتوحيد الله ، لأنه منكر لصفته ن والله يوصف بذلك : مثيب وباعث ومعاقب ومرسل ومنزل .
__________
(1) …في ( د ) : (( إنفاء )) . وفي ( هـ) : (( إنفاذ )) . بدال مهملة . وهو خطأ .
(2) …في ( ب ) و( ج ) : سقط : (( له )) .
(3) …كذا في النسخ ومعناه : مثله .
(4) …الآية 11 من سورة الشورى.
ومن أنكر شيئاً من صفات الله أنكر الله ، ومن أنكر الله فهو مشرك . وقال بعض أهل الخطأ والجهل : لا نشرك من أنكر شيئاً سوى الله ما أقرَّ أنَّ الله واحد ، وهذا هو الخطأ .. وكتاب الله يكذَّب قائل هذا في غير موضع ، منها ما ذكر الله من محاورة الأخوين في سورة الكهف حيث قال أحدهما : { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي... } فأقر أنه ربَّه ، وإنما شك في البعث ؛ وقال له المؤمن : { أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ... } فجعل شك في البعث كفراً بالذي خلقه ، ولم يجحد أنَّه ربُّه ؛ ثم قال المؤمن له : { لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي... } أصله : (( لكن أنا هو الله ربي )) وأدغم النون الثانية ، وزاح الألف فوقع التشديد في النون لأنَّه التقى النونان ، ثم قال : { وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } فدَّل بهذا أنَّه إنما هرب من الشرك ، لأنَّ صاحبه واقعه واستحقه . ثم (1) قصتها محاورة بينهما إلى قوله : { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ } ندامة { عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا } حيث صارت { صَعِيدًا زَلَقًا، } وهو تراب يابس يزلق { وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا } (2) . وأقر أن شكه (3) في البعث شرك بربه .
فمن أنكر شيئاً مما تفرد الله به بصنعته (4) أشرك بالله ؛ ومن أنكر شيئاً مما أضافه الله إلى بعض خلقه فأنفى الله من صنعه نافق ، لأنه متأول مخطئ .
[ ما يسع جهله أبداً ما لم يكذًّب ]
__________
(1) …كذا في النسخ ، والأنسب : (( وأتم )) .
(2) …الآية 42 من سورة الكهف.
(3) …في النسختين : ( ب) و ( ج ) : (( أن شركه )) وهو تحريف .
(4) …في ( هـ ) : (( بصنعه )) .
وأما الذي يسع جهله أبداً ما لم يتقولوا على الله ـ في حال جهلهم ـ فيه الكذب ، فيحلون حراماً أو يحرمون حلالاً ، أو يواقعوا فعل ما يضلهم أو يلقوا الحجة فتخبرهم بها ، فلا يؤمنون بها ، ولا يصدقونها ، فما حرم الله عليهم من الميتة والدم ولحم الخنزير والزنى والربا وقتل النفس التي حرم الله وأكل الأموال الحرام والسرقة ، وكل ما حرم عليهم ، والفساد في الأرض والأمر بالمنكر والظلم والبغي ودخول البيوت بغير إذن والنظر إلى ما حرم الله ، وإتيان النساء في الحيض (1) وكل ما حرم الله ونهى عنه ، إنما عليهم الكف عنه ، (2) وليس عليهم معرفته ولا معرفة أن الله حرمه فهو يسعهم جهل ذلك أبداً ما لم يتقولوا على الله في حال جهلهم فيها الكذب ، فيحلوا حراماً أو يحرموا حلالاً ، أو يواقعوا فعل ما يضلهم ؛ أو يلقوا الحجة ، فتخبرهم عن الله أنه كذلك ، بمبلغ الحجة التي ليس فيها تفاضل ، لا يزيد فيها زائد ، ولا ينقص منها ناقص ، إذا كان المبلغ من أهل دين الله ، لأنه إنما يكون حجة في دين الله أهل دين الله ، إذا بلغ أقصى الحجة ، ولم يترك منها مزيداً ؛ مثل ما لو أن جميع المسلمين حضروا لم يجدوا عن (3) قوله مزيداً ، فهو حجة الله في دين الله . وقد قال بعض سلفنا رحمهم الله : إنما تكون التي يقطع بها العالم (4) الغاية بنهاية العلم الذي لا يجهل شيء الحجة .
__________
(1) …ف ( هـ ) : (( المحيض )) .
(2) …في ( هـ ) : سقط : (( إنما عليهم الكف عنه )) .
(3) …في ( هـ ) : (( على )) .
(4) …في ( هـ ) : سقط : (( العالم )) .
وقد تركت قولين يقال بهما في الحجة ، لأن من أدركنا من خيار أصحابنا مما (1) كنا نأخذ عنهم قالوا بتضعيف ذلك القولين ولم يميتوهما ، وإن كان بعض الناس يحتجون بهما ، وأن كل ما حرم الله حراماً ، وما نهى عنه فهو الحرام الذي حرمه الكتاب والسنة ، فاضاف فاعله إلى النار فهو كبيره يكفر أهله بمقارفته حين قارفوه حتى يتوبوا ، وكذلك نظيره ، وإن لم يذكره الكتاب والسنة . وما سمى الله أهله بشيء من أسماء الضلال فهو كبيره ، وما أمر الله عليه بالنكال في الدنيا فهو كبيرة ، وما لم يعد عليه النار ولم يفسق أهله ، ولم يأمر بنكالهم فأهله (2) .
وإن أصابوا معصية يخاف عليهم فيها حكم المسلمين ، وكانوا لله عاصين يخاف عليهم فيها عقوبة الله في الدنيا والآخرة ، وعليهم التوبة من ذلك والخوف ؛ فإن تمادوا ولم يتوبوا ضلوا وكفروا ، وإن ذلك (3) لهم حلال فهو أشد لكفرهم من التمادي .
[13] وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية ، نسأل الله التوفيق لمراشد الأمور .
الباب الثاني
مسائل في العبادات
[ الفصل الأول مسائل الصلاة ]
وقد أردت (4) تفسير بعض الفرائض .
ومما فرض الله الصلاة والزكاة في كتابه .
[ أوقات الصلاة ]
وإن مواقيت الصلاة مسميات في كتابه الله [فـ ] (5) قوله في سورة الروم : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } : يعني المغرب والعشاء ، { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } : يعني صلاة الغداة(6) { وَعَشِيًّا } : يعني صلاة العصر ، { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } (7) : يعني صلاة الأولى .
__________
(1) …كذا في النسخ ، ولعل الأنسب : (( ممن ))
(2) …كذا في جميع النسخ .
(3) …كذا في النسختين : ولعل الصحيح والأنسب : (( وإن كان ذلك )) .
(4) …في ( هـ ) : (( أرد )) . وهو تحريف .
(5) …أضفنا الفاء ليستقيم النحو .
(6) …في ( هـ ) : (( الغدوة )) .
(7) …الآيات 17 ـ 18 من سورة الروم.
وقال بعضهم : { حِينَ تُمْسُونَ } : صلاة المغرب وحدها (1) ، وذكر صلاة العتمة في سورة النور : { وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء } (2) يعني صلاة (3) العتمة ، وقدم (4) معها صلاة الصبح ، وقال : { مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ } (5) .
وقال في سورة بني إسرائيل : { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } : يعني زوالها ، { إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } : يعني ظلمته . وإنما ذكر ثم أربع صلوات الأولى والعصر والمغرب والعشاء ـ وهي العتمة ـ ثم قال : { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } يعني صلاة الصبح ، { إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } (6) يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار (7) .
وقال في سورة طه : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } : يقول : فصل بأمر ربك ، { قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } : يعني صلاة الصبح ، { وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } : يعني العصر والأولى ، { وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ } : يعني ساعات (8) الليل ، { فَسَبِّحْ } : يعني فصل له المغرب والعشاء ، { وَأَطْرَافَ النَّهَارِ } (9) : يعني صلاة الصبح والعصر ، كرر عليها .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( واحدها )) .
(2) …الآية 58 من سورة النور.
(3) …في ( هـ ) : سقط : (( صلاة )) .
(4) …في ( هـ ) : (( وقد )) . وهو خطأ .
(5) …الآية 58 من سورة النور.
(6) …الآية 78 من سورة الإسراء.
(7) …في ( ب ) و( ج ) : (( ملائكة الليل والنهار )) .
(8) …في ( هـ) : (( صلاة )) .
(9) …الآية 130 من سورة طه.
وقال في سورة هود : { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ } : الصبح والعصر (1) ، { وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ } : المغرب والعشاء ، وهي العتمة ، { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } (2) : يعني الصلوات الخمس ، وهي الخمسة يكفرن (3) ما دون الكبائر لمن اجتنب الكبائر . ويقال في : { طَرَفَيِ النَّهَارِ } : الأولى والصبح والعصر : الطرف الأول : الصبح ، والطرف الثاني : الأولى والعصر لأنهما كانتا في الطرف ، وقد زال وسط النهار فما ليس بوسط ، فهو طرف .
وقال في سورة ق : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } : وهي الصبح ، { وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } : وهي العصر ؛ ويقال : الأولى والعصر ، لأنهما مقرونتان في الوقت (4) .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( كرر عليها . وقال في سورة هود : (( وأقم الصلاة طرفي النهار )) الصبح والعصر )) .
(2) …لآية 114 من سورة هود.
(3) …في ( هـ) : (( المسلة ، يكفرون )) . وهو خطأ واضح .
(4) …قال الشيخ عامر الشماخي : (( وقال بعض أصحابنا : الظهر والعصر مشتركتان في الوقت ، وكذا في المغرب والعشاء ، والدليل على هذا حديث ابن عباس رضي الله عنه : [ صلى رسول الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعا من غير خوف ولا سحاب ولا مطر ] رواه مسلم . ورواه الربيع بن حبيب في مسنده ، بنحو لفظه . انظر حديث رقم 251
…انظر : عامر الشماخي : الإيضاح ، ج1 ، ص 382 . أبو غانم الخراساني : المدونة ، ترتيب القطب اطفيش ج 1 ، ص34 .
{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } يقول : فصل له المغرب والعشاء .. { وَأَدْبَارَ السُّجُودِ } (1) ، وهي الركعتان بعد صلاة المغرب (2) وقال في سورة الطور : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } : يعني إلى الصلاة ، { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } : يعني فصل له ، { وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } (3) يعني الركعتين قبل صلاة الصبح (4) بعدما أبهر (5) الفجر... وذكر صلاة الضحى (6) نافلة قال { إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ } (7) ، ثم ذكر في سورة البقرة { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ } : يعني في الجماعة { والصَّلاَةِ الْوُسْطَى } (8) : يعني صلاة الصبح في قول أصحابنا . وقال متفقهوا قومنا : إن (9) الصلاة التي غفل عنها سليمان [14] بن داود عليه السلام ، { حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ } (10) ، وقال : { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } يعني النبي عليه السلام وحدك في الصلاة ، { وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } (11) يقول : ويرى صلاتك مع المصلين .
[ صلاة الجماعة ]
__________
(1) …الآية 40 من سورة ق.
(2) …هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، تحقيق بلحاج بن سعيد شريفي ، ج4 ، ص208 .
(3) …الآية 49 من سورة الطور.
(4) …هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج4 ، ص233 .
(5) …بهر ـ يبهر ـ أبهره : صار في حر وسط النهار . وفي ( هـ ) : (( أيفجر )) . ولا معنى له .
(6) …في ( ب) : (( ضحار )) . والصحيح ما أثبت من ( د ) و( ج ) و( هـ ) .
(7) …الآية 18 من سورة ص.
(8) …الآية 238 من سورة البقرة.
(9) …كذا في ( د ) ، ولعل الصواب : (( إنها )) .
(10) …الآية 32 من سورة ص. وانظر هود بن محكم : تفسير كتاب الله العزيز ، ج4 ، ص16 .
(11) …الآيتين 218 و 219 من سورة الشعراء.
ويقال : إن صلاة أحدكم في الجماعة يزيد على صلاة وحده (1) أربعة وعشرين ضعفا (2) وإنما يتقبل الله من المتقين .
[ حكم تأخير الصلاة ]
ومن ترك صلاة النهار حتى يدخل عليه الليل ، أو ترك صلاة الليل حتى يدخل عليه النهار من غير عذر ولا نسيان (3) ضل وكفر .
[ عدد الركعات في الفرائض والسنين ]
وسن الصلاة الأولى في الحضر أربع وهي في السفر ركعتان ، وإنما سميت الأولى لأنها أول صلاة فرضت . والعصر أربع ركعات ، والمغرب ثلاث ركعات ، والعتمة أربع ركعات ، والصبح ركعتان . كلها في السفر ركعتان ركعتان ، ما خلا المغرب فإنه ثلاث ركعات في الحضر والسفر ، وهذا العدد من السنة .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( واحدة )) .
(2) …روى البخاري عن أبي هريرة بلفظ ( خمس وعشرين ) وفي رواية عن عمر متفق عليها قال ( بسبع وعشرين درجة ) . ورواه الإمام الربيع بن حبيب عن أنس بم مالك بلفظ ( الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ) . وعن أبي هريرة بلفظ ( صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحدة بخمس وعشرين درجة ) . انظر مسند الربيع ، حديثي رقم : 215 و 216 .
(3) …المعذرون هم : الحائض والمسافر والصبي والمشرك والمغمى عليه والناسي والنائم والمجنون ، القطب اطفيش : شرح النيل ج2 ، ص22 . الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج1 ، ص240 .
والوتر ركعة ، وهي سنة ، ويستحب أن يوتر بسبع ركعات (1) . ومن الناس من يقول : الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهم بتسليم (2) والمعمول به عندنا ركعة .
وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) سنن الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها وتشهدها .
[ القراءة في الصلاة ]
أول ما نفتتح (4) بالتكبير ويقرأ في القيام بفاتحة الكتاب وحدها (5) سراً في الأولى والعصر ، وفي الثالثة من المغرب ، والركعتين الأخيرتين (6) من العشاء . ويقرأ في الركعتين الأولتين (7) من المغرب سورة من القصار مع فاتحة الكتاب . وفي الأولتين (8) من العشاء بسورة مع فاتحة الكتاب ، ويستحب من ذلك ما يبلغ عشر آيات ، وكذلك في الصبح .
[ إستقبال القبلة ]
__________
(1) …قال الشماخي : (( وقد روي أنه كان عليه السلام يوتر بسبع وثلاث )) رواه أحمد والنسائي ولذلك استحب علماؤنا رحمهم الله الوتر على سبع . الشماخي : الإيضاح ، ج1 ، ص691 .
(2) …قال الشماخي : (( دليلهم ما روي أنه قال عليه السلام : صلاة المغرب وتر النهار ، فأوتروا صلاة الليل ـ متفق عليه ـ وقالوا : لما كانت المغرب وتر النهار ، واختلف الناس في وتر الليل ، كان أحسن الأشياء أن يشبه به . وقد روي أيضاً أنه - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث لا يسلم إلا في أخراهن ـ رواه النسائي وأحمد )) الشماخي : الإيضاح ، ج1 ، ص692 .
(3) …في ( هـ ) : سقط : (( صلى الله عليه وسلم )) .
(4) …في ( هـ ) : (( تفتتح )) . وهو الأنسب .
(5) …في ( هـ ) : (( واحدها )) .
(6) …في ( هـ ) : (( الأخرتين )) . وهو خطأ .
(7) …كذا في النسخ .
(8) …كذا في النسخ .
وتوجيه الكعبة (1) في الصلاة فرض من التنزيل . قوله تعالى (2) : { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } (3) يعني في الصلاة .
[ الفصل الثاني في الطهارات ]
[ فريضة الوضوء ]
والوضوء من التنزيل ، [لـ] قوله (4) تعالى : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } : يعني إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة ، { فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ } (5) فهذه الفريضة .
وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المضمضة والاستنشاق ، وهما واجبتان لا يسع تركهما ، ولا تجوز الصلاة إلا بهما .
وسن مسح الأذنين مع الرأس مقدمهما ومؤخرهما . وقال بعضهم مقدم الأذنين من الوجه ومؤخرهما من الرأس . والمعمول به عندنا أنهما من الرأس .
[ سنة الإستنجاء ]
وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستنجاء من كل نجاسة (6) ، لا يجوز الوضوء إلا بعد الاستنجاء .
وفرض الله في كتابه الطهارة من الجنابة (7) .
[ رخصة التيمم ]
__________
(1) …كذا في جميع النسخ ، ولعل الصواب : (( والتوجه للكعبة )) بلام الجر .
(2) …في ( هـ) : سقط : (( تعالى )) .
(3) …الآية 144 من سورة البقرة. وفي ( هـ) : (( فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام )) . وهو تحريف ، لا توجد آية هكذا .
(4) …في النسخ بدون لام الجر ، والصحيح إثباتها .
(5) …الآية 6 من سورة المائدة.
(6) …الاستنجاء : النجو وهو الحدث بنفسه ويتضمن أيضا معنى الاستجمار لأنه وجه من الاستنجاء : ومعناه إزالة النجاسات ولا بد من الجمع بين الماء والأحجار لتخفيف العين عن الموضع ثم الماء للإنقاء ، وإزالة الأثر ، والدليل هو عمل أهل قباء وثناء الله عليهم في ذلك . الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج1 ، ص162 ـ القطب : شامل الأصل والفرع ، ج1 ، ص186 .
(7) …قال الله تعالى : (( وإن كنتم جنباً فاطهروا )) سورة المائدة 6 .
ومن كان على سفر ولم يجد الماء تيمم (1) صعيداً طيبا . يعني تعمد ترابا نظيفا . والتيمم : التعمد ؛ والصعيد : التراب ؛ والطيب : النظيف .
وبعض الناس يرى التيمم هو المسح بنفسه ، وليس هو من المسح ولكنه التعمد إلى التراب . ألا ترى أنه قال [15] { فَامْسَحُواْ } والمسح غير التيمم ، يقول فتعمدوا ترابا نظيفا ، { فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ } (2) وما يدل أن التيمم هو التعمد لا المسح قول الله : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } (3) . يقول ولا تتعمدوا الخبيث من أموالكم منه تنفقون .
والتيمم أن تعمد ترابا نظيفا ، وتضرب بيديك مرة ، ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك ، وتضرب مرة أخرى وتمسح بهما كفيك ، تبدأ باليمنى ، وكذلك في الوضوء . فإذا وجدت الماء اغتسل من جنابتك ، ولا تعد ما مضى من الصلاة .
[ حكم نسيان الصلاة ]
ومن نسي صلاة حتى يذهب وقتها (4) فليصلها حين يذكرها ، إلا حين تطلع الشمس أو حين تغرب ، إذا طلع منها شيء أو غاب منها شيء . وكذلك من صلاها بغير وضوء أو ثوب لا يصلى به .
[ كيفية الإغتسال ]
ومن أراد أن يغتسل فليبدأ بنفي كل ما أصاب جسده من النجاسة ، فإذا فرغ من غسل النجاسة صب الماء على يده اليسرى بيده اليمنى ثم يتوضأ وضوء الصلاة حتى عند رجليه ، ثم يسكب الماء على رأسه وسائر جسده ، وليبالغ في تنقية جسده ولا يقصر في شيء . جاء في الحديث : (( أن كل موضع لم ينعم غسله من الجنابة فإنه يبعث عليه يوم القيامة حيات تلدغه في تلك الأماكن )) (5) .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( يتيمم )) .
(2) …الآية 6 من سورة المائدة.
(3) …الآية 267 من سورة البقرة.
(4) …كذا في النسخ . والأنسب : (( حتى ذهب وقتا )) . وفي ( هـ ) : (( حتى تذهب واقتها )) .
(5) …ذكره في المدونة بلفظ : ((... ولم يعم ..)) ، الخراساني : المدونة ، ج1 ، ص15 .
وليس في الغسل وقت دون الإنقاء وحسن الغسل . وليرو (1) الشعر وليبالغ في غسله فإنه جاء في الحديث (( تحت كل شعرة جنابة )) (2) .
وجاء في الحديث أيضاً أن : (( كل شعرة لم ينعم غسلها تشعل يوم القيامة ناراً )) (3) . وليبالغ في الغسل وليغسل إبطيه ومسربته (4) وسرته وبطنه ، وليمد بطنه إذا أراد غسلها . وليغسل رفغيه (5) ومأبطيه (6) .
فإذا غسل كل شيء تنحى (7) ولبس ثيابه وغسل رجليه وصلى إن لم ينتقض وضوءه بحدث (8) ، أو قطر ، أو مس المذاكر (9) أو قيء ، أو رعاف .
فإن حدث منه شيء يفسد وضوءه استأنف الوضوء . وإن صب الماء على رأسه وجسده قبل أن يتوضأ حين يفرغ من الاستنجاء أجزاه .
ومن ترك الغسل من الجنابة من غير عذر وهو يجد الماء حتى يذهب (10) وقت الصلاة ضل (11) في قول المسلمين .
[ الفصل الثالث فريضة الزكاة ]
__________
(1) …في ( د ) : (( وليروي )) . والصواب حذف حرف العلة لأنه مجزوم .
(2) …رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة )) . انظر مسند الربيع ، رقم : 139 . وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ : (( إن تحت كل... )) وضعفه السيوطي .
(3) …ذكره في المدونة بلفظ : ((... ولم يعم .. )) . الخراساني : المدونة ج1 ، ص15 .
(4) …مسربته : الشعر وسط الصدر إلى البطن ، مجرى الدمع ، مجرى الغائط ، ومخرجه .
(5) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( رفيقه )) والصحيح ما أثبت من ( د ) و( هـ) . ومعناه : أصول الفخذين .
(6) …في ( هـ ) : (( مايطيه )) . ومعناه أصول اليدين .
(7) …تنحى : إنتقل إلى ناحية أخرى .
(8) …في ( هـ ) : (( بحدثا )) . وهو خطأ .
(9) …في ( هـ ) : (( الذاكر)) .
(10) …في ( هـ ) : (( تذهب)) . وهو خطأ .
(11) …في النسختين ( ب) و( ج ) : (( أضل )) . وفي نسخة ( د ) و( هـ ) ما أثبت ، وهو الصواب .
فريضة الزكاة من التنزيل ، مقرونة (1) بالصلاة ، ثم فسرت السنة كيف كان قسمها (2) ، ومن كم تجب ؟ ومن أي نوع تجب ؟ وعلى كم ؟ والحول... كل ذلك من السنة . وبين الله تعالى في التنزيل أهلها الذين فيهم تقسم .
[ في ماذا تجب الزكاة ]
إنما تجب الزكاة في الذهب والورق (3) ، والحبوب من البر والشعير والذرة والسلت والتمر والزبيب ، والغنم والإبل والبقر (4) .
[ زكاة الذهب والفضة ]
وزكاة الذهب والورق : يضم بعضها إلى بعض ، أن يعطي من مائتي درهم خمسة [16] دراهم ، فما زاد ففي كل أربعين درهما درهم ، فما لم يتم الأربعين فليس فيه شيء ؛ وما لم يبلغ من الدراهم (5) والفضة . والذهب مع الفضة مائتي درهم (6) فليس فيه زكاة ؛ وإن بلغت مائتين وبقيت عند صاحبها حولاً ففيها زكاة خمسة دراهم .
ومن كان عليه دين حط من حساب ماله بقدر ما عليه من الدين . والشريكان من الذهب والفضة ، فلا يجب على أحد زكاة بحصة غيره ، وتجب الزكاة فيما سوى الذهب والفضة باسم الشركاء (7) وما سوى الذهب والفضة لا تحط الديون منه في الزكاة .
فإذا لم تكن الفضة مع الذهب فزكاته من عشرين مثقالا نصف مثقال (8) ليس فيما دون شيء .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( في وقته)) .
(2) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( تقسيمها )) وفي نسختي ( د ) و( هـ ) : (( قسمها )) . ولعل الأصح : (( كيف تكون قسمتها )) .
(3) …الورق : الفضة .
(4) …لم يذكر الماعز لأن حكمه مثل حكم الغنم تماماً .
(5) …الدراهم جمع ، مفرده : درهم ، وهي قطعة من الفضة مسكوكة للمعاملة بين الناس ، أو هي مرادف النقود عموماً .
(6) …في ( هـ ) : (( دراهم )) .
(7) …المقصود هنا : يستتم الشريك بسهم الشريك .
(8) …المثقال = 5 غرامات ذهبا .
وما زاد على عشرين مثقالاً ففي كل أربعة مثاقيل عُشُر مثقال ؛ وما لم يتم فيه أربعة مثاقيل من الكسور ثلاثة ودون ثلاثة ، وفوق ذلك ما لم يتم مثاقيل (1) فليس فيه شيء .
وليس في اللؤلؤ والجوهر زكاة ، إلا من تطوع بخير ، ما لم يكن للتجارة ، وما كان للتجارة ففيه الزكاة : زكاة رأس ماله حتى يباع .
[ زكاة الحبوب ]
في القمح والشعير والذرة العُشُر فيما سقت السماءُ والعيون (2) إذا بلغ ثلاث مائة صاع بصاع النبي عليه السلام ، لا يضم نوع من ذلك إلى نوع إلا ما بلغ في نوعه (3) ؛ غير أن البر والشعير اختلف فيه الفقهاء ؛ وقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه أنه يضم البر إلى الشعير والشعير إلى البر ، وهو أخر كلام أبي عبيدة (4) رضي الله عنه (5) ؛ وكان أول قوله : لا زكاة في البر ولا في الشعير إلا ما بلغ ثلاث مائة صاع ، ولا يضم بعضه إلى بعض ، ثم رجع عن ذلك وقاسه بالذهب والفضة ، فقال : يضم الذهب إلى الفضة ، ويضم البر إلى الشعير(6) .
__________
(1) …كذا في النسخ والأنسب : (( المثاقيل )) .
(2) …لم يذكر السلت معها رغم أنه وارد في السنة . كما أنه عطف العبارة الأخيرة وأراد في النسختين ، والأنسب هو لعطف السلت إذا لا تتم السنة إلا بها .
(3) …أي من القمح الجيد والرديء مثلا وهكذا .
(4) …أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة عالم من الأعلام المؤسسين للمذهب الإباضي أخذ العلم عن التابعي الكبير جابر بن زيد الأزدي ، وتصدر المذهب الإباضي في المشرق الإسلامي ومغربه . ولم يترك كتبا كثيرة ، إلا رسالة في الزكاة ، وكتاب مسائل أبي عبيدة . توفي حوالي سنة 150هـ .
…انظر : علي يحي معمر : الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ، ص155 . سالم بن حمد الحارثي : العقود الفضية في أصول الإباضية ، ص139 . الشماخي : السير ، ص83 .
(5) …في ( هـ ) : سقط : (( عنه )) .
(6) …الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج2 ، ص22، 23، 24 .
وما لم يبلغ ثلاث مائة صاع فلا زكاة فيه إلا من تطوع بخير . والتمر والزبيب مثل ذلك . وما يسقى بالدوالي (1) والنواضح (2) والرشاء (3) والسواني (4) ففيه نصف العشر من كل عشرين واحد .
[ صدقة الإبل ]
__________
(1) …الدوالي : جمع دالية : الدلو الصغير وهو آنية متتابعة لها عارضة تجعلها تنصب في الحوض .
(2) …النواضح : جمع ناضحة : بعير السقي .
(3) …الرشاء : ج أرشية ، حبل الدلو .
(4) …السواني : جمع سانية : الدواب ، هي آنية تمتلئ وتصعد في دائرة بالدابة .
فليس فيما (1) دون الخمسة شيء ، فإذا بلغت خمسة ، ففيها شاة حتى تبلغ تسعة ؛ فإذا زادت واحدة وبلغت عشرة ، ففيها شاتان حتى تبلغ أربعة عشر ؛ فإذا زادت واحدة وبلغت خمسة عشر ، ففيها ثلاث شياه ، حتى تبلغ تسعة عشر ؛ فإذا زادت واحدة وبلغت عشرين ، ففيها أربعة شياه ، فإذا بلغت خمسا وعشرين ، ففيها بنت (2) مخاض . فإذا لم توجد ابنه مخاض ، فابن لبون ذكر ، حتى تبلغ خمسا وثلاثين ؛ فإذا زادت واحدة ، ففيها ابنه لبون ، حتى تبلغ خمسة وأربعين ؛ فإذا زادت واحدة ففيها حقة طروقة الفحل (3) ، حتى تبلغ ستين ؛ فإذا زادت واحدة ، ففيها جذعة حتى [17] تبلغ خمسة وسبعين ؛ فإذا زادت واحدة ، ففيها ابنتا لبون حتى تبلغ تسعين ؛ فإذا زادت واحدة ففيها حقتان ، حتى تبلغ عشرين ومائة ؛ فإذا زادت واحدة ، ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ ثلاثين ومائة ، ففيها حقة وابنتا لبون ؛ فإذا بلغت أربعين ومائة ، ففيها حقتان وابنه لبون ؛ فإذا بلغت خمسين ومائة ، ففيها ثلاث حقائق (4) فإذا بلغت ستين ومائة ، ففيها أربعة بنات لبون ، حتى تبلغ سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة ؛ فإذا بلغت ثمانين ومائة ، ففيها حقتان وابنتا لبون ؛ فإذا بلغت تسعين ومائة ، ففيها ثلاث حقائق وابنة لبون ؛ فإذا بلغت مائتين ، ففيها أربع حقائق ، أو خمس بنات لبون ، لأنه إذا كثر الإبل أخذ من كل أربعين ابنة لبون ومن كل (5) خمسين حقة .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( ما )) .
(2) …في ( هـ ) : (( ابنة )) .
(3) …طروقة الفحل : وهي الداخلة في السنة الرابعة .
(4) …في النسخ جمعت الحقة إلى حقائق ، وهو خطأ والصحيح إلى : حقق أو حقاق . وأثبتنا ما في الخطوط مراعاة للأمانة العلمية .
(5) …في ( هـ ) : (( ولكل )) .
وليس فيما لم يكمل العشرة بعد أن تزيد الإبل على العشرين ومائة شيء ؛ فإذا بلغت عشرة ومائتين ففيها أربع بنات لبون وحقة ؛ فإذا بلغت عشرين ومائتين ففيها حقتان وثلاث بنات لبون ؛ فإذا بلغت ثلاثين ومائتين ففيها ثلاث حقائق وابنتا لبون ؛ فإذا بلغت أربعين ومائتين ففيها أربع حقائق وابنة لبون ؛ فإذا بلغت خمسين ومائتين ففيها خمس حقائق ؛ فإذا بلغت ستين ومائتين ففيها أربع بنات لبون وحقتان ؛ فإذا بلغت سبعين ومائتين ففيها ثلاث حقائق وثلاث بنات لبون ؛ فإذا بلغت ثمانين (1) ومائتين ففيها أربع حقائق وابنتا لبون ؛ فإذا بلغت تسعين ومائتين ففيها خمس حقائق وابنة لبون ؛ فإذا بلغت ثلاث مائة ففيها ست حقائق . فإذا كثرت الإبل فعلى هذا الحساب : ففي كل أربعين ابنت لبون ، وفي كل خمسين حقة .
[ صدقة البقر ]
وصدقة البقرة مثل صدقة الإبل ، على عددها يؤخذ ما يؤخذ من الإبل من الغنم ما لم تبلغ خمسة وعشرين ؛ فإذا بلغت خمسة وعشرين فحولية نظيرة بنت مخاض .
ويؤخذ من البقر ما يؤخذ من الإبل غير أن أسنان الإبل كثيرة وأسنان البقر قصيرة عاجلة . ولكن يعد لها (2) من السنين ما يعد للإبل ، فيؤخذ مكان ابنة لبون في الإبل نظيرتها في السنين ، ويؤخذ مكان حقة نظيرتها ؛ وكذلك مكان كل سن من الإبل نظيرتها من البقر في السنين ، وإن اختلفت أسنانها .
فإن لم يجد المصدق في الإبل سن (3)
__________
(1) …في ( هـ ) : تكرار (( ثمانين )) .
(2) …في ( هـ ) : (( يدلها )) . وهو خطأ .
(3) …أما أعمار إبل الصدقة فهي كما يلي :
* بنت مخاض : وهي الداخلة في السنة الثانية .
* بنت لبون : وهي الداخلة في السنة الثالثة .
* حقة : وهي الداخلة في السنة الرابعة .
* جذعة : وهي الداخلة في السنة الخامسة .
فريضة الصدقة ووجد فوقها أخذها ورد فضل ما بينهما بقيمة عدل (1) ذهب أو فضة ، والصدقة من الحول (2) القمر (3) .
[ صدقة الغنم ]
لا يأخذ مما دون الأربعين شيئاً حتى تتم أربعين ، فإذا بلغت [18] أربعين وبقيت عند صاحبها سنة ففيها شاة ، حتى تبلغ عشرين ومائة ، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان حتى تبلغ مائتين ؛ فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه (4) حتى تبلغ تسعاً وتسعين وثلاث مائة ، فإذا زادت واحدة وكمل أربع مائة ففيها أربع شياه (5) ؛ ثم يستقيم بعد ذلك حسابها : لكل مائة تامة شاة ، وليس فيما لم يكمل المائة من التسع والتسعين بعد إذ جازت الغنم ثلاث مائة شيء .
ويأخذ المصدق من أوسط الغنم .
ويعد من الغنم من أولادها مع أمهاتها ما حمله الراعي واستغنى عن أمه . قال بعضهم : ما جاز الوادي ؛ وقال بعضهم : وإن حمله الراعي (6) ؛ ولكن من نأخذ عنه ممن أدركنا لا يرى الشاة إلا شاة استغنت عن غيرها (7) .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( على )) . وهو خطأ .
(2) …في ( هـ ) : إضافة : (( سنين )) .
(3) …كذا في النسخ ولعل الصواب تنكير كلمة حول . أي من الأشهر القمرية لا الشمسية .
(4) …في ( هـ ) : (( أشياه )) .
(5) …في ( هـ ) : (( أشياه )) .
(6) …في ( هـ ) : (( الرعي )) ، وهو خطأ .
(7) …زكاة الماعز هو نفس زكاة الغنم ولكن يمنع أخذ التيس والذكر من الغنم . الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج2 ، ص14 .
ومن أخر (1) زكاة ماله شهراً في شهر ألا يكفر ، ولا يضل في الحكم ، ما لم يدخل حول (2) في حول ، وقال من نأخذ عنه : وإن دخل حول (3) في حول لا يحكم عليه بالكفر ما لم يمت ولم يؤدها (4) ولم يوص ، إلا أن يكون مانعا فإنه يضل في حين ذلك . وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبته : (( ألا أنه لا صلاة لمانع الزكاة ، لا صلاة لمانع الزكاة ، والتعدي فيها كمانعها )) (5) .
[ زكاة الفطر حكمها ]
وزكاة الفطر يؤديها (6) من كان له ما يقوته سنة ، وهي سنة (7) ، الأخذ بها فضيلة ، وتركها ليس بخطيئة . والسنة سنتان :
* سنة في غير فريضة ، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة .
* وسنة في فريضة ، الأخذ بها هدى (8) وتركها ضلالة .
[ من ومِمّاذا ومتى تؤدى ]
أن يعطي فطرته (9) من أطيب ماله على جميع عياله ، والحر والعبد ، على كل رأس يوم الفطر ، صاعا بصاع (10) النبي عليه السلام ، من قمح ، أو تمر ، أو شعير أو ذرٍة ، أو زبيب ، أو لحم ، أو لبن حليب ما لم يخالطه ماء ، أو مما يأكل منه ، ويكون قوت عامة عياله ، أو يخلط من الأنواع .
__________
(1) …في النسخ : (( وخر )) . وصححناها على ما اعتيد عليه من الاستعمال .
(2) …في ( هـ ) : (( حولاً )) .
(3) …في ( هـ ) : (( حولاً )) وهو خطأ .
(4) …في ( هـ ) : (( يدها )) وهو خطأ .
(5) …رواه الربيع عن ابن عباس برقم 342 ، رواه الطبراني عن ابن مسعود موقوفا مع زيادة . قال الربيع : المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير اهلها .
(6) …في ( د ) و( هـ ) : (( يدَّيها )) وفي ( ب ) و(ج ) : يودَّها . والصواب ما اثبت .
(7) …في ( هـ ) : تكرار (( وهي سنة )) .
(8) …في ( هـ ) : (( هذا )) . وهو تصحيف .
(9) …في ( هـ ) : (( فرطته )) . وهو تصحيف .
(10) …في ( هـ ) : تكرار (( بصاع )) .
وليؤدها (1) بعد ما صلى الصبح (2) قبل أن يصلي صلاة العيد يوم الفطر أفضلها ، أو قبل نصف النهار .
[ الفصل الرابع فريضة الصيام ]
وصيام شهر رمضان فريضة من كتاب الله عز وجل على كل بالغ صحيح العقل إذا شهد الشهر في أهله .
{ وَمَن كَانَ مَرِيضًا } : في أهله ، { أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } (3) وفيها إضمار ، وإضمارها : فمن كان مريضا أو على سفر فأكل في مرضه أو سفره فعدة من أيام أخر ؛ ليس على كل من مرض أو سافر يكون عليه الإعادة إذا لم يأكل .
والمسافر إن شاء أكل وإن شاء صام ، فليس عليه الإفطار (4) بواجب ، ولكن إن صام فمأجور (5) وإن أكل فمعذور .
والصيام من الليل إلى الليل ، فإذا انفجر الفجر حلّت الصلاة ووجب الصوم ، وحرم الأكل والشراب .
سئل (6) ابن عباس رضي الله عنه : متى يحرم على الصائم (7) الطعام ؟ [19] قال رجل : ما لم تشك حتى تشك . قال : فقال ابن عباس كل ما شككت حتى لا تشك .
[ هل الاغتسال من الجنابة شرط في صحة الصيام ؟ ]
__________
(1) …في ( د ) و( هـ ) : (( وليدها )) .
(2) …في ( ب ) و( ج ) : (( بعد صلاة الصبح )) .
(3) …الآية 185 من سورة البقرة.
(4) …في ( هـ ) : (( الإفطار عليه )) .
(5) …في ( هـ ) : (( فمأجوز )) وهو تصحيف .
(6) …في ( هـ ) : (( س )) وهو تحريف .
(7) …في ( هـ ) : (( الصيام )) وهو تحريف .
واختلف الناس في الاغتسال من الجنابة ؛ فقال بعض : إنما جاء الاغتسال لعلة الصلاة ، ولم ينزل لعلة الصوم ، فمن أصبح ولم يغتسل لا يبطل ذلك صومه ، لأن الله أجاز لنا الأكل والشراب والمباشرة ـ وهي الجماع ـ حتى يتبين لنا الصبح . قلنا لهم : أما الأكل والشراب ليس(1) فيه تباعة تلحقهما ، والجماع له تباعه تلحقه ؛ وإنما أراد أن لا نصبح إلا ونحن على الحالة التي يجوز لنا بها الصوم ، كقوله تعالى : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ... } إلى آخر الآية (2) ؛ وإنما أراد أن لا نقوم إلى الصلاة إلا ونحن على الحالة التي تجوز لنا بها الصلاة ، ليس على أنا لا نتوضأ إلا إذا قمنا إلى الصلاة . قلنا لهم : أرأيتم (3) فقيهين (4) اختلفا لرجلين (5) ، فقال أحدهما : إذا اغتسلت ليلاً أجزاك ، وإذا أخرت إلى الصبح لا يضرك ، وقال آخر : إن اغتسلت ليلاً أجزاك ، وإن توانيت إلى الصبح أبطلت صومك ، وليس لك صوم ، أليس الوثاقة أن يحتاط لنفسه ، ويأخذ بالذي أجتمعا عليه أنه مجز ! وقول من نأخذ عنه من أصحابنا : من توانى بغسله حتى أصبح فلا صوم له يومه (6) ، ويستأنف (7) ما مضى من شهره . وقد كان يستحب إذا لعطك الصبح (8)
__________
(1) …كذا والأصح : (( فليس )) . بإضافة الفاء ، مثل قوله تعالى : (( أما السفينة فكانت لمساكين...)) وقوله : (( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين... )) .
(2) …سورة المائدة الآية 6 . وتمام الآية : (( وأيديكم إلى المرفق ، وأمسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين ، وإن كنتم جنبا فاطهروا )) .
(3) …في ( هـ ) : (( رأيتم )) . وهو خطأ .
(4) …في ( د ) : (( فقيهن )) . وهو تحريف .
(5) …في ( هـ ) : (( أختلف الرجل )) . ولا معنى له .
(6) …في ( هـ ) : سقط (( يومه )) .
(7) …يستأنف معناه : يعيد لأنه يعتبر مضيعا ، والتضييع حكمه عند أصحابنا إعادة ما مضى من صومه . القطب اطفيش : شرح النيل ، ج3 ، ص342 .
(8) …كذا في النسخ ، ومعناه : من لعط يلعط : كواه في عرض عنقه ، أي ظهر بياض الصبح فجأة .
وقرب الفجر أن تشرب ولا تأكل ، لسرعة انقطاع تباعة الشراب ، والوطء أثقل تباعة .
[ الفصل الخامس فرض الحجَّ ]
فرض الله الحج في كتابه ، وتفسير بعض ذلك من السنة .
قال الله تعالى : { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } (1) .
[ ما معنى الاستطاعة في الحج ؟ ]
واستطاعة السبيل : الزاد والراحلة . ليس الناس إلى ملك الزاد والراحة بأحوج إليهم من أمان الطريق ؛ فإن وجدوا الزاد والراحلة ملكوا ذلك ، ووجدوا أمان الطريق ، مع كشف الآفات التي تحل بالجسم يكون منها الموانع ؛ فإذا اجتمع (2) لهم ذلك وجب عليهم الحج .
وأما الحج فلا يستطيعونه إلا بفعله ، وفي أيامه ومشاهده . واستطاعة السبيل غير استطاعة الحج . واستطاعة السبيل إنما هي المال وكشف الموانع ، وأما الحج إنما هو فعل الحاج حركة وسكوناً (3) من الفاعل في أيامه ومشاهده .
[ فريضة الحج والعمرة ]
ثم قال عز وجل : { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } وقولنا ـ والله المستعان ـ : أما الحج والعمرة [فـ] فريضتان ، وبهذا (4) نأخذ وعليه نعتمد ؛ وأما بعض الناس [فـ] يرون قول ابن مسعود : الحج فريضة والعمرة نافلة (5) ؛ وكان يقرأ فيما روي عنه : { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } (6) بنصب { الْحَجَّ } ورفع { َالْعُمْرَةَ } ، يقول : { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } وقع عليه الفعل فانتصب ، و(( العمرة )) مبتدأ مستأنف فارتفع ، يقول : والعمرة لله تطوع .
والعامة من العلماء : على أن الحج والعمرة فريضتان .
__________
(1) …الآية 97 من سورة آل عمران.
(2) …في ( هـ ) : (( اجتمعا )) . وهو خطأ.
(3) …في ( هـ ) : (( وسكون )) . وهو خطأ .
(4) …في ( هـ ) : (( وبها )) .
(5) …محمد رواس قلعة جي : موسوعة فقه عبد الله بن مسعود ، ص472 . هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 ، ص184 .
(6) …الآية 196 من سورة البقرة.
[ الإحرام : سننه ونواهيه ]
ووقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) مواقيت الحج (2) التي يحرم منها الناس ، لا يجاوزها أحد ، إذا أراد الحج والعمرة إلا وهو محرم ، وقت (3) لكل ناحية منهم علم .
وسن في الإحرام الطهر في الأجساد ، والنقاء في الثياب . ونهى الله في التنزيل عن الرفث للمحرم ، وهو غشيان النساء ، فمن فعل بطل إحرامه بحج أو بعمرة ، [20] أو بهما جميعاً ، وعليه البدل من عامه ؛ وإن لم يستطع من عامة فمن قابل وعليه هدي كفارة ، مع البدل .
ونهى عن الفسوق ، وهي المعاصي .
ونهى عن الجدال ، وهو المراء ؛ فمن فعل ومارى بالباطل حتى يَغضبَ (4) أو يُغضِب صاحبه فعليه كفارة . فمن جادل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا كفارة عليه .
[ حكم صيد الحرم وجزاؤه ]
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( صلى الله عليه وسلم )) .
(2) …في ( هـ ) : (( الإحرام )) .
(3) …في ( هـ ) : سقط (( وقت )) .
(4) …في ( هـ ) : (( يغضبا ويغضب )) .
ونهى عن قتل الصيد صيد البر في الحرم ؛ وجاءت الرخصة في السنة أن تقتل من قاتلك من السباع . والجراد من الصيد . وجاء عن النبي عليه السلام : (( مكة حرام لحرام الله ، لا يحل صيدها ، ولا يختلى (1) خلاؤها ، ولا يعضد شجرها ، ولا تحل لقطتها )) (2) . وهذا في الحرم الذي يقال له الجمع ، وهو الأمن الذي لا يزول تحريمه . ومن لجأ إليه وعليه الحد فإنه (3) لا يبايع ولا يجالس ، ولا يطعم ولا يؤوى حتى يخرج من الحرم ن فيقام عليه حد ما اجترم .
ومن أحدث حدثاً في الحرم فإنه يقام عليه حد ما أصاب ، ومن قتل صيد بر في الإحرام فعليه الجزاء ، وهو قول الله تعالى(4) في كتابه : { لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } : يعني صيد البر ، { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } (5) .
ومن أحرم من بلده أو موضع من المواضع قبل الحد الذي وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (6) لزمه إحرامه ، فليتق كل ما نهي عنه المحرم .
__________
(1) …اختلى خلاءه : سطا على منزله .
(2) …رواه الشيخان عن أبي هريرة . ورواه الربيع عن أنس بن مالك بلفظ : (( مكة حرام حرمها الله ، لا تحل لقطتها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يختلى خلاها )) فقال عمه العباس : (( إلا الإذخر يا رسول الله )) ، فقال : (( إلا الإذخر )) قال الربيع : لا يعضد : أي لا يقطع ، والخلا : الكلا ، والإذخر : نبت يصنع منه الحصر ، وتسقف منه البيوت . انظر : الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح ، ج2 ، ص105 ، 106 ، كتاب الحج باب [2] في المواقيت والحرم ، حديث رقم 389 .
(3) …في ( هـ ) : (( وعليه المدافنة )) وهو تحريف .
(4) …في ( هـ ) : سقط (( تعالى )) .
(5) …الآية 95 من سورة المائدة.
(6) …في ( هـ ) : (( عليه السلام )) .
والأفاكر (1) والضفادع وطير الماء من صيد البر ، ولا بأس بقتل النحل للمحرم .
وجزاء قاتل الصيد بحكومة ذوي عدل اثنان يحكمان فما حكما به عليه لزمه ؛ فإن كان الجزاء دماً فإنه لا يكون إلا بمكة ، لأن الله يقول : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةٍِ } (2) . وإن كان صياماً أو كفارة طعام فحيث ما أطعم أو صام أجزاه ، وهو مخير بين الهدي والإطعام والكفارة . ولا يأكل شيئاً لا من جزاء ولا من فدية ولا من كفارة ، ولا بأس أن يأكل الرجل من كفارة غيره ، إذا كان فقيراً ما لم يكون رفيقه (3) . وقال بعضهم يأكل من جزاء غيره وكفارته ما لم تلزمه نفقته (4) ، ولا يحكم في ذلك واحد ، ولا يحكم هو لنفسه وإن كان يعلم ذلك .
والسنة المجتمع عليها لا يغط الرجل رأسه . وإن نسي وغطى ، اجهر بالتلبية ونزع (5) وإن مر عليه يوم أو ليلة كفر بدم .
ولا يلبس الرجل المحرم الأطواق (6) ولا سراويلات ولا خفين إلا مضطراً ، وليقلب ساقيها (7) إلى الكعبين (8) .
ولا يتقلد سيفا ولا يحتزم الخائف ؛ ورخص له في سيفه يمسكه معه ، قال بعضهم : يتقلد الخائف ، وقال بعضهم : يمسكه ولا يتقلده .
__________
(1) …لم أجد معنى هذه الكلمة في القواميس اللغوية والعلمية ، ولعل الأنسب للسياق هو ، الفقمة ، وهو الحوت البري البحري المعروف .
(2) …الآية 95 من سورة المائدة.
(3) …قال رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( لا تأكل منه شيئاً ولا أحد من رفقتك )) . رواه أحمد ومسلم وابن ماجه عن ابن عباس . عامر الشماخي : الإيضاح ، ج1 ، ص336 .
(4) …في ( هـ ) : (( وكفاراته ما لم تلزمه نفقة )) .
(5) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( ونرع )) بالراء ، والصحيح ما أثبت من ( د ) و ( هـ ) .
(6) …الأطواق جمع طوق : ما يلبس حول العنق وغيره .
(7) …في النسخ : (( ساقيهما )) . والصواب ما أثبت من ( هـ ) .
(8) …في ( هـ ) : (( الكعبتين )) .
ولا يلبس الرجل (1) المحرم الخاتم ، ولا يحتزم ، ولا يزر (2) عليه ثوبا . ولا يتطيب ولا يمس طيبا ، ولا يشمه (3) ؛ فإن فعل فدم يهريقه (4) ، ولا يكتحل بالأثمد (5) ، ولا يكتحل بالأنرروت (6) والمستكا (7) ، والأنرروت حب السودان ، ولا يدهن بلبان (8) ولا دهن ، ولا بأس أن يدهن (9) بما يتأدم منه ولا ينتف شعرا ولا يقلم ظفرا ، فإن آذاه ظفره وهو مكسور [21] نزعه ؛ ولا بأس أن ينزع المحرم الضرس إذا آذاه .
ولا بأس أن يحتجم وينصع بغيره (10) ، ويذبح المحرم ويتزوج ولا يباشر ، ويلبس من الثياب أيما (11) شاء وأي لون شاء ما لم يكن صبغها زعفران أو عصفر (12) ، وما كان من طيب فإنه لا يلبسه ؛ فإن غسل ولم ينتقص منه ولم يكن فيه ريح الطيب فلا بأس أن يلبسه .
ويلبس المحرم ما شاء من الثياب وإن لم يكن أحرم فيها ، إلا ما نهينا عنه (13)
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( الرجل )) .
(2) …في ( ب ) و( ج ) : (( يزور )) ، وفي ( د ) و( هـ ) : (( يزر )) . والصواب : (( يأتزر )) أو (( يتأزر )) . أي يلبس لباسا فيه أزرار .
(3) …في ( هـ ) : (( يسمه )) . وهو تصحيف .
(4) …كذا في النسخ ، ولعل الأصوب : (( يريقه )) أو (( يهرقه )) .
(5) …في ( هـ ) : (( الإثمد )) ، بتاء مثناه . وهو تصحيف . والإثمد : حجر يكتحل به .
(6) …في ( هـ ) : (( الأنزورة )) .
(7) …( ب ) و( ج ) : (( المشكا )) ، وفي ( د ) و( هـ ) : (( المستكا )) .
(8) …في ( هـ ) : (( بيان )) وهو خطأ .
(9) …في ( هـ ) : سقط (( أن يدهن )) .
(10) …أن يحتجم لنفسه ويحتجم لغيره . وفي ( هـ ) : (( بغير )) .
(11) …كذا في النسخ ، ولعل الصواب : (( أيها )) .
(12) …العصفر : السنبل لأنه ذو رائحة .
(13) …في ( هـ ) : (( نهيا )) . وهو خطأ .
…والثياب المنهي عنها يجمعها حديث ابن عمر ، أن رجلا سأل النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) عما يلبس المحرم من الثياب ، فقال : (( لا يلبس القمص ، ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانيس ، ولا الأخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فلبس خفين وليقطعهما أسفل الكعبين ، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس )) . رواه الربيع عن أبي سعيد الخدري برقم 406 ، وبلفظ المفرد . الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج1 ، ص139 .
، وإن شاء المحرم باع ثيابه التي أحرم فيها ولبس غيرها .
[ إحرام المرأة ]
والمرأة في الإحرام مثل الرجل في كل شيء مما يحرم عليهما (1) ، إلا أن المرأة تلبس في الإحرام ما كانت تلبس قبل الإحرام ، إلا ما كان فيه طيب ، إلا البرقع (2) وتغطية الوجه ، ولا تلبس حريراً ولا خزاً (3) ، ولا تتزين ولا تكتحل ، ولا تنظر في مرآة إلا من علة ، وتنزع عنها حليها إلا ما خافت أن ينكسر بنزعه تركته إياه (4) .
[ المحرم والحشرات ]
ولا يقتل المحرم قملة (5) ولا يلقه من ثوبه ولا يطرحه عنه (6) ، ويطرح البرغوث (7) والقرادة (8) والحمنان (9) والحلمان (10) وكل ما ليس منه ، ولا يقتل من ذلك شيء .
وليدهن بعيره ويطليه (11) بالقطران (12) ويحكه ويقرده (13) .
[ فدية المحرم المريض ]
__________
(1) …في ( هـ ) : (( عليها )) . والأصوب ما أثبت من النسخ الأخرى .
(2) …ما تستر به وجهها وتبقي عينها .
(3) …في ( هـ ) : (( خراً )) . وهو تصحيف . والخز نوع من الحرير .
(4) …كذا في النسخ : إياه كلمة زائدة .
(5) …في ( هـ ) : (( قملة )) .
(6) …انظر جواز هذا في حديث ابن عباس . عامر الشماخي : الإيضاح ج2 ، ص267 .
(7) …برغوث : نوع من الحشرات .
(8) …القرادة جمع قردان : حشرة دموية تتعلق بظهر البعير ، مثل القمل للإنسان .
(9) …حمنان جمع حمنة : صغار القردان .
(10) …الحلمان جمع حلمة : صغير القردان .
(11) …في ( د ) : (( وليطليه )) ، كذا بإثبات حرف العلة ، والصواب حذفه . أو الصواب ما أثبت من ( هـ ) .
(12) …القطران : سيال دهني يؤخذ من شجرة الأبهل والأرز وغيرها .
(13) …يقرده : يلتقط منه القردان .
ونهى الله المحرم عن (1) الحلق حتى يبلغ الهدي محله ، فإن كان به أذى من رأسه فحلق ، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ، وفيها إضمار : { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ } فحلق ، { فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } (2) . وليس كل من مرض أو به أذى من رأسه تلزمه الفدية ، وإنما تلزمه الفدية إذا حلق ، وهذا اختصار من كلام العرب وهو معروف ، وقد ذكرته شعراء العرب ، وله نظير في كتاب الله مثل قوله لموسى : { أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ } ولم يقل : فضرب (3) ، ولكن لما قال : { أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ } على أنه قد ضربه فاكتفى وقصر (4) واختصر ، وهذا من أغرب (5) الكلام وأخصره . وهو مخير في الفدية بين الصيام والصدقة والنسك ، وهو شاة يذبحها .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( على )) . وهو خطأ .
(2) …الآية 196 من سورة البقرة. وفي ( هـ ) سقط عبارة : (( وفيها إضمار : (( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه )) فحلق (( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك )) . وقد وقع للناسخ فيها انتقال النظر لتكرار عبارة كاملة )) .
(3) …في ( هـ ) : (( فضربه )) .
(4) …(( وقصر )) إضافة من ( هـ ) .
(5) …في النسخ : (( من أغراب )) . وأما في ( هـ ) : (( من إعراب )) ويبدو أن الصواب ما أثبتناه .
ومن (1) نتف شعرة أو شعرتين تصدق على مسكينين (2) ببر أو تمر ؛ ومن نتف ثلاث شعرات ولم يكفر حتى تلاحقت فدم (3) يهرقه . ومن نتف أكثر من ثلاث شعرات ثم لم حتى نتف شعر أخر فكفارة واحدة تجزيه دماً واحداً ما لم يفصل بينهما بكفارة ؛ وقال بعضهم : ذلك إذا (4) جمعه اليوم أو الليلة ، وما فرقة الأيام فكل يوم كفارة ، والأول أحب إلينا .
[ مستحبات الإحرام والتلبية ]
ومن أراد أن يحرم فليغتسل في بدء إحرامه ، وليلبس ثوبين جديدين أو غسيلين ، أو إزاراً أو رداء ، ثم يصلي صلاة مكتوبة إن كان حين الصلاة . ويستحب الإحرام دبر صلاة مكتوبة ؛ وإن [22] لم يوافق (5) حين صلاة مكتوبة صلى ركعتين ثم قال : (( اللهم إني أريد كذا )) لما أراد أن يحرمه ، ويسمي (6) حجة أو عمرة أو بهما جميعاً . والمسلمون يستحبون أن يبدأ بالعمرة قبل الحج ، وأيا ما فعل من ذلك فهو يجزي . غير أن أحسن الأمور وأفضلها أن يقدم العمرة . والتلبية فيهما والإحرام سواء ، فإن كان أراد العمرة فليقل : (( اللهم إني أريد العمرة ، فيسرها لي ، وتقبلها مني )) ثم يركع ركعتين ـ إن لم يكن حين مكتوبة ـ ويلبي ، والتلبية أن يقول : (( لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك )) ؛ فإذا لبى قال : (( لبيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك يا الله )) ، فلا يضرك بعد ذلك أن تلبي ولا تسمي (7) .
[ مناسك العمرة ]
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( من )) .
(2) …في ( هـ ) : (( على مسكين ببر أو ثمر ، ومن نتف ثلاث شعيرات... )) . وقد تكرر فيها استبدال كلمة (( شعيرات )) بـ (( شعيرات )) . ولم نشر إلى ذلك لكثرتها .
(3) …في النسخ : (( بدم )) . والصواب ما أثبتناه من ( هـ ) .
(4) …في ( هـ ) : (( إذ )) .
(5) …في ( هـ ) : (( يوفق )) . وهو تحريف .
(6) …في ( هـ ) : (( ويسمين )) .
(7) …تسمي : أي تبين عـ ماذا تلبي عن عمرة أو حج ، عن نفسك أو عن غيرك .
وأكثر من التلبية كلما علوت شرفاً أو هبطت (1) وادياً أو لقيت راكباً ، وبالأسحار ، ولا يشغلنك (2) شيء من الحديث عن التلبية . ولا تقطع حتى تأتي الحجر الأسود ـ هذا للمعتمر ـ ثم يطوف بالبيت سبعة أشواط ، ثم يركع خلف المقام أو حيث يتيسر (3) له من المسجد ، وخلف المقام أفضل ؛ ثم يعود فيستقبل الحجر الأسود ، ثم يدعو بما فتح الله له (4) ، ثم يخرج إلى الصفا من الباب الذي يخرج منه ، ثم يأتي الصفا فيصعد عليه ، فيستقبل البيت ثم يكبر الله ويحمده ويهلله ، ويدعو بما فتح الله له بعد الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يهبط من الصفا إلى المروة ، ثم يصنع بها مثل (5) ما صنع على الصفا ، يطوف كذلك بينهما سبع تطويفات (6) ، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة ، ويسعى في بطن المسيل من العلم الأخضر إلى العلم الأخضر ، ثم يقص من رأسه ويأخذ من شاربه ولحيته وأظفاره ، فإذا فعل ذلك حل (7) له الحلال كله من الثياب والطيب والصيد ولحمه ، إلا ما حرم من صيد الحرم ؛ وحل (8) له النساء .
[ مناسك الحج ]
__________
(1) …في ( هـ ) : (( علوت وأهبطت )) .
(2) …في ( هـ ) : (( يشغلك )) .
(3) …في ( هـ ) : (( تيسر )) .
(4) …في ( هـ ) : سقط (( له )) .
(5) …في ( ب ) : سقط (( مثل )) .
(6) …في ( هـ ) : إضافة (( ثم )) .
(7) …في ( هـ ) : (( أحل )) .
(8) …في ( هـ ) : (( وانحل )) .
فإذا كان يوم التروية ، أتى المسجد فطاف بالبيت أسبوعاً (1) ثم يركع خلف المقام ، فإن (2) لبى وأحرم (3) بالحج من المسجد الحرام ، وإن شاء خرج إلى البطحاء ، فأحرم منها بالحج ، والمسلمون يستحبون الإحرام بالحج من البطحاء من المسجد الذي يقال له مسجد الجن ، فحيثما أحرم من حرم البطحاء أجزاه أو أحرم من الحرم ؛ فإنما يكون ذلك بالرواح (4) يوم التروية .
ولا يستحب التعجيل قبل الزوال (5) إلا لمريض أو ضعيف (6) ؛ ثم يخرج إلي منى ويبيت بها ليلة عرفة حتى يصبح ، ثم يرتحل إلى عرفات بعدما أصبح وينزل بها ، فإذا كان عند زوال الشمس اغتسل إن تيسر له ، وإلا فالوضوء يجزيه ، وليصب الماء على نفسه ، وليرفق بجسده ألا يدلكه إلا دلكاً رفيقاً (7) .
[ أنواع الغسل في الحج ]
وإنما يؤكد (8) في الغسل في المواطن التي (9) يذكر فيها الغسل في بدء الإحرامين :
__________
(1) …كذا في ( د ) و( هـ ) ، ولعل الصواب : (( سبعاً )) .
(2) …كذا في النسخ ولعل الصواب : فإن شاء لبى... .
(3) …في ( هـ ) : (( وانحرم )) . وهو تحريف .
(4) …الرواح : العشي .
(5) …في ( هـ ) : (( زوال الشمس ، إلا للمريض أو ضعيف )) .
(6) …أو ضرورة تقتضي التخفيف على المسلم ، فتوافق مقاصد الشريعة في رافع الحرج .
(7) …لئلا ينزع شعراً أو جلداً فتلزمه فدية .
(8) …يوكد : بمعنى أنه سنة مؤكدة يجب فيها دم إن أهملت ، وقيل : يجزيه الوضوء .
…انظر : عامر الشماخي : الإيضاح ، ج2 ص247 .
(9) …في جمع النسخ : (( الذي )) ، والصحيح ما أثبتناه .
الإحرام من الحد (1) الأول حين يحرم بالعمرة ، ويوم التروية (2) حين يحرم بالحج ؛ وأما الغسل الذي يدخل به الحرم (3) ، [23] والغسل الذي يدخل به (4) المسجد الحرام ، وغسل عرفات ، وغسل المزدلفة ، وغسل الزيارة ، وغسل الوداع ، والوضوء في كل ذلك يجزي ، والغسل أفضل ، فإذا زالت الشمس جمع بين (5) الصلاتين : الأولى والعصر مع الإمام أو وحده ، ثم وقف (6) إلى أن تغيب الشمس ، ولا يفيض قبل غروب الشمس من عرفات ، وقبل أن يفيض الإمام (7) ، فإذا أفاض الإمام والناس فاض معهم ، فإذا أتى مزدلفة صلى بها المغرب ، والعشاء جميعا ثم يبيت بها ، فإذا أصبح وأسفر الصبح أفاض إلى منى ، وليكثر ذكر الله تلك الليلة ، كما (8) قال : { فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } (9) : وهو المزدلفة ، وهو جمع يجمع بها بين الصلوات ؛ فإذا أصبح وفاض الإمام والناس أفاض معهم حتى يأتي منى ؛ فإذا أتى جمرة العقبة أمسك عن التلبية بالحج ، ولا يمسك عن التلبية بالحج حتى يأتي جمرة العقبة حين أراد أن يرمي ، وليرمها من بطن الوادي بسبع حصيات ، ويكبر مع كل حصاة ، ولا يرميها من فوق العقبة ، ولا يرميها إلا بحصى الحرم ؛ ومن رمى بحصى غير (10) الحرم فعليه الإعادة ؛ وإن فاتته فعليه دم لكل جمرة كل يوم ؛ وإن وقع شيء من الحصى الذي يرمي به على إنسان أو دابة أو محمل أبدله .
__________
(1) …الحد : الميقات .
(2) …التروية : اليوم الثامن من ذي الحجة .
(3) …في ( هـ ) : (( يدخل في الحرم )) . وهو خطأ .
(4) …في ( هـ ) : إضافة (( في )) .
(5) …في ( هـ ) : سقط (( بين )) .
(6) …في ( هـ ) : (( يقف )) .
(7) …الإمام : يعني به إمام الظهور ، أي الخليفة أو أمير المؤمنين .
(8) …في ( هـ ) : سقط (( ثم )) .
(9) …الآية 198 من سورة البقرة.
(10) …في ( هـ ) : (( بغير حصا الحرم )) .
فإذا رمى جمرة العقبة ذبح إن كان متمتعاً أو قارناً ؛ وإن كان مفرداً بالحج وليس معه هدي حين حلق يرمي . فإذا ذبح (1) المتمتع أو القارن حلق رأسه ، فإذا حلق (2) حل له كل شيء إلا النساء والصيد حتى يزور البيت ، فإذا زار البيت حل له جميع الحلال (3) كله .
[ مواقيت الحج ]
ولا يحرم بالحج في غير أشهر الحج ، وأشهر الحج المعلومات التي ذكر الله : شوال وذو العقدة وعشرة (4) من ذي الحجة ، وإنما ذكر العشرة لأن (5) الإحرام يكون في بعض العشرة ، لأن يوم عرفة يوم التاسع ، فلا يكون الإحرام بالحج إلا قبل الوقت لمن ضاق به . وأما المتمتع عليه قدر ما يبلغه من ميقاته ، فإنه لا يجاوز الميقات من لم يحرم بعمرة إلا وهو محرم بالحج .
[ منهيات الإحرام ]
فإذا أحرم المحرم من الميقات أو قبل الميقات بالحج أو بالعمرة أو بهما جميعاً فليتق كل ما نهي عنه ، ولا يأكل صيد بر ـ وإن صاده غيره ـ وهو قول ابن عباس ، وبه أخذ أصحابنا ، وعليه اعتمدوا ؛ يقول : الآية مبهمة (6) : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } (7) يقول : مبهمة (8) في الأكل والقتل ، وأن غيره يفسر الآية على القتل لا على الأكل مثل الآية الأخرى : { لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } (9) ومن أكله فعليه الجزاء في قولنا :
__________
(1) …في ( هـ ) : (( أذبح )) . وهو خطأ .
(2) …في ( هـ ) : (( أحلق )) . وهو خطأ .
(3) …في النسختين : ( ب ) و( ج ) : (( الحليل )) .
(4) …في ( هـ ) : (( وعشرين )) .
(5) …في ( هـ ) : (( لأجل )) .
(6) …يقول هنا ، يعني ابن عباس في الرأي المعتمد .
(7) …الآية 96 من سورة المائدة.
(8) …في ( هـ ) : (( مبهم )) . وهو خطأ .
(9) …الآية 95 من سورة المائدة.
كفارة مثل ما أكل . ومن قتله خطأ يحكم عليه بالجزاء ، وكما يحكم [24] فيه بالعمد في قولنا الذي نأخذ به ، وإنما افترقوا في الإثم لا في الجزاء (1) ، وكذلك من قتل صيد بعد صيد يحكم عليه في قولنا بالجزاء ولا نأخذ بقول من يقول : لا يحكم عليه بالإعادة بالجزاء ويترك ونقمة الله ، لأن الله يقول : { وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ } (2) ؛ وعلماؤنا وأيمتنا أنهم يحكمون بالجزاء ، فإذا أحللت حل لك الحلال كله .
[ أحكام الإحرام ]
__________
(1) …يعني الذي قتل خطأ لا إثم عليه رغم أنه مكلف بالجزاء ، والذي تعمد أثم وكلف بالجزاء ، فرغم أن الآية تخصص الجزاء بالمتعمد فإن العلماء أوجبوه كذلك على المخطئ ، عملا بقاعدة : (( الخطأ لا يزيل الضمان )) . انظر : عامر الشماخي : الإيضاح ج2 ، ص373 وما بعدها . هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 ، ص497 .
(2) …الآية 95 من سورة المائدة.
والمحرم بالعمرة يحل إذا طاف بالبيت وركع وسعى بين الصفا والمروة وقصر . والمحرم بالحج لا يحل حتى يرجع من عرفات ، ويقف بالمشعر ويرمي جمرة العقبة يوم النحر ، ويذبح ويحلق إن كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج أو قارناً بحج وعمرة . وأما المفرد بالحج الذي لا يسوق الهدي فلا هدي عليه ، ولكن يرمي ويحلق ، فإذا حلق حل به كل شيء إلا النساء والصيد . والمتمتع والقارن يحلان إذا حلقا بعد الذبح ، يحلان من كل (1) شيء إلا النساء والصيد ، حتى يزورا (2) البيت . وكذلك المفرد إذا زار وطاف أسبوعاً (3) ركع وطاف بالصفا والمروة حل من النساء والصيد ، وحل المهل (4) بالحج .
والبيت الحرام لا يحل أبداً وما حوله من الحرم صيده ونباته إلا الإذخر (5) فإنه رخص فيه للبيوت والقبور والخضروات (6) التي يزرعها الناس في الحرم لا بأس بها من بقل أو شجر ، لأن مكة حرام لحرام الله يوم خلق السموات والأرض . ذكروا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( مكة حرام لحرام الله ، لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما حلت لي ساعة من النهار )) (7) يعني يوم فتح مكة .
[ مبطلات الحج ]
__________
(1) …في ( ج ) سقط (( كل )) .
(2) …في ( د ) و( هـ ) : (( يزوران )) . وهو خطأ ، والصواب حذف النون ، لأنه منصوب بأن مضمرة جوازاً بعد حتى .
(3) …كذا في ( د ) و( هـ ) ، والصواب : (( سبعاً )) . وفي ( هـ ) : (( زارا وطافا أسبوعاً ، وركعا وطافا بالصفا والمروة حلا )) بصيغة المثنى .
(4) …في ( هـ ) : (( المهمل )) . وهو تحريف واضح .
(5) …الإذخر جمع إذخرة : حشيش طيب الرائحة يسقف به البيوت فوق الخشب .
(6) …في ( هـ ) : (( الحضورات )) . وهو تحريف .
(7) …رواه الشيخان عن أبي شريح العدوي . والربيع رواه في خطبة عام الفتح برقم 419 .
ومن لم يلب فلا حج له ولا عمرة ، ومن لم يقف بعرفات فلا حج له (1) ، ومن لم يطف بالبيت فلا حج له ولا عمرة .
[ مخالفات الحاج وكفاراتها ]
ومن ترك من المشاهد سوى ما ذكرنا يكفّر له ، وذلك من لم يقف بالمزدلفة يهرق دماً .
ومن لم يرم الجمار يكفر ـ إن فاته رمي يوم النحر ، والجمرة الكبرى ـ بشاة يهرق دمها ويتصدّق .
ومن فاته الرمي في اليومين الأوسطين فليتصدق ، وليبدل الرمي في اليوم الثالث . ومن فاته آخر الرمي فشاة لكل جمرة . أعظم الرمي أوله وأخره .
ومن فاته الرمي كله فعليه لكل جمرة كل يوم شاة ، فذلك تسعة أشياه ، والشاة العاشرة لجمرة العقبة يوم النحر .
ومن فاته حضور ليلة من ليالي منى فعليه دم .
ومن تعجل فنفر (2) في اليوم الثاني فلا شيء عليه في رمي اليوم الثالث إذا نفر قبل الليل ، فإذا أدركه الليل ، في حد منى فلا ينفر (3) إلا في اليوم الثالث إلا أن يكون خائفا على نفسه ولا يرمي (4) قبل زوال الشمس في أوّل النهار إلاّ من فاته أمس قضاه أول النهار إن شاء ، [25] وإن شاء أخره إلى زوال الشمس .
ومن نقص من سبعة من الحصى أعاد تلك الواحدة ؛ وإن فاتته الإعادة فدم . ومن رمى حصاتين (5) معا فهي رمية يعدها حصاةً واحدة ، ويرم (6) بعدها ستة ؛ وإن فاته أهرق دماً . ومن زاد في الرمي فلا يضرّه ولا يفسد عليه .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط عبارة : (( ومن لم يلب فلا حج له ولا عمرة ، ومن لم يقف بعرفات فلا حج له )) , وقد وقع للناسخ فيها انتقال النظر لتكرار : (( ومن لم... )) .
(2) …نفر : رحل إلى بلده مع جماعة من الناس .
(3) …في ( هـ ) : (( يفر )) , وهو تحريف .
(4) …في ( د ) و( هـ ) : (( ترمي )) . وهو خطأ ، والصواب ما أثبت .
(5) …في جميع النسخ : (( حصاة )) ، وفي ( هـ ) : (( خطاه )) ، وهو تصحيف ، والأنسب ما أثبت .
(6) …في ( هـ ) : ((ويرمي )) .
ومن رجع إلى بلده ولم يطف طواف الزيارة أبطل ؛ وعليه الطواف ، يعود من بلده فيقضيه ويكّفِر .
ومن رجع إلى بلده لم يطف طواف الوداع فعليه دم . (1)
ومن ترك ركعتي الطواف حتى يخرج من المسجد فليركعهما (2) ما دام في الحرم ؛ فإن خرج من الحرم فليركعهما حيث كان .
وإن أتى منزله فليهد شاة ، لتأخيره ركعتي الطواف .

الباب الثالث
مسائل في المعاملات
[ باب في تفسير المظالم والمحاربة ]
من أسلم ثم أشرك فإنه يقتل لقول الله تعالى : { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } (3).
[ تفسير المحاربة ]
قال الله تعالى : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ } (4) وذلك من حارب وقطع الطريق ، فأصاب في محاربته الأموال الأنفس ، أنه يقتل إذا قدر عليه ، ومن أصاب الأموال ولم يقتل قطعت يده ورجله (5) { مِّنْ خِلافٍ } : يده اليمنى ورجله اليسرى .
ومن قطع الطريق من أهل الشرك ثم قدر عليه ، وقد أصاب الأموال والأنفس فإنه يصلب . ولا يصلب أحد من أهل الإقرار (6) .
وإن جاء تائباً قبل أن يقدر عليه هدر (7) عنه ما أصاب في محاربته .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( دم )) .
(2) …في ( هـ ) : (( فليركعها )) .
(3) …الآية 217 من سورة البقرة.
(4) …الآية 33 من سورة المائدة.
(5) …في النسختين : ( ب ) و( ج ) : (( ورجلاه )) .
(6) …الإقرار : التوحيد . انظر : القطب اطفيش : تيسير التفسير ، ج2 ، ص74 .
(7) …هدر : أبطل .
ولا يهدر عن أحد من الإقرار ما أصابه في محاربته (1) ؛ فإن طلبه الإمام فامتنع فهو باغ ، لا يقارب ولا يترك حتى يسلم لحكم الله ، ويقاتل على امتناعه ؛ فما أصاب في امتناعه من الأنفس وما دونها من الجراحات يهدر عنه ولا يؤخذ به ، لأنه لا قصاص بينه وبين المسلمين ، لا يقيدوه من أنفسهم فيما أصابهم منه ، وكذلك لا يعطوه لأنّه إذا نزل قوم منزلة لا نعطيهم القصاص من أنفسنا فيما أصبنا (2) منهم .
كذلك لا نأخذ (3) منهم بما أصابوا . ولا يستقيم أن نستحل قوماً فنأخذ منهم القصاص , ولا نعطيهم مثل ذلك من أنفسنا .
وأما النفي الذي ذكره الله فهو أن يطلبهم الإمام والمسلمون بإقامة ما حكم الله بينهم وعليهم ـ من القتل والقطع والصلب ـ فيهربون فلا يؤمنون في شيء من بلاد (4) المسلمين ؛ وليس ذلك على معنى ما يقول من يقول : إن الإمام [26] فيهم مخير إن شاء قتلهم ، وإن شاء شلبهم ، إن شاء قطعهم ، وإن شاء نفاهم .
ولا يحل ما يقول من يزعم أن النفي هو الحبس ، ولكنه كما فسره العلماء : النفي أن يطلبوا بما حكمه (5) الله فيهم فيهربون ، فلا يؤمنون في شيء من بلدان المسلمين (6) .
[ أحكام القطع في الإسلام ]
قال الله تعالى في القطع : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (7) .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( ولا يهدر عن أحد من أهل الإقرار ما أصابه في محاربته )) . وقد وقع للناسخ فيه انتقال النظر لتكرار : (( في محاربته )) .
(2) …في النسخ : (( أصابنا )) ، والصحيح ما أثبت من ( ج ) .
(3) …في ( هـ ) : (( تؤخذ منهم فما أصابوا )) .
(4) …في ( هـ ) : (( بلدان )) .
(5) …في ( هـ ) : (( حكم )) .
(6) …انظر هذا المعنى في : هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1، ص467 . القطب اطفيش : تيسير التفسير ، ج2 ، ص75 .
(7) …الآية 38 من سورة المائدة.
القطع حكم جرى على الأحرار والعبيد والذكور والإناث والموحد والمشرك إذا أخرج المال من الحرز (1) .
يقطع إذا كان الذي أخرج من المال يساوي قيمة أربعة دراهم فصاعداً ، وقال بعضهم : خمسة دراهم . وقالوا : (( لا تقطع الخمس إلا في الخمس )) (2) ، وقال بعضهم : عشرة دراهم (3) ؛ وقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه : القطع في أربعة دراهم (4) . وقالوا لنا (5) : فمن أين جاز لكم في قولكم القطع في أربعة دراهم وأنتم قد جمعتمونا (6) على الأكثر ، فما حجتكم وما شاهدكم على الأقل ؟ وأنتم مدعون ؟! قلنا : فأي دليل وأي حجة أقوى من كتاب الله ؟! فإن الله يقول : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (7) ، فجاءت الآية مجيء عموم فلم يخرج (8) ولا يخرج من جملتها وحكمها ، إلا ما أجمع العلماء عليه أنّه خرج منها ، وإلا فالحكم حكم العام .
__________
(1) …الحرز : هو الموضع الحصين ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا قطع في التمر حتى يؤويه الحرز )) رواه ابن بركة العماني في جامعة ج2 ، ص473 .
(2) …هذا رأي المعتزلة . انظر : ابن بركة : الجامع ، ج2 ، ص478 .
(3) …وهو رأي أبي حنيفة . انظر : ابن بركة : الجامع ، ج2 ، ص478 .
(4) …استناداً إلى أن رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) قطع في مجن قيمته ربع دينار . وروي عنه ( - صلى الله عليه وسلم - ) عن طريقة عائشة أنها قالت : (( القطع في ربع دينار فصاعداً )) . رواه أبو داود والنسائي ومالك والربيع . انظر : ابن بركة : الجامع ، ج2 ، ص473 .
(5) …في ( هـ ) : (( قولنا )) . وهو خطأ .
(6) …في ( د ) و( هـ ) : (( جامعتمونا )) ، والصواب ما ورد في غيرها : (( جمتمونا )) : اتفقيتم معنا .
(7) …الآية 38 من سورة المائدة.
(8) …في ( هـ ) : سقط (( فلم يخرج )) . وقد كرر للتأكيد .
والوجه الثاني : إنما جاءت السنة في قطع يد السارق سرق مجناً (1) ، فاختلفوا في قيمة المجن فإن كنت إنما تنظر إلى موضع الدعوات فالذي يدعى الأكثر ـ من المختلفة ـ هو المدعي .
وإنما يقطع يده اليمنى ، وهذا من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . والسنة أن يقطع من أخرج من الحرز ؛ ولا يقطع إلا بإقرار أو بشاهدين (2) عدلين .
واختلفوا في إقرار العبد ، قال بعضهم : لا يجوز إقرار العبد على نفسه وهو مال ؛ وقال بعضهم : يجوز إقراره في إتلاف نفسه في القطع والقتل ولا يجوز إقراره في مالٍ .
[ أنواع السرقة وأحكامها ]
ولا يقطع المختلس ولا الخائن ولكن يعاقب (3) .
والمختلس الذي يسرق من المرعى أو من الجبال ، أو من البراري ، ما لم يخرج من المراح (4) والخزائن (5) والدوار (6) والمرابض (7) .
والخائن الذي يدخل بإذن ، فيخون الأمتعة فيسرقها ، أو سرق من أصحابه وهو معهم .
__________
(1) …المجن : الترس ، انظر : أبو غانم : المدونة الكبرى ، ج2 ، ص287 .
(2) …في ( هـ ) : (( وبشاهدين )) .
(3) …في ( هـ ) : (( يعاقبوا )) ، والصحيح ما أثبت . وفي ( د ) : تكرار (( الخائن )) .
(4) …كذا في ( د ) و( هـ ) ، وفي النسختين ( ب ) و( ج ) : (( المراج )) . ولعل الصحيح المروج وهي أرض واسعة فيها نبت كثير ترعى فيها الدواب .
(5) …كذا في النسختين ( د ) و( هـ ) وفي ( ب ) و( ج ) : (( الخزائل )) ، ولعل الصحيح الخمائل حسب السياق وهي غابة ذات أشجار كثيرة وكثيفة .
(6) …الدوار : المنازل .
(7) …في ( هـ ) : (( المرابظ )) ، وفي ( هـ ) : (( المرابط )) . ولعل الصواب : المرابض : وهو مأوى الغنم .
ومن سرق دابة لها راع يقطع يده ؛ فإن كابروه (1) فإنه يقطع يده ورجله من خلاف ؛ وإن سرق الدابة مع راعيها فإنه لا يقطع ، وقد خرج إلى حال الاختلاس أقرب وأشبه ، لأنه لم يكابر فيكون محارباً ، ولم ينزل الحرز فيخرج منه المال فيكون سارقاً .
ومن سرق صغيراً (2) فإنه يقطع ، ومن سرق كبيراً فإنه لا يقطع (3) .
[ باب [27] في القصاص ]
قال الله تعالى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (4) و {... الْفَاسِقُونَ } (5) و {... الْكَافِرُونَ } (6) تفسير ذلك أن نفس المؤمن تقتل بنفس المؤمن الحرّ ، إذا كان القتل عمداً .
ولا يقتل الحر بالعبد ، ولا المسلم بالمشرك ، ولكن الدية إذا كان معاهداً . ولا يقتل العبد المسلم بالمشرك ، ولا الحر بالمشرك ، ولكن الدية .
__________
(1) …كابروه : غالبوه مغالبة ، أي أثبتوا الحجة عليه .
(2) …في ( هـ ) : (( سغيراً )) . وهو تحريف .
(3) …هنا يشير إلى سرقة إنسان . والكبير يسير بمطاوعة .
(4) …الآية 45 من سورة المائدة.
(5) …الآية 47 من سورة المائدة.
(6) …الآية 44 من سورة المائدة.
ولا يقتل الرجل بامرأة حتى يؤدا (1) نصف الدية في قول بعضهم ؛ وقال بعضهم : يقتل . وذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ثلاثة في امرأة ، وقال : (( لو اشترك في قتلها أهل صنعاء لقتلتهم )) (2) . ولا يقتل عبد بعبد أفضل منه حتى يؤدوا فضل القيمة . والمرأة نصف الرجل (3) .
[ الديات أنواعها وأحكامها ]
ودية الرجل مائة من الإبل ؛ هذا من قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (4) . ودية العبد ثمنه ، وجراحاته على قدر ثمنه . وكل ما هو نصف في الحر فهو في العبد نصف ثمنه (5) فذلك إلى أقل قليل وأكثر كثير . واصطلح المسلمون أن دية الخطأ على العاقلة بقدر قربهم ، الرجال دون النساء ، لكل رجل منهم أربعة دراهم ؛ فإن فضل ، قسّم على الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ؛ فإن لم تتم أعيدت أيضاً كذلك ، فإن لم تتم أعيدت أيضاً كذلك .
__________
(1) …في ( د ) (( يدوا )) وهو خطأ .
(2) …نفس الكلام رواه مالك عن سعيد بن المسيب علي رجل لا على امرأة بلفظ " (( لو تمالاً عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً )) المطأ : كتاب العقول ، باب ما جاء في الغيلة والسحر ، رقم 13 .
(3) …قال أبو غانم الخراساني : (( هو قول أبي عبيدة... وعلي بن أبي طالب )) . المدونة الكبرى ، ج2 ، ص302 .
(4) …رواه أبو داود عن جد عمرو بن شعيب . سنن أبي داود : حديث رقم 4541 . والربيع عن أبن عباس برقم 661 .
(5) …أي بعبارة أخرى : كل ما يمكن تنصيفه في الحر ـ مثل العينين ـ فهو في العبد كل نصف بنصف ثمنه في العبد .
ولا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ، وأما ما جنى المملوك (1) ؛ ولا تعقل ما دون الثلث ، وقال بعضهم : تعقل العاقلة ما فوق الموضحة (2) ، ولا تعقل ما دونها .
وتعقل دية الخطأ في ثلاثة أعوام : الثلثين في عامين ، والثلث في عام .
وقد أمر الله الطالب أن يطلب بالمعروف ، وأمر المطلوب أن يؤدي إلى صاحبه بإحسان ، وقال في ذلك : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } حيث جعل لهم أخذ الدية ، قال : { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (3) : يعني من قتل بعد أخذ الدية يقتل ، ولا يعفى عنه ولا يؤخذ منه الدية ؛ ولا عفو للقاتل بعد أخذ الدية . وإن عفى عنه ولي المقتول فالسلطان يقتله . ومن قتل بالدينونة (4) فهو إلى السلطان يقتله ، فلا يجوز فيه عفو الأولياء .
وكذلك من قطع الطريق بالمسلمين فأمره إلى السلطان ليس إلى الأولياء .
واختلف العلماء في قتل الغيلة ، فقال بعضهم : هو إلى السلطان وليس إلى أولياء المقتول ، ولا يعفى عنه ، ولا عفو له . وقال بعضهم : هو إلى الوالي .
[ تفسير الغيلة ]
وتفسير الغيلة : أن يغتال بالرجل فيدعى إلى طعام [28] أو إلى جماعة أو إلى خير يؤتى به إلى مكان مطمئن استمكنوه ، وهو مغتر لا يعلم ما يراد به ، فهذا وجه الغيلة .
[ تفسير الفتك ]
__________
(1) …كذا في ( د ) ، وفي النسختين ( ب ) و( ج ) : (( ولا اعترافا ما جنى المملوك )) ، ولعل الأنسب : (( ولا ما جنى المملوك )) . انظر : القطب اطفيش : شرح النيل ج15 ، ص138.
(2) …الموضحة : شجة كشفت العظم ولم تكسره .
(3) …الآية 178 من سورة البقرة.
(4) …يقصد به المرتد .
وأما الفتك : فهو أن يأتي بيته (1) في مكان غافلاً لا يرى أنه يراد به بأس ، فيقتله مفاجأة فذلك الفتك ، فهو الذي يقال فيه : (( قيد الإسلام الفتك ، لا يفتك مؤمن )) (2) . ولا فتك في الإسلام .
[ تفسير الغدر ]
وأما الغدر : فهو أن يعطيه الأمان ثم يقتله وهو أشر هذه الوجوه .. ( وأما العقص : فهو أن يضرب بحديد ثم يموت مكانه ) .
[ تفسير شبه العمد ]
وأما شبه العمد من الخطأ : فهو أن يضرب بما لا يقتل مثله ، ثم يموت مكانه ، ففيه وقع الخلاف ، قال بعضهم دية ولا قود (3) .
وقال بعضهم يقاد منه لأنه تعمد ضربه وإن لم يتعمد قتله ، ولا تعقله العاقلة .
[ باب الخطأ المحض ]
وأما الخطأ المحض الذي تعقله العاقلة : فهو أن يهوي الرجل بضربة أو رمية إلى صيد أو دابة أو إنسان فيصيب غيره ، أو يسقط منه شيء فيصيب به إنساناً ، أو يسقط هو بنفسه ، أو يصيح صائح فيقع إنسان من أجل صيحته .
وما أشبه هذه الوجوه ، فهو (4) الخطأ المحض الذي تعقله العاقلة بالبينة .
[ باب الخطأ العمد ]
وأما الخطأ العمد : فالذي يتعمد الضربة بغير حديد . بما لا يقتل مثله ، يقال له (( خطأ العمد )) ، يقال له (( عمد )) (5) لأنه تعمد الضربة ، ويقال له (( خطأ )) لأنه لم يتعمد القتل ؛ فالدية فيه في مال الجاني ، ولا تعقله العاقلة .. فقال بعضهم يقاد منه .
__________
(1) …في ( ج ) : (( يؤتى بيته )) .
(2) …حديث رواه أبو داود بلفظ : (( إن الإيمان قيد الفتك ، قيد الفتك ، لا يفتك مؤمن )) . كتاب الجهاد ، حديث رقم 157 . انظر : ونسنك : المعجم المفهرس لألفاظ الحديث ، ج5 ، ص57 . رواه الربيع عن جابر بن زيد مرسلا بلفظ : (( الإيمان قيد... )) برقم 997 .
(3) …في ( د ) : (( قوة )) والصواب ما أثبتناه من غيرها .
(4) …في ( هـ ) : خرم مقداره ورقة كاملة من قوله : (( ومن سرق صغيراً فإنه يقطع... )) إلى موضع هذا الهامش .
(5) …في ( هـ ) : سقط (( يقال له عمد )) .
والمرتت : أن توهنه (1) الجراحات فيموت بعد ذلك . فعلى هذه الوجوه جرت الأحكام .
[ العفو وفضله ]
وأما العفو : وما ذكر الله منه ، فما ذكر في سورة المائدة قوله : { فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } (2) يعني كفارة لذنوبه . وقال في { حم، عسق } : { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } (3) يقول جزاء جراحة جراحة مثلها ، فبدأ بذكر القصاص قبل العفو ؛ وكذلك في سورة المائدة بدأ القصاص قبل العفو ، ثم ختم بالعفو وفضله ، ومدح به فاعله ، ووعد الأجر عليه ، قال جزاء الجارح أن يساء إليه كما أساء إلى المجروح حين جرحه فيساء إليه فيقتص منه ، ثم ذكر العفو فقال : { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } (4) . ثم قال : { وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } يقول : المظلوم (5) ينتصر فيأخذ حقه من الظالم ، { فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ } (6) يقول : من عدوان في أخذهم الحق ممن ظلمهم ، { إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ } (7) يعني في الآخرة عذاب وجيع ، وفي الدنيا القصاص ، ثم قال : { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } (8) يعني يقول : من حق الأمور . يقال : إن مناديا (9) ينادي يوم القيامة : (( ألا من كان له أجر على الله فليقم إلى أجره فليأخذه )) فيقال : (( من هذا الذي
__________
(1) …في ( هـ ) : (( تهنه )) وهو خطأ .
(2) …الآية 45 من سورة المائدة.
(3) …الآية 40 من سورة الشورى.
(4) …الآية 40 من سورة الشورى.
(5) …في ( هـ ) : (( للمظلوم )) .
(6) … الآية 41 من سورة الشورى.
(7) …الآية 42 من سورة الشورى.
(8) …الآية 43 من سورة الشورى.
(9) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( منادي )) . وفي ( د ) و( هـ ) : (( مناد )) . والأنسب ما أثبت .
له على الله أجر ؟ )) .
فيقال : (( من عفا وأصلح )) ـ والعفو من الأعمال الصالحة ـ فيقومون إلى أجورهم فيأخذونها .
قال الله : { وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (1) وقال بعض أهل العلم : العفو باب جامع لك ولصاحبك إذا ظلمك كان لك أجر ظلمه إياك وكان عليه وزره ؛ فإن أخذت حقك لم تظلم ؛ فإن عفوت عنه كان لك أجر عفوك مع ظلمه إياك ، وينقلب صاحبك لا له ولا عليه . وقال : (( واحدة بواحدة والبادئ أظلم )) .
ومن قتل على ماله فلا يعفى قاتله ، وهو إلى الإمام ، ولا يجوز فيه العفو ، عفو الولي ، ولكن القتل ، لأن هذا محارب .
[ باب المقاسم في المغانم (2) والفيء والصدقات ]
قال الله عز وجل : { وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } (3) . فهذا قسم الله في تنزيله الخمس بين هؤلاء الستة ، وأربعة أخماس لمن قاتل عليه : للفارس سهمان ، وللرجل (4) سهم . ومن كان له أفراس لا سهم إلا للذي (5) قاتل عليها . ولا سهم للعبد ولا للذّمّيّ ، ولا لمن لم يبلغ ، ولكن يرضخ (6) لهم . ولا سهم لامرأة وإن قاتلت (7) إلا الرضخ (8) .
وما وجد من الكنوز مدفونا أو في القبور غنيمة إذا لم يكن لقبلي .
__________
(1) …الآية 134 من سورة آل عمران.
(2) …في ( د ) : (( المغنائم )) . وهو خطأ . والصواب ما أثبت من ( هـ ) .
(3) …الآية 41 من سورة الأنفال.
(4) …في ( هـ ) : (( والرجل )) . ولعل الصواب : وللرجل .
(5) …( ب ) : (( إلا في الذي )) . وفي ( هـ ) : (( إلا الذي )) . ولعل الصواب ما أثبت من ( د ) .
(6) …الرضخ : الأعطية القليلة .
(7) …في ( هـ ) : (( قاتل )) وهو خطأ .
(8) …المسألة فيها خلاف بين العلماء . انظر تفصيلها عند القطب اطفيش : كتاب وفاء الضمانة بأداء الأمانة ، ج3 ، ص95 .
ومسك محمد عليه السلام ، الخمس يخرج منه لمن ذكره الله له الذين (1) سماهم الله غير سهمين من الستة ساقطين سهم رسول الله عليه السلام ، لأنه ليس لأحد أن يرثه ، ولا يكون لأحد بعده ، وسهم ذي القربى لأنه إنما كان يومئذ لقرابة رسول الله عليه السلام ، إذا كان حيا ، فأما اليوم سهمهم ساقط .
فالخمس (2) اليوم يقسم على أربعة أسهم : سهم الله ، وسهم اليتامى ، وسهم للمساكين (3) ، وسهم لابن السبيل .
فأما سهم الله فإنما هو في القوة والعدة ، يقوى منه الغزاة . فما كان من صنف لم يحضر من هؤلاء الصنوف رفع ربع الخمس وكتب عليه اسم ذلك الصنف ورفع ، فإذا حضروا أخذوا حقهم وأربعة أخماس لمن وجده ، إلا أن يكون عبداً أو امرأة أو مشركاً أو طفلاً ، فهؤلاء لم يكن لهم حق في الغنيمة ، ولكن (4) ينظر لهم الإمام ، ويقسم سائره قسم الفيء .
والفيء يكون لهؤلاء الصنوف الأربعة ، وغيرهم من جميع الناس ـ غنيا كان أو فقيراً ـ من المسلمين ما خلا مملوكاً ، وذلك لقول الله تعالى : { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ } (5) يعني لما ذكر من الصنوف ما ذكر ، [29] فقال : (6) { مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } (7) فقال : لهؤلاء فيه حق يقطعون من الفيء لئلاً يذهب (8) به الأغنياء كله ، ولا يكون لهؤلاء فيه شيء .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( ذكره الله الدين )) .
(2) …في ( هـ ) : (( بالخصص )) . وهو تحريف .
(3) …في ( هـ ) : (( المساكين )) . بدون لام الجر .
(4) …في جميع النسخ : (( ولا ينظر لهم الإمام )) . ولعل الصواب ما أثبتناه من ( هـ ) حسب السياق .
(5) …الآية 7 من سورة الحشر.
(6) …كذا في جميع النسخ ولعل الصواب حذف الفاء : (( قال )) .
(7) …الآية 7 من سورة الحشر.
(8) …في ( هـ ) : (( يذهبون )) .
ثم قال : { لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ } يعني لفقراء (1) المهاجرين فيه حق ، { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ } أخرجهم المشركون (2) من مكة وغيرها ، { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } (3) .
ثم قال : { وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ } : يعني الأنصار ، { وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ } : يعني قبل دخول المهاجرين ، وقد كان إيمان المهاجرين قبل إيمان الأنصار ، { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } من المهاجرين ، وواسوهم في الدور والأموال ، { وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } : يعني ضيقا وحاجة ، { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (4) .
ثم قال : { وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ } : يعني من دخل الإسلام بعد فتح مكة ، إلا من هاجر قبل الفتح . وبعد الفتح سموا تابعين بإحسان إلى يوم القيامة .
فكل صنف من هؤلاء الذين سمى من الصنوف الأربعة وغيرهم ممن ذكر من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان بعد ارتفاع الهجرة ولم يبق أحد إلا وله في الفيء .
ذكروا عن عمر (5) بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : (( ما من أحمر (6) ولا أسود لا يملكون رقبته إلا وله في هذا المال )) (7) يعني في الفيء .
[ لمن تعطى الزكاة ]
وقال الله تعالى في الصدقات :
__________
(1) …في ( هـ ) : (( الفقراء )) . وهو خطأ .
(2) …في ( هـ ) : (( الممشركون )) . وهو خطأ .
(3) …الآية 8 من سورة الحشر.
(4) …الآية 9 من سورة الحشر.
(5) …في ( هـ ) : (( عومر )) وهو تحريف .
(6) …في ( هـ ) : (( أخضر )) ! . وهو تصحيف واضح .
(7) …محمد رواس قلعة جي : موسوعة فقه عمر ، ص684 ، ذكره بلفظ مشابه .
{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ } : وهما جميعا أهل الحاجة ، الفقراء : المتعففون الذين لا يسألون وبهم حاجة . والمساكين : الذين يسألون الناس .
{ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } : الذين يُجبونها ويتولون جمعها ، ينظر لهم الإمام بقدر شغلهم عن أمورهم .
{ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } : وهم قوم يتألفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) ليؤمنوا أو ليعينوا رسول الإسلام ، ولهم غنى وجرأة وقوة ، وليست لهم خشية ولا رغبة في الإسلام ، فيتألفهم ليقوي بهم الإسلام وقد أعطاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2) ، وأعطاهم أبو بكر (3) رحمه الله ، ومنعهم عمر (4) بن الخطاب (5) رضي الله عنه ، لقد جاؤوا يسألونه حقهم فقال : (( لا حق لكم... ذلك إذ كان الإسلام حقيّا (6)
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( صلى الله عليه وسلم )) .
(2) …في ( هـ ) : (( السالم )) وهو تحريف واضح .
(3) …أبو بكر الصديق : هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عمرو بن كعب القرشي ( 573 ـ 635م ) ولد بمكة ونشأ فيها ولقب بعالم قريش ، هاجر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة المنورة وكان عضده الأيمن في كثير من مهام الدولة الإسلامية ، بويع خليفة سنة 632م قاتل المرتدين وفتح الشام وجزءا من العراق ( الإصابة في تمييز الصحابة تـ 4808 ـ مختصر تاريخ الإباضية ، ص11 ) .
(4) …في ( هـ ) : (( عومر )) . وهو تحريف .
(5) …عمر بن الخطاب : هو أبو حفص العدوي ( 584 ـ 644م ) هو الذي بزل الله به الإسلام واعزه حتى أن الناس بشجاعته لقبوه بالفاروق ، بويع خليفة سنة 635م وفتح في عهده الشام والقدس والعراق والمدائن ومصر ولقد طور نظام الدولة الإسلامية وهو أول من أرخ التاريخ للمسلمين ( الإصابة في تمييز الصحابة تـ 5738 ، الشماخي : السير ، ص16 ) .
(6) …حقيا : وهو الحق : سن من سني الإبل ، وهو الداخل في السنة الخامسة . انظر : الثميني : النيل ، ج3 ، ص233 .
وأما الآن فقد بزل ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط )) (1) فهو اليوم سهم ساقط ، ما دام الإسلام قويا ، وعنهم غنيا ، إلا أن ينزل قوم في الإسلام بمنزلة خافوا عليه الضعف فيتألفوا [31] من نزل بمنزلة من ذكرنا ، ليحرزوا الإسلام من شره ، وليجروا إلى الإسلام نفقه .
{ وَفِي الرِّقَابِ } : وهم المكاتبون وهم في قولنا الذي أخذنا به واعتمدنا عليه أحرار لهم فرض الصدقة مع أصحابهم الأحرار ، لأن (2) الله لم يفرض الصدقات للعبيد . ولو أنا دفعنا صدقاتنا إلى عبيدنا لا نجتزي بها ولا يحل لنا ذلك .
وقال من خالفنا : هم عبيد حتى يؤدوا ما كوتبوا (3) عليه فليس لهذا القول صحة مذهب ، بل هو فاسد متغير (4) .
{ وَالْغَارِمِينَ } : هم الذين لحقهم الدين من غير فساد(5) .
{ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ } : يقوى بها الغزاة (6) .
{ وَابْنِ السَّبِيلِ } : المنقطع به عن أهله يعطى من صدقات المسلمين قدر ما يبلغه ، وإن كان غنيا في بلده .
__________
(1) …الثميني : النيل ، ج3 ، ص471 . ذكره بلفظ مشابه ولكن الواقعة كما في هذا المرجع وغيره ، وقعت في زمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
(2) …في جميع النسخ : (( إن )) . والأنسب للسياق ما أثبتناه .
(3) …في ( هـ ) : (( كاتبوه )) .
(4) …قارن هذا الرأي بما في فقه السنة ، للسيد سابق ، ج1 ، ص331 .
(5) …يعني : ليست الديون تحملها من إسراف وغيره من المعاصي .
(6) …كذا في ( د ) و( هـ ) . وأما في ( ب ) و( ج ) : (( يقوى بها القراءة )) . ويمكن أن يعني به مجالات العلم والتعلم وغيره من الوجوه الخيرية التي يراها الإمام جديرة بذلك مثل : الجهاد إذا كانت الغنائم قليلة وكان فقيرا ، أو ليستعين بها في الجهاد ولو كان غنيا . وعموما كما قال القطب : (( والأولى تفسير بالسعي في طاعة الله تعالى وسبل الخير )) . انظر القطب اطفيش : تيسير التفسير ، ج2 ، ص947 . القطب اطفيش : شرح النيل ، ج3 ، ص237 .
{ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ } (1) ؛ فإذا لم يحضر من هؤلاء الاصناف إلا صنف واحد أخذ جميعها إلا العمال . وليست كقسمة المواريث بالحصص ، ولكنه إنما بين الله تبارك وتعالى من يأخذها ، ولمن تحل له ، فذكر ثمانية أصناف . لا تبعث هدية ولا تخبأ لغائب .
ولا تجوز قسمتها بعد اجتماعها (2) ؛ وقسمتها بالنظر والاجتهاد من أهل الصلاح (3) .
وليس فيها وقت ينتهي إليه دون حسن النظر لمن سميت له على قدر الحاجة .
[ باب في قسم المواريث ]
وبينها القادر الحكيم في أربع آيات من كتابه والخامسة لأولي الأرحام .. فبين جميع علومها على كثرة ما فيها من الفنون ، واختلاف الأصناف ، وسعة المعالم ، وبين جميعها (4) في أخصر ما يكون ، وأقصد فبين بها ذكر ما لم يذكر .
[ أصحاب الفروض وغيرهم ]
فقال عز وجل في الآية الأولى : { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء } : يعني إن كان الولد بنات ليس معهّن ذكر ، { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } إلى الأبوين ، { وَإِن كَانَتْ } ابنة { وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ } : يعني أبوي الميت ، { لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ } (5) وما فضل فهو للأب ، والأب عصبة (6) .
__________
(1) …الآية 60 من سورة التوبة.
(2) …كذا في جميع النسخ ، والأنسب : (( إلا بعد اجتماعها )) .
(3) …وهم الإمام أو مفتي المسلمين في عهد الكتمان . انظر الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج2 ، ص54 .
(4) …في كل النسخ : (( جميعا )) ، والأنسب ما أثبت من ( هـ ) .
(5) …الآية 11 من سورة النساء.
(6) …كذا في جميع النسخ ، والأنسب : (( والأب عاصب )) . يعني إضافة إلى سهم السدس الذي فرض الله ، له باقي التركة إن لم يكن للميت ولد ذكر فيحجبه .
وولد الولد بمنزلة الولد إذا لم يكن الولد من البنين إناثاً أو ذكوراً وليس لولد البنات ميراث . فإن لم يكن ولد وولد الولد ، { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } : أم وأب ، فللأم الثلث ، واللأب ما بقي وهو الثلثان .
وإن ورث مع الأبوين زوج أو امرأة فللأم ثلث ما بقى . وفي هذا اختلاف من قبل الرأي ، وبعض الفقهاء يقولون : (1) إذا كان الأب يأخذ أكثر مما تأخذ الأم فللأم ثلث الجميع (2) .
والمأخوذ به عندنا أن لها ثلث ما بقي لأنا وجدنا الله إنما قسم لهما حيث لم يذكر معهما غيرهما (3) على الثلث والثلثين قال : { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } ولم [32] يذكر غيرهما . ولا يعطى الأم في كل موضع مما يرث الأبوان إلا الثلث إذا لم يكن إخوة فإن (4) كان للميت إخوة اقتصرت الأم على السدس ، إن كان الإخوة إخوة ، أو أخوات ، أو أخ وأخت ، وأخت من أب وأم (5) ، أو من أب أو من أم ، لقوله (6) تعالى : { فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ } (7) فلا يحجبها الأخ الواحد عن الثلث .
[ ميراث الأجداد ]
والجد بمنزلة الأب في قولنا الذي نأخذ به (8) .
__________
(1) …في ( هـ ) : جاءت العبارة كما يلي : (( وفي هذا اختلاف من قبل ، أرى بعض الفقهاء يقولون... )) .
(2) …انظر هذه القضية القطب اطفيش : شرح النيل ، ج15 ، ص419 ، 423 .
(3) …محمد رواس قلعة جي : موسوعة فقه عمر ، ص63 . القطب اطفيش : شرح النيل ، ج15 ، ص420 .
(4) …في ( هـ ) : جاءت العبارة كما يلي : ((... مما يرث الأبوين ، إلا الثلث إذ لم يكن إخوة فإذا... )) .
(5) …(( وأم )) إضافة من ( هـ ) . وهو الأظهر من السياق .
(6) …في ( هـ ) : (( لقول الله تعالى )) .
(7) …الآية 11 من سورة النساء.
(8) …انظر توضيحا وشرحا وافيا في المسألة : ابن بركة العماني : كتاب الجامع ، ج2 ، ص591 .
ولا يرث الإخوة مع الأب ، ولا ولد ذكر ، ولا جد ، ولا ولد الولد ، فإن لم يكن له أب ولا جد ولا ولد ولا ولد الولد (1) ، ورث الإخوة مع الأم .
ولا يرث أحد مع الأب والجد إلا الولد وولد الولد ـ مكان الولد ـ والأم والزوج والمرأة ـ مكان الزوج ـ .
ولا يرث الأب ولا الجد مع الولد الذكر إلا السدس .
ولا يرث مع الإناث إلا السدس ، وإن فضل المال فيكونان عصبة مع الإناث .
والجد لا يرث معه أخ ولا أخت في قولنا .
[ ميراث الجدّات ]
ولا يرث من الجدات مع الأم شيء (2) .
ولا ترث الجدات أكثر من السدس .
وترث الجدة من الأب وابنها حي في قولنا الذي نأخذ به .
وبعض العلماء لا يورثونها وابنها حيُّ ولا نأخذ به (3) وترث الجدة ـ في قولنا ـ إذا لم تكن الأم ، وإن لم تكن الجدة من الأم وكانت الجدة من الأب ورثت ؛ فإذا كانتا جميعا ورثتا السدس بالسوية .
ويرث ثلاث من الجدات ولا ترث الرابعة في قولنا الذي نأخذ به وفيه اختلاف .
وبعض العلماء (4) يورثون أربع جدات ، وذلك إذا لم يكن دونهن جدتان أو جدة .
والثلاثة : جدة الأم ( أم أمها ) وجدتا ( أم أمه وأم أبيه ) ؛ والرابعة التي فيها اختلاف ، ونحن لا نورثها : ( أم أب الأم ) . ولا يرث أب الأم ، في قولنا وفي قول غيرنا إلا أن يكون عصبة .
[ ما يتعلق بأصل التركة ]
__________
(1) …في ( هـ ) : (( ولا ولداً منه الولد ، ورث الخوة )) .
(2) …كذا في النسخ ، ولعل الصواب : (( شيئا )) .
(3) …راجع تفاصيل هذا الموضوع في : يحيى بكوش : فقه الإمام جابر بن زيد ، ج2 ، ص567 .
(4) …هذا القول منسوب إلى الإمام جابر بن زيد رحمه الله . انظر : يحيى البكوش : فقه الإمام جابر بن زيد ، ج2 ، ص585 .
أصول ما ذكرنا إلى هذا الموضع في الآية الأولى . وهي في الأبوين ، والد . والميراث بعد الدين ، والوصية ؛ والكفن قبل الدين . ولا يغلى به (1) إذا كان الديون ، وهو من جملة المال ، ثم الديون من جملة المال ، ثم الوصية من الثلث ما كانت ، إذا لم تكن حقا واجبا لأحد من الناس أقريبا كان أو أجنبيا (2) .
وحق الوصية للأقربين ، وإن أوصى أحد للأجنبي فللأقرباء ثلثا ما أوصى به في قولنا (3) .
وما أوصى به الكفارات ، أو تطوع ، أو حج ، أو عمرة ، أو تفريط في تزكية مال ، أو عتق واجب ، أو تطوع ، ما كان لله ، وما لم يكن لأحد من الناس حقا لازما .
[ آية الميراث بسبب النكاح ]
ثم ذكر في الآية الثانية الزوج والزوجة فقال : { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } (4) والدين قبل الوصية مثل الأولى .
__________
(1) …في ( ب ) و( ج ) : (( يغل )) ، ولعل الصواب ما أثبت من ( د ) و( هـ ) ، أي لا يغالي في ثمنه .
(2) …من كانت له ديون كثيرة فإنه لا يدين بالكفن لأن الكفن أولى من الديون في إخراجه من جملة المال . (( ومن لا مال له فمؤونة تجهيزه على من لزمته نفقته في حياته وإن لم يكن ففي بيت المال وإلا فعلى المسلمين )) . القطب : شرح النيل ، ج15 ، ص337 .
(3) …وهو قول الإمام أبي عبيدة رحمه الله . وكلمة الأجنبي يعني بها من لا يستحق الوصية ولا الميراث . انظر أبو غانم الخراساني : المدونة الكبرى ، ج2 ، ص209.
(4) …الآية 12 من سورة النساء.
و (( لا وصية لوارث )) (1) والوصية من الثلث إن كانت امرأة واحدة من غير ولد أو ولد الولد .
وامرأتان كذلك ، وثلاث وأربع يشتركن في الربع مع غير ولد ؛ وكذلك يشتركن في الثمن مع الولد أو ولد الولد .
[ آية الإخوة ]
وقال في الآية (2) الثالثة : { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ } : (3) والكلالة الذي ليس له أب ولا جد ولا ولد الولد . { أَو امْرَأَةٌ } : تورث كلالة ، { وَلَهُ أَخٌ } : للرجل الموروث أو المرأة ، وله أخ من أم ، أو أخت من أم (4) ، { فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ } : ولم يفضل الذكر على الأنثى ، { فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ } لا يزايدون (5) بعد وهم في الثلث (6) شرعا سواء الذكور والإناث .
ولا يرث الإخوة من الأم مع ولد ، ولا ولد الولد ، ولا أب ولا جد ، في قولنا المأخوذ به .
{ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ } : مثل الأولى .
قضى رسول الله عليه السلام أن الدين قبل الوصية (7) : الدين من جميع المال ، والوصية من الثلث .
__________
(1) …رواه الدار قطني عن جابر بن عبد الله وحسنه السيوطي . ورواه الربيع في مسنده .
(2) …في ( هـ ) : (( الآيات )) .
(3) …في ( هـ ) : سقط (( أو امرأة )) . ويبدو أنه صواب لأنه سيأتي تفسيرها .
(4) …في ( د ) : سقط (( أو أخت من أم )) . والصواب ما أثبت من ( هـ ) .
(5) …في ( د ) و( هـ ) : وفي نسختي ( ب ) و( ج ) : (( لا يزيدون )) .
(6) …(( في الثلث )) إضافة من ( هـ ) . وهي أصوب ليتضح المعنى .
(7) …رواه الدار قطني عن علي : هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 ، ص355 .
{ غَيْرَ مُضَآرٍّ } : في وصيته ، فقد حرم الله الضرر في الوصية . فقال : { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ } : يعني قسمة المواريث . { وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ } : فيما تعبده ويتبع حكم الله ، ويقسم بقسمة الله ، { يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } : فيما تعبده به ، ويخالف أمره { وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } : في قسمة المواريث ، { يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } (1) .
[ أية النصف ]
ثم قال في الآية الرابعة ، وهي التي في آخر سورة النساء ، وهي تسمى آية النصف : { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ } من أب وأم ، أو من أب ، { فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ } { إِن لَّمْ يَكُن لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ } : ولا يرث الإخوة مع الأب { يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } : لئلا يضلوا ، { وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (2) هذه في الإخوة من الأبوين ومن الأب ، (3) إذا لم تكن الإخوة من الأبوين فالإخوة من الأب بمنزلتهم يرثون ما يرثون ، ويحجبون ما يحجبون .
__________
(1) …الآيات 12 ـ 13 ـ 14 من سورة النساء.
(2) …الآية 176 من سورة النساء.
(3) …في ( هـ ) : سقط (( ومن الأب )) .
وإن كانت أخت من الأبوين وأخت من الأب فللأخت من الأبوين النصف وللأخرى (1) السدس تمام الثلثين . وكذلك إن كن أخوات من الأب أكثر من واحدة لهن السدس مع الأخت من الأبوين ، إذا لم يكن مع أخوات من الأب أخ ، وإن كان معهن أخ أو أخوة خرجن من الفريضة وصار الأخ من الأب مع الأخوات من الأب مع الأخوات من الأب (2) والأم عصبة للذكر مثل حظ الأنثيين .
فإذا [34] كن أخوات للأبوين أكثر من واحدة حرزن الثلثين ، فليس لأخوات الأب شيء ، إلا إن كان معهن ذكر . ولا يكون الأخوات عصبة ، وقد يكن مع البنات عصبة . ولا ترث بنت الأخ ولا العمة ولا بنت العم شيئا إلا لمن لم تكن عصبة .
[ آية العصبة ]
وقال في الآية الخامسة : { وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ } (3) يعني الميراث ، فهؤلاء العصبة : الولد وولد الولد وإن سفلوا إذا كانوا ذكورا ، أو إناثا وذكورا أولى من الإخوة .
وإن كن بنات فالأخوات معهن عصبة ، إذا لم يكن أب ولا جد ( أب الأب ) . والأخوات مع البنات عصبة . وبنات البنين بمنزلة البنات .
وبنات البنين لهن مع الابنة الواحدة السدس تمام الثلثين .
والإخوة من الأبوين أولى من الإخوة من الأب .
والإخوة من الأب أولى من بني الإخوة من الأبوين .
وبنو الإخوة من الأبوين أولى من بني الإخوة من الأب .
وليس لبنات الأخ ميراث إن لم تكن عصبة .
وبنو الإخوة أولى من العم .
والعم أخو الأب للأبوين أولى من العم أخي الأب للأب .
والعم أخو الأب للأب أولى من بني العم من الأبوين .
وبنو العم أخي الأب للأبوين أولى من بني العم أخي الأب للأب .
وبنو العم أولى من عم الأب أخي الجد للأبوين .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( فللأخت للأبوين السدس ، وللآخر السدس... )) .
(2) …في ( هـ ) : سقط (( مع الأخوات من الأب مع الأخوات من الأب )) . وقع للناسخ انتقال نظر ، لتكرار : (( من الأب )) .
(3) الآية 75 من سورة الأنفال.
وعم الأب أخو الجد للأبوين أولى من عم الأب أحي الجد للأب .
والعم أخو الجد أولى من بني العم أخي الجد للأبوين .
ولا يرث المملوك حرا .
ولا المشرك المسلم .
ولا يرث القاتل قتيله عمداً كان (1) أو خطأ .
[ باب في عدد النساء ]
قال الله عز وجل : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } (2) .
وفرض في الأيسات : { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ } (3) وكذلك فرض في اللواتي لم يحضن ، وفرض في أولات الأحمال : { أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } (4) ما كان من تمام أو سقط إذا تيقن بهؤلاء بعد الدخول بهن .
وفرض العدة على النساء ، وائتمنهن على العدة ، قولهن في العدة جائز ، ما لم يكن ادعين أمراً فاحشا لا يمكن لهن وهن مأمونات . قال الله في التوكيد عليهم فيما فرض إليهم : { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } (5) .
قال : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } (6) يعني العدة إذا كان إنما طلقها واحدا أو اثنين .
[ الطلاق الثالث ]
وأما إذا طلقها ثلاثا ، { فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } (7) قد دخل بها ، وهذا كله في المدخول بهن .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( كان )) .
(2) …الآية 228 من سورة البقرة.
(3) …الآية 4 من سورة الطلاق.
(4) … الآية 4 من سورة الطلاق.
(5) …الآية 228 من سورة البقرة.
(6) …الآية 228 من سورة البقرة.
(7) …الآية 230 من سورة البقرة.
جعل حد الطلاق فيهن ثلاثا ، فلا يحل للرجل أن يطلق امرأته ثلاثا معاً ما لم تكن بينهما رجعة ، ولا تحل المراجعة بإضرار ليطول عليها العدة ، قال الله تعالى : { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا... } إلى قوله : {... وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا } (1) يعني أن يطلق ثم يرجع ، ثم يطلق يرجع (2) ، لا لحاجة تكون له فيها إلا ليطول عليها في العدة .
[ طلاق السنة ]
ولا يطلقها إلا على طهر ، فمن فعل فقد عصى ربه ومضى طلاقه ، وذلك قول الله : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } (3) يعني لطهرهن من غير جماع ، قال : { ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } (4) هذه لا عدة عليها تتزوج إن شاءت من يومها ذلك ، وليس له عليها رجعة إلا أن تشاء (5) هي بنكاح جديد ومهر جديد . وإن طلقها ثلاثا فلا يحرم عليه تزويجها ، يتزوجها إن شاءت ، فتكون عنده على تطليقتين ، وقد مضت الثالثة . (6)
[ الطلاق بالإيلاء ]
وذكر المولى (7) عدة عنها فقال : { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (8) فجعل عدة الإيلاء أربعة أشهر .
__________
(1) …تمام الآية : (( ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا... )) الآية 231 من سورة البقرة.
(2) …في ( هـ ) : سقط (( ثم يطلق ثم يرجع )) .
(3) …الآية 1 من سورة الطلاق.
(4) …الآية 49 من سورة الأحزاب.
(5) …في ( هـ ) : (( يشاء )) . وهو خطأ .
(6) …أي لا اعتبار للطلاق الثلاث قبل المس فتعتبر تطليقة واحدة لأنه لا عدة فيها . بكوش يحيى : فقه الإمام جابر ج2 ، ص430 .
(7) …كذا في جميع النسخ ، وفي ( هـ ) : (( الولا )) . والعبارة مع ذلك غير مستقيمة المبنى . ولعل صوابها : (( وذكر عدة المولى منها فقال )) .
(8) …الآية 226 من سورة البقرة.
وكل يمين حلف به وامتنع من الوطء لليمين أربعة أشهر فهو إيلاء ، إذا كان إنما وقع اليمين على البدن ، فأما إذا وقع على الموضع فليس فيه إيلاء ؛ وإن تركها أربعة أشهر أو أكثر من أربعة أشهر ، لأنه لا يستطيع أن يمس في غير ذلك الموضع ، فإذا مضت أربعة أشهر للمولي ولم يف تزوجت (1) إن شاءت من يومها ذلك ، في قولنا الذي نأخذ به ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه (2) ، وقال غيره : تستأنف بعد أربعة أشهر عدة المطلقة ، إذا كانت ممن تحيض فثلاثة قروء ، وإن كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر ؛ وإن كانت حاملاً فحتى تضع حملها ، وهي أملك بنفسها (3) في قول ابن مسعود (4) .
غيره أنه قال : لا يحل لزوجها أن يتزوجها (5) في تلك العدة ولا لغيره ، وقول ابن عباس أعدل عندنا ، وبه أخذ أصحابنا .
__________
(1) …في ( هـ ) : وردت العبارة هكذا : (( فإذا مضت أربعة أشهر للمولى ولم يف [ كذا ] تزوجت تزوجت )) .
(2) …هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 ، ص214 . ابن بركة : كتاب الجامع ، ج2 ، ص183 . وابن عباس هو : أبو العباس عبدالله ( 619 ـ 687م ) صحابي جليل لازم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه الحديث ، وكان عالما بالتأويل والتفسير ، ينسب إليه (( تنوير المقباس )) . انظر : الإصابة ، تـ 4772 . وانظر موسوعة فقه عبدالله بن عباس ، تأليف محمد رواس قلعة جي .
(3) …في ( هـ ) : (( بنفسه )) .
(4) …هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 ، ص214 .
وابن مسعود هو : عبدالله بن مسعود بن غافل الهذلي ( تـ 32هـ / 653م ) صحابي جليل خدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل فيه : وعاء مليء علما . وهو حليف بني زهرة ، ولي بيت المال بالكوفة ، وروى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الكثير من الأحاديث . انظر الإصابة ، تـ 4945 . الزركلي : الأعلام ، ج4 ، ص280 .
(5) …في ( د ) : (( إن تزوجها )) .
والمولى منها في قول ابن عباس أربعة أشهر مدخول بها أو غير مدخول بها . فمن آلى بالله فليكفر يمينه (1) قبل أن يدخل بامرأته أو بعده في أربعة أشهر .
[ الظهار ]
ومن آلى من امرأته بظهار نفسها يحملها عليه ، كظهر ذات محرم منه ، فلا يقربها حتى يكفر كما قال الله : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } (2) .
[ عدة الوفاة ]
وأما عدة المتوفى عنها زوجها فأربعة أشهر وعشراً ، لقول الله عز وجل : (3) { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } (4) ، فهي عدة كل متوفى مدخول بها أو غير مدخول بها ، كانت ممن تحيض أو صغيرة لا تحيض ، أو كانت حاملا قد وضعت ، [36] إلا حاملا جاوزت أربعة أشهر وعشراً فعدتها أبعد الأجلين في قولنا الذي نأخذ به ، وهو العدل إن شاء الله .
وللمطلقات النفقة والسكنى في عدتها ، وليس للمتوفى عنها نفقة ولا سكنى .
[ باب في نفقة المرضع وحد الرضاع ]
__________
(1) …في ( د ) : (( يمنه )) . وهو خطأ .
(2) …الآيتين 3 و 4 من سورة المجادلة.
(3) …في ( د ) : سقط (( عز وجل )) .
(4) …الآية 234 من سورة البقرة.
قال الله تعالى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } (1) يعني أن لا يسترضع الزوج ولدها عند غيرها بالأجرة إذا كانت أمه ترضعه بذلك الأجر ، وأمه أحق بما كان مسترضعاً به عند غيرها .
{ وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ } : يعني ولا يضار مولوده ، يعني الأب الذي ولد له الولد لا يضار بولده ، إذا لم يكن له مال يسترضع به جبرت أمه على رضاعة الولد ، وإن دفع المراضع ولم يقبل الصبي ثدي مرضع جبرت أمه على رضاعه ، ولا تترك أن تلقي (2) الولد فيموت هزلا .
قال : { وَعَلَى الْوَارِثِ } : يعني وارث الصبي إذا (3) مات أبوه .
{ مِثْلُ ذَلِكَ } : يعني ما على الأب من النفقة والإضرار .
{ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا } : فيما يوافق ، { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } : أن يفصلا الولد المسترضع دون تمام الحولين .
ولا رضاع بعد الحولين في قولنا الذي نأخذ به ، وهو ما صدقه الكتاب ؛ وقال بعض : الرضاع الذي لا ريبة فيه بعد أربع سنين (4) .
[ باب في مسائل مختلفة ]
[ سنة الختان ]
سنن (5) الختان مجمع (6) عليها أنها واجبة .
__________
(1) …الآية 233 من سورة البقرة.
(2) …في ( د ) و ( هـ ) : (( تلقا )) . والصواب ما أثبتناه .
(3) …في ( هـ ) : (( إن )) .
(4) …هو قول الإمام أبي عبيدة مسلم . انظر القطب اطفيش : شرح النيل ، ج7 ، ص12 .
(5) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( سنين )) . وهو تحريف .
(6) …في ( هـ ) : (( مجتمع )) .
ومن ترك الختان من الرجال فلا صلاة له (1) ، ولا تزويج ، ولا تؤكل له ذبيحة ، ومن ترك الختان من النساء فلا حرج عليها ، ولا يلزم النساء من ذلك ما يلزم الرجال (2) ، من شاء من النساء اختتن ومن شاء ترك .
[ فصل فيما يفرق فيه الذكور عن الإناث والعكس ديانة ]
وإنما يقال : إن دين النساء ودين الرجال واحد ، لأنه إنما يقع على صنف من الناس الطاعة لله فيما تعبده ، فإذا فعل فهو على دين الله ، وليس يفترق الدين لافتراض الفرائض ، وإنما هو دين جماعة (3) الطاعة ، لأنه يكون على الرجال أشياء حطها الله على النساء ، ويكون على النساء أشياء حطها الله على الرجال ؛ ويحل (4) للرجال ما يحرم على النساء ، ويحل للنساء ما يحرم على الرجال ؛ وكذلك العبيد . ويجب على بعض الرجال ما حط الله عن بعض ، وكل دينهم واحد وقد جمعته الطاعة لله . وذلك أن الله كلف الرجال الجهاد وصلاة الجمعة مع الأيمة ركعتين ، وليس ذلك على العبيد والنساء ، وحط الجمعة على [37] المسافر ؛ وأحل للنساء الحلي والحرير وحرمه على الرجال ، وأحل للرجال ما ملكت أيمانهم ، وحرمه على النساء بالجلابيب (5) وضرب الخمر على الجيوب وحرم عليهن إبداء الزينة ، ولم يحرم ذلك على الرجال .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( له )) .
(2) …في ( هـ ) : (( الرجل )) .
(3) …في كل النسخ : (( جماعته )) . ولعل الصواب : (( جمعته الطاعة )) ، أو ما أثبتناه من ( هـ ) .
(4) …في ( هـ ) : (( ويحرم )) . وهو خطأ .
(5) …في ( هـ ) : (( بالأجلابيب )) . وهو خطأ .
وما (1) سوى ما ذكرنا مما تعبد الله به بعض خلقه دون بعض من إنفاذ (2) أحكام أمر بإنفاذها خاصة من الناس وهم الأيمة والقضاة ، ومن أمر الحج والعمرة ، ألزمه صنوفا وحطه عن صنوف... كل ذلك تجمعه الطاعة ، ويكون أمرهم واحداً (3) ودينهم واحداً .
[ فصل في الأذان ]
ذكر الله الأذان ذكراً (4) ولم يأمر به (5) .
أجمع الناس أنه من سنة رسول الله عليه السلام ، واختلفوا فيه ، وقولنا الذي نأخذ به : الأذان مثنى مثنى ، والإقامة كذلك ، وهما من سنة رسول الله عليه السلام (6) ، وهما في أوقات الصلاة : الأذان في الوقت والإقامة في الوقت .
واختلفوا في ذلك ، والذي أخذنا به أن الأذان للوقت كالإقامة ، وقد أجمعوا أنه لا أذان بعد فوات الوقت ، وهذا تقوية أنه للوقت لا قبل ، كما أنه لا بعد (7) ، مع أنهم أجمعوا أنه يؤذن في الوقت .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( وأما )) .
(2) …في ( د ) و( هـ ) : (( إنفاذ )) . بدال مهملة . في هذا الموضع وفيما سيأتي ، وقد صححناه فيما سيأتي دون إشارة إلى ذلك ، نظراً لتكرار هذا الخطأ الشائع في المخطوطات المغاربة وخلطهم بين الدال المعجمة والمهملة .
(3) …في ( د ) : (( واحد ، ودينهم واحد )) . وهو خطأ . وفي ( هـ ) : سقط (( ودينهم واحدا )) .
(4) …في ( د ) : (( ذكر )) . وهو خطأ . وفي ( هـ ) سقط : (( ذكراً )) .
(5) …وذلك في قوله تعالى : (( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزؤا ولعبا )) سورة المائدة الآية 58 .
(6) …روى الإمام الربيع بسنده الصحيح عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن ، والأذان مثنى مثنى ، والإقامة مثنى مثنى ) الجامع الصحيح ، باب 27 في الآذان ، رقم 175 . القطب اطفيش : شرح النيل ، ج2 ، ص26 .
(7) …في ( هـ ) : في العبارة خطأ وسقط : (( لا يعد ، مع أجمعوا )) .
واختلفوا في الإقامة للصلاة (1) الفائتة ، قال بعضهم (2) : لا إقامة على أحد لصلاة فات وقتها ولكن يتوجه ويكبر ، قال بعضهم : ذلك في الصلاة التي صُلّيت وانقضت ، وأما ما فات وما لم يصل ، فليُقم لها ، والله أعلم .
على أن الحجة ـ إن شاء الله ـ أنه لا إقامة إلا للوقت ، لأنه لا أذان إلا للوقت ، والإقامة أبداً أن تأتي مقرونة بالأذان الأول .
وأن الرجل الواحد إذا أذن وأقام يجزي عن الخلق الكثير ، ولا يجزي عنهم توجيه الواحد ولا إحرام (3) الواحد .
فهذا [مـ ] ما (4) لا يحصى ، فالله نسأله التوفيق للصواب ، ونعوذ به من تهوين ما قال المسلمون من الحق ، فالحق أردنا ، وإياه قصدنا .
[ فصل في الأمر بإتمام الأعمال ]
وليس على الناس (5) ما فات إلا في الفرائض ، وبها أكد (6) الله على نفسه ، وسنذكر بعض ذلك إن شاء الله :
الرجل يوجب على نفسه الصيام من الليل حتى يصبح صائما ، ثم يأتي عليه في نهاره ما يبطل صومه ، فيلزمه بدله ، لأنه أوجبه على نفسه .
وكذلك من أحرم بحج نافلة أو عمرٍة نافلة ، فقد أوجب على نفسه القيام بجميعه ، والفراغ من المناسك ، وحضور المشاهد كلهّا ، وعليه من الكفارة فيما يصيب ما على صاحب الفرض .
وكذلك من أحرم بصلاة نافلة ، بثياب طاهرة ، وجسد طاهر ، ثم دخل عليه ما ينقض صلاته النافلة ، كان عليه بدلها لأنه أوجبها ، وإن كانت نافلة .
وأما من أحرمها بثوب نجس ، أو عليه وضوء [38] فذكر الإعادة عليه لأنه لم يدخل في الصلاة ، وهو كمن عقد الصيام من الليل وهو جنب حتى أصبح فلا إعادة عليه ، لأنه أصبح مفطراً .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( لصلاة )) .
(2) …في ( ب ) و( ج ) سقط : (( بعضهم )) .
(3) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( الإحرام )) .
(4) …في جميع النسخ : (( ما )) . والأصوب ما أضفناه .
(5) …في ( هـ ) : (( على أنا )) . ولا معنى له .
(6) …في جميع النسخ : (( كذا )) . وقد صححناه على ما اعتيد من الاستعمال .
وأما الذين يقولون : إنّ الإقامة تلزم الصلاة التي لم تصل ، وإن فات الوقت ، ولا تلزم الإقامة للصلاة التي صليت بعد الوقت إذا انتقضت عليه لعله نجاسة الثياب أو طهارة (1) ، فيدخل عليهم في قولهم أنهم يوجبون الإقامة للصلاة التي صليت ، لعله أنهم يوجبون الإقامة لها على من ذكرها في وقتها ثم يضيعها (2) لفوات (3) الوقت ، ففي هذا دليل وحجة لمن قال : إن الإقامة إنما هي للوقت كالأذان ، لأنّ فوات (4) الوقت لا يزيل حقا وجب في الوقت ، فلما كان هذا هكذا ثبت (5) أن الإقامة إنما هي للوقت .
تم الكتاب والحمد لله (6)
الخاتمة
بعد هذا العمل الذي أخذ مني جهداً كبيراً ، أشكر الله عز وجل على هذه النعمة التي تفضل بها عليَّ من تحقيق هذا الكتاب وإخراجه للنور على أحسن وجه إن شاء الله .
كما لا يفوتني أن أثني بالخير والدعاء الصالح على كل من أمد لي يد المساعدة أثناء التحقيق ، بل قبلها وبعدها ، فاللهم تقبل على الأحياء منهم والأموات أجمعين ، فيا رب زدنا ولا تنقصنا ، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ، واغفر لنا إصرارنا وإسرافنا وما أنت أعلم به منا .
واجعل عملنا هذا خالصاً لوجهك الكريم ، واجعله فوق ما يظنون ، إنك على كل شيء قدير .
آمين...
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مراجع التحقيق
بشر بن غانم الخراساني أبو غانم : المدونة الكبرى ، ترتيب : القطب اطفيش ، تقديم : سالم بن حمد الحارثي ، طبعة مصورة من مخطوط ، نشر وزارة التراث ، عُمان ، ط2 ، 1984م .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( طاهرة )) . وهو خطأ .
(2) …في ( هـ ) : (( يضعها )) . وهو خطأ .
(3) …في ( د ) : (( لفوت )) . وما أثبتناه فمن ( هـ ) .
(4) …في ( هـ ) : (( وفات )) . وهو تحريف .
(5) …في ( هـ ) : (( أتبث )) . وهو تصحيف .
(6) …في ( د ) : (( تم الكتاب والحمد لله ، في 6 شعبان سنة 1124هـ )) . وهو تحريف . وفي ( هـ ) : (( تم الكتاب )) .
بكير بن سعيد أعوشت : دراسات إسلامية في أصول الإباضية ، ط1 ، مطبعة البعث قسنطينة ، الجزائر ، 1402هـ / 1982م .
الربيع بن حبيب ، أبو عمرو : الجامع الصحيح ، تحقيق : أبي إسحاق إبراهيم اطفيش ، ط2 ، المطبعة السلفية ، القاهرة ، 1349هـ .
سعيد الخوري : أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد ، مطبعة مرسلي ، بيروت ، 1889م .
سليمان الباروني ، أبو الربيع : مختصر تاريخ الإباضية ، مطبعة الإرادة ، نشر : مكتبة الاستقامة ، تونس ، 1938م .
سليمان بن الأشعث إلسجستاني ، أبو داود : سنن أبي داود ، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ، دار الفكر ، بيروت .
السيد سابق : فقه السنة ، ط5 ، دار البيان ، الكويت ، 1391هـ / 1971م .
عامر بن علي الشماخي : كتاب الإيضاح ، تحقيق لجنة من العلماء ، ط2 ، الوطن ، بيروت ، 1390هـ / 1970م .
عبد الرحمن بن أبي بكر ، جلال الدين السيوطي : الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير ، دار الفكر، بيروت .
عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتى الوارجلاني ، أبو عمار : كتاب الموجز ، تحقيق : عمار طالبي بعنوان ، آراء الخوارج الكلامية ، ط1 ، الشروق ، نشر : ش . و . ن . ت . ، الجزائر ، 1398هـ / 1978م .
عبدالله بن حميد السالمي ، نور الدين أبو محمد : مشارق أنوار العقول : تصحيح وتعليق : أحمد بن حمد الخليلي ، ط2 ، مطابع العقيدة ، عُمان ، 1398هـ / 1978م .
علي يحيى معمر : الإباضية بين الفرق الإسلامية ، مطابع سجل العرب ، ط1 ، القاهرة ، 1396هـ / 1976م .
عمرو خليفة النامي : Journal of Semitic studies chaptes أوراق مصورة .
عوض محمد خليفات : الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ، مطبعة الجويني ، تونس ، 1984م .
لفيف من المستشرقين : المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي ، دار الدعوة ، استنبول ، دار سحنون ، تونس .
لواب بن سلام بن عمرو الإباضي : الإسلام وتاريخه من وجهة نظر الإباضية ، تحقيق : ق . شفارتز ، وسالم بن يعقوب ، دار اقرأ ، ط2 ، 1405هـ / 1985م .
محمد أسعد طلس : تاريخ العرب ، ط3 ، دار الأندلس ، بيروت ، 1403هـ / 1983م .
محمد بن بركة العماني ، أبو محمد : كتاب الجامع ، تحقيق : عيسى بن يحيى الباروني ، ط1 ، 1391هـ / 1971م .
محمد بن يوسف اطفيش ، قطب الأيمة : تيسير التفسير ، ط1 ، حجرية ، 1325هـ / 1907م .
محمد بن يوسف اطفيش ، قطب الأيمة : شرح كتاب النيل وشفاء العليل ، ط2 ، دار الفتح ، بيروت ، مكتبة الإرشاد ، جدة 1393هـ / 1973م .
محمد رواس قلعة جي : موسوعة فقه عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) ، ط3 ، دار النفائس ، بيروت ، 1406هـ / 1986م .
محمد فؤاد عبد الباقي : المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ، دار الأندلس ، بيروت .
مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ط7 ، الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة ، 1407هـ / 1987م .
هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، تحقيق : بلحاج شريفي ، ط1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، 1410هـ / 1990م .
مفتاح الرموز المستعملة في التحقيق
كل عنوان بدون معقوفتين هو من وضع المؤلف .
كل عنوان جانبي أو فصلي وضع بين معقوفتين هو من وضع المحقق .
كل رقم صغير بين معقوفتين يشير إلى أرقام الصفحات في المخطوط الأم ، أي نسخة ( د ) .
كل باب وضعت أرقامه الهامشية متسلسلة منفصلة عن الباب الآخر .
في الهوامش :
ص = الصفحة .
ج = الجزء .
تح = تحقيق .
الحروف الموجودة في الهامش بين قوسين تشير إلى النسخ المعتمدة في التحقيق :
( ب ) = نسخة مكتبة البكري
( جـ ) = نسخة مكتبة الجابرية .
( د ) = نسخة مكتبة الحاج بابكر بن مسعود (1) .
( هـ ) = نسخة مكتبة الحاج بابكر بن مسعود (2) .
تم بحمد الله

مركز الدراسات الاباضية

استقرار الدولة الرستمية

استقرار الدولة الرستمية وهناؤها وسعادتها بالعدل والدين

 

لقد كانت افريقية تغلي بثوراتها على الولاة الضعفاء. وكان السخط والشقاء والحاجة تسودهما. فكيف كان المغرب الأوسط وما يتبعه من المغرب الأدنى: جنوب افريقية، وجزيرة جربة، وجبلا نفوسة. وكان هانئا، سعيدا، مطمئنا، تحت جناح الدولة الرستمية الجمهورية العادلة التي تسوسه بسياسة الدين، وتلزم فيه هدى الخلفاء الراشدين. إنها دولة إباضية أنشأها الإباضية الذين يتمسكون بالإمامة الإسلامية والجمهورية العادلة كل التمسك.

فكيف نشأت الدول الإباضية الجمهورية في المغرب فأسعدته، ودخل بها أعراسه البهيجة، وأعياده الباسمة، وعهود قوته وسعادته! وكان الملجأ الأمين الهانئ للمضطهدين الأحرار في الدول الملوكية في المشرق. يلجئون إليه فيجدون الإخوة والصفاء، والحرية والعدل، والحضارة الإسلامية الراقية التي تنبع من الدين المكين، والعلم الزاهر، ونعمة تمسك أئمته وولاته وموظفيه بالدين في كل شيء؟!

محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير ج3 ص 130

الإباضية بين الفرق الإسلامية

الفرق بين الاباضية والخوارج

c 7

 

تحميل كتاب الإباضية بين الفرق الإسلامية PDF

الفصل الأول : الإباضية .

الفصل الثاني : الخوارج .

الفصل الثالث : الخوارج في نظر الإباضية .
الفصل الرابع : رأي المخالفين في الإباضية .
الفصل الخامس : الفرق بين الإباضية والخوارج في العقائد .
الفصل السادس : ملخص للبحث .
الفصل السابع : مصادر الإباضية .
وخاتمة البحث
والمراجع
والفهارس

الفصل الأول : الإباضية .

أولا ) : ظهورها وأسباب التسمية بهذا الاسم :

ظهر المذهب الإباضي , في القرن الأول الهجري في البصرة . فهو من أقدم المذاهب على الإطلاق . والتسمية كما هو مشهور عند المذهب , جاءت من طرف الأمويين ونسبوه إلى عبدالله بن إباض وهو تابعي عاصر معاوية وتوفي في أواخر أيام عبدالملك بن مروان , وعلة التسمية تعود إلى المواقف الكلامية والجدالية والسياسية التي اشتهر بها عبدالله بن اباض في تلك الفترة .

ثانيا ) : شخصية جابر بن زيد :

يرجع المذهب الإباضي في نشأته وتأسيسه إلى التابعي الجليل جابر بن زيد الذي أرسى قواعده الفقهية وأصوله . فهو إمام متحدث فقيه , وتبحر بعمق في الفقه , وأمضى بقية حياته بين البصرة والمدينة بشكل جعله على صلة بأكبر فقهاء المسلمين حينذاك . وقد روى عن ابن عباس قال للناس : اسألوا جابر بن زيد فلو سأله المشرق والمغرب لوسعهم علمه . وقد أصبح أعظم فقيه في البصرة , وله أتباع عديدون كعبدالله بن اباض ومرداس بن حيدر وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة .

ثالثا ) : شخصية أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة :

ولقد اكتملت صورة المذهب الاباضي على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة , المتوفى في خلافة أبي جعفر المنصور وإليه انتهت رئاسة الإباضية بعد موت جابر بن زيد . وبإشارته أسس الإباضية في كل من المغرب وحضرموت دولا مستقلة وخرج على يديه رجال الفكر والدين من مختلف الدول الإسلامية آنذاك عرفوا " بحملة العلم " . ولقد أفلح عبدالرحمن بن رستم في تأسيس الدولة الإباضية بتهارت فهو تلميذ من تلاميذ أبي عبيدة وأحد حملة العلم .

رابعا ) : شخصية عبدالله بن اباض :

هو عبدالله بن اباض التميمي ولد زمن معاوية ( 40 ـ 60 هـ ) وتوفي في آخر حياة عبدالملك بن مروان . ويعد من أتباع جابر بن زيد الذي توفي سنة 93 هـ . وقد اهتم بالجوانب السياسية والكلامية والعسكرية والتنظيم والتخطيط لتكوين دولة إسلامية معتمدة على الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين .
وقد اشتهر بالرسالة التي أرسلها إلى عبدالملك بن مروان الأموي ( 65 ـ 86 هـ ) يبين فيها آراءه وعقائده بكل وضوح .


الفصل الثاني : الخوارج .

أولا ) : مدلول كلمة الخوارج :

• يطلق بعض المؤرخين كلمة الخوارج " على أولئك الذين اعتزلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عندما قبل التحكيم ورضي به , لأنهم في نظر هؤلاء نقضوا بيعة في أعناقهم , وخرجوا من إمامة مشروعة " .
• ويطلقها فريق من المتكلمين في أصول العقائد والديانات " وهم يقصدون بها الخروج من الدين , استنادا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : أن ناسا من أمي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية . وورد حديث بروايات متعددة وألفاظ مختلفة " .
• أما الفريق الثالث " فيطلقها ويقصد بها الجهاد في سبيل الله , استنادا لقوله تعالى :
( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله , ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ).

ثانيا ) الثورات في فجر الإسلام :

لكي نوضح موقف هؤلاء القوم ـ الخوارج ـ يجب أن نستعرض حركة الثورات منذ فجر الإسلام ونضع صورته الواضحة بين أيدينا لتصح المقارنة ويكون الاستنتاج أقرب إلى الحق , وأدنى إلى الدقة .
• بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايع الناس أبي بكر الصديق رضي الله عته , وبعد البيعة مباشرة وقعت أول ثورة في الإسلام " هي حركة المرتدين " .
• واستقرت الأمور بعد الانتهاء من الثورة الأولى طيلة خلافة أبي بكر وعمر , وتولى عثمان الخلافة , فسارت الأمور ست سنوات كاملة سيرتها في زمن الخليفتين السابقين , فقد أصبح نقد أعمال الخليفة يجري في كثير من المجتمعات ولم تتم ست سنوات أخرى حتى كانت الثورة الجامحة التي ذهبت بحياة عثمان بين سمع ويصر كثير من الصحابة وكانت هذه الثورة الثانية .
• وبايع المسلمون عليا بن أبي طالب أميرا للمؤمنين , وكان أول من بايع : طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام , ولكن ما كادت تتم البيعة حتى كان طلحة والزبير يحملان لواء الثورة مع جماعة من كبار الصحابة وقد استظهروا بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها , فذهب فيمن ذهب وكانت هذه الثورة الثالثة في الإسلام .
• أما معاوية أظهر أنه يطالب بدم عثمان , وجهز علي بن أبي طالب جيشه القوي , وسار به نحو الشام حيث التقى بالجند الثائر في الموضع المعروف صفين وبدأت المعركة ولم يبق للقضاء على هذه الثورة الجامحة إلا لحظات , والتجأ الثائرون إلى الحيلة والخدعة ولجأوا إلى المكر والمكيدة , فرفعوا المصاحف وهم يصيحون يا أهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله وكانت هذه الثورة الرابعة .
• طلب الثائرون هدنة , ودعوا الخليفة الشرعي وجيشه إلى تحكيم حكمين . وقد فطن أمير المؤمنين وبعض من جيشه إلى هذه الخدعة , وعرفوا القصد من الهدنة , ورضي بالتحكيم وقبل الهدنة وأمر بإيقاف القتال في الحال . حين فعل ذلك , تداعى أولئك الذين لم يرتضوا التحكيم , وحذروا عليا قبوله , وهم يرون أن معاوية باغ لا حق له , وأن بيعة علي قد انفسخت بموافقته على الهدنة ورضائه بالتحكيم , فلم تبق لأحد في أعناقهم بيعة , وركنوا إلى موقع يسمى حروراء فانعزلوا فيه ينتظرون تجدد الحوادث وهذا الانعزال عن جيش علي الثورة الخامسة .
• وبعد إعلان أبو موسى الأشعري مندوب علي : عزل علي من الخلافة وترك الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤون .
وبهذه الخطوة أصبحت الأمة الإسلامية منقسمة إلى ثلاث دول :
1) دولة يرأسها معاوية وإن لم يبايعه عليها أحد إلى ذلك الحين .
2) دولة يرأسها علي بن أبي طالب بعد أن فشلت في نظره حكومة الحكمين , وعاد فاستمسك بالبيعة الأولى دون أن يعترف بعزل أبي موسى الأشعري له مندوبه في قضية التحكيم .
3) دولة يرأسها عبدالله بن وهب الراسبي , بعد أن بايعه جمع كبير من الذين انفصلوا عن علي عند قبول التحكيم ثم عند إعلان الحكم بعزل علي عن الخلافة , ومع كل فرقة من هذه الفرق جمع غير قليل من كبار الصحابة , وفيهم بعض المشهود لهم بالجنة أمثال حرقوص بن زهير السعدي .

ثالثا ) : المدلول البعيد لكلمة الخوارج :

إن عددا من الثورات وقع منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى انتهاء خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأي هذه الثورات يحق أن يطلق على القائمين بها لقب الخوارج مع ملاحظة الخروج عن الخلافة الشرعية والمروق عن الدين ؟
أقسم هذه الثورات إلى ثلاثة أقسام :
• القسم الأول : ثورة ليس لها تعليل ولا أسباب غير عدم تمكن الإسلام في قلوب القائمين بها , وعدم إيمانهم الإيمان الصحيح بتكامل الرسالة المحمدية , ويتجلى هذا في الثورة الأولى " التي ارتد فيها فريق , وامتنع فريق آخر عن أداء الزكاة " .
• القسم الثاني : ليس لها أسباب ظاهرة معقولة أما أسبابها الحقيقية الخفية , فهي النزاع على مناصب الدولة , من خلافة أو عمالة , ويتمثل في الثورة الثالثة التي قام بها طلحة والزبير رضي الله عنهم وفي الثورة الرابعة التي قام بها معاوية .
• القسم الثالث : ثورة أسندت إلى أسباب ظاهرة يتراءى للناظر أنها معقولة , وتمثل ذلك في الثورة الثانية التي قتل بها عثمان رضي الله عنه , وفي الثورة الخامسة التي اعتزل فيها جماعة من جيش علي بعد التحكيم , وعزل أبي موسى الأشعري له .


رابعا ) : المدلول السياسي لكلمة الخوارج :

لو كان لمقصود من كلمة الخوارج , هو الخروج السياسي عن خليفة تمت له البيعة الشرعية , لكان إطلاق هذه الكلمة على طلحة أو على معاوية وأتباعه , أو على الثائرين على عثمان أظهر وأوضح .
أما إذا لوحظ المعنى السياسي مع المعنى الديني فإنه لا يمكن إطلاق هذه الكلمة عليهم , كما أنه من العسير إطلاقها على المعتزلين لعلي رضي الله عنه .
والسبب في هذا العسر أن هؤلاء الثائرين سواء كانوا من القسم الثاني أو من القسم الثالث إنما ثاروا غير منكرين لأصل من أصول الإسلام , ولا مكذبين بمعلوم من الدين بالضرورة , ومع كل طائفة منهم فريق من كبار الصحابة , فيهم بعض المشهود لهم بالجنة .
الفصل الثالث : الخوارج في نظر الإباضية .

يقول العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني :
وزلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حين تأولوا قول الله في ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) . فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها . وأما المارقة فقد زعموا أن من عصى الله تعالى ولو في صغير من الذنوب أو كبير أشرك بالله العظيم , وتأولوا قول الله عز وجل ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) .
فقضوا بالاسم على جميع من عصى الله عز وجل أنه مشرك , وعقبوا بالأحكام , فاستحلوا قتل الرجال , وأخذ الأموال والسبي للعيال , فحسبهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن ناسا من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فتنظر في النصل فلا ترى شيئا , وتنظر في القدح فلا ترى شيئا , وتتمارى في الفوق ) .
فليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أشبه شئ بهذه الرواية منهم , لأنهم عكسوا الشريعة , قلبوها ظهر البطن , وبدلوا الأسماء والأحكام , لأن المسلمين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يعصون ولا تجري عليهم أحكام المشركين , فليت شعري فيمن نزلت الحدود في المسلمين أو في المشركين ؟ فأبطلوا الرجم والجلد والقطع . كأنهم ليسوا من أمة أحمد عليه الصلاة والسلام . انتهى

يرى الإباضية أن إطلاق كلمة الخوارج على فرقة من فرق الإسلام لا يلاحظ فيه المعنى السياسي والثوري , سواء كانت هذه الثورة لأسباب شرعية عندهم أو أسباب غير شرعية , ولذلك فهم لم يطلقوا هذه الكلمة على قتلة عثمان , ولا على طلحة وابن الزبير وأتباعهما , ولا على معاوية وجيشه , ولا عل ابن فندين والذين أنكروا معه إمامة عبد الوهاب الرستمي وإنما كل ما يلاحظونه إنما هو المعنى الديني الذي يتضمنه حديث المروق والخروج عن الإسلام يكون :
إما بإنكار الثابت القطعي من أحكامه .
أو بالعمل بما يخالف المقطوع به من نصوص أحكام الإسلام ديانة , فيكون هذا العمل في قوة الإنكار والرد .
وأقرب الفرق الإسلامية إلى هذا هم الأزارقة ومن ذهب من مذهبهم ممن يستحل دماء المسلمين وأموالهم , وسبى نسائهم وأطفالهم .

تحليل النصوص :

• إن النصوص التي كتبها علي يحي معمر حول موضوع الخوارج والإباضية , قد تميزت بالعمق الفكري والمنهجية العلمية , فلقد اعتمد فيها على التالي :
1) الاستقراء .
2) القياس التاريخي شارحا ومبينا وناقدا , مدلول كلمة الخوارج من حيث مضمونها الديني والسياسي , وتطورها التاريخي مستعينا في ذلك بالوقائع التاريخية وحقائقها , من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ظهور الثورة الخامسة التي رفضت مؤامرة التحكيم .

فتوصل إلى النتيجة الحتمية التي تفرض بداهتها على كل منصف وباحث نزيه يريد الحقيقة العلمية , أن مدلول كلمة الخوارج لا تنطبق على أنصار الثورة الخامسة سواء من الجانب الديني أو السياسي , وهذا الاستنتاج شبيه بالاستنتاج الرياضي التي تلزم فيه النتائج عن المبادئ العقلية اضطرارا بالضرورة وإلا وقعنا في تناقض .
وهذا الاستدلال المنطقي واقع على الحدس العقلي الواضح الذي لا يمكن أن يغلط فيه الإنسان كمبادئ العقل التي تفرض نفسها فرضا . وإذا رفضناها وقعنا في تناقض مع قوانين المنطق وحقائق التاريخ .

• أما العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني , قد جعل حدا فاصلا بين الدلالتين المتناقضتين من حيث العقيدة :
1) الحد الأول : إن الأزارقة أثبتوا وأقروا الشرك للمسلمين العصاة واستحلوا دماءهم وأموالهم وهذا الأصل عندهم يخالف أحكام الإسلام . فخرجوا على الإسلام فهو خروج بالعقيدة والعمل .
2) الحد الثاني : فهم الإباضية لا يستحلون دماء وأموال عصاة المسلمين وأن كبائرهم كالزنا وشرب الخمر , لا تخرجهم من ملة الإسلام فهم موحدون يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .

وكثيرا ما نقرأ ونسمع ما يبذله بعض المذاهب في إلصاق الإباضية بالخوارج وذلك لا لشيء إلا لقصد التشنيع عليهم وإظهارهم بالفساد والمروق من الدين بل إنهم عندما يذكرون الخوارج يقولون : " الإباضية حاليا " .
ولكن ما الذي يدل على أنه لا ينبغي وصف الإباضية بأنهم الخوارج ؟
الجواب :
1) إذا نظرنا إلى التعريفات التي أوردها أصحاب المقالات للخوارج مثل الشهرستاني والأشعري نجدها عامة تنطبق عل الكثيرين من أصحاب الفتنة وغيرهم .
2) إذا كانوا يصفون الإباضية بأنهم خوارج لتأييدهم المحكمة ويعتبرون خروج المحكمة مروق من الدين فكيف يكون خروج المحكمة عن علي ـ كرم الله وجهه ـ مروق من الدين وخروج معاوية وأتباعه ولعن علي على المنابر ليس مروقا من الدين ؟!!
3) إن اسم الخوارج يطلق على الفرق التي مرقت من الدين لحكمهم على المسلمين بأحكام المشركين...
4) إن الحجة التي يحتجون بها على إن الإباضية من الخوارج هي كون الإباضية يتفقون مع الخوارج في بعض النقاط القليلة .


فبعد هذا العرض والبيان الواضح يتبين لنا بكل جلاء أن الإباضية ليسوا من الخوارج .

الفصل الرابع : رأي المخالفين بالإباضية .


وفي هذا الفصل أقسم المخالفين إلى قسمين :
أولا ) : كتاب المقالات ( من علماء الفرق ) مع الإباضية :

1) الإباضية عند الأشعري :
يقول أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة 330 هـ في كتابه ( مقالات الإسلاميين ) صفحة 171 من الجزء الأول ما يلي :
{ ومن الخوارج الإباضية :
فالفرقة الأولى منهم يقال لهم الحفصية كان إمامهم حفص بن أبي المقدام , زعم أن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده , فمن عرف الله سبحانه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار أو عمل بجميع الخبائث من قتل النفس , واستحلال الزنى , وسائر ما حرم الله من فروج النساء , فهو كافر بريء من الشرك } .
واستمر الأشعري يذكر أمثال هذه الشنائع لهذه الفرقة ثم قال :
{ والفرقة الثانية مهم يسمون باليزيدية , كان إمامهم يزيد بن أنيسة } ثم ذكر آراء هذه الفرقة وشنائعها , ومنها { وزعم أن الله سبحانه سيبعث رسولا في العجم , وينزل عليه كتابا من السماء يكتب في السماء وينزل عليه جملة واحدة } ويقول بعد أسطر : { وتولى ـ أبي يزيد هذا ـ من شهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة من أهل الكتاب , وإن لم يدخلوا في دينه , ولم يعملوا بشريعته , وزعم أنهم بذلك مؤمنون } .
ثم يقول :
{ والفرقة الثالثة من الإباضية أصحاب حارث الإباضي , قالوا في القدر بقول المعتزلة , وخالفوا فيه سائر الإباضية } .
وبعد أن يذكر لهم جملة من التشنيعات يقول :
{ والفرقة الرابعة منهم , يقولون بطاعة لا يراد الله بها , على مذهب أبي الهذيل , ومعنى ذلك أن الإنسان قد يكون مطيعا لله , إذا فعل شيئا أمره الله به , وإن لم يقصد الله بذلك الفعل , ولا أراده به } .
هكذا بدا أبو الحسن الأشعري حديثه عن الإباضية , فبمجرد ما ذكرهم بدأ في تقسيمهم إلى فرق , وجعل ينسب إلى كل فرقة جملة من الآراء والأقوال .

الرد على ما ذكره الأشعري في كتابه :

(( عند الرجوع إلى كتب الإباضية التي ألفت في عصر أبي الحسن الأشعري , والتي ألفت قبله والتي ألفت بعده , فإن القارئ لن يجد فيها شيئا عن هذه الفرق , ولا عن أسمائها ولا عن آرائها ولا عن أئمتها . وخذ ما شئت من كتب السير والتراجم عند الإباضية , التي تتقصى أخبار أئمتها وعلمائها ومشائخها , فإنك لن تجد ولا إشارة عابرة إلى أولئك الأئمة الذين ذكرهم الأشعري واعتبرهم أئمة لفرق كاملة من الإباضية .
واقرأ ما شئت في كتب العقائد عند الإباضية , فإنك لن تجد ذكرا لهذه الفرق ولا لآرائها , وكل ما نستطيع أن نعتذر به عن إيراد أبي الحسن , لهذه التفاصيل أنه وقع فريسة لبعض المشنعين , فكان يتلقى مقالات الفرق عن ناس يثق بهم , ولكنهم ليسوا في المحل الذي يراه لهم ويضعهم فيه من الثقة والصدق . سواء كان نقله عنهم عن طريق الرواية والسماع , أو عن طريق القراءة والإطلاع في كتب مدونة . فهو يشير إلى أي ذلك على كل حال .
ويكفي فيما أعتقد لنفي أن يكون ما قاله الأشعري عن الإباضية صحيحا جهلهم به , وعدم ذكرهم لأي شئ منه في مراجعهم العامة والخاصة المكتوبة والمتحدثة .
وفي عصر أبي الحسن الأشعري كان الإباضية وعلماؤهم منتشرين في جميع ما يسمى اليوم بالبلاد العربية : كالحجاز والعراق والشام وجنوب الجزيرة ومصر . بل إنهم كادوا يكونون أغلب السكان في المغربين الإسلاميين الأدنى والأوسط , ويوجد لهم عدد من كبار العلماء ـ حينئذ ـ في كل الحواضر الإسلامية كمكة والمدينة والبصرة وعمان وحضرموت واليمن ومصر وبلدان الشمال الأفريقي .
ومع هذا فإن أبا حسن لم يذكر أحدا من أئمة الإباضية كجابر بن زيد وجعفر بن السماك العبدي , وأبي سفيان قنبر , وصحار العبدي وأمثالهم من أئمتهم في النصف الثاني من القرن الأول ولا ذكر شيئا من أقوالهم .
ولم يذكر أحدا من أئمتهم في النصف الأول من القرن الثاني أمثال أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة , وضمام بن السائب , وأبي نوح صالح الدهان , وغيرهم كثر من علماء النصف الثاني من القرن الثاني , وعلماء النصف الأول من القرن الثالث , وعلماء النصف الثاني من القرن الثالث وإلى عصره من علماء المذهب الإباضي .
فهو إما أنه لا يعرفهم ولا يعرف شيئا من مقالاتهم , وإما أنه يعرفهم أو يعرف بعضهم على الأقل ويعرف مقالاتهم , ولكنه لا يجد فيها شيئا يستدعي النقد والتعليق أو حتى مجرد العرض . فلم يتحدث عنهم وعن مقالاتهم لا بخير ولا بشر .
فترك الإباضية الحقيقيين برجالهم ومقالاتهم , وألقيت بين يديه مقالات وأسماء لفرق مجهولة عند الإباضية كل الجهل , وأقوالها تناقض ما عند الإباضية كل المناقضة , فزعمت المصادر التي استقى منها أن هذه الفرق والمقالات للإباضية باعتبارهم إباضية أو منهم , والإباضية منهم براء بعداء ليسوا أقرب إليها من أبي الحسن نفسه .
فكيف وقع أبو الحسن في هذا الخطأ الشنيع , مع أنه من أوائل من انتبه إلى أسباب الزيف عند كتاب المقالات ومن أوائل من شرح الطرق التي يصل منها الخطأ إلى من يكتبون عن الفرق ومقالاتها ومذاهبها , ومن أوائل من حذر من الوقوع فيها ؟!! .

3) الإباضية عند البغدادي :
يقول عبد القهار بن طاهر البغدادي المتوفى سنة 429 هـ في كتابه الفَرق بين الفِرق صفحة 103 ما يلي :
{ أجمعت الإباضية على القول بإمامة عبدالله بن إباض , وافترقت فيما بينها فرقا , يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة ـ يعنون مخالفيهم من هذه الأمة ـ براء من الشرك والإيمان . وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار , وأجازوا شهادتهم , , وحرموا دماءهم في السر واستحلوها في العلانية , وصححوا مناكحتهم والتوارث منهم , وزعموا أنهم في ذلك محاربون لله ولرسوله لا يدينون دين الحق , وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض والذي استحلوه الخيل والسلاح , فأما الذهب والفضة فإنهم يردونها على أصحابها عند الغنيمة .
ثم افترقت الإباضية فيما بينها أربع فرق وهي : الحفصية والحارثية واليزيدية , وأصحاب طاعة لا يراد الله بها } .
وغير ذلك كثير وذهب يورد الفضائح أو الشنائع حينا بدعوى أنها مقالة الإباضية جميعا وحينا آخر بدعوى أنها قول بعضهم أو قوم منهم .


الرد على ما ذكره البغدادي في كتابه :

إن البغدادي كان يعيش في القرنين الرابع والخامس , وفي هذا العصر كان الإباضية قد عرفوا في أغلب البلاد الإسلامية من خراسان إلى الأندلس واشتهرت لهم مؤلفات في أغلب فروع الثقافة الإسلامية ـ لا سيما علم الكلام ـ ودونت تواريخهم وسيرهم وعرف علماؤهم وأئمتهم في طبقات يأخذ بعضها عن بعض , إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , كما أن أكثر المذاهب الإسلامية قد تميز بعضها عن بعض في أصولها وفروعها , وآرائها ومقالاتها وأئمتها وعلمائها ,
ومع ذلك فإن أولئك الذين ذكرهم البغدادي هم أولئك الذين ذكرهم الأشعري من قبله حاشرين إياهم في الإباضية والإباضية لا يعرفون عنهم شيئا ولم يذكروهم لا في كتبهم ولا في طبقات علمائهم .

والذين جاؤوا من بعدهم قاموا يستقوا من ماء الأشعري والبغدادي القدماء منهم أو المعاصرين فكلهم أخذوا بقول الأشعري .

ثانيا ) الباحثين مع الإباضية :
1) الأصول التاريخية للفرقة الإباضية بقلم الدكتور عوض محمد خليفات , الجامعة الأردنية , عمَّان ـ الأردن :
بعد أن ذكر الدكتور في بداية حديثه تاريخ الإباضية , ومؤسسي المذهب وأماكن انتشاره ومبادئ المذهب الإباضي ذكر ما يلي :
{ وهكذا فإن جهود مشايخ الأباضية وحملة العلم وتنظيماتهم السرية الدقيقة خلال القرنين الأول والثاني الهجريين , قد أثمرت تأسيس دول إباضية مستقلة في الجزر العربية وبلاد المغرب , كان لها دورا هام ومجيد في التاريخ الإسلامي .
وفي ظل هذه الدول قام الأباضيون بجهود مشكورة في نشر الإسلام في أماكن كثيرة , وكان لهم فضل كبير في هذا الشأن في كل من أفريقية الشرقية وأفريقية السوداء جنوب الصحراء , وبعض مناطق الشرق الأقصى .
كما قام الإباضيون بجهود كبيرة في سبيل إثراء المكتبة الإسلامية بالمؤلفات الكثيرة المتنوعة التي تتناول مختلف جوانب الفكر الإسلامي . ويمكن للباحث المطلع على هذه المؤلفات أن يسجل الملاحظات التالية حول بعض الأمور التي لا تزال محل نقاش وجدل بين الباحثين والمفكرين :
1ـ أن الإباضية ليسوا خوارج كما تزعم بعض كتب المقالات والملل والنحل وكما يدعي بعض الكتاب المحدثين الذين قلدوا هذه المؤلفات دون تدقيق وتمحيص . الواقع أن الإباضية لا يجمعهم بالخوارج سوى إنكار التحكيم .
2ـ أن الإباضية حرموا قتل الموحدين واستحلال دمائهم وحرموا استعراض الناس وامتحانهم كما فعل متطرفو الخوارج مثل الأزارقة والنجدية .
3ـ أن الإباضيين ينظرون إلى الدين نظرة واحدة متكاملة لا فصل فيها بين المظاهر الروحية والمادية ولا طغيان لأحدهما على الأخرى . وتبعا لذلك فقد أنكروا التصوف ورفضوه .

4ـ إن المدقق في المصادر الفقهية الإباضية يجد أصحاب المذهب الإباضي من أكثر المسلمين إتباعا للسنة الشريفة والإقتداء بها . أما ما تلصقه بهم بعض المصادر من تهم فإنما هو ناتج أمرين : الجهل والتعصب .
5ـ إنهم وحدهم الذين طبقوا مبدأ الشورى في الحكم بعد الخليفتين أبي بكر وعمر . }

وختم الدكتور كتابه بنصيحة سأذكرها في آخر بحثي .

2) براءة الاباضية , بقلم الأستاذ فهمي هويدي , كاتب مصري , صحفي , شهير باهتماماته الإسلامية :
ذكر الأستاذ فهمي الكثير من الحقائق التي وقعت على الإباضية من تهم , ثم ذكر مؤتمر الفقه الإسلامي الذي انعقد في سلطنة عمان , ومما قال :
{ هذه عناوين هامة , أرشحها لصدارة أحداث العالم الإسلامي في سنة 1988مـ :
• دعا مؤتمر الفقه في عُمان إلى فض الاشتباك بين مختلف المذاهب الإسلامية .
• طالب ممثلوا فقهاء الأمة بتجميد صراعات القرن الأول وإغلاق ملفات الفتن والأحزان التي شهدتها تلك المرحلة .
• أوصوا بمداومة اللقاء بين فقهاء المذاهب الإسلامية بعيدا عن المنافسات المذهبية العصبية .
• حثوا أهل العلم عن دراسة المسائل المختلف عليها في فقه المذاهب الثمانية وتحقيق أدلتها والترجيح بينها , دون التزام بمذهب معين . }

3) فلسفة الخوارج , بقلم الشهيد سيد قطب , الشهاب ( المصرية ) , غرة جمادي الأولى 1367 ـ مارس 1948 :
بعد أن ذكر سيد قطب نبذة عن الخوارج , ذكر فرق الخوارج ومن ضمنها الإباضية ثم قال:
{ وقد انقرضت هذه الفرق جميعا إلا الإباضية فبقيتهم " بشمال أفريقية بالجزائر وتونس وفي شرقها بجزيرة مسقط وما إليها " ومن علمائهم الأجلاء صديقنا الشيخ إبراهيم إطفيش ولهم كتب متداولة وهم ينكرون على غيرهم أن يطلق عليهم اسم الخوارج , ويقولون نحن فئة من المسلمين لنا أرؤنا وما ذهبنا إليه مع إيماننا بالله ورسوله وكتابه فما بالكم تفردوننا بهذا الوصف وتخصونا به وهو اعتراض له وجاهته , ولئن كان لهذه التسمية ما يبروها في الماضي فما أحوجنا أن نتناساها اليوم والمسلم أخو المسلم } .

4) مسند الإمام الربيع بن حبيب , بقلم الشيخ عز الدين التنوخي , من علماء الحديث البارزين , عضو في المجلس العلمي السوري :
{ وما آثرت تخريج أحاديث المسند والشرح , ولا سيما ما رواه الشيخان إلا لتطمئن قلوب إخواني أبناء السنة بأن مسند الربيع الذي بني عليه المذهب الإباضي هو صحيح الأحاديث , وأكثرها مما جاء في الصحيحين , وجابر بن زيد ممن روى عنهم البخاري وغيره لكيلا يقع فيما وقع فيه خصوم الإباضية أو من لم يعرف حقيقة مذهبهم... } .
حتى قال : { هذا , وما كان أهل عمان أقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة إلا لأن مذهبهم كما أطلعت عليه مبني على السنة وتقديم العمل على الحديث لا على الفقه والمذهب , عملا بما جرى عليه إمامهم جابر بن زيد الذي عمل بنصيحة شيخه عبدالله بن عمر الذي روى عنه .
فقد جاء في (( الحجة البالغة )) أن ابن عمر رضي الله عنه قال لجابر بن زيد : (( إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية , فانك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت )) . ولذلك نعتقد ونقول : إن المعقول ومن القلب المقبول أن لا نهتدي إلا بقوله تعالى : (( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول )) } .

5) الإباضية مذهب وسلوك , بقلم الشيخ السيد عبد الحافظ عبد ربه , من علماء الأزهر المرموقين :
{ والإباضية دائما تهيئ المسلم بأن يكون مع الله في معاملاته وعباداته , في الجامع وفي الشارع , في الحق والمصنع , في المتجر والمعمل , في المعهد والمدرسة والجامعة ـ وحده أو مع الناس ـ في كل حركاته وسكناته... تدعوا إلى مجتمع نظيف شريف , نزيه عفيف يكره الفوضى والديماجوجية , تسوده المحبة ويظله التراحم , يمقت الغش , ويثور على الرشوة , ويجرم المحتكر , ويحاكم المتجر المتحكم في أقوات الناس وفي ضرورياتهم . الإباضية هي كل هذا وأكثر من هذا .. } .
ثم ذكر أسباب عداوة الإباضية قائلا :
{ عادوها لأنها تجهر بكلمة الحق وتنطق بالصواب ولا تحب الجهر يالسوء من القول ..
عادوها لأنها تريد أن تطبق شرع الله وتحقق المفاهيم الإسلامية الصحيحة ..
عادوها لأنها تعالج كل الأمور بموضوعية صادقة بعيدا عن التهرج والهوى ..
عادوها لأنها تعمل جاهدة على تأكيد العدل والتبشير به بقدر ما تحارب الظلم والظالمين... }
وفي آخر كتابه قال :
{ ولقد كانت الإمامة في المذهب ـ على مستوى العالم الإباضي كله من مشرقه إلى مغربه ومن شماله إلى جنوبه ـ تقوم مقام الخلافة في صدر الإسلام والعصور التالية في الإجراءات والمضمون وفي جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم , وتقوية جهاتهم الداخلية والخارجية , يصدرون عنها , ويقيسون عليها , ويعيشون في رحابها , ويمارسون من خلالها شئون الدنيا والدين...
وكان الإمام على الحقيقة هو الخليفة الراشد...
وما زالت هذه الخلافة أو الإمامة تنتقل من عصر إلى عصر بدءا بجابر بن زيد حتى ألقت بمقاليدها اليوم طائعة مختارة ـ عن طريق العلماء الأفاضل والزعماء المصلحين والأمراء النابهين من أهل الحل والربط ـ إلى الإمام الجليل والعالم الفذ , والعبقري النابغة ورجل المواقف والمكرمات غالب بن علي بن هلال الهنائي , الذي حورب واضطهد , وضيق عليه , وامتحن إلا أنه صبر وصابر , ورابط وثابر في سبيل عقيدته , ومن أجل دعوته وإمامته , شد الله أزره وقوى ظهره...


الفصل الخامس : الفرق بين الإباضية والخوارج في العقائد .


الخوارج :
(1) اعتبروا أنفسهم المسلمين المؤمنين المستخلفين في الأرض واعتبروا أعدائهم مشركين .
(2) أباحوا دماء المسلمين في السر والعلانية .

الإباضية :
قال أبو حمزة الشاري : " الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة : مشركا بالله عابد وثن , أو كافرا من أهل الكتاب , أو متسلطا في الأرض يحكم في عباد الله بغير ما أنزل الله "
وقال الإمام نور الدين السالمي :
ونحن لا نطالب العبادا فوق شهادتيهم اعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا إخواننا وبالحقوق قمنا

الخوارج :
(3) يقولون : ما كف أحد عن القتال منذ أنزل الله البسط إلا هو كافر , يعني يكفرون القاعد عن القتال .

الإباضية :
يعتمدون على الدعوة والإقناع ولا يلجئون إلى العنف , وأدل شيء على ذلك طريقة الكتمان والدعوة السرية مثل ما فعل أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وجابر بن زيد الأزدي رغم إنكارهم الشديد على حكام الدولة الأموية لسلوكها المنحرف عن الكتاب والسنة .
وطريقة الكتمان باللحوء إلى الدعوة السرية ليست مخصصة بوقت بل هي طريقه يتبعها الإباضية عندما يظهر أعداء الإسلام ولم يكن لهم القدرة لمقاومتهم حتى يستطيعون ذلك وذلك عندما يكونوا نصف عدوهم .

الخوارج :
(4) إن صاحب الكبيرة مشرك , ويقول بعضهم إن الإصرار على الصغيرة شرك وعدم الإصرار ولو على كبيرة ليس شرك .

الإباضية :
لا يقولون بذلك , لكنهم يسمون العاصي كافر نعمة بمعنى انه استخدم شيئا من نعم الله في معصية الله وهذا يسمى كفر دون كفر وله أدلة كثيرة .


الخوارج :
(5) أوجدوا مبدأ امتحان لكل من يلتحق بهم ليتأكدوا من مطابقة آرئه لآرائهم وعقائدهم .

الإباضية :
لا يوجد لديهم مثل هذا المبدأ ويعتبرون جميع المسلمين متساوين في الحقوق فلا يمتحنوا أحدا لهذا الغرض ولا يتجسسوا عليه لأن التجسس عندهم حرام حتى على الكافر إلا في حالات شرعها الإسلام .

الخوارج :
(6) يعتقدون أنه يجوز أن يبعث الله نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته وأنه كان كافرا قبل بعثته.

الإباضية :
يقولون بعصمة الأنبياء , يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
وواجب عليك أن تعرف ما يجوز للرسل وما قد لزما
وما استحال عنهم فاللازم في حقهم نعتا هي المكارم
كالصدق والتبليغ والأمانة والعقل والضبط وكالفطانة
والمستحيل ضدها كالكذب وكالجنون وارتكاب الريب

الخوارج :
(7) يستحلون دماء أهل العهد والذمة وأموالهم ويستحلون دماء من يعيشون في كنفهم من المسلمين .

الإباضية :
يقول الإمام السالمي رحمه الله :
ويرفع الحرب لجزية أتت منهم وفي المجوس حكمهم ثبت

الخوارج :
(8) تولوا أصحاب الحدود والجنايات منهم .

الإباضية :
يقول الإمام السالمي رحمه الله :
ولاية المؤمن فرض حققا وهكذا براءة الذ فسقا

الخوارج :
(9) قالوا : لعل الله يعذب المؤمنين بذنوبهم بغير النار ثم يدخلهم الجنة .

الإباضية :
:يقول الشيخ أبي طاهر الجيطالي في كتابه القواعد : مما يجب اعتقاده على كل مكلف أن يعلم إن لله ثوابا لا يشبهه ثواب وثوابه الجنة وهي ثواب الله لأوليائه في الآخرة .
الخوارج :
(10) أجمعت النجدات من الخوارج أن لا حاجة للناس إلى إمام وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي في غاية المراد :
إن الإمامة فرض حينما وجبت شروطهما لا تكن عن شرطهما غفلا

الخوارج :
(11) يقول بعضهم : الفعل من العبد خلق وإبداع لأن الله تعالى فوضها للعباد .

الإباضية :
يقولون :
ومن يقل إلهنا لم يخلق أفعالنا بعدا له من أحمق
لقوله لكل شيء خالق سبحانه الرب المليك الرازق
لو كان خالق سواه لزما تعدد الإله قطعا حتما
ولو تعدد الإله لظهر فساد هذا العالم الذي بهر
لكن لنا في فعلنا اكتساب به الثواب وبه العقاب
من ثم قد نيل به على الرتب إلا النبوات فليس تكتسب

الخوارج :
(12) يقول بعض الخوارج : القدر خيره وشره من العبد .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله : " وما يجب الإيمان به قضاء الله وقدره لأنهما أصلان من أصول الدين وركنان من الإيمان " .

الخوارج :
(13) من أقام في دار كفر فهو كافر لا يسعه إلا الخروج .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
وبعد ما فحت أم القرى نسخت ما كان من هجرة مفروضها اتصلا

فلا تجب الهجرة حتى من دار الكفر إلا إذا منع عليه إقامة الدين وتعذر عليه ذلك .


الخوارج :
(14) يقول بعض الخوارج : تجب البراءة من الطفل حتى يدعي إلى الإسلام ويجب دعاؤه إذا بلغ .

الإباضية :
قال القطب : " تجب ولاية غير البالغ لأنه تعالى يمن بالرحمة ولا يظلم بالعذاب , ولأن كل مولود يولد على الفطرة " .

الخوارج :
(15) أباحوا أموال المسلمين واعتبروها حلالا في السر والعلانية .

الإباضية :
فقد أطبقت كتبهم على أنه لا يحل شيء من أموال المسلمين وإن كانوا بغاة ولو في حالة قتال .
وهذا ما يقوله الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
ومال أهل البغي لا يحل وإن يكن قوم له استحلوا

ثم ذكر الذين استحلوا أموال المسلمين بقوله :
خوارج ضلت فصارت مارقة من دينها صفرية أزارقة
فحكموا بحكم المشركينا جهلا على بغاة المسلمينا

الخوارج :
(16) منهم من قال إن التقية جائزة ولو في قتل النفس .

الإباضية :
لم تجز تقية بالفعل كالحرق والغرق ومثل القتل
لكن جواز ما أبيح للضرر كالأكل للميتة والدم اشتهر

الخوارج :
(17) ينكر بعض الخوارج سورة يوسف من القرآن ويقولون أنها قصة من القصص.

الإباضية :
يعرفون القرآن " أنه كلام الله ووحيه وتنزيله نزل به الروح الأمين على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المبدوء بسورة الفاتحة والمنتهي بسورة الناس " .


الخوارج :
(18) قالت الشيبانية من الثعالبة أن الله لم يعلم حتى خلق لنفسه علما , والأشياء تصير معلومة له عند حدوثها ووجودها .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
فهو عليم لا بعلم جلبا وهو سميع لا بسمع ركبا

الخوارج :
(19) بعض الخوارج أسقط الحدود التي لم ترد في القرآن مثل رجم الزاني وحد قذف المحصنين من الرجال مع وجوبه على المحصنات من النساء .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي عن الرجم : وهو سنة مجمع عليها وحكي عن الخوارج والنظام وأصحابه من المعتزلة إنكاره , ولا مستند لهم إلا أنه لم يذكر في القرآن وهذا باطل فقد ثبت بالسنة المتواترة .

الخوارج :
(20) يقول بعض الخوارج إن الله علي عزيز عظيم جليل كبير لا لعزة وعظمة وجلال وكبرياء وكذلك سائر الصفا ت التي ليست له ولم يوصف بها لمعان .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
نعبده جل امتثال أمره سبحانه ونهيه وزجره
فإن يشأ يرحمنا بفضله وإن يشأ عذبنا بعدله
فالملك والعزة والسلطان له كذا القدرة والبرهان

الخوارج :
(21) أباحوا قتل الأطفال ممن لم يكونوا في معسكرهم واعتبروهم خالدين في النار .

الإباضية :
يقول الإمام الشاري إبراهيم بن قيس الحضرمي مخاطبا جيشه :
ولا تقتلوا طفلا وشيخا وغادة ومن كان مجروحا من البتر جاثما


الخوارج :
(22) قال البدعية نقطع أن من اعتقد اعتقادنا فهو في الجنة ولا نقول إن شاء الله فإن ذلك شك في الاعتقاد فنحن من أهل الجنة قطعا من غير شك .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
فإن يشأ يرحمنا بفضله وإن يشأ عذبنا بعدله

الخوارج :
(23) الإيمان العلم بالقلب دون القول والعمل .

الإباضية :
يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله :
إيماننا القول والتصديق مع عمل فالقول مر فصدقه وكن عملا .

الآن عرف القارئ الكريم الفرق بين الإباضية والخوارج في العقائد وما اتفقنا مع الخوارج إلا في قضية التحكيم أما عدا ذلك فنحن معشر الإباضية لا نتبع الهوى وإنما نتبع القرآن والسنة والحمد لله نحن ماضون على سيرتهم .


الفصل السادس : ملخص البحث .

قال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في الحق الدامغ :
{ ولست أبالغ إن قلت إن الإباضية ـ أهل الحق والاستقامة ـ تمتاز عقيدتهم وتتسم طريقتهم في فهم أصول الدين بثلاثة أمور :
1ـ سلامة المنزع , فإنهم جمعوا في الاستدلال على صحة معتقداتهم بين الصحيح النقل وصريح العقل , فلم يضربوا بالنصوص الصحيحة عرض الحائط بمجرد تعارضها مع مقتضيات العقل بادي الرأي كما هو شأن أصحاب المدرسة العقلية الذين جعلوا العقل أسمى وأقدس , وأصح وأثبت مما جاء به النبيون عن الله عز وجل , فعولوا عليه في التحسين والتقبيح , والتعليل والحكم , كما أنهم لم يطفئوا شعلة العقل مستأسرين لظواهر الألفاظ الذين لا يأخذون من النص إلا قشوره , لا يتجاوزون شكله إلى جوهره ,,, .

2ـ عدم التعصب لأئمتهم تعصبا يجعلهم يتصاممون عن النقول الصحيحة , ويتعامون عن العقول الصريحة , كما نجد ذلك عن كثير من المتفقهة والمتكلمين , ومن أبشع ما وجدناه في ذلك قول العلامة الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين : ( ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية , فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل , وربما أداه ذلك للكفر , لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر ) .
فقد باين الإباضية هذا المسلك الضيق فقها وعقيدة إلى فسيح النظرة الشمولية للأمة , ولم يسوغ لأنفسهم أن يرفعوا كلام أحد من ائمتهم إلى درجة كلام الله وكلام رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام وإن بلغ في العلم والورع ما بلغ ,,, .

3ـ المرونة والتسامح في معاملة سائر فرق الأمة وإن بلغ الخلاف بينهم وبينهم ما بلغ , إذ لم يتجرأوا قط على إخراج أحد من الملة وقطع صلته بهذه الأمة ما دام يدين بالشهادتين ولا ينكر شيئا مما علم من الدين بالضرورة بغير تأويل ,,, . }

(( والمتأمل في منهج الإباضية الفقهي يجد أنهم يجمعون في فقههم بين أهل الحديث والرأي , بل هم إلى أهل الحديث أقرب , فالاستنباط عندهم يؤخذ من الكتاب والسنة والإجماع , فإذا عرض حادثة لم يرد في شأنها نص في هذه الأدلة الثلاثة أجروها على القياس , فإن لم تتوفر العلة أجروها على الاستدلال : وهو الاستحسان والاستصحاب , والإلهام )) .

إذن هذا المذهب ليس مستحدثا وإنما نشأ متأصلا على القواعد الصحيحة مدعما بالأصول الواضحة الثابتة , فبالنظر والتتبع لا يوجد في عقيدته ولا في فقهه ما يخالف الكتاب والسنة ولا عموم الأصول التي اتفق عليها المسلمون جميعا .

الفصل السابع : مصادر الإباضية .

أولا : مصادر الإباضية :
وفي ختام هذا البحث , يمكن أن أشير إلى بعض المصادر الإباضية ذاتها التي عالجت الفكر الإباضي , وبينت عقائده , ووضحت حقيقة آراءه , الدينية , والاجتماعية , والسياسية فمن يريد المزيد , والتثبيت والمقارنة بين المدرسة الإباضية , والمدارس الفكرية الأخرى , ليستخرج الأصول المتفقة والأصول المختلفة , ليتأكد عما قلناه في عن الإباضية :

المصدر صاحبه

1) الموجز , أبو عمار عبدالكافي الإباضي
2) كتاب السير , أبو العباس الشماخي
3) طبقات المشائخ , أبو العباس الدرجيني
4) قواعد الإسلام , أبو طاهر الجيطالي
5) الدليل والبرهان , أبو يعقوب الورجلاني
6) عقيدة التوحيد , عمرو بن جميع
7) شرح صحيح الربيع بن حبيب , نور الدين السالمي
8) طلعة الشمس , نور الدين السالمي
9) مشارق أنوار العقول , نور الدين السالمي
10) تيسير التفسير , قطب الأئمة محمد أطفيش
11) شرح النيل , قطب الأئمة محمد أطفيش
12) شامل الأصل والفرع , قطب الأئمة محمد أطفيش
13) الذهب الخالص , قطب الأئمة محمد أطفيش
14) الإباضية في موكب التاريخ , علي يحي معمر
15) الإباضية بين الفرق , علي يحي معمر


وهدفنا الوحيد منة ذلك هو أننا نريد أن نبدد المفاهيم الخاطئة , ونوضح حقيقة آراء الإباضية كما جاءت في مصادرهم لا زيادة فيها ولا نقصان , وإن الأمانة العلمية تفرض علينا أن نبين الأخطاء التي وقع فيها بعض الكتاب المسلمين والمستشرقين بعيدين عن التحيز والذاتية , ونتقيد بالروح العلمية التي تحاول تمحيص الوقائع وتقتضي نزاهة هي ألزم لوازم روح البحث العلمي كما هو معلوم عند الدارسين جميعا .

الخاتمة :

قيل عن الإباضية :

* " وكل من يتهم الإباضية بالزيغ والضلال , فهو ممن فرقوا دينهم , وكانوا شيعا , ومن الظالمين الجهال , جمع الله ما فرقوا ورتق ما فتقوا , ومزق شمل أعوان المستعمرين , والله محيط بالكافرين " .
خلاصة الرسائل في ترتيب المسائل طبعة 1356هـ
عضو المجمع العلمي العربي
عز الدين التنوخي

* " وإذا كان الأباضيون أصحاب أمجاد في الماضي , فلا زالوا كذاك في عصرنا الحاضر " .
إسلام بلا مذاهب
مصطفى الشكعة

* " ومن كل هذا يتبين . اعتدالهم وإنصافهم لمخالفيهم " .
كتاب المذاهب المذاهب الإسلامية
محمد أحمد أبو زهرة

* " قول ابن أباض أقرب الأقاويل إلى السنة " .
الكامل
المبرد

* " ورجال الإباضية يضرب بهم المثل في التقوى والصلاح والزهد "
تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الأفريقية
يحي هويدي

هذا ما وفقني به ربي لأكتبه وكلما كتبت في موضوع رأيت موضوع متعلق به وذو أهمية مثله وما كتبت سوى مقدمة سريعة وبسيطة عن مذهب أتهم في سيرته وأتهم في أصوله وفي تسميته وقد تركت الكثير من المواضيع والكثير من الردود والكثير من القضايا لم أطرحها لأنها بعيدة عن موضوع بحثي هذا .

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد بن عبدالله الرسول الأمين وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين .


المراجع :

1) الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث , علي يحي معمر , دار الحكمة , لندن ـ بريطانيا , الطبعة الرابعة , 1422هـ ـ 2001مـ .
2) الإباضية في ميدان الحق , ناصر بن مطر بن سعيد المسقري , مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية , الرستاق ـ سلطنة عمان ,الطبعة الأولى , 1420هـ ـ 1999مـ .
3) دراسات إسلامية في الأصول الإباضية , بكير بن سعيد أعوشت , الطبعة الثالثة .
4) مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية , محمد صالح ناصر , الحلقة الأولى , الطبعة الأولى , 1413هـ ـ 1992.
5) مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية , محمد صالح ناصر , الحلقة الثانية , الطبعة الأولى , 1413هـ ـ 1992

الإسلام وتوحيده للشعوب

الدين الإسلامي العظيم ومزجه وتوحيده بين الشعوب

إنه ولو لم تتغلب الدماء البربرية على الدماء الفارسية في العائلة الرستمية، فان الدين الواحد، وهو الدين الإسلامي العظيم الذي تتمسك به العائلة الرستمية كل التمس، ويتمسك به البربر تمسكها ليجعلهم شيئا واحدا في الأخلاق والاتجاه، فيمتزجون امتزاج النور بالنور، ويصيرون عنصرا واحدا لا فرق بينهم في شيءإن الاختلاف إنما يكون بين العائلة الرستمية والبربر لو انتقلت إلى المغرب في القرن الأول قبل أن يؤثر الدين الإسلامي تأثيره البالغ في شخصية البربر، وفي شخصية الفرس. أما في القرن الثاني سيما في آخره فقد جعل الدين الإسلامي كل المتمسكين له متماثلين في الأخلاق، وصيرهم امة واحدة هي امة محمد عليه السلام، وشعبا واحدا لا فرق بينهم في الاتجاه والعقيدة التي تفرق بين الناس انه لأثر الدين الإسلامي العظيم في المزج بين مسلمين وجعلهم نفسا واحدة ذات طباع واتجاه واحد، قال الله سبحانه للمسلمين " إن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" فحكم بأننا امة واحدة –معشر المسلمين- وإن اختلفت دماؤنا وأقطارنا.

كان البربر وهو جمهور الدولة الرستمية واغلب سكان المغرب في ذلك الزمان يرون العائلة الرستمية جزءا أصيلا منهم لما قررنا في الوراثة والدماء، والدين الإسلامي الذي تتمسك به الدولة الرستمية كل التمسك. فهو قانونها المقدس. إنه دين يحرم التعصب للعرق، والتحيز للنسب، ويأمر بالاعتداد في الناس بالتقوى والتمسك بالدين الذي يجعل المؤمنين إخوة بصبغهم بصبغة واحدة هي الراسخة والبارزة في المرء أكثر من صيغة الوراثة الخاصة.

كانت الدولة الرستمية تتمسك بالدين كل التمسك. وكانت حربا على العصبية المذهبية وللعرف. وما ثار أهلها على الأمويين والعباسيين وخلعوهم ورموهم كالجورب المتهري إلا لظلمهم، وأنانيتهم، وتعصبهم لأنفسهم وعروقهم.

إن الدولة الرستمية قد فتحت أبوابها لكل المسلمين من كل أنحاء العالم الإسلامي، ومزجتهم بها، ورأتهم جزءا منها، لا فرق عندهم بين عربي وبربري وأعجمي. فالكل مسلمون. وهم امة محمد عليه السلام، والله قد جعلهم للبربر إخوة فقال: "إنما المؤمنون إخوة".

هذه هي نظرة الدولة الرستمية لمن يحل فيها من الأجناس المسلمة التي تهاجر إليهم كالسودان والعجم الآخرين الذين قد لا يصاهرونهم. أما العائلة الرستمية فإنهم يرنها في جسمهم رأسا، وفي وجههم الجميل العين الكحيلة. فكيف -لعمري- يقول الشيخ مبارك ألميلي في كتابة تاريخ الجزائر: إن العائلة الرستمية أجنبية في الدولة الرستمية، وإن الفتن الواقعة في عهودها المختلفة سببها عدم ثقة الحكومة بالأمة لأنها أجنبية.

قال الشيخ مبارك ألميلي: "أما الحالة الداخلية في الدولة الرستمية فالحرب فيها اغلب من السلم ! ذلك أن الحكومة لم تتمكن من بسطك نفوذها في المملكة على ضيف رقعتها ! فالقبائل مستقلة تحت أمراء منهم. وليس ثم من وحدة سياسية ولا دينية ! والحكومة أجنبية لا ثقة لها بالأمة ! وتتساهل لذلك في اتهامهم بالانتزاء عليها ! فنشأت الفتن من ضعف الحكومة وسوء ظنها بالأمة"(1).

إن هذه الأحكام كلها خاطئة. وارى أن الشيخ مبارك رحمه الله قد نقلها من بعض الأوروبيين المتعصبين الذين ينظرون بحقد متأجج إلى تاريخنا الإسلامي المغربي، فيصورونه لأبنائنا اسود وهو ابيض ! إننا نكبر في الشيخ مبارك دينه ورسوخه في العلم. ومع هذا يحشر لنا في كتابه هذه الأحكام التي لا يقولها إنسان يعرف عظمة الدين الإسلامي وكزجه بين الأجناس المختلفة فتكون امة واحدة، وأسرة واحدة ممتزجة كل الامتزاج. 

إن الحكومة إنما تكون أجنبية في الدول الملكية المطلقة التي يستولي فيها الملوك على الرئاسة بحد السيف، ويخضعون الأمة لهم بقوة الجيوش الجرارة، ويرغمونها على الخضوع لهم بالرغبة الرهبة. فتشعر الأمة والرعية بأولئك الملوك المستبدين المغتصبين لرئاستها صخورا ثقيلة على كواهلهم، وشيئا أجنبيا ينبت في أجسامهم فيورثهم الآلام. فتسوء ظنون الملوك بالرعية فلا يثقون بها لما يشعرون به من كرهها لهم. أما الدولة الرستمية فان الرعية كلها هي التي تختار في حرية تامة أئمة الدولة ورؤساءها، وتقدمهم إلى الرئاسة لحبها لهم، وثقتها التامة فيهم، وتلح عليهم أن يقبلوا الرئاسة وهم يهربون من الرئاسة. فإذا قبلوا رئاستها أسرعت كل الطوائف إليهم وكل الطبقات فبايعتهم بقلوبها وأيديها، ورأتهم الرءوس الصحيحة على أعناقها، ونظرت إليهم بنظرة الطفل إلى ثدي أمه، يراه سبب حياته وقوته لا نتوءا زائدا في صدرها؛ وأحبتهم، وأطاعتهم، والتقت حولهم التفاف الشغاف على القلب، والأم الحنون على الدماغ. تقيهم وتقي الدولة معهم من كل سوء، وتقضي على فتن المتمردين، ودسائس الدساسين.

إن الأئمة الرستميين لم يعدوا أنفسهم أجانب في الدولة، وكذلك الدولة لا تراهم أجانب فيها. ولا نجد زوبعة واحدة مما وقع ي الدولة الرستمية سببها سوء الظن من الأئمة أو من الرعية كما قرر الشيخ مبارك في أحكامه الخاطئة على الدولة الرستمية.

إن الفتن القليلة التي وقعت في الدولة سببها ما ذكرنا. إن السبب الأكبر فيها سيما ما وقع في عهد الإمام أبي بكر عهد الإمام أبي حاتم هو دسائس الملكيين المتعصبين الذين يكرهون الإمامة الإسلامية، ويتخذون كل وسيلة وينفخون في كل رماد لإضعافها بالفتن، والقضاء عليها.

إن الذين ثاروا في هذه العهود إنما هم سكان العاصمة، وهم خليط من شعوب ونحل شتى. كان الكثير منهم إما عامي يسيطر عليه دعاة الفتنة، أو من جواسيس الملكيين الذين بثوا في العاصمة ليكيدوا للدولة. أما القبائل البربرية، وهم جمهور الرعية، والأغلبية الكبرى في الدولة، وهم لحمتها وسداها وعمادها، فقد التفوا حول الأئمة في تلك الفتن الملكية فاستطاعوا إطفاءها.

وكانت الدولة الرستمية دولة جمهورية عادلة ديمقراطية تقوم على الإمام الإسلامية. 

وكان صدرها يفيض بالإخاء لكل المسلمين. وكانت كالمسجد تفتح أبوابها وترحب بكل الأطهار، وتجتمع فيها كل الطوائف الإسلامية، وهم بالوداد والاحترام الذي تفيض صدورهم كالألوان المختلفة في الزرابي الجميلة، والزهور المتنوعة في الخمائل البديعة، يزين بعضها بعضها ، ويظهر كل لون ما في صاحبه من الروعة والحسن والجلال، ويكون كل منه للآخر –وإن خالفه في المذهب أو الجنس- كالوجوه البيضاء التي تشب وتبرز جمال وسحر وبهاء ما فيها من عيون سوداء !

كانت الدولة الرستمية على هذا الصفاء الذي يملؤها به الدين تتمسك به، وعلى هذه الإخوة الإسلامية الكاملة. وكان الإمام افلح مثال العدل وحسن السياسة. فبلغت الدولة في عهده نضوجها الكامل، ودخلت في كهولتها. واستقرت استقرار الكهل السعيد الذي يورثه الرزانة والهدوء نضوجه وتحقق آماله في الحياة.

....................................

(1)  السير للشماخي ص 203 ط البارونية

تاريخ الجزائر للشيخ مبارك ألميلي ج 2 ص 33 ط أولى بالجزائر.

تاريخ المغرب الكبير الجزء الثالث ص 465-469

الإصرار ومفهوم الإحباط

الإصرار على العمل الفاسد يكون سببا لإحباط العمل الصالح

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حق حمده سبحانه له الحمد كله وله الأمر كله أحمده بما هو أهل له من الحمد وأثني عليه وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه وأومن به وأتوكل عليه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا وداعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا فبلغ رسالة ربه وأدى أمانته ونصح هذه الأمة وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :

فلا ريب أننا نؤمن جميعا أن رحمة الله تعالى واسعة وأنه عز وجل سبقت رحمته غضبه ولكن لمن هذه الرحمة فقد قال سبحانه "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون" أخبر الله سبحانه وتعالى أن هذه الرحمة إنما هي للمتقين ومن هؤلاء المتقون ؟

المتقون وصفهم القران وصفا دقيقا عجيبا عندما ذكر الله سبحانه وتعالى البر وأركانه الاعتقادية والعملية والخلقية ثم أتبع بعد ذلك قوله أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون فهذا يعني البر إذ أن الله يقول قبل هذه الخاتمة "البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتمى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصبرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" وقبل هذه الآية في نفس هذه السورة التي جاءت فيها وهي سورة البقرة يصف الله تعالى المتقين بقوله "الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقنهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون".

كذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يصف المتقين في سورة آل عمران عندما قال "قل أؤنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا عند ربهم جنت تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار" فمعنى ذلك أنهم توابون يقولون ربنا اغفر لنا ذنوبنا يعترفون بذنوبهم ويتوبون إلى الله سبحانه وتعالى منها ثم يصفهم بقوله "الصابرين" هذا الوصف يدل على أنهم صابرون على ما يجب أن يصبر عليه وصابرون عما يجب أن يصبر عنه فهم يصيرون على طاعة الله ويصبرون عن معصيته "الصادقين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار" فقوله القانتين يدل على عبادتهم والمستغفرين بالأسحار يدل على كثرة مراقبتهم لنفوسهم ومحاسبتها حتى أنهم يقومون في وقت السحر مستغفرين لله سبحانه وتعالى مما ألموا به من الخطايا وكذلك عندما وعد الله سبحانه عباده جنة عرضها السموات والأرض خصها بالمتقين ثم وصف هؤلاء المتقين "الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين" .

ومما وصفهم الله سبحانه وتعالى به أنهم لم يصروا على ما فعلوا فهم لا يصرون على أعمالهم مع إدراكهم بأنهم واقعون في مخالفة الله ويدل على هذا الوصف نفسه للمتقين ما جاء في سورة الأعراف من وصفهم عندما قال الله تعالى "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون" فهؤلاء عندما يلم بهم شيء من وسوسة الشيطان التي قد تدعوهم إلى مقارفة شيء من مكروهات الله سرعان ما ينتبهون ويدكرون ويرجعون عن ضلالهم إلى هداهم ومن غيهم إلى رشدهم ومن انحرافهم إلى استقامتهم فهم سرعان ما يعودون إلى الطريق القويم الذي يسيرون عليه والذي يؤدي بهم بمشيئة الله إلى رضوان رب العالمين

ونحن نجد أن البشائر في القران الكريم إنما هي للذين اتقوا وليست للفجار "أم نجعل الذي أمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار" لا يكون المتقون والفجرة سواء إذ ليس ذلك من عدل الله سبحانه وتعالى كذلك نجد في سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما يدل على وصف هؤلاء المتقين فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن عطية السعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يبلغ أحد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به مما به بأس". أي أن من شأن المتقي أن يكون شديد الاحتياط حتى يترك الأشياء التي لا بأس بها حذر الوقوع فيما فيه بأس ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى قال "إنما يتقبل الله من المتقين" .

وهذا يعني أن قبول العمل يكون من المتقين لا يكون من الفجار فالفجار تحبط أعمالهم ذلك لأنه جاءت النصوص القرآنية صريحة في كون العمل الفاسد عندما يصر عليه الإنسان يكون سببا لإحباط العمل الصالح فالله سبحانه وتعالى بين أن المن والأذى يبطلان الصدقات يقول الله تعالى "يايها الذين أمنوا (هذا خطاب للمؤمنين) لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا" ومعنى ذلك أن جميع الأعمال التي كسبوها من الخير لا يبقى في أيديهم شيء منها هذه الأعمال تتساقط بسبب المن والأذى وليس المن والأذى أكبر الكبائر كما جاء في القران الكريم الدليل الواضح الذي يدل على أن رفع الصوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم محبط للأعمال فالله سبحانه وتعالى خاطب خير القرون وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبهم بماذا وهو أصدق القائلين "يأيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" فجعل رفع الصوت على صوته صلى الله عليه وسلم والجهر له كما يجهر بعض الناس مما يحبط الأعمال "أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" وهذا خطاب لمن ؟ للذين كانوا في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) للصحابة رضوان الله عليهم ووصفهم الله بالذين أمنوا ومعنى ذلك انه ليس هذا خطاب للمنافقين الذين كانوا في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما هو للذين أمنوا بشهادة القرآن هؤلاء الذين جاهدوا في الله حق جهاده هم الذين صبروا وصابروا وضحوا بأنفسهم وقدموا أرواحهم في سبيل الله يحذرون أن تحبط هذه الأعمال التي قدموها من جهاد وغيره بسبب رفع الصوت فوق صوت النبي (صلى الله عليه وسلم عليه وآله وسلم).

هذا وقد جاء في السنة على أن عقيدة إسقاط الأعمال بارتكاب المخالفات الشرعية والإصرار عليها أمر كان متداولا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم وذلك أنه جاء أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما بلغها أن زيد بن أرقم رضي الله عنه باع لجاريته بيعها على نحو الذي يسمى عند الناس ببيع الذرائع فوجهت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها خطابا للجارية أخبري زيد أنه أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالحديث أورده ابن القيم في أعلام الموقعين وحسنه وأما اعتراض ابن حزم في كتابه المحلى انه لا يصح ذلك لأن العمل لا يحبط بهذا التصرف مردود لما ثبت في القرآن نفسه من لخيرة القرون لصحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذين كانوا في عهده "لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" .

فالعقيدة أيضا واضحة من الآيات التي ذكرناها ومن وصف الله تبارك وتعالى لعباده المتقين الذين وعدهم الله الرحمة ووعدهم تقبل أعمالهم ووعدهم جنة عرضها السموات والأرض ووصف الرسول (صلى الله عليه وسلم) لهولأ المتقين وانتشار هذه العقيدة في أوساط الصحابة حتى أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت ما قالته لجارية زيد وحملتها ما حملته في الرسالة لإبلاغها زيدا حتى يتدارك نفسه وإلا يفسد حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إما اعتراض من اعترض على ذلك بأن الله تعالى قال "فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون" فهو مردود لأن هذه الموازين هي موازين القسط يوم القيامة التي اخبر الله سبحانه وتعالى بها . قبل ذلك بين الوزن ما هو؟ "الوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون" بين أن الوزن في ذلك اليوم الحق وهو عدل الله بين عباده ومن عدل الله تعالى الذي دل عليه الكتاب انه لا يتقبل الأعمال إلا من المتقين وقول الله تعالى "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" إنما هو مقيد بكون هذا العمل لم يحبط بعمل الشر الذي يعمله أما مع وقوع عمل الشر الذي يحبط عمل الخير كما نص على ذلك القرآن فلا ريب أن هذا الخير وإن يرى إياه صاحبه إلا إنه ليس مما يوفر له أجره يرى إياه حسرة وندامة بحيث يفوته ما عمله من خير بسبب إصراره على معصيته لله .

ومن المعلوم أن هذه العقيدة هي التي تمنع صاحبها من التهور وهي عقيدة أهل الحق والاستقامة وتصونه من الانزلاق في المزالق التي ينزلق فيها أصحاب عقيدة الأرجاء التي تستهين بحرمات الله تعالى وتجرئ صاحبها على عدم المبالاة في الوقوع فيما منع الله الوقوع فيه فإن الله سبحانه وتعالى بين لنا في كتابه بيانا شافيا أن عقيدة الإرجاء عقيدة يهودية وأن تعليق الأمل على الطمع على مغفرة الله بدون توبة ورجوع إلى الله من العقائد التي كانت شائعة عند اليهود وأن هذه العقيدة جرأتهم في الوقوع في مخالفة أمر الله فالله تعالى يقول : "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وأن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق"

فترون أن الله سبحانه وتعالى بين أن هؤلاء افتروا بسبب هذه العقيدة عقيدة غفران الخطايا ووقعوا فيما وقعوا فيه من المحاذير وأتوا ما أتوا من محذورات الله تعالى فاجترءوا على اشترائهم العرض الأدنى بما هو خير اشتروا عرض الأدنى بمقابل ما هو خير بسبب طمعهم في المغفرة والله تعالى حذر هذه الأمة من التشبه بهذه الأماني وبين أن هذه الأماني ليست من الحق في شيء فقال سبحانه: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتب من يعمل سوءا يجزى به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكرا أو أنثى فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا" فحذر الله من التعلق بمثل هذه الأماني التي تعلق بها اليهود وظنوا انهم لا يجزون بأعمالهم السيئة فالله تعالى قال "من يعمل سوءا يجزى به" أي سوء كان والله تعالى غفار ولكن لمن هذه الرحمة بين مغفرته لمن تكون وقال تعالى : "وأني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى"

فلابد من الجمع بين هذه الأمور كلها وهي التوبة والإيمان والتوبة لا تنشأ إلا من الإيمان الراسخ والعمل الصالح ثم الاهتداء في جميع الأعمال بحيث يتوقى الإنسان الأعمال السيئة ويسير في طريق الأعمال الصالحة وأن وقعت أية مخالفة بادر بالاستغفار والتوبة منها ويدل على هذا دلالة واضحة على ما جاء من قسم الله تعالى في كتابه بالعصر أن جميع الجنس البشري خاسر إلا من استجمع صفات الإيمان فالله سبحانه يقول "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" فذكر أولا الإيمان فهو الركن الأساسي من أركان النجاة من الخسران الذي كتبه لبني الإنسان والركن الثاني العمل الصالح والركن الثالث التواصي بالحق والتواصي بالصبر وتدرون أن الصبر يشمل الصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله فبعد هذه الدلائل لا يبقى لمن تشبث بالأماني أي متعلق والله تعالى أعلم وهو ولي التوفيق وصلي اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . 

اختاره ونقله لكم أبو مجــــــــاهد

التبرئة

التبرئة ( الإجراء التأديبي لدى العزّابة )

إن من أهم الأحكام التي تكسب الميزابيين صفة التمسك بالدين , حكم البراءة , و الذي يعرف في أوساط العامة من الميزابيين : ’’ التَّبْرِيَّتْ ’’ , و التبرئة هي السلاح القوي الذي تعتمد عليه حلقة العزّابة لطاعة أوامرها الصارمة , و ردع الفاسقين .


1- تعريفها :

البراءة هي التطبيق العملي لقاعدة الولاية و البراءة في الإسلام , و عندما يثبت على شخص ما ارتكاب معصية تعلن منه البراءة ,و ستجد تعريفا مفصلا عنها في صفحة : مذهبنا .
و أما في ميزاب , فالعزابة يعلنون البراءة من الشخص المقترف للكبيرة أو ما شابهها , في المسجد أمام العامة و لا تنتهي إلا بتوبة الفاعل.


2- أحوال إصدار الحكم :

يصدر حكم البراءة على شخص ما في ميزاب , إذا ثبت قطعيا أنه خالف أمرا من أوامر العزابة , أو اقترف كبيرة أو جريمة ما كمنع حق زوجة أو يتيم , أو تمرد عن العشيرة في حق , أو طعن في دين الإسلام , أو نزع الحجاب (التبرّج ) بالنسبة للمرأة , أو ارتداء لباس فاحش يظهر المفاتن , أو ارتكاب ماهو خارج عن تعاليم الأعراس الميزابية, أو إقامة عادات الغربيين كأعياد الميلاد للأطفال أو الكبار , أو ارتكب فاحشة كشرب خمر أو تدخين , أو مخدرات , أو ترك صلاة (و تاركها كافر)

3-شروط إصدار الحكم :

يجب أن يثبت قطعيا بدلائل لدى العزابة أن فلانا قد ارتكب الجريمة الفلانية مع وجود شهود عدل , ودلائل , حتى يصدر الحكم.


4- طريقة اصدار حكم البراءة :

يعلن عن ذلك بعد صلاة الجماعة , بأن يقوم مكلف من العزابة , و يعلن للناس أن فلانا بن فلان , قد ارتكب جريمة كذا أو كذا فهو في براءة المسلمين إلى أن يتوب .


5- ماذا يحدث للمُتَبرّإ منه :

عندما تُعلن التبرئة من أحد , فإنه يُحرم من حقوقه المدنية ما لم يُعف عنه , فلا يؤاكل , و لا يُشارب , و لا يُجالس , و لا يُكلّم , و لا يُشَارك في مَأتم و لا فرح , و لاتقبل دلالته في السوق ( المزاد) , و لا ذبيحته إن كان جزّارا , و يبقى منبوذا من ذويه و أخلائه و حتى من عائلته , فيجد نقسه معزولا من المجتمع تماما فيضطر إلى التوبة , لتعود إليه مكانته و يستطيع أن يعيش بين المسلمين كواحد منهم, عند ذلك يعلن العفو عنه في المسجد أمام العامة .


6- لكن , إذا تعامل معه أحد ؟:

إذا تعامل أحد مع المتبَرّإ منه , وهو يعرف ذلك , فحكمه حكم رفيقه.

7- لماذا لجأ العزّابة إلى نظام التبرئة :

الحقيقة أن حكم البراءة حكم إسلامي , موجود منذ عهد الرسول (ص) مثلما فعل (ص) مع الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك ), و هو الوسيلة الوحيدة لدى العزابة , التي يستطيعون بها قمع العصاة و المجرمين و احترام سلطتها لدى العامة , و هي وسيلة فعّالة ربما أكثر من التعذيب و السجن , و ماشابه ذلك.

الخروج من النار محمد رشيد رضا

مفهوم الخروج من النار عند السيد محمد رشيد رضا

((عقيدة صكوك الغفران والخروج من النار)) [ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ]

بهذا يتبين أن هذه العقيدة عقيدة يهودية الأصل، وإنما سرت إلى المسلمين بسبب احتكاك كثير منهم باليهود، وتأثرهم بما يقولون من أباطيل ولست وحدي أزعم أن هذه العقيدة عقيدة يهودية الأصل فإن كثيراً من المصنفين قد قالوا ذلك، بل القرآن الكريم صرح بذلك.

ومن المصنفين الذين صرحوا بذلك الإمام العلامة السيد محمد رشيد رضا صاحب تفسير "المنار"، مع أنه ينتمي إلى مذهب يدين بالخروج من النار؛ ولكنه اجتهد ورأى الحق ولم يتعامى عنه، ففي تفسير" المنار" في مقدمة سورة البقرة في الجزء الأول صفحة 112 يقول: (( القاعدة السادسة)): إن الجزاء على الإيمان والعمل معاً، لأن الدين إيمان وعمل، ومن الغرور أن يظن من ينتمي إلى نبي من الأنبياء أن ينجو من الخلود في النار بمجرد الانتماء، والشاهد عليه ما حكاه الله لنا عن بني إسرائيل من غرورهم بدينه وما رد به عليهم حتى لا نتبع سنتهم وهو ] وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة[ آيه 80-82، وما حكاه عن اليهود والنصارى جميعاً من قومهم ] وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم[ إلى آخر الآيتين 111/112.

ثم بعد ذلك يقول :(( ولكننا قد أتبعنا سنتهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع مصداقاً لما ورد في الحديث الصحيح، وإنما نمتاز عليهم بأن المتبعين لهم بعض الأمة لا كلها وبحفظ نص كتابنا كله، وضبط سنة نبينا في بيانه، وبأن حجة أهل العلم والهدى منا قائمة إلى يوم القيامة)) انتهى كلامه.

وصرح بأكثر من ذلك في تفسير آية الربا في أواخر سورة البقرة فقد قال في الجزء الثالث من تفسير المنار في الصفحتين 89، 99 ما نصه: (( أباح أكل ما سلف قبل التحريم، وأبهم جزاء أكله شيئاً بعد النهي فقال ] ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون[ ، أي ومن عاد إلى ما كان يأكل من الربا المحرم بعد التحريم فأولئك البعداء من الاتعاظ بموعظة ربهم، الذي لا ينهاهم إلا عما يضر بهم في أفرادهم أو جميعهم، هم أهل النار الذين يلازمونها كما يلازم الصاحب صاحبه فيكونون خالدين فيها)). ثم قال بعد ذلك: (( وقد أول المفسرون الخلود لتتفق الآية مع المقرر في العقائد والفقه من كون المعاصي لا توجب الخلود في النار، فقال أكثرهم إن المراد من عاد إلى أكل الربا واستباحته اعتقاداً، ورده بعضهم بأن الكلام في أكل الربا، وما ذكر عنه من جعله كالبيع، هو بيان لرأيهم فيه قبل التحريم فهو ليس بمعنى استباحة المحرم، فإذا كان الوعيد قاصراً على الاعتماد فحسب فلا يكون هناك وعيد على أكل بالفعل)).

ويتابع السيد محمد رشيد رضا: (( والحق أن القرآن فوق ما كتب المتكلون والفقهاء، يجب إرجاع كل قول في الدين إليه، ولا يجوز تأويل شيء منه ليوافق كلام الناس، وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد بالخلود في قتل العمد، وليست هناك شبة في اللفظ على إرادة الاستحلال،ومن العجب أن يجعل الرازي الآية هنا حجة على القائلين بخلود مرتكب الكبيرة في النار انتصار لأصحابه الأشاعرة )) . ثم قال بعد ذلك: ((وخير من هذا التأويل تأويل بعضهم الخلود بطول المكث)) ، ثم قال: ((أما نحن فنقول ما كل ما يسمى إيماناً يعصم صاحبه من الخلود في النار، الإيمان إيمانان: إيمان لا يعدوا التسليم الإجمالي بالدين الذي نشأ فيه المرء أو نسب إليه ومجاراة أهله ولو بعدم معارضتهم ما هم عليه، وإيمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين عن يقين بالإيمان متمكنة في العقل بالبرهان مؤثرة في النفس بمقتضى الإذعان، حاكمة على الإرادة المصرفة الجوارح في الأعمال، بحيث يكون صاحبها خاضعاً لسلطانها في كل حال، إلا ما لا يخلو منه الإنسان متغلبة عليه غفلة أو نسيان، وليس الربا من المعاصي التي تنسى أو تغلب النفس عليها خلسة الجهالة أو الطيش كالحدة وثورة الشهوة، أو يقع صاحبها هنا في غمرة النسيان كالغيبة والنظرة، فهذا هو الإيمان الذي يعصم صاحبه بإذن الله من الخلود في سخط الله، ولكنه لا يجتمع مع الإقدام على ارتكاب الإثم والفواحش عمداً إيثاراً لحب المال واللذة على حب الله.

أما الإيمان الأول فهو الإيمان الصوري فقط فلا قيمة له عند الله تعالى، لأنه سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الصور والأقوال، ولكنه ينظر إلى القلوب والأعمال كما ورد في الحديث، والشواهد على هذا الذي قررناه كثيرة جداً، وهو مذهب السلف الصالح وإن جهله كثير ممن يدعون إتباع السنة حتى جرأوا الناس على هدم الدين بناء على أن مدار السعادة الاعتراف بالدين، وإن لم يعمل حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حرم، كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال: إنني لا أنكر أني آكل الربا، ولكنني مسلم اعترف بأنه حرام، وقد فاته أن يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل الوعيد وبأنه يرضى بأن يكون محارباً لله ولرسوله، وظالماً لنفسه وللناس كما سيأتي في آيه أخرى، فهل يعترف بالملزوم أو ينكر الوعيد المنصوص فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؟!، نعوذ بالله من الخذلان))، هذا كلام السيد محمد رشيد رضا في تفسير آية الربا التي فيها الوعيد على آكله.

والسيد محمد رشيد رضا قد سبقه الأستاذ الكبير العلامة الإمام محمد عبده إلى مثل هذا الرأي، فلنسمع إلى ما يقوله في تفسير قوله تعالى ] فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون[ ، يقول: )) ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها، فلم يأولها بالشرك ولكنهم أولوا جزاءها فقالوا: إن المراد بالخلود طول مدة المكث، لأن المؤمن لا يخلد في النار، وإن استغرقت المعاصي عمره، وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته، فهم أولوا هذا التأويل هروباً من قول المعتزلة: إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار وتأييدا لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة) ).

ثم قال بعد ذلك: )) والقرآن فوق المذاهب يرشد إلى أن من تحيط به خطيئته لا يكون أو لا يبقى مؤمناً))، وقد علق على هذا الكلام محمد رشيد رضا مما يؤيد ما قاله هناك من الخلود في النار، فمن شاء فليرجع إليه في تفسير المنار الجزء الأول من صفحة 362 إلى 364. 

اختاره ونقله لكم أبو مجاهـــــد

الشفاعة ليست لأهل الكبائر

فقد كنت كتبت مقالا عن الشفاعة نشر في جريدة "الشرق الأوسط" في العدد 7532 تحت عنوان "الشفاعة لا تكون الا باذن الله ولمن أذن له" توصلت من خلاله الى أن الشفاعة في يوم القيامة ثابتة بنص القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة الثابتة وأن هذه الشفاعة لا ينالها كل أحد وانما ينالها المؤمنون الصالحون المتقون فليست هي للكفار ولا لأهل الكبائر وقد سقت عشرات الأدلة من الكتاب والسنة ناصة على صحة ذلك . وبعدها بفترة أطلعت على رد على مقالي المذكور نشر في ساحة المنبر الاسلامي في موقع (سحاب) للأخ/ أبو محمد التميمي تحت عنوان: (رد على منكري الشفاعة لأهل الكبائر) وأقولها بصراحة انه لم يأت بجديد فما زاد على أن ساق الأحاديث المثبتة للشفاعة لأصحاب الكبائر والتي كنت قد أجبت عليها وبينت معارضتها للآيات الكثيرة التي تنفي الشفاعة عن غير المتقين بل ومعارضتها للأحاديث الثابتة والتي رواها من روى أحاديث الشفاعة واليك أخي القاريء بعض ما قلته هناك بعد أن سقت الآيات التي فيها التصريح بنفي الشفاعة عن غير المتقين:

((أما الأحاديث التي فيها ان أهل الكبائر يستحقون شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهي مع معارضتها لنصوص القرآن الكريم –كما تقدم- معارضة بأحاديث صحيحة فيها نفي الشفاعة منها ما يلي :

1 –قوله صلى الله عليه وآله وسلم "يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبدالمطلب يا بني عبدالمطلب لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم" رواه مسلم .

2-عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال قام فينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم – فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره قال : "لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك وعلى رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك وعلى رقبته صامت – أي الذهب والفضة- قيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك أو على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك" متفق عليه.

3 -قوله صلى الله عليه وآله وسلم "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره" رواه البخاري وابن ماجة.

فهذه الأحاديث توضح لنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يملك يوم القيامة نفعا لأحد حتى لأقرب الناس اليه وهم ابنته وعمته بل هو خصم للعصاة المذنبين .

ومن الجدير بالذكر أن أهل الكتاب قد تعلقوا قبل هذه الأمة بالشفاعة كما حكى عنهم القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيففر لنا" فحذرهم القران من التعلق بالشفاعة وذلك قوله سبحانه "واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون" وحتى لا ينتقل هذا الداء الى الأمة الاسلامية حذرها الله كما حذر من قبلها فقال مخاطبا هذه الأمة "يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون"))

وأزيد على ما هنالك ما يلي :

1 –أن الاحاديث المثبتة للشفاعة لأهل الكبائر هي أحاديث آحادية لا يمكن أن يستدل بها في إثبات العقائد لأن الآحاد لا يفيد العلم ، والاعتقاد هو ثمرة اليقين وهذا هو مذهب جمهور الأمة كما حكاه غير واحد من العلماء منهم النووي وإمام الحرمين والغزالي وابن عبد البر وابن الأثير وابن قدامة وغيرهم كثير وينظر في ذلك كتاب السيف الحاد للعلامة المحدث سعيد بن مبروك القنوبي . بل قد نص على ذلك بعض أئمة الوهابية أنفسهم يقول ابن تيمية في منهاج السنة ج2 ص 133 "الثاني أن هذا من أخبار الآحاد فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح الايمان الا به".

فلا يمكن الاستدلال بحديث آحادي في القضايا العقدية ولو سلم من المعارض فكيف اذا كان معارضا بكتاب الله وبالثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ولا يعترض علينا بأننا قد استدللنا بأحاديث آحادية – أيضا- لأننا ولله الحمد لم نستدل بها وحدها وإنما استدلالنا بالايات الكثيرة الدالة دلالة واضحة على أن الشفاعة لا تكون الا للمتقين وانما سقنا تلك الأحاديث لنوضح لكم أن الاحاديث التي استدللتم بها معارضة باحاديث اخرى وهذه الاحاديث موافقة للقرآن واحاديثكم معارضة له وما وافق القرآن أولى بالأخذ به مما عارضه.

2 –ان هذه العقيدة تحمل صاحبها على التقاعس عن عمل الصالحات وعلى عدم المبالاة باقتراف الكبائر خاصة عنما تكون النفس مولعة بشيء من الكبائر –والعياذ بالله- فشارب الخمر عندما تكون نفسه قد أشربت حب الخمر ويشق عليه مفارقتها فما الذي يردعه عندما تكون عقيدته أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيشفغ له يوم الدين وأن مرده أخيرا الى جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر بل لو أتيته ناصحا لقال لك أن النبي سيشفع لي فبماذا تجيبه ؟!!!

3-ان الأخذ بعقيدة نفي الشفاعة عن أهل الكبائر فيه السلامة والحيطة فإن كان الأمر كذلك فهو قد اخذ الحزم وإن كان للعصاة شفاعة لم يضره بل سيجد ثواب أعماله الصالحة . على أننا والحمد لله لسنا في شك بل نقطع أن العصاة لا شافع لهم كما قال تعالى :"ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع".

أما ما ذكرته عن قتادة في تفسير قوله تعالى: "ولا يشفعون الا لمن ارتضى " انهم أهل التوحيد . فالله أعلم بثبوته ولإن ثبت عنه فما أحق هذا القول بالهجر إذ كيف يجروء مؤمن عاقل أن يقول أن الله يرضى عن شارب الخمر وآكل الربا والعاق لوالديه والزاني والسارق ان كانوا من أهل التوحيد كلا والله وقد ذكرت في مقالي الأول عشرات الآيات والأحاديث التي فيها لعن الله ولعن رسوله صلى الله عليه وسلم لكثير من اصحاب الكبائر كما ذكرت بعض الأحاديث التي تبرء فيها النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم من أصحاب الكبائر من شاء فليرجع اليه في ذلك المقال . على أنه قد جاء في الحديث ما يدل على فساد هذا التأول فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ((من قال لا اله الا الله مخلصا دخل الجنة قيل وما اخلاصها يا رسول الله قال أن تحجز قائلها عن محارم الله)) فليس كل من قال لا اله الا الله دخل الجنة ما لم تمنعه هذه الكلمة عن اقتراف ما حرم الله.

كما تعرض لقضية نفي الايمان عن أصحاب الكبائر وجاء ببعض الأدلة الدالة على وصفهم بصفة الايمان وأنكر على من نفى عنهم صفة الايمان وأقول : انه كما جاءت أدلة تثبت لهم الايمان فقد جاءت أدلة كثيرة جدا تنفي عنهم صفة الايمان منها ما يلى:

1 –عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "والله لا يومن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يارسول الله قال الذي لا يأمن جاره بوائقه" . رواه مسلم

2-عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". رواه البخاري ومسلم

3-عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صوم الا بالكف عن محارم الله ". رواه الامام الربيع

4 –قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " . رواه البخاري ومسلم

5 –قوله صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من والده وولده والناس اجمعين". البخاري ومسلم وأحمد

والأدلة على ذلك كثيرة وما قصدت الا التمثيل.

وقد قال العلماء في الجمع بين هذه الأدلة :

ان الادلة التي فيها نفي الايمان عن صاحب الكبيرة تحمل على الايمان الحقيقي الذي ينتفع به صاحبه في الآخرة فهم بهذا المعنى غير مؤمنين والأدلة التي فيها اطلاق صفة الايمان عليهم تحمل على الايمان الشكلي الذي ينتفع به في الدنيا دون الآخرة فنحن لا نحكم بشرك صاحب الكبيرة بل نقول يعامل في الدنيا معاملة المسلمين فهو يناكح ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين... الخ. إلا الولاية فهو لا يتولى بل يتبرء منه كما تبرء النبي صلى الله عليه وسلم من أصحاب الكبائر وقد وضحت ذلك في المقال السابق .

وقد أثار الكاتب شبهة وهي إذا كانت الشفاعة للمتقين الذين لا ذنوب لهم فما معنى الشفاعة إذا؟

وقد أجاب على هذه الشبهة شيخنا العلامة أحمد بن حمد الخليلي في كتابه القيم جواهر التفسير ج3 ص 261 حيث قال "وقد يعترض بأن التوبة نفسها مكفرة للذنوب فلا أثر للشفاعة معها والجواب إن التوبة وان كانت مكفرة بفضل الله ورحمته فان مما تقتضيه توبة التائب استحقاق شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيشفغ له عليه أفضل الصلاة والسلام فيقبل الله توبته ويكفر سيئته وقد تكون الشفاعة سببا في رفع منازل الصالحين عند الله يوم القيامة وقد جاء في حديث جابر بن زيد عند الربيع رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما منكم من احد يدخل الجنة الا بعمل صالح وبرحمة الله وبشفاعتي" فكما أن العمل الصالح يتوقف في اسعاد صاحبه على رحمة الله تعلى فهو أيضا يتوقف على حصول الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم التي هي من اسباب قبولها " انتهى كلام الشيخ – حفظه الله - .

على أن الكاتب قد جاء في بحثه بما يناقض هذه الشبهة فقد ذكر عن ابن القيم "الشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة" وهذا منه اثبات للشفاعة لغير أصحاب الذنوب . فما معنى الشفاعة إذا ؟ وعلى كل حال ما دامت الأدلة القطعية قد نصت على عدم استحقاق أصحاب الكبائر للشفاعة فلا يسع المسلم الا التسليم وليترك امثال هذه الشبه التي تبعده عن الحقيقة.

وقد تعرض الباحث لقضية الخوارج وذكر بعض الأحاديث التي تنسب الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم انه قالها فيهم ولست هنا بصدد مناقشة هذه القضية ولكن أحيل القارىء الكريم الى رسالة ماجستير صادرة من احدى الجامعات الاردنية للاستاذ ناصر بن سليمان السابعي بعنوان (الخوارج والحقيقة الغائبة) يجد فيها القارىء المنصف ضالته . 

 

الكـاتـب : إبراهيم الصوافي

رد على المقال المنشور في ساحة المنبر الإسلامي في موقع (سحاب)

للأخ/ أبو محمد التميمي تحت عنوان:  (رد على منكري الشفاعة لأهل الكبائر)

 

الشفاعة والخلود عند مصطفى محمود

مفهوم  الشفاعة وعن الخلود في النار عند د. مصطفى محمود

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الاولين والاخرين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . في هذه الايام يستعد الدكتور مصطفي محمود لاصدار كتابه الجديد الذي يحمل عنوان ( الشفاعة ). وقد مهد الدكتور مصطفى محمود لكتابه هذا بمقالات في جريدة الاهرام القاهرية عن الشفاعة والخلود في النار, أثارت ضجة وردود فعل عنيفة ضده , حتى وصل النقاش الى منابر الجمعة , متخطيا صفحات الجرائد , وقد وصل الحال بالبعض باتهام الدكتور مصطفى محمود بالكفر... ومن أبرز من تصدى للدكتور مصطفى محمود , الازهر الشريف ويمثله الدكتور أحمد عمر هاشم , رئيس جامعة الازهر الشريف ومعه كل شيوخ هذه المؤسسة العريقة .

فما هو مفهوم الدكتور مصطفى محمود عن الشفاعة وعن الخلود في النار ؟؟؟

يقول الدكتور مصطفى محمود ان اشكالية الشفاعة موضوع قديم تناولته الفرق الاسلامية وخاض فيه المفكرون من كل اتجاه... وسبب الاشكال - كما يقول الدكتور - أن القرآن ينفي الشفاعة في الكثير من آياته المحكمة نفيا مطلقا وفي آيات أخرى يذكرها مقيدة ومشروطة بالاذن الالهي , بينما تروي لنا الاحاديث النبوية بأن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم يقف شفيعا يوم القيامة للمذنبين ولاهل الكبائر من أمته وأن الله سبحانه وتعالى يقبل شفاعته . وهنا يقف المسلمون أمام الاختيار الصعب بين النفي القرآني وبين ما جاء في السنة , وما ترويه الاحاديث عن أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سوف يخرج من النار كل من قال ( لا اله الا الله ) ولو زنا ولو سرق ..؟ هكذا يقول الحديث وهو ما يخالف صريح القرآن.. فالقرآن يقول في محكم آياته (( أن المنافقين في الدرك الاسفل من النار , ولن تجد لهم نصيرا )) النساء :145

والمنافقون هم الذين يقولون ( لا اله الا الله )في كل مناسبة وتنطق ألسنتهم بما يخالف سرائرهم , وهم في الدرك الاسفل من النار ولن يجدوا لهم نصيرا بصريح القرآن الكريم , ولن ينجو من المذنبين الا من تكرم عليه رب العزة وفتح له بابا للتوبة قبل الممات... اذن الوسيلة الوحيدة للنجاة من العقاب هي أن يقي ربنا عباده من الوقوع في السيئات أصلا أو يفتح لهم باب التوبة في حياتهم اذا تورطوا فيها .. وهذه - كما يقول الدكتور مصطفى محمود- هي أبواب الشفاعة الممكنة , وهي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمسلمي هذه الامة بأن يختم حياتهم بتوبة... وأما الشفاعة بمعنى هدم الناموس واخراج المذنبين من النار وادخالهم الجنة , فهي فوضى الوسايط التي نعرفها في الدنيا , ولا وجود لها في الاخرة . وكل ما جاء بهذا المعنى في الاحاديث النبوية مشكوك في سنده ومصدره , لانه يخالف صريح القرآن .

ولا يعقل - والكلام للدمتور - ولا يعقل من نبي القرآن أن يطالب بهدم القرآن , ولكن المسلمين الذين عرفوا بالاتكالية قد باتوا يفعلون كل منكر ويرتكبون عظائم الذنوب اتكالا على نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي سوف يخرجهم في حفنة واحدة من النار ويلقي بهم في الجنة بفضله وكرمه... ويقول الدكتور مصطفى محمود مع الاسف الشديد أننا نقرأ كتب السيرة والاحاديث بتسليم مطلق , وليس غريبا أن تمتلىء هذه الكتب بالمدسوس من أحالديث الشفاعة فنقرأ في أحدها أن النبي صلى الله عليه وسلم يدخل بشفاعته الى الجنة رجلا لم يفعل في حياته خيرا قط , ويكون هذا الرجل هو آخر الداخلين الى الجنة... وما الهدف من أمثال هذه الاحاديث المدسوسة سوى افساد الدين , والتحريض على التسيب والانحلال وفتح باب الجنة (( سبهللة )) للكل ؟ .. ومرويات كثيرة رواها أصحابها بلا عدد وبلا حصر وأحيانا بحسن نية ظنا منهم أنهم يزيدون بها في تمجيد النبي صلى الله عليه وسلم , ويرفعون مقامه عند ربه , وينسون أنهم بكلامهم يفسدون جلال المشهد ويهدمون جدية اللحظة التي تشيب لها الولدان وتزيغ فيها الابصار وتنعقد الالسن وتتزلزل الاقدام وتذهل كل مرضعة عما أرضعت

ويتساءل الدكتور مصطفى محمود : هل هذه لحظة يساوم فيها النبي ربه لاخراج رجل من النار وادخاله الجنة , وهو لم يفعل خيرا قط في حياته ؟؟؟

ويقول الدكتور : ان لم يكن هذا هو الهزل فماذا يكون ؟ وحاشا لله .. ما كان لرسولنا العظيم أن يفعل هذا .. ان هو الا تخرصات وأكاذيب وأقوال مدسوسة... أما عن الخروج من النار فيرى الدكتور أن القرآن الكريم ينفي امكانية خروج الناس من النار في الكثير والعديد من آياته من الكفار والمسلمين أيضا (( يريدون أن يخرجوا من النار وما هي بخارجين منها , ولهم عذاب مقيم )) المائدة : 37 و وقيلت في الكفار . ويرى الدكتور مصطفى محمود أن هذه الثوابت القرآنية تتناقض مع مرويات الاحاديث النبوية في كتب السيرة عن اخراج الرسول صلى الله عليه وسلم لمن يشاء من أمته من النار , مما يؤكد أن هذه الاحاديث موضوعة ولا أساس لها من الصحة ولا يمكن أن تكون قد صدرت عن النبي صلى الله عليه وسلم .

فكل مجرم قد تحدد مكانته من قبل في النار واختصت به واختص بها , وهذا يؤكد أن كل ما ذكر عن اخراج الرسول صلى الله عليه وسلم بشفاعته للبعض من النار وادخالهم الجنة مشكوك في صحته.... وقد سئل الدكتور مصطفى محمود عن المقام المحمود فقال : أننا لا نعلم موجبات هذا المقام ولا حدوده فهو سر من أسرار الله سبحانه وتعالى, والجدل فيه هو جدل بغير علم ولا نخوض فيه ونرى أن التفويض فيه أسلم.......... هذا هو رأي الدكتور مصطفى محمود عن الشفاعة والخلود في النار

(ماذا قال خصوم الدكتور مصطفى محمود ؟؟؟)

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد. في الحلقة الماضية كتبت موضوعا بعنوان ( مفهوم الشفاعة , والخلود في النار , عند الدكتور مصطفى محمود ) وقلت أن آراءه قد أثارت ضجة كبرى في مصر حتى وصل الامر الى منابر الجمعة , ومن الناس الذين أثارهم الموضوع , الدكتور أحمد عمر هاشم , رئيس جامعة الازهر الشريف الذي أجرت معه مجلة المصور مقابلة مطولة قال فيها :

أن القرآن الكريم حسم مسألة الشفاعة , والذين تخبطوا في مقالاتهم وكلامهم , لم يفهموا تفسير بعض الايات القرآنية , هناك آيات تلغي الشفاعة ولو فهموها ما تناقشوا ولاتكلموا , وأراحوا أنفسهم . والحق أقول - الكلام للدكتور أحمد عمر هاشم - أن الايات القائلة ( وما هم بخارجين من النار ) خاصة بالكافرين والايات التي قالت لا شفاعة مثل ( واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا , ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون ) ليس المقصود بها نفي الشفاعة مطلقا , لان المطلق يحمل على المقيد , فهناك أيات أخرى تقول ( من ذا الذي يشفع عنده الا بأذنه ) وقال تعالى ( ولا يشفعون الا لمن أرتضى ) اذن الايات المطلقة مقيدة هنا ولذلك نحن ندرس المقيد والمطلق

أن الشفاعة لا تكون الا لمن ارتضى ولا تكون الا بأذن من الله سبحانه وتعالى , بل ثبت في الاحاديث الصحيحة بما لا يدع مجالا للشك أن الشفاعة ثابته ليس للرسول الكريم فقط بل للآنبياء والصالحين والملائكة والشهداء والعلماء , بل للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أكثر من شفاعة , على رأسها الشفاعة العظمى , وشفاعته لاهل الكبائر , ولشفاعته لابناء المشركين في النار , وشفاعته لتخفيف العذاب في جهنم في بعض الاوقات , والشفاعة لرفع الدرجات في الجنة .

ويقول الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الازهر : أن الذين يحاولون انكار الشفاعة ينكرون المقام المحمود وهي الشفاعة العظمى للرسول صلى الله عليه وسلم في يوم القيامة , وقالوا ان المراد بالمقام المحمود المقام العظيم وليس المقام الشافع , بينما الذي أنزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلم سئل عن المقام المحمود في الحديث الذي أخرجه الترمذي وغيره فقال : ( هو الشفاعة العظمى يوم القيامة )

والثابت في كل الاحاديث أن الله سبحانه وتعالى سيجمع الناس يوم القيامة وتدنوا منهم الشمس ويظلون على هذه الحال الصعبة الى درجة أن بعضهم يتمنى الدخول الى النار للتخلص من هذا الموقف الصعب فيطلبون أن يشفع له أحد , فيلجأون الى سيدنا آدم عليه السلام , فيحيلها الى نبي آخر وتظل تنتقل من نبي الى آخر الى أن تصل الى نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم فيسجد لرب العرش العظيم ويقول له الله سبحانه وتعالى بعد السجود الطويل :(( اشفع تشفع , وسل تعطى , وفل يسمع لك )) . والرسول صلى الله عليه وسلم حين يشفعه رب العزة , بل ويشفع غيره من الانبياء والصالحين والشهداء ليس معنى هذا أنه يعطى انسانا ليس له حق ؟ هناك كافرون وهناك مؤمنون , الكافر في النار ولا شفاعة له والمؤمن من أهل الشفاعة , وكل من مات على التوحيد هو مؤمن ومن أهل الشفاعة حتى وان كان من أصحاب المعاصي ويرتكب الكبائر

وفي حديث أبي ذر الذي ينكره الدكتور مصطفى محمود وهو حديث صحيح عندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم :( من قال لا اله الا الله مخلصا من قلبه دخل الجنة ) فقال أبو ذر ( وان زنى وان سرق يا رسول الله ؟) ثلاث مرات وفي كل مرة يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ( وأن زنى وان سرق ) وفي الاخيرة قال :( وان زنى وان سرق رغم أنف أبي ذر ) . ويقول الدكتور هاشم : ليس معنى هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يترخص ويفتح الباب لاتكاب المعاصي أبدا , الشفاعة فتح لباب الامل والايمان والرحمة الربانية , ومعنى أن تقول :( لا اله الا الله محمد رسول الله ) من قلبك , أنك مؤمن ولهذه الكلمة حقوق وواجبات وليس سهلا أن تقولها بصدق اذا كنت غير مؤمن . والله سبحانه وتعالى يعطي لرسوله مكانة , وللصالحين والانبياء والملائكة و هذه الشفاعة .درب من الرحمة الربانية ينفحها الله لكل من تمسك بعقيدته فلم يمت الا على الايمان .

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( لكل نبي دعوته المستجابة وقد تعجل كل نبي دعوته لامته في الدنيا وقد اختبأت دعوتي شفاعة لامتي يوم القيامة , فهي نائلة ان شاء الله كل من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا ) هذا حديث صحيح يثبت أن الشفاعة للموحدين وليست للمفرطين والكافرين , وهي بذلك لا تدعو للمحاباة والاتكالية , وهي فتح لطاقة الامل والايمان في النفوس .

الكـاتـب : محمد بن زاهر

 

تعقيب

نحيي شجاعة الدكتور مصطفى محمود ولعلها بداية صحوة فكرية اسلامية تخلصت من ظلمات التقليد الأعمى للأئمة وخطوة أولى مهمة نحو الرجوع إلى كتاب الله والسنة الثابتة عن المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم - في مسائل العقيدة ولا يخفى على أحد ما لهذه الخطوة من أهمية في سبيل إيقاف الزحف نحو الهاوية التي حذرنا من الوقوع فيها سيدنا محمد –صلى الله عليه وآله وسلم – حينما قال في حديث ما معناه :(لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراع بذراع ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قيل : من هم يارسول الله اليهود والنصارى؟ قال : فمن ؟؟

وكذلك الحديث (( ….. حملهم على أن عبدوا أحبارهم ورهبانهم فقال أبي : انهم لم يعبدونهم فقال : أليسوا قد حرموا لهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فأطاعوهم قال : بلى قال : فتلك هي عبادتهم إياهم .)) أو كماجاء في الحديث. فالتقليد الأعمى ينشأ عن التعصب أو الثقة الإجمالية بالإمام المقلد أو الثقة بمنهجه أو طريقة اجتهاده . والمقلد للإمام

دون بصيرة في كل خطوة يخطوها يقع في كل الأخطاء التي يقع فيها إمامه تلقائيا . ومن الحق أن التقليد ضرورة اذ لايمكن أن يكون كل إنسان مجتهد بنفسه ولنا في أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أسوة حسنة حيث كان فيهم أئمة يستنبطون ويفتون آخرون يستفتون ويعملون بما يفتيهم به أئمتهم ، لكن من الخطأ أن يدعي المقلد أن إمامه على صواب وما عداه باطلا ، لأن مثل هذا الإدعاء لا يملكه إمامه نفسه لأن الاجتهاد في المسائل الاجتهادية الخلافية لا يقدم أكثر من دليل ترجيحي لا يعطي يقينا بأن ما وصل إليه الاجتهاد هو الحق قطعا وما عداه باطل قطعاوالعصمة للأنبياء فقط . (1) الإباضية في ميدان الحق ص17

الكـاتـب : أبو مجــــاهد

العقيــدة الحقــة (الجزء الأول)

الحمد لله حق حمده سبحانه له الحمد كله وله الأمر كله أحمده بما هو أهل له من الحمد وأثني عليه وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه وأومن به وأتوكل عليه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا وداعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا فبلغ رسالة ربه وأدى أمانته ونصح هذه الأمة وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :

فلا ريب أننا نؤمن جميعا أن رحمة الله تعالى واسعة وأنه عز وجل سبقت رحمته غضبه ولكن لمن هذه الرحمة فقد قال سبحانه "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون" أخبر الله سبحانه وتعالى أن هذه الرحمة إنما هي للمتقين ومن هؤلاء المتقون ؟ المتقون وصفهم القران وصفا دقيقا عجيبا عندما ذكر الله سبحانه وتعالى البر وأركانه الاعتقادية والعملية والخلقية ثم أتبع بعد ذلك قوله أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون فهذا يعني البر إذ أن الله يقول قبل هذه الخاتمة "البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتمى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصبرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" وقبل هذه الآية في نفس هذه السورة التي جاءت فيها وهي سورة البقرة يصف الله تعالى المتقين بقوله "الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقنهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون". كذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يصف المتقين في سورة آل عمرانعندما قال "قل أؤنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا عند ربهم جنت تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار" فمعنى ذلك أنهم توابون يقولون ربنا اغفر لنا ذنوبنا يعترفون بذنوبهم ويتوبون إلى الله سبحانه وتعالى منها ثم يصفهم بقوله "الصابرين" هذا الوصف يدل على أنهم صابرون على ما يجب أن يصبر عليه وصابرون عما يجب أن يصبر عنه فهم يصيرون على طاعة الله ويصبرون عن معصيته "الصادقين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار" فقوله القانتين يدل على عبادتهم والمستغفرين بالأسحار يدل على كثرة مراقبتهم لنفوسهم ومحاسبتها حتى أنهم يقومون في وقت السحر مستغفرين لله سبحانه وتعالى مما ألموا به من الخطايا وكذلك عندما وعد الله سبحانه عباده جنة عرضها السموات والأرض خصها بالمتقين ثم وصف هؤلاء المتقين "الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين" ومما وصفهم الله سبحانه وتعالى به أنهم لم يصروا على ما فعلوا فهم لا يصرون على أعمالهم مع إدراكهم بأنهم واقعون في مخالفة الله ويدل على هذا الوصف نفسه للمتقين ما جاء في سورة الأعراف من وصفهم عندما قال الله تعالى "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون" فهؤلاء عندما يلم بهم شيء من وسوسة الشيطان التي قد تدعوهم إلى مقارفة شيء من مكروهات الله سرعان ما ينتبهون ويدكرون ويرجعون عن ضلالهم إلى هداهم ومن غيهم إلى رشدهم ومن انحرافهم إلى استقامتهم فهم سرعان ما يعودون إلى الطريق القويم الذي يسيرون عليه والذي يؤدي بهم بمشيئة الله إلى رضوان رب العالمين

ونحن نجد أن البشائر في القران الكريم إنما هي للذين اتقوا وليست للفجار "أم نجعل الذي أمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار" لا يكون المتقون والفجرة سواء إذ ليس ذلك من عدل الله سبحانه وتعالى كذلك نجد في سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما يدل على وصف هؤلاء المتقين فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن عطية السعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يبلغ أحد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به مما به بأس". أي أن من شأن المتقي أن يكون شديد الاحتياط حتى يترك الأشياء التي لا بأس بها حذر الوقوع فيما فيه بأس ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى قال "إنما يتقبل الله من المتقين" وهذا يعني أن قبول العمل يكون من المتقين لا يكون من الفجار فالفجار تحبط أعمالهم ذلك لأنه جاءت النصوص القرآنية صريحة في كون العمل الفاسد عندما يصر عليه الإنسان يكون سببا لإحباط العمل الصالح فالله سبحانه وتعالى بين أن المن والأذى يبطلان الصدقات يقول الله تعالى "يايها الذين أمنوا (هذا خطاب للمؤمنين) لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا" ومعنى ذلك أن جميع الأعمال التي كسبوها من الخير لا يبقى في أيديهم شيء منها هذه الأعمال تتساقط بسبب المن والأذى وليس المن والأذى أكبر الكبائر كما جاء في القران الكريم الدليل الواضح الذي يدل على أن رفع الصوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم محبط للأعمال فالله سبحانه وتعالى خاطب خير القرون وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبهم بماذا وهو أصدق القائلين "يأيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" فجعل رفع الصوت على صوته صلى الله عليه وسلم والجهر له كما يجهر بعض الناس مما يحبط الأعمال "أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" وهذا خطاب لمن ؟ للذين كانوا في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) للصحابة رضوان الله عليهم ووصفهم الله بالذين أمنوا ومعنى ذلك انه ليس هذا خطاب للمنافقين الذين كانوا في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما هو للذين أمنوا بشهادة القرآن هؤلاء الذين جاهدوا في الله حق جهاده هم الذين صبروا وصابروا وضحوا بأنفسهم وقدموا أرواحهم في سبيل الله يحذرون أن تحبط هذه الأعمال التي قدموها من جهاد وغيره بسبب رفع الصوت فوق صوت النبي (صلى الله عليه وسلم عليه وآله وسلم)

هذا وقد جاء في السنة على أن عقيدة إسقاط الأعمال بارتكاب المخالفات الشرعية والإصرار عليها أمر كان متداولا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم وذلك أنه جاء أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما بلغها أن زيد بن أرقم رضي الله عنه باع لجاريته بيعها على نحو الذي يسمى عند الناس ببيع الذرائع فوجهت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها خطابا للجارية أخبري زيد أنه أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالحديث أورده ابن القيم في أعلام الموقعين وحسنه وأما اعتراض ابن حزم في كتابه المحلى انه لا يصح ذلك لأن العمل لا يحبط بهذا التصرف مردود لما ثبت في القرآن نفسه من لخيرة القرون لصحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذين كانوا في عهده "لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" فالعقيدة أيضا واضحة من الآيات التي ذكرناها ومن وصف الله تبارك وتعالى لعباده المتقين الذين وعدهم الله الرحمة ووعدهم تقبل أعمالهم ووعدهم جنة عرضها السموات والأرض ووصف الرسول (صلى الله عليه وسلم) لهولأ المتقين وانتشار هذه العقيدة في أوساط الصحابة حتى أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت ما قالته لجارية زيد وحملتها ما حملته في الرسالة لإبلاغها زيدا حتى يتدارك نفسه وإلا يفسد حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما اعتراض من اعترض على ذلك بأن الله تعالى قال "فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون" فهو مردود لأن هذه الموازين هي موازين القسط يوم القيامة التي اخبر الله سبحانه وتعالى بها . قبل ذلك بين الوزن ما هو؟ "الوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون" بين أن الوزن في ذلك اليوم الحق وهو عدل الله بين عباده ومن عدل الله تعالى الذي دل عليه الكتاب انه لا يتقبل الأعمال إلا من المتقين وقول الله تعالى "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" إنما هو مقيد بكون هذا العمل لم يحبط بعمل الشر الذي يعمله أما مع وقوع عمل الشر الذي يحبط عمل الخير كما نص على ذلك القرآن فلا ريب أن هذا الخير وإن يرى إياه صاحبه إلا إنه ليس مما يوفر له أجره يرى إياه حسرة وندامة بحيث يفوته ما عمله من خير بسبب إصراره على معصيته لله

ومن المعلوم أن هذه العقيدة هي التي تمنع صاحبها من التهور وهي عقيدة أهل الحق والاستقامة وتصونه من الانزلاق في المزالق التي ينزلق فيها أصحاب عقيدة الأرجاء التي تستهين بحرمات الله تعالى وتجرئ صاحبها على عدم المبالاة في الوقوع فيما منع الله الوقوع فيه فإن الله سبحانه وتعالى بين لنا في كتابه بيانا شافيا أن عقيدة الإرجاء عقيدة يهودية وأن تعليق الأمل على الطمع على مغفرة الله بدون توبة ورجوع إلى الله من العقائد التي كانت شائعة عند اليهود وأن هذه العقيدة جرأتهم في الوقوع في مخالفة أمر الله فالله تعالى يقول : "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وأن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق" فترون أن الله سبحانه وتعالى بين أن هؤلاء افتروا بسبب هذه العقيدة عقيدة غفران الخطايا ووقعوا فيما وقعوا فيه من المحاذير وأتوا ما أتوا من محذورات الله تعالى فاجترءوا على اشترائهم العرض الأدنى بما هو خير اشتروا عرض الأدنى بمقابل ما هو خير بسبب طمعهم في المغفرة والله تعالى حذر هذه الأمة من التشبه بهذه الأماني وبين أن هذه الأماني ليست من الحق في شيء فقال سبحانه: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتب من يعمل سوءا يجزى به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكرا أو أنثى فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا" فحذر الله من التعلق بمثل هذه الأماني التي تعلق بها اليهود وظنوا انهم لا يجزون بأعمالهم السيئة فالله تعالى قال "من يعمل سوءا يجزى به" أي سوء كان والله تعالى غفار ولكن لمن هذه الرحمة بين مغفرته لمن تكون وقال تعالى : "وأني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى"

فلابد من الجمع بين هذه الأمور كلها وهي التوبة والإيمان والتوبة لا تنشأ إلا من الإيمان الراسخ والعمل الصالح ثم الاهتداء في جميع الأعمال بحيث يتوقى الإنسان الأعمال السيئة ويسير في طريق الأعمال الصالحة وأن وقعت أية مخالفة بادر بالاستغفار والتوبة منها ويدل على هذا دلالة واضحة على ما جاء من قسم الله تعالى في كتابه بالعصر أن جميع الجنس البشري خاسر إلا من استجمع صفات الإيمان فالله سبحانه يقول "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" فذكر أولا الإيمان فهو الركن الأساسي من أركان النجاة من الخسران الذي كتبه لبني الإنسان والركن الثاني العمل الصالح والركن الثالث التواصي بالحق والتواصي بالصبر وتدرون أن الصبر يشمل الصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله فبعد هذه الدلائل لا يبقى لمن تشبث بالأماني أي متعلق والله تعالى أعلم وهو ولي التوفيق وصلي اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

(الجزء الثاني)

هناك من الناس من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ومن هذه الأماني القول بأن الله سبحانه وتعالى ينجز وعــده ويخلف وعيده وهذا الكلام كلام من لم يتدبر القرآن ولم يصغ إليه بوعي وإدراك مع أنه على الإنسان أن يجعل القرآن نصب عينيه وأمام ناظريه وملء سمعه وبصره وملء قلبه وعقله وأن يجعل القرآن فوق المواريث الفكرية التي ورثها فانه كلام الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا ريب أن حمل كلام جاء في القرآن الكريم على مجرد المبالغة والتخويف من غير أن يكون وراءه واقع إنما هو اجتراء عظيم على الله تعالى فمن أصدق حديثا من الله "ومن أصدق من الله حديثا" "ومن أصدق من الله قيلا" وأي كلام هو أبلغ من كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

والله تبارك وتعالى حذر الذين تشبثوا بمثل هذه الأماني بقوله "لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد * يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد" . فالكلمات جمع كلمة لا تبديل لأي كلمة من كلمات الله ولئن كانت كلمات الله لا تبديل لها ومعنى ذلك أنه كل ما أخبر الله سبحانه وتعالى خارجا عن كونه حقا وعن كونه صدقا وعن كونه سيقع ما يتعلق به وما يترتب عليه فلو كان الله سبحانه وتعالى كما قال الكثير من الناس الذين اغترفوا عقيدتهم من مواريث الفكر اليهودي فزعموا أن الله لا يعلم ما يستجد له من الأسباب التي تجعله يخلف الوعيد مع أن هذا القول أيضا فيه نسبة الجهل إلى الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذا كله مما لا يصح . على أن الذين قالوا بأن الله يخلف وعيده إنما تشبثوا بكلام قالته العرب وذلك إنهم تشبثوا ببيتين روي عن بعض العرب وهما :

ولا يخش ابن العـم ما عشت صولتــــي ****** ولا أنا أخشى صولة المتمـــــرد

وإني وأن أوعـــــدته لمخلـــــف ****** إيعــادي ومنجز موعــــــدي

من هذا الذي قال ذلك ؟ إنما هو من أهل الجاهلية !!! فهل أحكام الله تحمل على العادات التي كانت عليه أهل الجاهلية ؟ على انه لو كان هذا الإنسان من أبر الناس وأتقى الناس وأورع الناس وأفضل الناس وأقرب الناس إلى الله لما كان أن يقاس أمر الله على أمره لأن هذا لو قدرنا انه أمر محمود فانه ولا ريب انه محمود بالنسبة إلى الإنسان الذي يقع في الانفعالات ويتوعد بدون تروي بسبب دافع الانفعال الذي يدفعه إلى الوعيد أما الله سبحانه وتعالى منـزه عن ذلك فهو لا تؤثر عليه الأحوال وهو سبحانه وتعالى يسبب الأسباب ولا تسبب له الأسباب أمر ، فهو وحده يسبب الأسباب وهو قاهر الأسباب والمسببات وهو الحاكم لكل أمر . فأن يكون هنالك سبب يدفع الله تعالى إلى ذلك كما هو شان المخلوق فالمخلوق عندما يتوعد بدون تروي إنما يريد أن يشفي ما في نفسه من الحقد والانفعال والله سبحانه وتعالى أمره بخلاف ذلك فوعيده لا يكون إلا لحكمة ووعده عز وجل لا يكون إلا لحكمة

على أن من العرب أيضا من عد إنجاز الوعد من مكارم الأمور التي يترتب عليه الوصف الحسن فقد روي عن أحد شعراء العرب أيضا انه قال: أن أبا خالد لمعتدل الرأي كريم الأصل والبيت لايخلف الوعد ولا الوعيد ولا يبيت من فراءه على فوت . فترون أن الوصف الذي وصف به هذا الموصوف أنه لا يخلف الوعد ولا الوعيد بالنسبة إلى حال الإنسان نفسه فان إخلاف الوعيد قد يكون أمرا محمود وقد يكون أمرا مذموما فهو بالنسبة إلى الإنسان يكون أمرا محمودا عندما يكون هذا الوعيد ناشئا عن انفعالا بدون أن يتروى وإخلافه للوعيد راجع عن الباطل لأنه لو نفذ الوعيد لأدى ذلك إلى ارتكاب الحماقات والباطل لأنه يتوعد من لا يستحق الوعيد أو يتوعد بوعيد يتجاوز ما يستحق المتوعد من عقاب وأن الحال الذي يكون فيها انجاز الوعيد من المحامد فهي أن يتوعد الحاكم القادر أهل الفسوق والفساد الذي يعيثون في الأرض الفساد لردعهم عن فسادهم بما ينزله عليهم من العقوبات فهو أن أخلف هذا الوعيد كان ذلك مما يجري أصحاب الفساد على مواصلة ارتكاب فسادهم والعبث في هذه الأرض مما يؤدي على عدم استقرار الأحوال ويؤدي إلى أن يكون الناس غير آمنين على أنفسهم عندما يكون الحكام الذين يتوعدون المفسدين يخلفون وعيدهم فيهم

ومن المعلوم أن حكم الله تعالى لا تبديل له فقد وعد الله الطائعين ما وعدهم وهو منجز وعده وتوعد العاصين ما توعدهم من العقاب وهو منجز لهم وعيدهم كما يدل على ذلك القرآن على أن عندما يكون الإنسان غير خائف من وعيد الله سبحانه وتعالى لا ريب أنه لا يدرك ولو ذكر لا يدكر فالله سبحانه وتعالى يقول :وذكر بالقرآن من يخاف وعيد" وتقول عز من قائل "سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى" ويقول سبحانه وتعالى "لتنذر قوما ما أنذر آبائهم فهم غافلون * لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون * إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون * وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون * وسواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم" فالذي يخشى الله تبارك وتعالى بالغيب هو الذي يبشر على أن المؤمن يخشى الله تبارك وتعالى في حال استمساكه بطاعة الله ومسارعته إلى أمره ذلك لأن الله تعالى يقول "إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بربهم لا يشركون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة إنهم إلى ربهم راجعون" وذلك جاء في الحديث أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما سئلت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خشية المؤمن أتكون هذه الخشية عندما يقارف المعصية ؟ أجابها بأنه يخشى الله في حال عمله بالطاعة وتلا هذه الآية "والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون" . نسأل الله تعالى العفو والعافية .

اختاره ونقله لكم أبو مجـــــــاهد 

العقيــدة الصحيحة 01

العقيــدة الصحيحة و ما يضادها  الجزء الاول

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: جاء الإسلام بعقائد عن حقيقة المعاد والجزاء ، بحيث تجعل الإنسان معتقداً أن الجزاء العادل هو المصير الذي ينتظر كل مكلف يوم العرض الأكبر الذي تتميز فيه الخلائق بعضها عن بعض وتتقطع الأواصر ويبقى الإنسان مرهوناً بعمله إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر. وحول هذا الموضوع أنقل لك أخي القارئ الكريم هذه القراءات من تفسير الأستاذ سيد قطب:

1 - " ومثل أهل الكتاب هؤلاء مثل من يزعمون اليوم أنهم مسلمون. ثم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون. وفيهم من يتبجحون ويتوقحون، ويزعمون أن حياة الناس دنيا لا دين ! وأن لا ضرورة لإقحام الدين في حياة الناس العملية وارتباطاتهم الاقتصادية والاجتماعية، بل العائلية ، ثم يظلون بعد ذلك يزعمون أنهم مسلمون! ثم يعتقد بعضهم في غرارة بلهاء أن الله لن يعذبهم إلا تطهيراً من المعاصي، ثم يساقون إلى الجنة ! أليسوا مسلمين ؟ إنه نفس الظن الذي كان يظنه أهل الكتاب هؤلاء ، ونفس الغرور بما افتروه ولا أصل له في الدين …. وهؤلاء وأولئك سواء في تنصلهم من أصل الدين، وتمصلهم من حقيقته التي يرضاها الله: الإسلام … الاستسلام والطاعة والإتباع" ( في ظلال القرآن ج1/ص383 )

2 - " وكل ما يقوله أهل الكتاب إذن من أنهم لن يدخلوا النار إلا أياماً معدودات. وكل ما رتبوه على هذا التميع في تصور عدل الله في جزائه من أماني خادعة … باطل باطل لا يقوم على أساس " ( المرجع السابق، ج1/ص404)

3 - ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ؟ ودرسوا ما فيه ؟ ) ألم يؤخذ عليهم ميثاق الله في الكتاب ألا يتأولوا ولا يحتالوا على النصوص ، وألا يخبروا عن الله إلا بالحق .. فما بالهم يقولون : ( سيغفر لنا ) ويتهافتون على أعراض الحياة الدنيا ؟ ويبررون لأنفسهم هذا بالتقول على الله وتأكيد غفرانه لهم ، وهم يعلمون أن الله إنما يغفر لمن يتوبون حقاً ، ويقلعون عن المعصية فعلاً ؛ وليس هذا حالهم ، فهم يعودون كلما رأوا عرضاً من أعراض الحياة الدنيا ! وهم درسوا هذا الكتاب وعرفوا ما فيه ! بلى ! ولكن الدراسة لا تجدي ما لم تخالط القلوب . وكم من دارسين للدين وقلوبهم عنه بعيد . إنما يدرسونه ليتأولوا ويحتالوا ، ويحرفوا الكلم عن مواضعه ، ويجدوا المخارج للفتاوى المغرضة التي تنيلهم عرض الحياة الدنيا … وهل آفة الدين إلا الذين يدرسونه دراسة ، ولا يأخذونه عقيدة ، ولا يتقون الله ولا يرهبونه ؟! " ( المرجع السابق ، ج3 / ص1387 )

4 – " ولا شفاعة يومئذ إلا لمن قدم عملاً صالحاً فهو عهد له عند الله يستوفيه. وقد وعد الله من آمن وعمل صالحاً أن يجزيه الجزاء الأوفى ، ولن يخلف الله وعداً " ( المرجع السابق، ج4/2320 )

5 – " ولعل أشد الوعود إغراء الوعد بالعفو والمغفرة بعد الذنب والخطيئة ؛ وهي الثغرة التي يدخل منها الشيطان على كثير من القلوب التي يعز عليه غزوها من ناحية المجاهرة بالمعصية والمكابرة. فيتلطف حينئذ إلى تلك النفوس المتحرجة ، ويزين لها الخطيئة وهو يلوح لها بسعة الرحمة الإلهية وشمول العفو والمغفرة " ( المرجع السابق ، ج4/2239 )

6 – " فهو بعباده رحيم حتى وإن ظلموا فترة ، يفتح لهم باب المغفرة ليدخلوه عن طريق التوبة. ولكن يأخذ بعقابه الشديد من يصرون ويلجون ، ولا يلجون من الباب المفتوح " ( المرجع السابق ، ج4/ 2047) أمة الإسلام ما زالت بخير ما دام هناك من أبنائها من يأخذ عقائده من القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وأما الذين اتبعوا اليهود في التمني على الله الأماني فلن يضروا أحداً إلا أنفسهم فعليهم الرجوع إلى الحق الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. هذا والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته.

الكـاتـب : المنصور. 

المعتقد الديني لبني مزاب عبر التاريخ

حرية المذاهب الإسلامية في الدولة الرستمية

حرية كل المذاهب الإسلامية واحترامها في الدولة الرستمية

وكانت الدولة الرستمية دولة الحرية الفكرية، وحرية الاعتقاد، وحرية الكلام في حدود الدين الإسلامي العظيم. إن رؤساءها وجمهور رعيتها كانوا على المذهب الأباضي الجمهوري؛ ولكنهم لا يفرضون على احد رأيهم، ولا يحملونه بالقوة على مذهبهم، بل يتركون كل احد يختار من المذاهب الإسلامية ما يشاء. وكانوا يحترمون كل المذاهب الإسلامية التي لا تخالف الدين. وكانت تعيش في تيهرت كل المذاهب الإسلامية.

كان فيها المالكية، والمعتزلة، والصفرية، ومذهب أهل الكوفة والعراق، وكل المذاهب الإسلامية الموجودة في المشرق. وكانوا يجدون في تيهرت حرية عرض مذاهبهم، والدعوة إليها، والاحتجاج لها، كما كانوا يجدون كل احترام من خاصة تيهرت وعامتها، ولا يحتقرهم احد. ولا يكم فمهم إنسان. وسترى في قصة الشيخ مهدي النفوسي عالم جبل نفوسة الذي استنجد به الإمام عبد الوهاب لمناظرة عالم المعتزلة الذي أفحم علماء تيهرت بذكائه وبراعته في المناظرة، واستطاع لما وجد من حرية الكلام في تيهرت أن يحاجج الإمام عبد الوهاب رئيس الدولة نفسه، وهو عالم تيهرت، فيفحمه، فعجز الإمام عبد الوهاب عن مناظرته، فلم يسكته بالقوة كما يفعل الملوك، بل استنجد بعلماء جبل نفوسة، فاحموه. فأسكته بالحجة، وألزمه الصمت بالأدلة القاطعة.

وكان الشيخ مهدي النفوسي فارس المناظرة الذب أفحم العالم ألمعتزلي يغيب عن صحبه النفوسيين أياما حتى يتحيروا عليه، وهو يجتمع بعلماء كل المذاهب الإسلامية في مساجد تيهرت، ويستضيفونه في منازلهم وفي ضواحي تيهرت التي يسكنونها، فيناظرونه، وتطول المناظرة ويتصل الحجاج، فيبقى الشيخ مهدي أياما في هذا الجو العقلي المتقد الممتع في مساجد تيهرت ونواديها العلمية، ولا يستطيع الرجوع إلى محل الضيافة الذي نزول فيه هو وصحبه. وقد رجع يوم بعد غيبة أيام فسأله صحبه عن سبب غيبته فأجابهم: بأنه كان مع علماء تيهرت في مجامعهم يناظرهم فاستطاع أن يقنع بالحجة الساطعة، والبرهان القوي في ميادين المناظرة الحرة في تيهرت سبعين عالما من الصفرية والمعتزلة وغيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى، وكانوا لا يرون ما يعتقده الإباضية الجمهوريون فأقنعهم فأدركوا صوابهم، فانضموا إليهم، وتركوا أقوالهم الماضية، وصاروا لما أقنعهم الشيخ مهدي على مذهبه الجمهوري المعتدل الذي يوافق الدين في كل الأشياء.

قال احمد بن سعيد الدرجيني: "وبلغنا أن مهدي لما صار بتيهرت كان يغيب عن أصحابه أياما لا يدرون له مستقرا حتى ساءت ظنونهم )وخافوا أن يكون قد حل به سوء.

فلما كان ذات ليلة قدم عليهم فسألوه عن مغيبه فقال لهم: إني قد رددت إلى مذهب الحق سبعين عالما من أهل الخلاف"1.

كانت الدولة الرستمية دولة الحرية الفكرية الكاملة، وكانت كل المذاهب الإسلامية التي لا تشذ عن أصول الدين موجود فيها. كان فيها المالكية وغيرهم من المذاهب الإسلامية المنتشرة في المغرب. وكان أهلها يتمتعون بالاحترام الكامل، ويجدون ما يشاءون من حرية، وكل ما يريدون من إخوة إسلامية. لا تعصب، ولا حقد كما يكون في العواصم الملوكية المستبدة، ولا كبت ولا إرغام على مذهب الدولة كما يفعل الملوك المستبدون.

قال ابن الصغير المالكي وقد عاش في تيهرت أيام الدولة الرستمية. قال وهو يصف الحرية الفكرية الكاملة، والإخوة الإسلامية التامة في عهد الإمام أبي حاتم في آخر أيام الدولة الرستمية وفي شيخوختها، وهو عهد تكون فيه الدولة الهرمة كالإنسان الهرم ضيق العطن، لا يتحمل المخالفة، ولا يستسيغ المناظرة، ومع ذلك كانت الدولة الرستمية الراسخة في الديمقراطية الإسلامية كما وصفها ابن الصغير المالكي قال: "وكانت مساجد [تيهرت] عامرة، وجامعهم يجتمعون فيه، وخطيبهم لا ينكرون عليه شيئا. إلا أن الفقهاء تباحثت فيما بينها، وتناظرت واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خافتها فيه صاحبتها. ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك"2. هذه هي حالة أجدادنا العظيمة في الإخوة الإسلامية. كانت قلوبهم متعانقة لصفائها بنور الإيمان، ولطهارتها بالدين الراسخ، وإن تصارعت عقولهم في ميدان الحجة والبرهان. أنهم وإن اختلفوا في الفروع غصون شجرة واحدة لأصل واحدة هو الدين الإسلامي السمح الواسع. وكانت مناظرتهم مناظرة العلماء الفحول، وقوة هادئة متبصرة. وكانت عقولهم تصطدم فيها اصطدام الشفاه بالشفاه في القبلة العطشى، عميقة ولكنها غير مؤذية، ومعها نشوة العقول الناضجة بالبحث والحجاج! أنهم غصون مثقلة بثمارها في الشجرة الواحدة. تهزها العاصفة فتتمايل في اتزان، وتتفارع في رفق، وليسوا كالجهلة المتعصبين الذين يكونون في المناظرة كالذئاب المسعورة المتقاتلة، وتراهم كالغصون الفارغة الضيقة، تهب العاصفة عليها فتتصادم وتورثها الاعوجاج!3

----------------------

1-طبقات الدرجيني ص 26 من نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم 2612 )تاريخ، والخزانة التيمورية(

2-سيرة الأئمة الرستمية لابن الصغير ص 42 ط باريس.

3-إن مزج التاريخ بالأدب الذي يزيده وضوحا ونضارة مما يجب لتحبيبه إلى النفوس. ولا أرى المتزمتين الذين ألفوا افتراش الحصير اليابس البالي ينكرون علينا أن نبسط لأبنائنا الزرابي القيروانية والمغربية الوثيرة الجميلة لنجدهم من التاريخ الأوربي الطلي الجذاب بحسن عرضه وبفلسفته وجمال أسلوبه، فيعيشوا مع أجدادهم في تاريخنا أيضا، فيكونوا أبناءنا، ويكونوا كما نريد، لا تستأثر بهم تلك الكتب الأوروبية التي يجب أن تكون فرعا ونافلة نزداد بها ثقافة. لأصل وفرض هو تاريخنا الإسلامي العظيم!

 

محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير ج3 ص 296-298

خلود أهل الكبائر في النار

الأدلة الدامغة لخلود أهل الكبائر في النار

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله عظيم الشان ناصع البرهان ، أهل الحمد والفضل والثناء ، بيده مقاليد كل شيء وهو على كل شيء قدير . والصلاة والسلام على خاتم رسالة السماء محمد خير ولد آدم صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والثناء ومن سار على دربهم ونهج نهجهم إلى يوم العرض والجزاء. أما بعد :

فإن الكثير من المسلمين اليوم يظن – وبعض الظن إثم - أن أمة الإسلام أصبحت شعب الله المختار فللمسلم أن يفعل ما يشاء ولن تمسه النار من الوقت إلا برهة ثم يخرج إلى الجنان شريطة أن يكون بالله غير مشرك ، وإن تعدى بعد ذلك الحدود وتاه في وديان المعصية كما يشاء من غير توبة ولا ندم ولا استغفار ، أما غيرنا من الأمم فلهم الخلود في النار ، فأبواب النار لا تنفتح إلا عن فسقة المسلمين! وكأن الشريعة الغراء ما جاءت إلا لإقرار التوحيد فلا حدود ولا قيود ولا حلال ولا حرام. وهذا اعتقاد خطير وإن لم يصرح به - فكيف والخطب الرنانة تصدح على أشرف المنابر صباح مساء تنادي بعقيدة الخروج من النار التي تجرئ الناس على ارتكاب الموبقات وانتهاك الحرمات التي جاء القرآن الكريم والسنة المطهرة لبيان خطرها وإزهاق شرها.

إن دعوى فائدة التوحيد منفصلاً عن العمل الصالح ما هي إلا {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه } وإلا فإن الله سبحانه وتعالى يقول {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} الكهف. فالتوحيد ليس إلا استهتاراً بالمعبود إن لم يتبع الاعتراف به طاعة مخلصة وتسليم مطلق ، وهو توحيد عرف شأنه مشركو قريش فحاربوا الإسلام بسببه وإلا لما كان هناك عناء من الاعتراف به ثم ارتكاب الموبقات. ألا إن العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ؛ وإلا فإن اليهود موحدون وليسوا بأهل شرك وحفظ القرآن لهم ذلك فميزهم عن المشركين ولم ينادهم إلا بقوله (أهل الكتاب) فهل وجبت لهم الجنة بسبب توحيدهم هذا منفردا ؟! والعجب أنا كأن بأسماعنا وقر فلا نسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذرنا من اتباع سنن من قبلنا شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى تبعناهم في المعتقدات .

وما وراثة بعضنا لفكرة شعب الله المختار وأن الاختيار قد وقع علينا بعد يهود لنفعل ما نشاء فلا يعذبنا الله إلا قليلاً ثم يغفر لنا فيدخلنا الجنة إلا مثال صارخ على ذلك ، وكأنا لم نسمع لنهيه عليه الصلاة والسلام لنا قائلا : (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود ، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) . ليت شعري أنحن خير الأمم لأنا تسمينا بالإسلام أم لأنا نعمل به ؛ أمراً بمعروف ونهياً عن منكر وإيماناً بالله وعملاً صالحا ؟! ألا تنفعنا الأبصار والبصائر لنرى الفرق بين العمل بالإسلام ومجرد الانتماء إليه !. أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لم يفرقوا بين القول والعمل انظروا إلى أثرهم في الأرض باق إلى قيام الساعة مع أن كل تشريفهم للدنيا وإشراقها بهم كان في غمضة من الدهر !، فهل يساويه أثر من أتى بعدهم رغم طول الأمد وكثرة العُدد والعَدد ؟‍! فو الله ما ذاك الفرق إلا لأن لسان حال اللاحقين يقول "عملنا أم لم نعمل فمأوانا جنان النعيم ولو بعد حين!!!" فسبحان مقسِّم الأرزاق والعقول !

أيها الناس : ليس بمسلم حقيقي من أقام على سوء العمل وإن دفن في مقابر المسلمين، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نردده بكرة وعشياً قائلا : (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ) متفق عليه. فالمسلم الذي لا يسلم المسلمون من لسانه ويده ليس بمسلم وإن لقلق بلسانه ودوِّن ذلك في جواز سفره. والمهاجر إن لم يترك ما نهى الله عنه فليس بمهاجر وإن كان خارجاً إلى أقصى الأرض بأمر السماء . وأين لنا الفرار من آي الكتاب رابطة{الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ربط السبب بالنتيجة ؛ منادية :{والعصر إن الإنسان في خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} قارنة القول بالعمل ؟! أيها الناس ليرض من يرض وليسخط من يسخط فعقيدة الخروج من النار باطلة كاسدة عارية من الحجة والبرهان يهودية الأصل ، ولا شك في حقيقة أنها دخلت في روايات الحديث من تحت أياديهم الخبيثة ، فتسللت في زمان الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتؤخذ من بعد على أنها مسلمات في كتب الحديث وإن خالفت محكم الكتاب – ويكفيك أن أحد رواة هذه الأحاديث الثقاة اسمه (أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق) فقد تعني لك الأسماء شيئاً ! ، مع أن آي الكتاب تصرح بخلود أهل الكبائر في نار جهنم وتشنع على عقيدة الخروج من النار بأنها أمنية يهودية كاذبة وبرق خُـلَّب ، وإذا تحدثت عن آكل الربا صرحت بخلوده في النار وإن تكلمت عن قاتل النفس صرحت بخلوده في النار وإن تحدثت عن الزاني صرحت بخلوده في النار ، وعدد طويلاً ، حتى ظهرت فينا نابتة من أهل الدين والشرف تدافع عن الزناة بأنهم سيدخلون الجنة ما داموا لم يجمعوا مع زناهم الشرك وقتل النفس ! فالله الله بالشفقة على المومسات وأهل الفجور؟

وهنا سأنقل طائفة من أقوال الرسول الكريم فيها والله كشف للغمة إن كان للحق من سامع وللحكمة من باحث ، أرجو أن ينظر إليها بعين التمحيص والبحث لا عين التحدي والمكابرة والبحث عن طريقة للروغان حول الحديث فكفى عناداً دهوراً طوالا . وهذه الأحاديث تبين حقيقتين:

أولاها : أن المتشدق بالإسلام ما دام لا يعمل عملاً صالحاً فهو ليس من المسلمين حقيقة وإن تستر تحت أعطافهم ودفن في مقابرهم .

وثانيها: مآل المُصر على الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الحرمان من الجنة. وإليك الأحاديث فانصت بقلب سليم :

1. ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا) حديث صحيح رواه أبو داود وأحمد. فهذا بسبب سوء خلقه أخرجه الرسول الكريم من حضيرتنا معاشر المسلمين.

2. (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ ) رواه أحمد وأبو داود . والتخبيب هو إفساد المرأة بكراهة زوجها .

3. ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ وَمَنْ سَلَقَ وَمَنْ خَرَقَ ) رواه أبو داود والحالق هنا هو من يحلق رأسه ولحيته عند المصيبة والسالق من يرفع صوته عندها.

4. ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وروايات أخرى عند مسلم وغيره بلفظ (غشنا) .

5. ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِالرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ وَلا مَنْ تَشَبَّهَ بِالنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ ) رواه أحمد وهذا اللفظ مما تفرد به وفيه رجل مبهم ولكن ذلك مما لا يضيره فللحديث توثيق بأحاديث أخرى كثيرة بأسانيد متينة تلعن المتشبهين من الرجال بالنساء ومن النساء بالرجال ، وهيهات لمن لعنه الله ورسوله أن يدخل الجنة فهو من الرحمة مطرود.

6. (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي فأين الفرار من هذا الحديث الذي يخاطب أهل الإسلام بأن بعضهم سيكون من أهل النار ؟! والملازمة شرط الأهلية ، فأهل النار ينادون {يا مالك ليقض علينا ربك} فيجيبهم {إنكم ماكثون}.

7. (.. وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالَ الْمُتَكَبِّرُونَ..) رواه الترمذي وأحمد وقال الترمذي حديث حسن ، فمرتكبوا الكبائر هؤلاء بغيضين إلى رسول الله بعيدين عنه يوم القيامة ، وليس بغيضاً إلى رسول الله بعيداً عن الرحمة رجل رضي الله عنه ومآله الجنة بعد حين لو كان الأمر كما زعموا !

8. ( بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ) رواه أحمد من عدة طرق ، ونصيب عظيم نصيب من يدخل الجنة ولو بعد عذاب أليم طويل ) .

9. (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) رواه أحمد وأبو داود ، وهذا لم يرتكب إلا كبيرة وقد أخرجته من أمة الإسلام أصلاً.

10. (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) رواه البخاري وأحمد ، ومن أبى فقد ارتكب كبيرة بعصيانه الرسولَ صلى الله عليه وسلم وهو لذا لا يدخل الجنَّة .

11. (لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ) رواه ابن ماجة وهو قوي الإسناد ، اخوته للمؤمنين وقيامه لليل لم ينفعه ولكن الله جعل عمله هباء منثوراً لا وزن له ؛ ومن جعل عمله هباء منثوراً كيف له أن يربح سلعة الله الغالية ؟!

12. (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ ) رواه البخاري وعند أبي داود (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ )فقاطع الرحم لا يدخل الجنة وهو مرتكب كبيرة لا شرك.

13. (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ )رواه البخاري ومسلم والترمذي ،والقتات هو النمام وفي رواية عند مسلم : (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ )

14. (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ) رواه مسلم وأحمد. فالكبيرة حرمته دخول الجنة.

15. ( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ) رواه مسلم.

16. ( ثَلاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ وَالدَّيُّوثُ وَثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى) رواه النسائي بسند قوي، فانظر هداك الله بعين البصيرة لهؤلاء النفر الذين لا يدخلون الجنة ما سبب حرمانهم منها لا شركهم بل الكبائر.

17. (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ ) رواه أبو داود وأحمد والدارمي. وصاحب المكس هو الذي يأخذ الضرائب والعشور بغير حق.

18. ( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ وَلا الْجَعْظَرِيُّ قَالَ وَالْجَوَّاظُ الْغَلِيظُ الْفَظُّ ) رواه أبو داود بإسناد عالٍ ورواه أحمد ، والجعظري الغليظ المتكبر. فسوء أخلاق هؤلاء حرمهم الجنة لا الشرك.

19. (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ ) رواه أحمد وابن ماجة. فإدمان الخمر لا الشرك حرم هذا الجنة.

20. (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ ) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وطريق عثمان صحيحة ، وسيء الملكة هو من يسيء معاملة خدمه ، وسوء خلقه هذا حرمه الجنة لا الشرك.

21 (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ ) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد. فانظر إلى سبب حرمان هذا من الجنة أهو الشرك أم الكبيرة ؟!

22. ( مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ ) رواه البخاري وعند مسلم (.. وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ ) وفي رواية (إلا أن يتوب) وروى الحديث مالك والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد والدارمي وعدد من شئت بعد ، وأسألك أيها القاريء الكريم بالله عليك أن تسائل نفسك : لماذا نصَّ الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام على وجوب التوبة كشرط لدخول الجنة ؟! أهناك تفسير يستسيغه المنطق السليم غير أن الكبيرة تخلد في النار ما لم تكن هناك توبة ؟!.

23. (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) رواه البخاري والدليل في هذا الحديث أن هذه المنكرات هي ذنوب ارتكبها هؤلاء القوم – وهم طائفة من أمة محمد عليه الصلاة والسلام بنص الحديث – أودت بهم هذه الكبائر إلى أن مسخوا قردة وخنازير ! وكيف لخنازير وقردة أن تدخل الجنة من بعد ؟!

24. (مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا فَلَنْ يَلْبَسَهُ فِي الْآخِرَةِ ) رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، وانظر هداك الله فهذا لو كان يفعل ما يفعل من خير فإن الحرير عليه حرام في الآخرة كناية عن حرمة الجنة عليه ؛ فلمن دخل الجنة ما اشتهت نفسه {لهم ما يشاؤون فيها} ق.

25. ( مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا ثُمَّ دَخَلَ النَّارَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ ) رواه أحمد بسند متين ، والشاهد في هذا أن كيف لصاحب الكبيرة هذا أن يدخل الجنة من بعد وهو قد حكم الله عليه بالسحق والبعد ؟! وثانيها أن بر الوالدين يحجب من دخول النار فأين تحلة القسم المزعوم ؟!.

26. (كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ اللَّهُ بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)رواه البخاري.

27. (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) البخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد من طريق ابن عمرو وأبي بكرة وأبي هريرة رضي الله عنهم وإن كانت طريق أبي هريرة ضعيفة فالأخريات يعضدنها.

28. بل ومن الصحابة من يرى خلود بعض أصحاب الكبائر في النار وإن تابوا ، فهذا ابن عباس عند النسائي وغيره بإسناد متين : عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ لا وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ) قَالَ هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ) وهو يرى خلود قاتل النفس وإن تاب.

29. (خَطَبَنَا عَلِيٌّ رَضِي اللَّه عَنْه عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ يُقْرَأُ إِلا كِتَابُ اللَّهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِلِ وَإِذَا فِيهَا الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ عَيْرٍ إِلَى كَذَا فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلا عَدْلًا وَإِذَا فِيهِ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلا عَدْلا وَإِذَا فِيهَا مَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلا عَدْلاً)رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد من طريق علي وأنس وعمرو بن خارجة

وهناك أحاديث مستفيضة تذكر الخلود الأبدي في النار لمرتكبي الكبائر كالمنتحر وغيره ، ومراجعتها يسيرة اليوم بل ومعرفة صحيحها من غيره بأجهزة الحاسب وفيها بيان وأي بيان.

ويا أيها الناس تكفينا عن كل قول آية واحدة من كتاب الله سبحانه – لو كنا نسلم لله سبحانه في ما يقول من غير مماحكة –تنادي قائلة {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} السجدة . ونحن نعلم أن كل أهل النار تسول لهم أنفسهم الخروج منها ولكن أنى لهم ذلك {ولهم مقامع من حديد . كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق}الأنبياء. فإذا كان (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ) متفق عليه وفي رواية (فِسْق). أفلا يكون ارتكاب الفواحش فسوقاً يشمل أصحابه الوعيد ؟! ويكفيك منها قوله تعالى : "رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ" آل عمران (92) مع قوله : "إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ" النحل (27) وتقريره أن الفاسق يدخل النار للآيات العامة الموعدة ، وكل من يدخل النار فهو مخزي للآية الأولى ، وكل مخزي كافر للآية الثانية وأيضا الْخِزْيَ في الآية مفرد محلى باللام وهو عام فظهر انحصار جميع الخزي في الكافر .

هذا وأسأل الله العفو والعافية والهدى والتقى والعفاف والغنى وأن يجيرنا من النار ومن الوقوع في معصيته وتعدي حدوده فإنه يقول :{ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين}النساء. ويقول :{ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} الجن. أسأل الله الستر يوم العرض إنه السميع القريب المجيب سبحانه وتعالى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ملاحظات :

(1) لا يلتبس على امرئ ما يجد في حديث جبريل ( مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ أَوْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ ) فهذا الحديث يعني أن الزنى والسرقة والآثام إلا الشرك لا تمنع من دخول الجنة ما سبق الممات توبة ، ولكن العودة للشرك بعد الإسلام لا تغفر وهو معنى الآية {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} والله أعلى وأعلم. أما اقتراف الزنى وعدم التوبة منه فقد توعد الله سبحانه عليه الخلود في النار {...ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما . يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً . إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً} الفرقان. ولا عبرة بمن يقول أنه يلزم أن يجتمع الشرك وقتل النفس مع الزنا حتى يكون الخلود في النار فهذا القول بائن العوار ، فالله سبحانه وتعالى قد توعد على جريمة قتل النفس منفردة الخلود في النار {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها } وتوعد على الشرك منفرداً الخلود فلماذا يحتاجان هنا لجمعٍ مع الزنا حتى يكتب الخلود ؟!

(2) هناك من يقول بأن المسلمين سيدخلون النار تحلة القسم ثم يخرجون ، وهذا كلام باطل مردود ، فالله سبحانه وتعالى يقول عن أهل النعيم {أولئك عنها مبعدون . لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون . لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة} وأي مخلوق هذا الذي لا يحزنه دخول جهنم ولو للحظة ؟!! أما الاعتراض بما في سورة مريم من قوله تعالى {وإن منكم إلا واردها} فهو اعتراضُ مَن قرأ قوله تعالى {فويل للمصلين} مبتورة هكذا . فالسياق هناك سياق تهديد ووعيد للكافرين بداية من قوله تعالى {فوربك لنحشرنّهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا} وأسلوب الالتفات وتغيير السياق من الغيبة للخطاب أسلوب عربي شهير، وله مقصد بلاغي عظيم فهو قد جاءهنا للمبالغة في التخويف، وقد جاء في مواضع أخرى من القرآن الكريم كقوله تعالى في سورة النساء : {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } ثم التفت القرآن الكريم في نفس الآية إلى المؤمنين أنفسهم تكريماً وتربية وتشريفاً فقال لهم بأسلوب الخطاب المباشر لا الغائب{ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم ..} 102 واقرأ الآيتين بعدها فهما في نفس السياق.

(2) ولا يغرنك ما رواه البخاري في صحيحه: (أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا أَوِ الْحَيَاةِ شَكَّ مَالِكٌ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً ) ففي إسناده إسماعيل بن عبدالله وهذا يكفي للحكم على هذا الحديث ، لا كما ادعوا صحة إسناده ، فبعضهم كذَّب إسماعيل هذا بل نصَّ ابن عدي : أنه يروي الغرائب عن خاله مالك كما تجده في تهذيب التهذيب ج1 ص157 طبعة مؤسسة الرسالة .

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فهناك أحاديث صريحة تبين حرمة المسلمين الموفين على النار فلا يدخلوها أبداً كقوله صلى الله عليه وسلم (لا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَيَدْخُلَ النَّارَ أَوْ تَطْعَمَهُ) رواه مسلم فهذه ولا بد شهادة خامرت القلب فصلح فتحركت الجوارح بما يرضي الله وانتهت عماَّ حرَّم فهي لا تدخل النار أبداً، وإلا فإن أحاديث كثيرة كما رأينا تذكر مسلمين هم من أهل النار لم تنفعهم اللقلقة باللسان من دخول النار. سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أبو البراء 

دروس في العقيدة الإسلامية

مقدمة

الحمد لله الذي بأنوار حكمته استضأت السماوات والأرض ومن فيهن ، والصلاة والسلام على المبعوث بدعوة التوحيد وآله وصحابته الغر الميامين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد

فلقد كان اهتمام المصطفى _ صلى الله عليه وسلم_ بالدعوة إلى عقيدة التوحيد والحث على تعليمها وتعلمها منطلقا للمسلمين للإهتمام بهذا الجانب ، ولهذا ظهرت لعلماء الإسلام مدونات كثيرة تتناول مواضيع التوحيد ، ومناقشة أصحاب الديانات والفرق المنحرفة عن توحيد الله . ولقد كان لتلك المدونات أثرها في إثراء الفكر الإسلامي ، وقد تنوعت مناهج المؤلفين فيها ، بحسب المواضيع المطروحة وبحسب القضايا التي تناولوها ، فمنها ما كان يعتمد على أسلوب الحوار ، ومنها ما كان يكتفي بعرض القضايا العقدية مباشرة . وقد ظهرت هذه المدونات من حيث مادتها بين المطول ، وبين المختصر .

وقد رغبت في إعداد مختصر يتناول بعض القضايا العقائدية ، ليكون نبراسا للناشئة من طلبة العلم ، يغترفون منه مايحتاجون إليه من فوائد .

وقد اتبعت فيه أسلوب السؤال والجواب لتسهل الإستفادة منه .

فأسأل الله_ جل وعلا_ أن يبارك فيه وأن يوفق للإستفادة والإنتفاع منه ، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين .

عبدالله بن سليمان بن عبدالله الريامي

غرة ربيع الأول/1418هـ

الدرس الأول: أهمية العقيدة الإسلامية

س1/ ما المقصود بكلمة العقيدة ؟

ج1/ العقيدة لغة: نقيض الحل. نقول: عقد الحبل يعقده بمعنى شده . ثم استعمل في التصميم والإعتقاد الجازم .

اصطلاحا: مجموعة من المسلمات والمباديء يعتقدها القلب ويسلم بها يقينا لايخالطه الشك .

س2/ لماذا كانت دراسة العقيدة مهمة ؟

ج2/ العقيدة الإسلامية لها أهمية في حياة المسلم ، فالعقيدة الصحيحة في القلب كالبذرة الحية في الثرى: ينتج الإعتقاد عملا صالحا كما تنتج تلك البذرة ثمرا طيبا . والعقيدة الإسلامية مهمة في حياتنا لأنها تعطينا التصور الصحيح للكون والحياة والإنسان وتوجهنا الوجهة الصحيحة لحمل رسالتنا في هذه الحياة ، وتأتي أهمية العقيدة الإسلامية في حياتنا من حيث ارتباطها بتوحيد الخالق_ جل وعلا_ ، وإفراده بالعبودية ووصفه بالكمال وتنزيهه عن النقائص . كل هذا له أهمية كبيرة ، لأن التوحيد هو الأساس الأول في التصور الإسلامي ، فبدون التوحيد لا يقبل الله_ عز وجل_ من الإنسان عملا ، بل كل عمل يعمله الإنسان بدون توحيده لله _ عز وجل_ يكون هباءا منثورا. قال تعالى?وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا) . ولهذا كان دعوة كل رسول من رسل الله_ عليهم السلام إلى توحيد الخالق - جل وعلا . قال تعالى:(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) . وقال تعالى:( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لاإله إلا أنا فاعبدون) .

س3/ اقرأ الحديث النبوي الآتي . ثم أجب عن الأسئلة التي بعده .

جاء في الحديث النبوي. أبوعبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: خرج رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ ذات يوم إلى المسجد فوجد أصحابه عِزين يتذاكرون فنون العلم فأول حلقة وقف عليها وجدهم يقرؤن القرآن فجلس إليهم . فقال:( بهذا أرسلني ربي) ثم قام إلى الثانية فوجدهم يتكلمون في الحلال والحرام فجلس إليهم ولم يقل شيئا ، ثم قام إلى الثالثة فوجدهم يذكرون توحيد الله_ عزوجل_ ونفي الأشباه والأمثال عنه فجلس إليهم كثيرا ثم قال: (بهذا أمرني ربي) قال جابر: لأن التوحيد معرفة الله _ عزوجل_ ومن لايعرف توحيد الله فليس بمؤمن .

أ_ استخرج من الحديث النبوي مايدل على حرص الصحابة على طلب العلم ؟

ب_ لماذا جلس الرسول _ صلى الله عليه وسلم كثيرا في الحلقة الثالثة ؟ وعلام يدل ذلك ؟

ج_ اشرح عبارة الإمام جابر بن زيد الآتية: (ومن لايعرف توحيد الله فليس بمؤمن) .

ج3/أ / فوجد أصحابه عِزين يتذاكرون فنون العلم .

ب/ لأنه وجدهم يتذاكرون التوحيد الذي أمره ربه بالدعوة إليه .

ج /أي أن الإيمان يقوم على توحيد الله_ جل وعلا . وهذا الإيمان أساس قبول الأعمال عند الله_ جل وعلا.

الدرس الثاني: خصائص العقيدة الإسلامية

س1/ مامعنى خصائص العقيدة الإسلامية ؟

ج1/ الميزات التي تتميز بها عن غيرها من العقائد . أي التي لاتتوفر في غيرها .

س2/ ماهي خصائص العقيدة الإسلامية ؟

ج2/ أ_ ربانية .

ب_ موافقة للعقل وللفطرة .

ج_ شاملة .

د_ واضحة .

هـ_ متوازنة .

س3/ وضِح معنى: ربانية العقيدة الإسلامية ؟

ج3/ أي ان مصدرها من عند الله_جل وعلا .

س4/ كيف كانت ربانية العقيدة الإسلامية خاصية من خصائصها ؟

ج4/ لأن الإسلام هو التصور الإعتقادي السماوي الوحيد الباقي على أصله الرباني لم يدخله التحريف والتبديل ، وذلك لأن الله_عزوجل تكفل بحفظة.قال تعالى:( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) . أما التصورات السماوية التي جاءت بها الديانات قبله ، فقد دخلها التحريف والتبديل أما هذا الكتاب فقد وصفه الله_جل وعلا بقوله:(وإنه لكتاب عزيز . لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه تنزيل من حكيم حميد ) .

س5/ ماأهمية ربانية العقيدة الإسلامية ؟

ج5/ أهميتها تأتي من أنها تحمل الكمال ، لأن الله _جل وعلا_ متصف بالكمال وتحقق عمارة الكون لأن الخالق _ جل وعلا_ عالم بما يصلح هذا الكون. قال تعالى:( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) . بخلاف غيرها من العقائد الصادرة عن البشر فإنها عاجزة وقاصرة بحسب الأفهام والمدارك المحدودة لأولئك البشر وبحسب أهوائهم . فالإنسان محكوم من حيث طبيعته أنه مخلوق حادث: ليس أزليا ولاأبديا ، كما ان إدراكه يكون محدودا بما تحده به طبيعته البشرية .

س6/ كيف كانت العقيدة الإسلامية موافقة للعقل وللفطرة ؟

ج6/ ان العقيدة الإسلامية تدعو للتوحيد وهذا موافق لعقل الإنسان ويتلائم مع فطرته . فكل ما يخالف عقيدة التوحيد يصطدم مع العقل ويشتته ، لأنه لوكان في الكون إلهين لفسد الكون واختل نظامه . قال تعالى:(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ، وقال تعالى:( وماكان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على سبحان الله عما يصفون) . كما أن هذه العقيدة تحارب الخرافات والتقليد الأعمى وتأمر بإثبات الحقائق وفق البراهين والحجج القاطعة ، وأخذ الأمور عن طريق الإقتناع ، والطاعة عن بصيرة لاعن عماية .

س7/ ماوجه شمولية العقيدة الإسلامية ؟

ج7/ شملت العقيدة الإسلامية في تناولها وبيانها كل مايتعلق بهذا الكون . فتناولت:

أ_ توحيد الخالق _ جل وعلا_ وأسمائه وصفاته الكمالية ، وشمول إرادته وتدبيره وهيمنته لكل شيء .

ب_ الإيمان برسل الله _عليهم السلام _ وبكتبه المنزلة .

ج _ بيان ماهو خارج عن حواس الإنسان الا وهو الإيمان بعالم الغيب كالايمان بالملائكة والإيمان باليوم الآخر .

د_ تناولت حقيقة الكون والحياة والإنسان ، فبينت: أن هذا الكون مخلوق لله_جل وعلا_ مسخر لهذا الإنسان لعمارته وللإستدلال به على مظاهر القدرة الإلهية ، وأن هذه الحياة الدنيا تعقبها حياة أخرى أبدية ينتهي فيها الإنسان إما إلى الجنة وإما إلى النار . وعن حقيقة الإنسان تناولت كل ما يتعلق ببيان أصل الإنسان ونهايته ، وطبيعته ونشأته ، وعلاقة هذا الإنسان بخالقه من إخلاص العبودية لله_ جل وعلا_ في كل شأن من شئونه ، وتوجيه العقل البشري الوجهة الصحيحة للإعتقاد الصحيح من خلالا النظر والتفكر في هذا الكون وفي الأنفس .

س8/ ماسر شمولية العقيدة الإسلامية ؟

ج8/ السر يعود لمصدرها وربانيتها .

س9/ وضح العبارة الآتية: العقيدة الإسلامية عقيدة واضحة .

ج9/ بمعنى أنها عقيدة سهلة لاخفاء فيها ولاغموض ، غايتها توحيد الله _جل وعلا_ وتنزيهه عن العجز والنقائص ونفي الأشباه والشركاء عنه ، كذلك فهي واضحة من حيث التكليف ومسئولية الإنسان: فكل إنسان مسئول عن عمله.قال تعالى:(كل نفس بما كسبت رهينة) .

س10/ مامظاهر التوازن في العقيدة الإسلامية ؟

ج10/ التوازن بين الإيمان بعالم الغيب وكل ما لاتراه الأبصار، والإيمان بعالم المشاهدة ، والتوازن بين طلاقة المشيئة الإلهية وثبات السنن الكونية ، فالمشيئة الإلهية تبدع كل شيء بمجرد توجهها لإبداعه.قال تعالى:(إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) ، والتوازن في مصادر المعرفة بين الوحي والنص وبين صفحة الكون المشهود عن طريق النظر العقلي( أي التوازن بين الوحي والعقل) . والتوازن بين فاعلية الإنسان وفاعلية الكون ، فالكون والإنسان من إبداع الخالق _ جل وعلا. والإنسان مطالب في هذه الدنيا بأن يعمل لأخرته ، ولاينسى نصيبه من الدنيا . يقول الحق _ جل شآنه:( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولاتنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولاتبغ الفساد في الأرض إن الله لايحب المفسدين) .

 

الدرس الثالث: معنى الإيمان والإسلام

س1/ وضح معنى المصطلحات الآتية:

أ_ الإيمان .

ب_ الإسلام .

ج1/ أ_ الإيمان.لغة: التصديق . واصطلاحا: هو التصديق بالجنان مع الإقرار باللسان وإظهار العمل بالأركان .

ب_ الإسلام: هو الخضوع والإلتزام لأوامر الله وتشريعاته والعمل بأحكامه .

س2/ ماهي طرق الإيمان ؟

ج2/ طرق الإيمان ثلاث هي:

أ_ الإدراك الفطري .

ب_ النظر العقلي .

ج_ الوحي الإلهي .

س3/ ماهي أركان الإيمان ؟ أيد إجابتك بحديث نبوي .

ج3/ أ_ الإيمان بالله . ب_الإيمان بالملائكة . ج_ الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله . د_ الإيمان برسل الله . هـ_ الإيمان بالبعث . و_ الإيمان بالقدر كله .

الدليل:عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ عن الإيمان فقال:( أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث وتؤمن بالقدر كله) .

س4/ اشرح العبارة الآتية: الإيمان كلا لايتجزأ .

ج/4 أي ان الإيمان هو ماوقر في القلب وصدقه العمل الصالح . فلا يصلح الإيمان بدون عمل صالح .

س5/ قال تعال:( قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون . والذين هم عن اللغو معرضون . والذين هم للزكاة فاعلون . والذين هم لفروجهم حافظون . إلاعلى أزواجهم أو ماملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين . فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون . والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون . والذين هم على صلواتهم يحافظون. أولئك هم الوارثون . الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) .

استخرج من هذه الآيات:

أ_ صفات المؤمنين .

ب_ فضل الإتصاف بصفات المؤمنين .

ج5/ أ_ (1) الإيمان بالله . (2)الخشوع في الصلاة . (3) الإبتعاد عن اللغو . (4) تأدية الزكاة . (5) حفظ الفرج من الزنا. (6)حفظ الأمانة. (7)المحافظة على الصلاة في أوقاتها .

ب_ الفوز بجنة الفردوس .

س6/ ثلاث أمور إن وجدها المسلم وجد حلاوة الإيمان . اذكرها مؤيدا إجابتك بحديث نبوي ؟

ج6/ أ_ أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما .

ب_ أن يحب المرء لايحبه إلا لله .

ج_ أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار .

الدليل: عن أنس بن مالك _ رضي الله عنه_ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم_ قال:(ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لايحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) .

س7/ مالدليل على وجوب اتباع دين الإسلام ؟

ج7/ قال تعالى:( ورضيت لكم الإسلام دينا) . وقال تعالى:(من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) .

س8/ عدد الأركان الخمسة التي بني عليها دين الإسلام ؟ . مؤيدا إجابتك بحديث نبوي .

ج8/ أ_ شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله . ب_ إقام الصلاة . ج_ إيتاء الزكاة . د_ صوم رمضان . هـ_ حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا .

الدليل: قال صلى الله عليه وسلم:( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) .

س9/ ماالذي نأخذه من الحديث النبوي الآتي . عن أبي موسى _ رضي الله عنه_ قال: قالوا يارسول الله أي الإسلام أفضل . قال:(من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ؟

ج9/ أن من خصائص الإسلام كف الأذى وإزالته .

س10/ ماذا كان جواب سيدنا محمد _ صلى الله عليه وسلم لمن سأله: أي الإسلام خير ؟ ؟

ج10/ اطعام الطعام ، وإقراء السلام . فعن عبدالله بن عمر _ رضي الله عنهما_ أن رجلا سأل النبي _ صلى الله عليه وسلم_ أي الإسلام خير ؟ قال:( تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) .

 

الدرس الرابع: كلمة التوحيد وفضلها

س1/ ماأول مايكلف به الإنسان بعد البلوغ ؟

ج1/ الإقرار بالوحدانية لله_عزوجل .

س2/ وضِح المقصود بالتوحيد ؟

ج2/ التوحيد معناه الإفراد . أي الإعتقاد بوحدانية الله_ جل وعلا_ وإفراده بالعبودية والطاعة .

س3/ ماهو نقيض التوحيد ؟

ج3/ نقيض التوحيد هو الإشراك بالله_جل وعلا .

س4/ ما المقصود بكلمة التوحيد ؟

ج4/ يقصد بها: شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن ماجاء به محمد هو الحق من عند الله . وسميت بكلمة التوحيد لدلالتها على التوحيد ونفي الشريك عن الله_ جل وعلا .

س5/لماذا تسمى كلمة التوحيد بكلمة الإخلاص ؟

ج5/ سميت كلمة التوحيد بكلمة الإخلاص لأن الأصل في هذه الكلمة عمل القلب .

س6/ مالذي تستلزمه كلمة التوحيد ؟

ج6/ تستلزم كلمة التوحيد الخضوع لدين الإسلام .

س7/ اذكر آيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين فضل كلمة التوحيد ؟

ج7/ لكلمة التوحيد فضل عظيم عند الله_عزوجل_ كما بينت ذلك الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة . فالحق _جل شآنه_ قد شهد لنفسه بالوحدانية .قال تعالى:(شهد الله أنه لاإله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لاإله إلا هو العزيز الحكيم ) . وقدم الحق_جل شآنه_ العلم بالوحدانية على الإستغفار . قال تعالى:( فاعلم أنه لاإله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) . كما أن هذه الكلمة سبب للنجاة كما يتضح ذلك لنا من خلال قصة سيدنا يونس _عليه السلام_ قال تعالى:( فنادى في الظلمات أن لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) . وهذه الكلمة هي أفضل الذكر ، كما يبين ذلك قول النبي_ صلى الله عليه وسلم_:(أفضل الذكر لاإله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله) . وقال _ صلى الله عليه وسلم_: ( أفضل كلمة قلتها أنا والنبيين من قبلي لاإله إلا الله ) .

س8/ متى تكون كلمة التوحيد سببا في دخول الجنة ؟

ج8/ إذا قالها صاحبها مخلصا بها لله _عزوجل . قال_صلى الله عليه وسلم_:(من قال لاإله إلا الله مخلصا دخل الجنة ، قيل يارسول الله: وما إخلاصها ؟ قال: أن تحجز عن المحارم ) .

/أعلى الصفحة

الدرس الخامس: السؤالات الممتنعة عن الله جل وعلا

س1/ كيف ينبغي علينا أن نصف الله_جل وعلا ؟

ج1/ ينبغي علينا أن نصفه بالكمال وننزهه عن العجز والنقائص .

س2/ كيف نستدل على وجود الخالق ؟

ج2/ من خلال مظاهر قدرته في الآفاق وفي الأنفس .

س3/ مالألفاظ التسع الممتنع السؤال بها عن الله_جل وعلا ؟

ج3/ متى ، كيف ، كم ، هل ، ما ، من ، أي ، أين ، لم .

س4/ لماذا لايسأل عن الله_ جل وعلا_ بـ(متى) ؟

ج4/ لأن(متى) يستفهم بها عن الزمان الذي كان فيه الشيء أو يكون ، والله تعالى أزلي أبدي لايحويه الزمان ، بل هو خالق الزمان .

س5/لماذا لايسأل عن الله_ جل وعلا_بـ(كيف) ؟

ج5/ لأن كيف يستفهم بها عن الحال التي عليها المسؤول عنه . نقول.مثلا: كيف زيد ؟ فيجاب: صحيح أو سقيم . وتحول الأحوال نقيصة في حقه تعالى ، وبالتالي يستحيل نسبتها إليه عزوجل .

س6/لماذا لايسأل عن الله_ جل وعلا_بـ(كم) ؟

ج6/ السؤال بـ(كم) يفترض التعدد. نقول مثلا: كم كتابا قرأت ؟. فيجاب: ثلاثة _مثلا . والله تعالى واحد أحد فرد صمد ، لايصح الشك في وحدانيته .

س7/ لماذا لايسأل عن الله_ جل وعلا_ بـ(هل) ؟

ج7/ هل: سؤال عن التصديق بالنسبة إلى وجود الشيء أو عدم وجوده . والوجود صفة واجبة في حقه تعالى ، فيستحيل السؤال عنه بـ (هل) .

س8/لماذا لايسأل عن الله_ جل وعلا_ بـ(ما) ؟

ج8/ (ما): يستفهم بها عن حقيقة الشيء . فنقول مثلا: مالجبل ؟ . فيجاب: حجر . والله_عزوجل_ لايسأل عن ذاته ، لأنه يستحيل إدراك ذاته_جل وعلا.

س9/لماذا لايسأل عن الله_ جل وعلا_ بـ (مَن) ؟

ج9/لأن (مَن): يستفهم بها عن جنس الشيء . نقول مثلا: مَن زيد ؟ . فيجاب: العربي أو الأعجمي أو البربري .. وغير ذلك . والله تعالى منزه عن التشبيه وعن الجنسية .

س10/لماذا لايسأل عن الله_ جل وعلا_ بـ(أي) ؟

ج10/ لأن (أي) يستفهم بها عن:الشيئين المشتركين في حكم ، كما يستفهم بها عن أجزاء النفس ، والحق _جل شآنه لاشريك له واحد في ذاته ، لاقسيم له ولا أجزاء .

س11/لماذا لايسأل عن الله_ جل وعلا_ بـ(أين) ؟

ج11/لأن(أين): يستفهم بها عن المكان ، والمكان خلق من خلق الله_ جل وعلا _ والله جلّ وعلا أن يحويه مكان .

س12/لماذا لايسأل عن الله_ جل وعلا_ بـ(لِمَ) ؟

ج12/ تكون(لِمَ): للإستفهام عن العلة التي كان لأجلها المستفهم عنه .والله _عزوجل_ منزه عن العلية: فلا علة لوجوده _ جل وعلا .

أعلى الصفحة

الدرس السادس: الأسماء والصفات

س1/ ما المقصود بأسماء الله تعالى ؟

ج1/ يقصد بها المعاني الدالة عليه _ جل وعلا .

س2/ بماذا نصف الله_جل وعلا ؟

ج2/ نصف الله_ جل وعلا_ بما وصف به نفسه من الصفات الكمالية وننزهه عن كل صفة من صفات النقص .

س3/اشرح قول الرسول_صلى الله عليه وسلم:(إن لله تسعا وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ) .

ج3/ معناها: أن من علم هذه الأسماء واستشعر عظمتها من وصف خالقه بها وتنزيهه عن كل نقص .

س4/ قال تعالى:( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ماكانوا يعملون) . أجب عن الأسئلة الآتية:

أ_ مامعنى قوله تعالى:( فادعوه بها) .

ب_ كيف يكون الإلحاد في اسماء الله_جل وعلا .

ج4/ أ_ أي سموا الله _عزوجل_ ونادوه بهذه الأسماء الحسنى .

ب_ يكون الإلحاد بالاشتقاق منها لغيره إشراكا به . كا:اللات من الله ، والعزى من العزيز ، ومناة من منان . ومن الإلحاد تسمية الله_ جل وعلا بما لايجوز أو وصفه _جل وعلا_ بصفات المخلوقين .

س5/ما المقصود بقولنا: أسماء الله هي عين ذاته ؟

ج5/أي مدلول هذه الأسماء هي الذات العلية .

س6/ ما الذي يستلزم القول بأن: صفات الباريء هي غيره وليست عين ذاته ؟

ج6/ يستنلزم احدى ثلاثة أمور:

أ_ إما أن تكون موجودة قبله . وهو باطل لاستلزامه أن يكون الله حادثا _ تعالى الله عن ذلك .

ب_ إما أن تكون موجودة بعده وهو باطل لاستلزامه أن تكون الذات العلية قبل وجود الصفات غير متصفة بالكمالات ، فيلزم اتصافها بالنقص .

ج_ وإما أن تكون مقارنة له في الوجود وهو باطل لاستلزامه تعدد القدماء .

س7/ ما الصفات الواجبة في حقه تعالى ؟

ج7/أي التي يجب وصف الله_جل وعلا_ بها. وهي الصفات الكمالية في حقه تعالى . كا: الوجود ، والقدم ، والأزلية ، والأبدية ، والحياة ، والعلم .

س8/ ما الصفات المستحيلة في حقه تعالى ؟

ج8/ أي التي لايجوز أن يوصف بها _جل وعلا _ كا: الحدوث ، والعدم ، والفناء ، والجهل ، والعجز ، ومشابهة المخلوقين .

س9/ ما الصفات الجائزة في حقه تعالى ؟

ج9/التي يجوز فعلها أو تركها ، ولايوصف بها الله_ جل وعلا_ إلا إذا فعلها . كا: الإحياء ، والإماتة ، وبعث الرسل ، وإنزال الكتب .

أعلى الصفحة

الدرس السابع: الأنبياء والرسل

س1/ ما الفرق بين النبي والرسول ؟

ج1/ النبي في اللغة. وصف مأخوذ من(النبأ) وهو الخبر ، وقيل: مأخوذ من(النبوة) وهي الرفعة والشرف وقيل: مأخوذة من (النباوة) وهي المكان المرتفع . و اصطلاحا: من أوحي إليه بشرع لم يؤمر بتبليغه . فإن أمر بتبليغه كان رسولا . مثاله: نبيء سيدنا محمد _ صلى الله عليه وسلم _ في سورة (اقرأ) وأمر بقرآتها في نفسه ، ولم يؤمر بالتبليغ . ثم أرسل حين أنزلت عليه سورة (المدثر ) .

والرسول في اللغة: المبعوث بالرسالة والموجه لغيره . واصطلاحا: من أوحي إليه بشرع والزم بتبليغه. قال تعالى: ( ياأيها الرسول بلغ ماأنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته )

س2/ما الدليل القرآني على كل مما يلي:

أ_ النبوة اصطفاء من الله_ جل وعلا .

ب_ كفر منكر الإيمان برسل الله_عليهم السلام .

ج_ تفاضل الرسل بعضهم على بعض .

ج2/ أ_ قال تعالى:( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير) . وقال تعالى:(إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) . وقال تعالى مخبرا عن بعض الرسل_عليهم السلام_ : ( وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) .

ب_ قال تعالى:( إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا . أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) .

ج_ قال تعالى:(تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) . وقال تعالى:(ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا ) .

س3/ ما الحكمة من بعث الرسل_عليهم السلام ؟

ج3/ هداية الناس الى الصراط المستقيم ، وانقاذهم من الضلالات والبدع . قال تعالى:(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) . وقال تعالى:( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) .

س4/ بماذا يؤيد الله _ جل وعلا_ رسله_عليهم السلام ؟

ج4/ يؤيدهم بالمعجزات . والمعجزة هي: الأمر الخارق عن عادات البشر والتي لايمكن لأحد من البشر إتيانها إلا بقدرة الله .

س5/ ما الصفات الواجبة في حق الرسل_عليهم السلام ؟

ج5/ هي الصفات الملازمة للرسل والمؤهلة لهم لحمل رسالة ربهم . وهي:

أ_ الصدق . ب_ الأمانة . ج_ التبليغ عن ربهم . د_ رجاحة العقل . هـ_ قوة الحفظ . و_ العصمة .

س6/ مالصفات المستحيلة في حق الرسل_عليهم السلام ؟

ج6/ هي الصفات الممتنع اتصاف الرسل _عليهم السلام _ بها . مثل:

أ_ الكذب . ب_ الخيانة . ج_ الجنون . د_ كثرة النسيان . هـ_الوقوع في الِريب . و_ الغفلة .

س7/ مالصفات الجائزة في حق الرسل_عليهم السلام ؟ أيد إجابتك بدليل قرآني .

ج7/ هي الصفات التي جبل عليها البشر، والتي لاتؤثر في طبيعة الرسالة ، وقد خير الرسل _عليهم السلام _ في فعلها وتركها بحسب ما تتطلبه حياتهم البشرية . مثل:

أ_ الأكل والشرب . ب_ النوم واليقظة . ج_ النكاح والطلاق . د_ مخالطة الناس . هـ_ البيع والشراء . و_ الصحة والمرض . ز_الموت والبعث يوم القيامة .

قال تعالى:( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا . قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) . وقال تعالى:( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) .وقال تعالى:( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) . وقال تعالى:(وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين . فاستجبنا له فكشفنا مابه من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) . وقال تعالى:(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) .

س8/ لماذا أطلق على سيدنا إبراهيم وموسى وعيسى ونوح _عليهم السلام_ بأولي العزم من الرسل ؟

ج8/ اطلق عليهم ذلك لكثرة مالاقوه من تعنت أقوامهم ومانالوه منهم من إيذاء .

س9/ ماأهمية الإيمان برسل الله_ عليهم السلام ؟

ج9/ الإيمان برسل الله_ عليهم السلام_ يدفع المؤمن لطاعة الله ، كما يدفعه للتأسي والإقتداء برسل الله_ عليهم السلام _ وتخصيص الإيمان بسيدنا محمد_صلى الله عليه وسلم _ له أهميته الخاصة حيث يكون ذلك دافعا له لطاعته _ صلى الله عليه وسلم _ والتحاكم لشرعه والرضا بكل ماجاء به .

أعلى الصفحة

الدرس الثامن: الإيمان بسيدنا محمد_صلى الله عليه وسلم

س1/ ما الدليل على امتنان الله _عزوجل_ لهذه الأمة بمبعث سيدنا محمد_ صلى الله عليه وسلم_ ؟

ج1/ قال تعالى:( لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) . وقال تعالى:( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءا فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) .

س2/ لماذا يخص الإيمان بسيدنا محمد _صلى الله عليه وسلم _ من بين الإيمان بجملة الرسل _عليهم السلام ؟

ج 2/ لأن سيدنا محمد _صلى الله عليه وسلم _ هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، ولأننا أمرنا بطاعته والإقتداء به واستنان سنته واتباع ماأمر به . قال تعالى:( ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) . وقال تعالى:( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) . وحذرنا الحق _جل شآنه_ من مخالفة أمره فقال تعالى:(فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) .

س3/ كيف يكون الإيمان بسيدنا محمد_ صلى الله عليه وسلم ؟

ج3/ يكون بالتصديق الذى لايخالجه شك في أنه نبي من عند الله_ عزوجل_ وأن ماجاء به حق من عند الله . ويكون بمحبته _ صلى الله عليه وسلم_ هذه المحبة التي تقتضي طاعته واتباعه فيما ماأمر به ، واجتناب مانهى عنه ، والتخلق بأخلاقه والتأسي به . قال تعالى:( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ) .

س4/ ما الدليل القرآني على ختم الرسالات السماوية بمبعث سيدنا محمد_صلى الله عليه وسلم ؟

ج4/ قال تعالى:( ماكان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) .

س5/ أكمل الحديث النبوي الآتي. قال صلى الله عليه وسلم:(مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه ، فجعل الناس يطوفون ويتعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة ، فأنا اللبنة ، وأنا...) .

ج5/ التكملة:(... خاتم النبيين ) .

س6/ ما الدليل على عالمية رسالة سيدنا محمد _ صلى الله عليه وسلم ؟

ج6/ قال تعالى:( قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) . وقال تعالى:( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) . وقال تعالى:(تبارك الذي نزل الفرقان ليكون للعالمين نذيرا ) . وقال تعالى:(وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ) .

أعلى الصفحة

الدرس التاسع: الإيمان بالكتب المنزلة

س1/ كيف يكون الإيمان بكتب الله _عزوجل ؟

ج1/ يكون الإيمان بها بأن نصدق بأنها من عند الله ، ونخص من بينها بالإيمان القرآن الكريم .

س2/ لماذا نخص القرآن الكريم بالإيمان من بين الكتب المنزلة من عند الله تعالى ؟

ج2/ لأنه آخر كتب الله _عزوجل_ المنزلة ، ولأننا أمرنا باتباعه والتحاكم إليه وتحكيمه .

س3/ ماعاقبة العمل ببعض أحكام القرآن وتنحية البعض الآخر ؟ أيد إجابتك بدليل قرآني .

ج3/ عاقبة ذلك الخسران والخزي في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وقد عاب الله_ عزوجل_ هذا المسلك فقال تعالى: ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون . أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ) .

س4/ ما الدليل القرآني على مايلي:

أ_ إعجاز القرآن الكريم .

ب_ وجوب التحاكم إلى القرآن الكريم .

ج_ هيمنة القرآن الكريم على الكتب السماوية السابقة .

ج4/ أ_ إن الله _ عزوجل _ تحدى أن يؤتى بمثل هذا القرآن أو بعشر سور من مثله أو بسورة واحدة فعجز أرباب الفصاحة والبلاغة . قال تعالى:( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) . وقال تعالى:( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) . وقال تعالى:(وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين . فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) .

ب_ تعالى:( فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) . وقال تعالى:( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) .

ج_ قال تعالى:( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لمابين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) .

أعلى الصفحة

الدرس العاشر: الإيمان بالملائكة

س1/ من هم الملائكة ؟

ج1/ الملائكة: اسم جمع تكسير مفرده ملك ، والملك معناه الرسول أو حامل الرسالة . والملائكة: هم عباد الله المكرمون . خلقهم الله_ جل وعلا _ من نور ، لايوصفون بذكورية ولا أنوثية ، لايأكلون ولايشربون ، ولا ينامون ، ولايتناكحون . لايعصون الله ماأمرهم ويفعلون مايؤمرون . قال تعالى في وصفهم:( يسبحون الليل والنهار لايفترون ) . وقال تعالى:(بل عباد مكرمون. لايسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . يعلم مابين أيديهم وماخلفهم ولايشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) . وقال تعالى:( لايعصون الله ماأمرهم ويفعلون مايؤمرون ) .

س2/ ما الدليل القرآني على مايلي:

أ_ وجوب الإيمان بالملائكة .

ب_ ضلال منكر الإيمان بالملائكة .

ج_ تحريم عبادة الملائكة .

ج2/ أ_ قال تعالى:( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لانفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) .

ب_ قال تعالى:( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله فقد ضل ضلالا بعيدا ) .

ج_ قال تعالى:( ولايأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ) .

س3/ ما الدليل على أسبقية خلق الملائكة على آدم _ عليه السلام ؟

ج3/ قال تعالى:( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) . وقال تعالى:( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) .

س4/ استخرج من خلال الآيات الكريمة الأعمال التي يقوم بها الملائكة فيما يلي:

أ_ قال تعالى:( وإنه تنزيل من رب العالمين . نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين ) .

ب_ قال تعالى:( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان) .

ج_ قال تعالى:(ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لاإله إلا أنا فاتقون) .

د_ قال تعالى:( وإن عليكم لحافظين . كراما كاتبين ) .

ج4/ أ_ تبليغ الوحي إلى الرسل _ عليهم السلام .

ب_ تثبيت المؤمنين ونصرتهم .

ج_ نقل الوحي الى الرسل عليهم السلام .

د_ تسجيل أعمال بني آدم .

س5/ مالعمل الذي يقوم به عزرائيل ؟ أيد إجابتك بدليل قرآني .

ج5/ عزرائيل ملك الموت وكله الله_ جل وعلا_ بقبض الأرواح . قال تعالى:(قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) .

س6/ متى رأى سيدنا محمد _ صلى الله عليه وسلم _ جبريل _ عليه السلام _ على حقيقته ؟

ج6/ رآه مرتين: مرة عند بدء الوحي ، ورآه مرة أخرى عندما أسري به إلى السماوات العلى . قال تعالى:( ولقد رآه نزلة أخرى . عند سدرة المنتهى . عندها جنة المأوى ) .

س7/ من هم الذين يسمون الملائكة تسمية الأنثى ؟ أيد إجابتك بدجليل قرآني .

ج7/ الذين لايؤمنون باليوم الآخر . قال تعالى:( إن الذين لايؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى . ومالهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لايغني من الحق شيئا ) .

س8/ ماأهمية الإيمان بعالم الملائكة ؟

ج8/ الإيمان بالملائكة له أثره في حياة المؤمن حيث:

أ_ يستشعرعظمة الخالق في تدبير الكون وتنظيمه ، من خلال علمه بأعمال الملائكة .

ب_يولد لديه الإحساس بالرقابة الإلهية ، فيحذر من الوقوع في المعاصي ويسارع في عمل الصالحات .

ج_ تسبيح الملائكة وتعظيمهم لله ، يدفع المؤمن للإقتداء بهم .

أعلى الصفحة

الدرس الحادي عشر: علامات الساعة

س1/ ما المقصود بعلامات الساعة ؟

ج1/يقصد بها الدلائل والبينات الدالة على وقوعها .

س2/ بماذا يجب من سأل عن قيام الساعة ؟

ج2/ يجاب بأن قيام الساعة لا يعلمه إلا الله _ جل وعلا . قال تعالى:( إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ) . وقال تعالى:( يسئلونك عن الساعة أيان مرساها . فيم أنت من ذكراها . إلى ربك منتهاها . إنما أنت منذر من يخشاها) .

س3/ ماهي علامات الساعة ؟ أيد إجابتك بحديث نبوي .

ج3/ أولا: العلامات الصغرى وتمثلت في:

أ_ مبعث سيدنا محمد _ صلى الله عليه وسلم . قال صلى الله عليه وسلم : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ، كفضل احداهما على الأخرى) وضم السبابة والوسطى .

ب_ ظهور الفساد في الأرض وانتشار الخمر والزنا . عن أنس _ رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ :( إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ، ويشرب الخمر ويظهر الزنا ) .

ثانيا: العلامات الكبرى(عبارة عن فتن كبرى تقع في الدنيا متوالية معلنة عن قيام قربالساعة) ، وتمثلت في:

أ_ طلوع الشمس من مغربها . ب_ وخروج الدابة . ج_ وخروج ياجوج وماجوج . د_ والدجال . هـ_ وعيسى ابن مريم . و_ والدخان . ز_ خسف بالمغرب ح_ خسف بالمشرق ط_ خسف بجزيرة العرب .

ي_ خروج نار من اليمن من قعرعدن تسوق الناس إلى المحشر .

عن حذيفة بن أسيد الغفاري .قال: كنا قعودا نتحدث في ظل غرفة لرسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فذكرنا الساعة فارتفعت أصواتنا فقال رسول الله_ صلى الله عليه وسلم _:( لن تكون أو لن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها . وخروج الدابة . وخروج ياجوج وماجوج . والدجال . وعيسى ابن مريم . والدخان . وثلاثة خسوف خسف بالمغرب وخسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب . وآخر ذلك تخرج نار من اليمن من قعرعدن تسوق الناس إلى المحشر) .

س4/ من هو الدجال ؟

ج4/ الدجال رجل أعور ، يقوم بإضلال الناس وإبعادهم عن طريق الله القويم . عن ابن عمر _ رضي الله عنهما_قال: قام رسول الله _صلى الله عليه وسلم _ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم ذكر الدجال فقال:( إني لأنذركموه ، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه ، ولكن سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه ، إنه أعور ، وإن الله ليس بأعور ) . ويسمى الدجال بـ(المسيح) بالحاء المهملة: لأنه يمسح الأرض ويقطعها في أربعين يوما ، وسمي مسيحا أيضا لأنه ممسوح العين اليمنى فهي عوراء لايرى بها . كما يسمى بـ(المسيخ) بالخاء المعجمة: إما لأنه ممسوخ العينين ، فإحدى عينيه لاضوء فيها والأخرى طافية أي بارزة ، وهذا مسخ في خلقته ، وإما لأنه يمسخ الحقائق ويقلبها لأنه يدعي الألوهية وهو عبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضراء .

س5/ كيف يحفظ المسلم نفسه من فتنة الدجال ؟

ج5/ لقد وجه المصطفى _ صلى عليه وسلم _ أمته للوقاية من فتنة الدجال بقرآة فواتح سورة الكهف . ففي الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن النواس بن سمعان أن الرسول _ صلى عليه وسلم _ قال:( فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف ) .

س6/ عن أبي هريرة _ رضي الله عنه_ عن النبي_صلى الله عليه وسلم _ قال:( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويفيض المال حتى لايقبله أحد ، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها ) . أجب عما يلي:

أ_ اذكر من خلال هذا الحديث . حكمة واحدة من حكم نزول سيدنا عيسى عليه السلام .

ب_ مالذي نأخذه من قول الرسول_صلى الله عليه وسلم_ :( ويفيض المال حتى لايقبله أحد) .

ج6/ أ_ ليكون حكما عدلا . يقضي على جميع الديانات المحرفة وخاصة النصرانية الذين يدّعون اتباعه .

ب_ كثرة المال من علامات الساعة .

س7/ اذكر آية كريمة تبين كذب قول النصارى أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم _عليه السلام ؟

ج7/ قال تعالى:(وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما .وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وماقتلوه وماصلبوه ولكن شبه لهم) .

س8/ متى تخرج أمة ياجوج وماجوج ؟ أيد إجابتك بدليل قرآني .

ج8/ تخرج عند اقتراب الساعة . قال تعالى:(حتى إذا فتحت ياجوج وماجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين) .

س9/ اذكر آية كريمة تبين خروج الدابة كعلامة من علامات الساعة ؟

ج9/ قال تعالى:(وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لايوقنون) .

س10/ ماواجب الناس حينما يعرفوا بتحقق هذه العلامات ؟

ج10/ عليهم الإستعداد للقاء الله_ جل وعلا_ بقلوب مخلصة لله_ الواحد الأحد_ وبأعمال صالحة ، وبتوبة نصوح .

أعلى الصفحة

الدرس الثاني عشر: الموت

س1/ ماهو الموت ؟

ج1/ الموت هو مفارقة الروح للجسد .

س2/ كيف يكون اعتقاد الإنسان في الموت ؟

ج2/ يكون اعتقاده في الموت بأن يؤمن بأن الموت حق . لاينجو منه أحد ، وأنه لكل أجل كتاب . قال تعالى:(أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) . وقال تعالى:( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها) . ، وأن الله هو الذي يحي ويميت . قال تعالى:(تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور) .

س3/ ما الفرق بين قبض الملائكة لأرواح المؤمنين وقبضها لأرواح الكافرين ؟ أيد إجابتك بدليل قرآني .

ج3/ يترفق ملك الموت بروح المؤمن ، بينما ينتزع الملك روح الكافر بشدة وقوة ويضربه على وجهه ودبره . قال تعالى:( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) . وقال تعالى:( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ) .

س4/ ماذا يلقن المسلم عند الإحتضار ؟

ج4/ يلقن كلمة التوحيد: لاإله إلا الله . لقوله صلى الله عليه وسلم:(لقنوا موتاكم لاإله إلا الله) .

س5/ ماواجب المسلم تجاه أخيه المسلم إذا مات ؟ أيد إجابتك بدليل نبوي .

ج5/ أن يتبع جنازته . قال رسول الله_صلى الله عليه وسلم_:( حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وإجابة الدعوة ، وتشميت العاطس) .

س6/ ماهو فضل اتباع الجنازة ؟ أيد إجابتك بحديث نبوي .

ج6/ من تبع الجنازة وشهدها حتى تدفن فله قيراطان من الحسنات . قال رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_:(من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا حتى يصلى عليها فله قيراط ، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان (من الأجر) ، قيل: يارسول الله ومالقيراطان ؟ قال: مثل الجبلين العظيمين ) .

س7/ كيف تعلم الإنسان دفن أخيه الإنسان بعد موته ؟

ج7/ تعلمه من عند الغراب ، وذلك لما قتل قابيل أخوه هابيل احتار في أمره وماذا يفعل به ، فأرسل الله الغراب يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه . قال تعالى:( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال ياويلتاي أعجزت أن أكون مثل هذا الغرب فأوارى سوءة أخي فأصبح من النادمين) .

أعلى الصفحة

الدرس الثالث عشر: حياة البرزخ

س1/ ما المقصود بحياة البرزخ ؟

ج1/ حياة البرزخ هي الحياة الواقعة بعد الموت وقبل البعث يوم القيامة . قال تعالى:( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) .

س2/ كيف يدخل الميت في قبره ؟

ج2/ يدخل الميت في قبره من قبل موضع رجليه ، لأنه لكل شيء باب وباب القبر من ناحية الرجلين . فعن عبدالله بن يزيد( أنه أدخل الميت من قبل رجلي القبر ، وقال: هذا من السنة) .

س3/ ماذا كان يفعل المصطفى_صلى الله عليه وسلم _ بعد فراغه من دفن الميت ؟

ج3/ كان يقف عند القبر ، ويقول:( استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإن الآن يسأل ) .

س4/ ما الأسئلة الثلاث التي يسأل عنها الإنسان في قبره ؟

ج4/ يسأل عن ربه ، وعن دينه وعن نبيه .

س5/ ما الدليل على وقوع عذاب القبر ؟

ج5/ أولا: الدليل القرآني: قال تعالى ، مبينا حال آل فرعون:( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب) .

ثانيا: الدليل النبوي: كان الرسول _ صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه هذا الدعاء ، كما يعلمهم السورة من القرآن ، وهي قوله:( اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر ) . وجاء في الحديث النبوي . أبوعبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله_ صلى الله عليه وسلم _ قال:( إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والغشي . إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار . فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله ) .

س6/ اقرأ الحديث النبوي الآتي . ثم أجب عن الأسئلة التي بعده . أبوعبيدة عن جابر قال: بلغنا عن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم_أنه مر برجلين يعذبان في القبر فقال:( يعذبان ومايعذبان بكبيرة أما أحدهما فقد كان لايستبريء من البول وأما الآخر فقد كان يمشي بين الناس بالنميمة) .

أ_ مامعنى:(يعذبان ومايعذبان بكبيرة)

ب_ بماذا استحق الرجلين الذين مر عليهما سيدنا محمد _ صلى الله عليه وسلم_ العذاب في القبر ؟

ج_ لماذا يقع تارك الإستبراء في كبيرة ؟

ج6/ أ_ أي لايعذبان بسبب كبيرة من الذنوب في ظنهما واعتقادهما .

ب_ استحقا العذاب بوقع كل واحد منهما في كبيرة من الكبائر فكان أحدهما لايستبريء من البول ( أي لا يتنزه من البول بعصر ذكره من طرفه بعد التبول) ، وكان الآخر يمشي بين الناس بالنميمة .

ج_ لأن من لم يستبريء من البول يعرض نفسه لفساد وضوئه وصلاته ، فلا صلاة إلا بطهور .

أعلى الصفحة

الدرس الرابع عشر: الإيمان باليوم الآخر

س1/ ما المقصود باليوم الآخر ؟

ج1/ يقصد باليوم الآخر اليوم الذي يبعث الله_جل وعلا_ الخلائق للحساب والجزاء .

س2/ كيف يكون إيمان الإنسان باليوم الآخر ؟

ج2/ يكون الإيمان باليوم الآخر بأن يعتقد المكلف بأن هذا اليوم آت لامحالة ، وأن ماأخبر به الله _ جل وعلا_ على لسان رسله واقع لامحالة ، وأن الله_ جل جلاله _ صادق في وعده ووعيده .

س3/ ما أهمية الإيمان باليوم الآخر ؟

ج3/ لهذا الإيمان أهمية عظيمة لأنه:

أ_ ركن من أركان االعقيدة الإسلامية . ففي الحديث النبوي. بينما رسول الله _صلى الله عليه وسلم_جالس مع أصحابه إذ أتاه آت حسن الوجه طيب الرائحة فقال: أأدنوا منك يارسول الله ؟ قال:(نعم) . فدنا . فقال له: ما الإيمان ؟ فقال له _ عليه الصلاة والسلام:(أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره أنه من الله ) .

ب_ من أعمال البر . قال تعالى:(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في الأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) .

س4/ ماحكم منكر وقوع اليوم الآخر ؟

ج4/ حكم منكر الإيمان بوقوع اليوم الآخر هو الكفر بالله وبرسله ، لأنه أنكر معلوما بدهيا لا يحتاج إلى دليل ولا إلى برهان ، كما أنه أنكر ركنا من أركان العقيدة الإسلامية .

س5/ ما الحكمة من وقوع اليوم الآخر ؟

ج5/ لمحاسبة كل إنسان على ما كان منه قول وعمل ، فإن كان قد قدم العمل الصالح كان جزاؤه الجنة وإن كان عمله سيئا كان عقابه النار _ والعياذ بالله .

س6/ قال تعالى:( ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام مانشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ) . استخرج من الآيات الكريمة ثلاث دلائل لثبوت اليوم الآخر .

ج6/أ_ خلق الإنسان من تراب . ب_ تطور نمو الإنسان من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة. ج_ حياة الأرض الميتة التي لانبات فيها بالنبات بعد نزول الماء عليها.

س7/ من خلال قوله تعالى:( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) . وضح كيف يرجوا الإنسان اليوم الآخر ؟

ج7/ يرجوا الإنسان اليوم الآخر بعمل الصالحات واجتناب المنهيات ، ومعنى ارجوا اليوم: أي ارجوا ثواب اليوم الآخر .

س8/ جاءت في القرآن الكريم اسماء عديدة لليوم الآخر . فما الآية الدالة على الاسماء الآتية: البعث ، الخروج ، القيامة ، الدين ، الفصل .

_يوم البعث.قال تعالى:(فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون ) .

_يوم الخروج.قال تعالى:(يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج) .

_يوم القيامة.قال تعالى:( لاأقسم بيوم القيامة ) .

_يوم الدين.قال تعالى:(مالك يوم الدين ) .

_يوم الفصل.قال تعالى:( فإذا النجوم طمست . وإذا السماء فرجت . وإلى الجبال نسفت . وإذا الرسل أقتت . لأي يوم أجلت . ليوم الفصل . وما أدراك ما يوم الفصل . ويل يومئذ للمكذبين ) .

س9/ مامدلول تسمية اليوم الآخر بالمسميات الآتية:الحشر ، الجمع والتغابن ، الحساب ، الوعيد ، الحسرة ، الخلود.

_يوم الحشر. لأن فيه حشر الخلائق في موقف الحساب .

_يوم الجمع والتغابن. لأن فيه جمع الخلائق أمام الله رب العالمين في صعيد واحد . وفيه يغبن أهل النار بدخولهم النار .

_يوم الحساب. لأن في هذا اليوم يحاسب الحق_جل شآنه_ الناس على أعمالهم التي عملوها في الدنيا .

_يوم الوعيد. لأن فيه تحقيق وعيد الله لمن خرج على منهجه في الدنيا

_يوم الحسرة. لأن في هذا اليوم يتحسر أعداء على ما فرطوا في دين الله .

_يوم الخلود. لأنها حياة أبدية باقية ، فالمطيع يخلد في النعيم ، والعاصي يقيم في العذاب الأليم .

س10/ وضح مدلول التسميات الآتية لليوم الآخر:الآزفة ، الواقعة ، القارعة ، الغاشية ، الصاخة ، الطامة ، الحاقة .

ج10/ _ معنى الآزفة أي القريبة ، وسميت بذلك دلالة على قرب وقوعها .

_الواقعة: أي الحاصلة بدون شك .

_القارعة: القرع . هو الضرب الذي فيه صوت شديد .

_الغاشية: سميت بذلك بما يجري فيها من غشيان عام للإنس والجن .

_الصاخة: لأنها تصخ الأذان أي تصمها لشدة أهوالها .

_الطامة: لأن أهوالها تطم وتفوق كل أمر هائل مفضع سواها . .

_الحاقة: لأن وقوعها متحقق لا محالة .

س11/ ما أثر الإيمان باليوم الآخر ؟

ج11/ الإيمان باليوم الآخر له أثر عظيم في حياة المؤمن حيث أن هؤلاء المؤمنون:

ب_ هم عمار بيوت الله . قال تعالى:( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) .

ج_ لايوادون من عادى الله وروسوله . قال تعالى:( لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) .

أعلى الصفحة

دروس في العقيدة الإسلامية 2

الدرس الخامس عشر: البعث والحشر

س1/ ما المقصود بالبعث ؟

ج1/ البعث يقصد به: رد الخالق _ جل وعلا_ لروح الإنسان إلى جسده يوم القيامة . قال تعالى:( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) .

س2/ ما الرد القرآني على منكري البعث ؟

ج2/ قال تعالى:(أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أني يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ) . قال تعالى:(وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون) . قال تعالى:( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لايبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لايعلمون) . وقال تعالى:( ماخلقكم ولابعثكم إلا كنفس واحدة ) .

س3/ ما الذي يحدث في النفختين الأولى والثانية ؟ أيد إجابتك بدليل قرآني .

ج3/ أ_ في النفخة الأولى يتداعى نظام الكون ويختل توازنه . قال تعالى:( فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة . وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة . فيومئذ وقعت الواقعة . وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) .

ب_ في النفخة الثانية يقوم الناس من قبورهم للحساب . قال تعالى:( ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) .

س4/ ما المقصود بالحشر يوم القيامة ؟

ج4/ يقصد به جمع الخلائق للحساب والجزاء . قال تعالى:( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون) .

س5/ عن ابن عباس _ رضي الله عنهما، قال: خطب رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ فقال:(ياأيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا) . ثم قال:( كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين) . ثم قال:( ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ) . مامعنى كلمة(غرلا) الواردة في الحديث النبوي ؟

ج5/ معناها: غير مختونين ، كما بدأهم الله في خلقهم أول مرة .

 أعلى الصفحة

الدرس السادس عشر: الحساب يوم القيامة

س1/ ما المقصود بالحساب يوم القيامة ؟

ج1/ يقصد بالحساب يوم القيامة: تمييز الأعمال الحسنة من الأعمال القبيحة ، فيرى الفاعل أعماله الخيرة وأعماله الشرية . قال تعالى:( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ماعملت وهم لايظلمون) .

س2/ ما الدليل القرآني على وقوع الحساب يوم القيامة ؟

ج2/ قال تعالى:( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) .

س3/ كيف يكون حساب المؤمنين يوم القيامة ؟

ج3/ يحاسب المؤمن يوم القيامة حسابا يسيرا ثم ينقلب إلى أهله مسرورا فيدخل الجنة بفضل الله_جل وعلا . قال تعالى:( فأما من أوتي كتابه بيمينه . فسوف يحاسب حسابا يسيرا . وينقلب إلى أهله مسرورا ) .

س4/ ما الحكمة من الحساب يوم القيامة ؟

ج4/ يحاسب المؤمن المقصر التائب من ذنوبه ليعلم نعمة الله عليه بغفران ذنوبه وستر عيوبه ، ويحاسب الفاسق ليزداد حسرة وندامة على تفريطه . وهناك حكمة اخرى تتمثل في اظهار انصاف الله_جل وعلا _ لخلقه ، فإنه تعالى لايظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون .

س5/ قال صلى الله عليه وسلم:( لاتزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه ماعمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن جسمه فيما أبلاه ) .

أ_ مالأربع التي يسأل عنها الإنسان يوم الحساب ؟

ب_ ماواجب الإنسان تجاه هذه الأربع عندما يعرف أنه سيحاسب عليها ؟

ج5/ أ_ 1_ عمره فيما أفناه . 2_ علمه الذي علمه ماعمل به . 3_ ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه . 4_ جسمه فيما أبلاه .

ب_ 1_ أن يفني عمره في طاعة الله . 2_ أن يتعلم العلم النافع الذي يقربه إلى الله ، ويكون طلبه للعلم خالصا لله وتعليمه للناس يبتغي به مرضاة الله . 3_ أن يكتسب المال بالطريق الحلال وينفقه بالطريق المشروع . 4_ أن يخضع جوارحه في كل عمل يقربه إلى الله بالسعي نحو الكسب الحلال والإنفاق على العيال ، وأداء الفرائض ، والجهاد في سبيل الله _ جل وعلا .

س6/ ماذا كان جواب سيدنا علي بن أبي طالب_كرم الله وجهه_ لمن سأله كيف يحاسب الله العباد يوم القيامة على كثرة عددهم ؟

ج6/ قال: يحاسبهم على كثرة عددهم ، كما يرزقهم على كثرة عددهم .

س7/ من الذي يشهد على الإنسان يوم القيامة ؟

ج7/ تشهد عليه جوارحه . قال تعالى:( حتى إذا ماجاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون . وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ) . وقال تعالى:( اليوم نختم على أفواهم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ) .

 أعلى الصفحة

الدرس السابع عشر: الميزان والصراط

س1/ ما المقصود بالميزان يوم القيامة ؟

ج1/الميزان في اللغة تعني: العدل والإنصاف ، ووزن الأعمال: أي تمييزها وتفصيلها . ويقصد بالميزان اصطلاحا: تمييز أعمال بني آدم وتفصيلها .

س2/ اشرح قوله تعالى:( والوزن يومئذ الحق ) .

ج2/ معناها أن المجازاة يوم القيامة على الأعمال بالعدل والإنصاف .

س3/ وضح المقصود بثقل الميزان وخفته الوارد في قوله تعالى:(فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) .

ج3/ الموازين المذكورة في هذه الآية الكريمة عبارة عن معنى السعادة والشقاوة ، فثقل الميزان كناية عن السعادة وخفته كناية عن الشقاوة . والعرب كانت تعبر بثقل الميزان عن علو الشأن ، وبخفته عن عكس ذلك . قال الشاعر:

لو يضعوا آباي في ميزانهم رجحوا وشال أبوك بالميزان***

س4/ ما الذي يثقل ميزان المؤمن يوم القيامة ؟

ج4/ ذكر الله _عزوجل_ والعمل الصالح .

س5/ أكمل الحديث النبوي . عن أبي هريرة عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال:(كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن:......... ) .

ج5/(....... سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده ) .

س6/ ما المقصود بالصراط في قوله تعالى:(اهدنا الصراط المستقيم ) ؟

ج6/ يقصد بالصراط في هذه الآية الكريمة الطريق القويم الذي دعا إليه سيدنا محمد_ صلى الله عليه وسلم ، وهو دقيق لعدم موافقته للهوى والشهوات. ويؤيد ذلك قوله تعالى:(فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم ) . وقوله تعالى:(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) . وقوله تعالى:( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا ) .

وجاء في الحديث النبوي الذي يرويه سيدنا علي بن أبي طالب_كرم الله وجهه_ قال: سمعت رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ يقول:(ستكون فتن . قلت ومالمخرج منها. قال:(كتاب الله فيه نبأ ماقبلكم وخبر مابعدكم وحكم مابينكم هو الفصل ليس بالهزل هو الذي من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لاتزيغ به الأهواء ولاتلتبس به الألسنة ولايشبع منه العلماء ولايخلق عن كثرة الرد ولاتنقضي عجائبه وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: ( إنا سمعنا قرآنا عجبا) هو الذي من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ) .

 أعلى الصفحة

الدرس الثامن عشر: الشفاعة

س1/ ما المقصود بالشفاعة يوم القيامة ؟

ج1/ الشفاعة لغة: الوسيلة والطلب . وعرفا: سؤال الخير من الغير للغير . مثاله: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره ، والشافع: الطالب لغيره . وشرعا: طلب تعجيل دخول المؤمنين إلى الجنة وتخفيف الموقف عليهم ، وكذلك يمكن أن تكون لرفع درجاتهم في الجنة .

س2/ماحكم الإيمان بالشفاعة الأخروية بعد قيام الحجة ؟

ج2/ حكم الإيمان بالشفاعة بعد قيام الحجة هو الوجوب .

س3/ ما الحكمة من الشفاعة يوم القيامة ؟

ج3/ الحكمة من الشفاعة يوم القيامة تكون لتكريم الأنبياء والصالحين ممن يحق لهم التشفع فيهم . كما أن من حكمتها تكريم سيدنا محمد_ صلى الله عليه وسلم _ بين الخلائق فهو أول شافع ومشفع . وهو المقام المحمود الوارد في قوله تعالى:( عسى ربك أن يبعثك مقاما محمودا ) . أي يحمدك فيه الأولون والآخرون حيث لم يجدوا قبلك شفيعا .

س4/ لمن تكون الشفاعة يوم القيامة ؟ أيد إجابتك بالأدلة .

ج4/ الشفاعة يوم القيامة تكون للمؤمنين الذين رضي الله عنهم وأرضاهم وذلك لتعجيل دخول الجنة ، أولرفع درجاتهم يوم القيامة . ولاينالها من استوجب العذاب . قال تعالى :(ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) . وقال تعالى:( وما للظالمين من أنصار) . وقال تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين)

س5/ لماذا كانت الشفاعة مهمة ؟

ج5/ تأتي أهمية الشفاعة من حيث أنه لايدخل أحد الجنة إلا بعمل صالح وبرحمة الله وبشفاعته _ صلى الله عليه وسلم . عن جابر بن زيد عن النبي _صلى الله عليه وسلم_قال:( ماأحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح وبرحمة الله وشفاعتي ) .

س6/ ناقش القائلين: بأن الشفاعة ينالها أهل الكبائر من أمة سيدنا محمد_ صلى الله عليه وسلم ؟

ج6/ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر كما يعتقد البعض ممن أضلهم الشيطان وأغواهم عن الحق إلى طريق الهوى والضلال ، من اليهود والنصارى وممن تأثر بفكرهم الفاسد ، كما حكاه القرآن الكريم عنهم . قال تعالى:( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لاتعلمون . بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ، وقال تعالى:( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) ، ولو سلمنا بهذا القول لما كان للأوامر الإلهية وللنواهي فائدة ، لأنهم بهذا الفكر الفاسد قد ضمنوا لأصحاب المعاصي جنة الخلد ، ولكن آنى لهم ذلك ، وقد قال الحق_جل جلاله:( فما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) . وقال تعالى:( قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها ) . وقال:( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) . كما قال_ صلى الله عليه وسلم:(ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) . فالقائلون بهذا القول خالفوا نصا صريحا في كتاب الله _عزوجل _ كما خالفوا حديثا صحيحا يبين بطلان هذا القول وفساده .

س7/ لماذا يحتاج المؤمنون للشفاعة وقد وعدهم الله بدخول الجنة ؟

ج7/ الشفاعة في حقيقتها زيادة في الثواب كما أنها تشريف في المنازل ، وأيضا فإن المؤمنين عليهم الذنوب والتبعات من قبل الأرحام والقرابات ومن حقوق الجيران والأولاد والزوجات وما أشبه ذلك ، وهم بحاجة إلا غفران ذلك كما أنهم بحاجة إلى أن يتم الله_جل وعلا _ عليهم النور ، مصداقا لقوله تعالى:( ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها يوم لايخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعي بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ) .

س8/لماذا استحق السلطان الغشوم الحرمان من شفاعة الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ كما يفهم ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم:(لاتنال شفاعتي سلطانا غشوما للناس ورجلا لايراقب الله في اليتيم) .

ج8/ لأن السلطان الغشوم استرعاه الله في الرعية فظلمها ولم يرعها حق الرعاية ، وهو ليس ممن رضي الله عنهم وأرضاهم ، وإنما هو ممن وقع في سخط الله وعقابه .

س9/وضح المقصود بالجافي عن الدين . الوارد في قوله_ صلى الله عليه وسلم:( لاتنال شفاعتي الغالي في الدين ولا الجافي عنه ) .

ج9/ الجافي عن الدين هو: المضيع له والناقص منه كالمرجئة والحشوية ومن قال بقولهم الزاعمين أن الإيمان قول بلا عمل . بعكس الغالي فيه وهو الزائد فيه كالصفرية الزاعمين أن طاعة الله كلها توحيد ومعصيته كلها شرك .

  أعلى الصفحة

الدرس التاسع عشر: الجنة ونعيمها

س1/ ماذا أعد الله _جل وعلا_ لعباده المتقين يوم القيامة ؟

ج1/ أعد الله_ جل وعلا_الجنة لعباده المتقين . قال تعالى:( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) . وقال تعالى:( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم ) .

س2/ ما الدليل القرآني على مايلي:

أ_ خيرية مستقر أصحاب الجنة .

ب_ التائب من الذنب جزاؤه الجنة .

ج2/ أ_ قال تعالى:( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) .

ب_ قال تعالى:( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون . أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين) .

س3/اذكر الآية الكريمة الدالة على اسماء الجنة الآتية:

أ_ جنة المأوى . ب_ جنات عدن . ج_ دار السلام . د_ دار المقامة . هـ_ جنة الفردوس .

ج3/ أ_ جنة المأوى . قال تعالى:( عندها جنة المأوى ) .

ب_ جنات عدن . قال تعالى:( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية . جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) .

ج_ دار السلام . قال تعالى:( لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون) .

د_ دار المقامة. قال تعالى:(الذي أحلنا دار المقامة من فضله لايمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ) .

هـ_ الفردوس . قال تعالى:( الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) .

 أعلى الصفحة

الدرس العشرون: النار وجحيمها

س1/ لمن أعد الحق _ جل شآنه_ النار يوم القيامة ؟

ج1/ أعدت النار لأعداء الله الذين ماتوا على كفرهم: كفر نعمة أو كفر شرك وجحود . قال تعالى:( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) . وقال تعالى:( ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاءا بما كانوا يجحدون ) .

س2/ ما المقصود بدركات النار ؟

ج2/ يقصد بها مكان العذاب في النار ، ويقابل هذه الدركات درجات النعيم في الجنة .

س3/ مالفرق بين كلمة (حميم) الواردة في قوله تعالى:( فليس له اليوم ها هنا حميم . ولا طعام إلا من غسلين ) . والحميم الواردة في قوله تعالى:( والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون )

ج3/ الحميم في الآية الأولى بمعنى الصديق والصاحب . والحميم في الآية الثانية هو: ماء صديد مقطع للأمعاء من شدة حرارته . وهو شراب أهل النار ، وقد وصفه الحق _ جل شآنه _ بقوله تعالى:( ويسقى من ماء صديد . يتجرعه ولا يكاد يسيغه ) .

س4/ ما الدليل القرآني على مايلي:

أ_ وجوب الوقاية من النار .

ب_ مصير المنافقين يوم القيامة .

ج4/ أ_ قال تعالى:( ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نار وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) .

ب_ قال تعالى:( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) .

س5/اذكر الآية الكريمة الدالة على اسماء النار الآتية: أ_ جهنم . ب_ سقر . ج_ الحطمة . د_ السعير . هـ_ لظى .

ج5/ أ_ جهنم . قال تعالى:( وإن جهنم لموعدهم أجمعين . لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ) .

وقال تعالى:( إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لايموت فيها ولايحي ) .

ب_ سقر . قال تعالى:( سأصليه سقر . وما أدراك ما سقر . لاتبقي ولا تذر ) .

ج_ الحطمة . قال تعالى:( كلا لينبذن في الحطمة . وما أدراك ما الحطمة . نار الله الموقدة ) .

د_ السعير . قال تعالى:(وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) .

هـ_ لظى . قال تعالى: ( كلا إنها لظى . نزاعة للشوى . تدعوا من أدبر وتولى ) .

 أعلى الصفحة

الدرس الحادي والعشرون: الخلود في الجنة أو في النار

س1/ما معنى الخلود ؟

ج1/ معنى الخلود: أي البقاء الأبدي . ويقصد به في الاصطلاح العقائدي: البقاء الأبدي إما في الجنة وإما في النار . فالداخل في الجنة خالد مخلد فيها ، والداخل في النار يخلد في العذاب لايخرج منه .

س2/ اذكر ثلاثة أدلة على الخلود في الجنة ؟

ج2/ ثلاثة أدلة على الخلود في الجنة_ نسأل الله_جل وعلا_ أن يجعلنا من ورثتها:

1_قال تعالى:( سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة ) .

2_قال تعالى:( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين . لايمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين) .

3_قال تعالى:( قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاءا ومصيرا ) .

س3/ اذكر ثلاثة أدلة على الخلود في النار ؟

ج3/ ثلاثة أدلة على الخلود في النار _ أعاذنا الله منها:

1_قال تعالى:(أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) .

2_قال تعالى:( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) .

3_قال تعالى:( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) .

س4/ مامعنى كلمة(يشرئبون ) الواردة في قوله _صلى الله عليه وسلم:(يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادى به مناديا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون . فيقول: هل تعرفون هذا ؟ ، فيقولون: نعم هذا الموت . وكلهم قد رآه ، ثم ينادى مناديا أهل النار فيشرئبون وينظرون . فيقول: هل تعرفون هذا ؟ ، فيقولون: نعم هذا الموت . وكلهم قد رآه فيذبح بين الجنة والنار ، ثم يقول: ياأهل الجنة خلود فلا موت وياأهل النار خلود فلا موت ، ثم قرأ:(وأنذرهم يوم الحسرة اذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ) ، وأشار بيده إلى الدنيا) .

ج4/ معنى يشرئبون: أي يمدون أعناقهم بالنظر .

 أعلى الصفحة

الدرس الثاني والعشرون: القضاء والقدر

س1/ جمع الإمام نور الدين عبدالله بن حميد السالمي_ رحمه الله_ ، معاني القضاء في قوله: قضاء خلق وحكم ثم أمر و اخبار و افراغ وصنع وقد وردت هذه المعاني في القرآن الكريم . فمالدليل القرآني عليها ؟

ج1/ الآيات الدالة على معاني القضاء ، هي:

_بمعنى الخلق.قال تعالى:(فقضاهن سبع سماوات في يومين) .

_بمعنى الحكم. قال تعالى:(إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة) .

_بمعنى الأمر. قال تعالى:(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) .

_بمعنى الإخبار والإعلام. قال تعالى:(وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتب) .

_بمعنى الفراغ من الشيء. قال تعالى:( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) .

_بمعنى الصنع . قال تعالى:(قالوا لن نؤثرك على ماجاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ) .

س2/ لكلمة القدر في اللغة معان متعددة . جمعها الإمام نور الدين عبدالله بن حميد السالمي_ رحمه الله_ في قوله:

معاني القدر سبع هاك نظما حواها وهي خلق ثم يحلو وتـقـديــر وتـصويـر وجـود قـضـاء ثـم تـضييق ومثل

وقد وردت هذه المعاني في القرآن الكريم . فمالدليل القرآني على معاني القدر الآتية: الخلق ، التقدير ، التصوير ، الوجود ، القضاء ، التضييق ، التسوية ؟

ج2/ الآيات الدالة على معاني القدر الواردة ، هي:

_بمعنى الخلق.قال تعالى:(والذي قدر فهدى ) . _ بمعنى التقدير.قال تعالى:(وأنزلنا من السماء ماءا بقدر ) . _ بمعنى التصوير . قال تعالى:(فقدرنا فنعم القادرون ) . _ بمعنى الوجود . قال تعالى:(إلا امرأته قدرنا إنها من الغابرين) . _ بمعنى القضاء . قال تعالى:( فالتقى الماء على أمر قد قدر) . _ بمعنى التضييق . قال تعالى:(واما إذا ماابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن) . _ بمعنى التسوية . قال تعالى:(نحن قدرنا بينكم الموت ) .

س3/ كيف يكون الإيمان بالقضاء والقدر ؟

ج3/ صورة الإيمان بالقضاء والقدر تكون بأن يعلم المؤمن بأن ماأخطأه لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه . قال الربيع _ رحمه الله_ بلغني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله_صلى الله عليه وسلم_:( إنك لن تجد ولن تؤمن وتبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله) . قال: قلت يارسول الله كيف لي أن أعلم خير القدر وشره ؟! قال: (تعلم أن ماأخطأك لم يكن ليصيبك ، وما أصابك لم يكن ليخطئك فإن مت على غير ذلك دخلت النار) .

س4/ ماحكم منكر الإيمان بالقضاء والقدر ؟ أيد إجابتك بحديث نبوي .

ج4/ منكر الإيمان بالقضاء والقدر حكمه الكفر ، لأنه أنكر ركنا من أركان الإيمان . جاء في حديث جبريل _عليه السلام_ الذي يرويه سيدنا عمر بن الخطاب_ رضي الله عنه: ثم قال: ماالإيمان ؟ قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر ) .

س5/ ناقش القدرية في قولهم: إن الله لم يخلق أفعال العباد . مدعما نقاشك بالأدلة ؟

ج5/ قالت هذه الفرقة من القدرية: بأن الله لم يخلق أفعال العباد ، وإنما ذلك من خلق أنفسهم . واستدلوا بآيات منها ، قوله تعالى:( وتخلقون افكا ) . وقوله تعالى:(ويجعلون لله مايكرهون ) . وقوله تعالى:( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ) . وكل هذه الإستدلالات في غير موضعها ، فمعنى (تخلقون) في الآية الأولى: أي تفترون . ومعنى (الجعل) في الآية الثانية أي الوصف لا الخلق . ومعنى (الجعل) في الآية الثالثة نفي تشريع البحيرة والسائبة من قبل الله_جل وعلا . والحق _جل شآنه_ قد بين أنه خالق كل شيء . قال تعالى:( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) ، وقال تعالى:(إنا كل شيء خلقناه بقدر) ، وقال تعالى:(ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) .

كما قالوا: بأن أفعال العباد لا تخلوا من أحد ثلاثة أمور: إما أن تنسب إليه تعالى وحده . أو تنسب إليه وإلى العبد معا . أو تنسب إلى العبد فقط . فبطل الأول لاستلزامه الجبر . وبطل الثاني لاستلزامه مشاركة الله في أفعاله . فببطلان الوجهين ثبت الثالث . ولكننا في الوجه الثاني لانسلم استلزام مشاركة الله في أفعاله وهو تعالى منزه عن ذلك .لأن لفعل العبد جهتين: جهة إيجاد( وهي الجهة التي يخرج بها فعل العبد من العدم إلى الوجود وبهذه الجهة تتعلق قدرة الباريء_جل وعلا ) . وجهة اكتساب ( وهي إضافة ذلك الفعل إلى العبد مع اختيار العبد لذلك ، وبهذه الجهة تتعلق قدرة العبد) . فالله تعالى إنما يخلق الفعل للعبد حال اختيار العبد له ، وتوجيه القدرة إليه لاكتسابه . فالله تعالى موجد والعبد مكتسب .

ويستدل عليهم بأنه: لو كان العبد خالقا لأفعاله للزم عليه تعدد الخالقين ، ولكان كل من خلق شيئا كان إله ذلك الشيء ، فيلزم عليه تعدد الآلهة ، وتعددها باطل ، لما ثبت من البراهين على وجوب الوحدانية ، ومن هذه البراهين أنه لو تعددت الآلهة للزم عليه فساد هذا العالم . لقوله جل وعلا:( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) .

س6/ ماأثر الإيمان بالقضاء والقدر ؟

ج6/ يولد الإيمان بالقضاء والقدر لدى المؤمن باعث الخير وقوة العزيمة ، لأن هذا الإيمان يدفعه للأخذ بالأسباب ، كما يدفع هذا الإيمان نحو الإستعداد للقاء الله _جل وعلا_ المحي والمميت ، كما يحي في نفس المؤمن التفويض لله في طلب الرزق فالله هو الرازق . كما يحي قلب المؤمن نحو الإستغفار والتوبة ومحاسبة النفس لتكتسب التهذيب الإيماني الحق ، لأن الله _جلت قدرته واسع المغفر ويقبل التوبة من عباده . وبهذا تسموا نفسه لطلب ما قضاه الله في الأزل وقدره لمن أطاعه وهو الجنة ، وتحرص على ترك كل ما من شآنه غضب الله وسخطه .

 أعلى الصفحة

الدرس الثالث والعشرون: الملل الست

س1/ ما المقصود بالملل ؟

ج1/ يقصد بالملل: كل شريعة أو طريقة اتخذها قوم دينا ومنهجا لهم . وقد ذكر القرآن الكريم ست ملل ، وهي: الإسلام ، واليهودية ، والنصرانية ، والصابئة ، والمجوس ، والمشركون قال تعالى:(إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة) .

س2/ ماهي أحكام بغاة المسلمين ؟

ج2/ على إمام المسلمين أن يدعوهم إلى ترك ما به ضلوا ، فإن أجابوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ، وإن أبوا الطاعة وباينوا المسلمين ناصبهم إمام المسلمين الحرب حتى يفيئوا إلى أمر الله ولايحل منهم غير دمائهم فلا تحل غنائمهم ولا تسبى ذراريهم ولا يجهز على جريحهم ولا يتبع مدبرهم ، وتحرم ولا يتهم ما داموا مخالفين ومبتدعين .

س3/ ما موقف إمام المسلمين إن امتنع أهل الكتاب عن الدخول في دين الإسلام ؟

ج3/ يدعوهم إلى أخذ الجزية منهم عن يد وهم صاغرون ، فإن أجابوا حلت ذبائحهم ، ونكاح الحرائر من نسائهم ، وحرم سفك دمائهم ، وغنم أموالهم ، وسبي ذراريهم . فإن امتنعوا حاربهم إمام المسلمين حتى يدخلوا في الإسلام أو يدفعوا الجزية .

س4/ من هم الصابئة ؟

ج4/ الصابئة قيل:إنهم قوم بين اليهود والنصارى اختاروا مطائب التوراة ومطائب الانجيل فقالوا: أصبنا دينا . وقيل: قوم بين اليهود والمجوس . وأحكامهم أحكام أهل الكتاب .

س5/ ما حكم ذبائح المجوس ؟

ج5/ المجوس هم عبدة النار ، لاتحل ذبائحهم ولا نكاح الحرائر منهم ، حتى مع إعطائهم للجزية .

س6/ مالفرق بين شرك الجحود وشرك المساواة ؟

ج6/ شرك الجحود: هو إنكار الله وجحود وجوده ، كما هو حال الدهريين قديما ، والماديين حديثا . قال تعالى:(وقالوا ماهي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) . شرك المساواة: هو المساواة بين الله والخلق في ذاته أو صفاته أو أفعاله ، كاتخاذ عبادة الأصنام والأجرام والكواكب وسائر المخلوقات آلهة من دون الله_ جل وعلا. قال تعالى:( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) .

س7/ كيف يكون موقف إمام المسلمين من الذين اشركوا ؟

ج7/ يحاربهم إمام المسلمين ، حتى يسلموا طوعا أو كرها ولا تقبل منهم جزية ، ويحل سبيهم وغنيمة أموالهم وسفك دمائهم ما داموا على شركهم .

س8/ وضح حكم زواج المسلم من المشركة . مؤيدا إجابتك بدليل قرآني .

ج8/ لايجوز تزوج المسلم من المشركة . قال تعالى:( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم )

 أعلى الصفحة

الدرس الرابع والعشرون: الولاية والبراءة الوقوف

س1/ وضح المقصود بـ(الولاية والبراءة والوقوف) ؟

ج1/ الولاية هي: المحبة بالقلب والثناء باللسان والنصر والتأييد بالجوارح عند القدرة على ذلك .

والبراءة هي: البغض بالقلب والشتم باللسان والردع بالجوارح .

والوقوف هو: الإمساك عن الدخول في ولاية أحد بعينه ، وعن الدخول في البراءة منه .

س2/ ما حكم الولاية والبراءة ؟ أيد إجابتك بالأدلة .

ج2/ المحبة القلبية فرض أما الثناء باللسان والإعانة بالجوارح فبحسب الأحوال الداعية لذلك . وهكذا البغض بالقلب فرض وما عدا ذلك من الشتم باللسان والردع بالجوارح فالحكم فيها بحسب الأحوال الداعية . والأدلة على وجوب الولاية والبراءة كثيرة منها: قوله تعالى:( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) . وقال تعالى:(واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) . وقوله تعالى:(لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) . وقوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لاتتولوا قوما غضب الله عليهم ) . وقوله عليه الصلاة والسلام لابن مسعود:( أي عرى الإسلام أوثق ؟ ) قال: الله ورسوله أعلم . قال:(الولاية في الله والبغض في الله) . وقال:( من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان) .

س3/ من خلال قوله تعالى:( الله ولي الذين آمنوا ) . وضح كيف تكون ولاية الله للمؤمنين ؟

ج3/ معنى الآية: أن الله_جل وعلا_ متولى أمورالمؤمنين وحافظهم وموجب لهم التأييد والثواب .

س4/ ماهي أقسام الولاية والبراءة ؟

ج4/ أولا: أقسام الولاية:

1_ولاية الجملة: وهي اعتقاد المؤمن ولاية جميع المؤمنين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين .

2_ولاية الحقيقة: أي المنصوص على ولايتهم في القرآن الكريم أو في السنة النبوية من الأنبياء والرسل والملائكة والصالحين .

3_ولاية الظاهر: يقصد بها موالاة ومناصرة الأفراد الموافقين للحق بالقول والعمل من خلال ظاهر أعمالهم .

ثانيا: أقسام البراءة

1_براءة الجملة: وهي اعتقاد المؤمن بغض ومعاداة أعداء الله من الأولين والآخرين إلى يوم الدين .

2_براءة الحقيقة: وهم الذين توعدهم الله_جل وعلا_ في كتابه أو على لسان نبي من أنبيائه .

3_براءة الظاهر: ويقصد بها البراءة من كل شخص اشتهر بارتكاب الكبائر أو أصر على الصغائر .

س5/ كيف تثبت براءة الأشخاص ؟

ج5/ تثبت براءة الأشخاص بعدة أمور هي:

1_اقراره بفعل المعصية أو اصراره على فعل المعصية . 2_ بمشاهدته على كبيرة من الآثام . 3_ بشهادة عدلين . 4_ بإشتهار أمره على فعل المعصية.

س6/ ما المقصود بولاية البيضة؟

ج6/ يقصد بولاية البيضة: ولاية الإمام العادل ومن اتبعه على طاعة الله تعالى وتنفيذ أوامر الله ، إلا من ظهر على خلاف الحق فيبرأ منه .

س7/ عدد أقسام الوقوف ؟

ج7/ أقسام الوقوف خمسة هي:

1_الدِين: وهو الكف عن ولاية معين وعن البراءة عنه ، لأنه لم يعلم منه من أعمال الخير ما يوجب الولاية أو ولا من أفعال الشر ما يوجب البراءة منه .

2_الرأي: وهو الوقوف عن الذي تقدمت ولايته بسبب ركوبه أمرا أشكل حكمه واستتر علمه ، فلا يدرى أهو حق فيوالى عليه أو باطل فيعادى عليه ، فيتوقف عنه حتى يعلم حكم حدثه .

3_السؤال: وهو أن يعتقد الواقف وقوف الرأي السؤال في حدث وليه حتى يخرج من حيز الإشكال ، وبهذا يسمى وقوف السؤال .

4_الإشكال: وهو الوقوف عن الوليين إذا فعلا فعلا يوجب كفر أحدهما ، وذلك إذا لعن أحدهما الآخر أو برأ بعضهما من بعض ولم يعلم المبطل منهما ، وهنا ينبغى على الواقف اعتقاد السؤال ليخرج من الحال الذي وقع فيه .

5_الشك: وهو ترك ولاية من لايشك مثل شكك ، أي أن يترك الواقف ولاية من دخل فيه بشرط أن يكون ذلك الشيء لايوجب بطلان الداخل فيه . وهذا الوقوف حكمه الحرمة لما فيه منترك ولاية المحق لأجل حق دخل فيه .

س8/ كيف تتحقق ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة ؟

ج8/ تتحقق ولاية الحقيقة من طريقين هما:

1_أن يرد كتاب من كتب الله بسعادة امريء أو بشقاوته .

2_أن يقول رسول من رسل الله_عليهم السلام _ أن فلانا من أهل الجنة ، أو من أهل النار .

س9/ وضح أساليب القرآن الكريم في ذكره لبعض السعداء والأشقياء ؟

ج9/ تنوعت أساليب القرآن الكريم في ذكر السعداء على أنواع ، وهي:

1_التصريح باسمه . مثاله في جانب الولاية: التصريح باسماء الأنبياء: آدم ، نوح ، إبراهيم ، موسى ، عيسى ، محمد _ صلى الله عليه وسلم . مثاله في جانب الأشقياء ذكر: ابليس وفرعون وهامان وقارون .

2_من كنى عنهم دون التصريح باسمائهم . مثاله في الولاية: أم موسى_عليه السلام . مثاله في البراءة: أبو لهب .

3_ما جيء به منكرا . مثاله في الولاية: مؤمن آل فرعون . وكالذي في قوله تعالى:(وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقوم اتبعوا المرسلين) . مثاله في البراءة: الرهط التسعة . الوارد ذكرهم في قوله تعالى:( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) .

س10/ كيف تتحقق ولاية الظاهر ؟

ج10/ تتحقق ولاية الظاهر من خلال:

1_المشاهدة بالعيان . 2_ شهادة العدلين . 3_ الشهرة القاضية المحقة التي لاتدفع .

س11/ لماذا كانت ولاية المؤمنين لبعضهم البعض مهمة ؟

ج11/ ولاية المؤمنين لبعضهم البعض مهمة لأنها تحقق:

أ_ العزة والنصر . قال تعالى:( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) .

ب_ عدم الخذلان . قال عليه الصلاة والسلام:(المسلم أخو المسلم لايظلمه ولايخذله ولا يسلمه ) .

  أعلى الصفحة

الدرس الخامس والعشرون: مسالك الدين

س1/ ما المقصود بمسالك الدين ؟

ج1/ يقصد بمسالك الدين: الطرق التي يتوصل بها لإقامة دين الله_جل وعلا _ وتحكيم شرعه . وهي أربعة: الظهور ، والدفاع ، والشراء ، والكتمان .

س2/ ما الدليل القرآني أو النبوي على كل مسلك من المسالك الأربعة ؟

ج2/ أولا: الظهور: لما كان من الواجب تطبيق أحكام الله_ جل وعلا _ وأنه لايتم هذا الواجب إلا بوجود إمام عدل يطبق أحكام الدين ، عندها دل على وجوب الظهور واستقلالية المسلمين في إدارة شئونهم وتطبيق أحكام دينهم . وكان أواخر حياة الرسول _صلى الله عليه وسلم على الظهور ، وهكذا كانت خلافة الخلفاء الأربعة .

ثانيا: الدفاع: أن الرسول _صلى الله عليه وسلم أراد أن يدفع جيوش الأحزاب بثلث ثمار المدينة المنورة .

ثالثا: الشراء: المبايعة تحت الشجرة يوم الحديبية ، والتي سميت ببيعة الرضوان .

رابعا: الكتمان: بداية الدعوة الإسلامية وخاصة السنوات الثلاث الأولى من بدء نزول الوحي .

س3/ متى يكون مسلك الظهور ؟

ج3/ يكون مسلك الظهور عندما يكون المسلمون قادرون على تطبيق شرع الله_ جل وعلا_ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر علنا وذلك عندما يكونوا نصف عدد عدوهم في العدد والعدة يقومون بمبايعة إمام عدل يقيم فيهم حدود الله_ جل وعلا، ويطبق الأحكام من قطع يد السارق ، ورجم الزاني المحصن ، وجلد شارب الخمر ، وأخذ الجزية من أهل الذمة .. وغيرها من الحدود والأحكام . أي إن الظهور يكون في حالة الإستقلال التام وقيام أحكام الدين ظاهرة .

س4/ لماذا كان الظهور أعلى مراتب المسالك ؟

ج4/ لأنه الأصل المأمور به ، وعليه توفي رسول الله_ صلى الله عليه وسلم _ وفيه تقام حدود الله ، ويحكم كتابه علنا .

س5/ ما المقصود بالتقية الدينية ؟ مع ذكر الدليل على جوازها ؟

ج5/ التقية: معناه دفع الضرر واتقاء الشر باللسان . قال تعالى:( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ، وقوله تعالى:( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) ، وجاء في الحديث النبوي عنه عليه الصلاة والسلام:(عفي عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما حدثوا به أنفسهم وما أكرهوا عليه ) . ومن ذلك ما جرى لعمار بن ياسر _ رضي الله عنه_ حين أخذه المشركون فلم يدعوه حتى سب رسول الله_صلى الله عليه وسلم _ وذكر آلهتهم بخير ، فلما جاء إلى النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قال: يارسول الله ما أراني إلا هلكت ، فأخبره الخبر ، قال: كيف تجد قلبك ؟ ، قال: مطمئن بالإيمان ، قال: فإن عادوا فعد .

س6/ لماذا لاتجوز التقية الدينية في مرحلة الظهور ؟

ج6/ لأن مرحلة الظهور ، مرحلة القوة والقدرة على تطبيق أحكام الله _ جل وعلا _ ، ولهذا فلا تصح التقية الدينية في هذه المرحلة ، وإنما يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهار وعلنا .

س7/ لماذا كان الكتمان أضعف مسالك الدين ؟

ج7/ لأن المسلمين في حالة الكتمان لايستطيعون تطبيق شرع الله وتنفيذ أحكامه ، لأنهم مغلوبون على أمرهم .

س8/ ما حكم التقية التي تؤدى إلى ضرر الآخرين ؟

ج8/ لا تجوز تنجية النفس بإلحاق الضرر بالآخرين .

 أعلى الصفحة

الدرس السادس والعشرون: مكائد الشيطان

س1/ من هو الشيطان ؟

ج1/ الشيطان هو: إبليس اللعين . فهما اسمان لمسمى واحد . وهو مخلوق من عالم الجن ، فسق عن أمر ربه ، فاختار لنفسه طريق الضلال والإضلال .

س2/ ماسبب طرد إبليس _ لعنه الله وأخزاه _من رحمة الله ؟

ج2/ تمرده وتكبره على أمر الله_ جل وعلا_ بالسجود لآدم _عليه السلام . قال تعالى:( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ) .

س3/ مالعلة التي تعلل بها الشقي إبليس _لعنه الله_ من عدم السجود لآدم _عليه السلام ؟

ج3/ أن خِلقته أفضل من خلقة آدم _عليه السلام . قال تعالى ( إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين . فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين . قال ياإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين . قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) .

س4/ ماذا كان طلب إبليس _ اللعين _ بعد طرده من رحمة الله_جل وعلا ؟

ج4/ طلب من الله_جل وعلا _ أن يبقيه إلى يوم البعث. قال تعالى:( قال فاخرج منها فإنك رجيم . وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين . قال ربي فأنظرني إلى يوم يبعثون . قال فإنك من المنظرين . إلى يوم الوقت المعلوم ) .

س5/ بماذا أقسم إبليس _ لعنه الله_ على الله _ جل وعلا ؟

ج5/ أقسم بعزة الله ليغوين بني آدم . قال تعالى على لسان إبليس:( قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين) .

س6/ مامعنى إضلال الشيطان للعباد ؟

ج6/ معناه دعاؤه لهم إلى الضلال ، وتزيينه لهم الكفر .

س7/ قال تعالى:( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) . استخرج من خلال هذه الآية الكريمة مكائد الشيطان .

ج7/ 1_ يوقع في العداوة والبغضاء . 2_ يصد عن ذكر الله . 3_ يصد عن الصلاة .

س8/ ماذا يفعل الشيطان_ لعنه الله_ إذا نام ابن آدم ؟ أيد إجابتك بدليل نبوي .

ج8/ يعقد عليه ثلاث عقدات تثقله عن القيام . جاء في الحديث النبوي. أبوعبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم:( يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقدات يضرب مكان كل عقدة عليك ليلا طويلا فارقد فإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة فإذا توضأ انحلت عقدة فإذا صلى انحلت عقدة فيصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان).

  أعلى الصفحة

الدرس السابع والعشرون: التوبة

س1/ ما المقصود بالتوبة ؟

ج1/ التوبة لغة: الرجوع ، واصطلاحا يقصد بها: الرجوع إلى الله والإنابة إليه بالعبادة والإستغفار والإكثار من الصدقة . وقد قال عليه الصلاة والسلام:( التوبة من الذنب الندم والإستغفار) ، وقال:( التوبة من الذنب ألا تعود إليه أبدا) .

س2/ ماهي أركان التوبة النصوح ؟

ج2/ جمع العلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي_ رحمه الله_ أركان التوبة في أنوار العقول فقال:

أركانها ندم مع استغفار***والعزم والرجوع بانكسار

فأركان التوبة هي:

أ_ الندم .

ب_ الإكثار من الإستغفار والتذلل لله _جل وعلا .

ج_ الإقلاع من الذنب .

د_ معاهدة الله على عدم العودة للمعصية .

ه_ رد الحقوق إلى أصحابها إذا كانت المعصية متعلقة بحقوق العباد .

س3/ متى لاتقبل توبة العبد ؟ أيد إجابتك بآية قرآنية أو حديث نبوي .

ج3/ أ_ عند الغرغرة . قال تعالى:( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ) .

ب_ عند نزول العذاب . قال تعالى:( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وكفرنا بما كنا به مشركين . فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) .

ج_ عند طلوع الشمس من مغربها .قال صلى الله عليه وسلم:( لاتقوم الساعة حتى حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون،فذلك حين لاينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا). وجاء في الحديث النبوي عن عبدالله بن عمر وغيره أن النبي _ صلى الله عليه وسلم_ قال:(لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت طبع الله على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل) .

س4/ كيف يتوب: مضيع فريضة الصلاة أو الصوم ؟

ج4/ قيل: عليه التوبة والكفارة ، مع إبدال ما ضيع . وقيل: لاشيء عليه سوى التوبة .

س5/ ماأهمية فتح الإسلام باب التوبة ؟

ج5/ يجعل الإنسان لايصر على المعصية ، عندما يجد باب التوبة مفتوحا . وذلك أن الإنسان قد يقع في المعصية بسبب من الأسباب فإذا وجد أن باب التوبة مغلقا في وجهه فإنه بالتالي لايبالي من الوقوع فيما هو أشد من ذلك ، ولكنه عندما يدرك أن باب التوبة مفتوح ، وأن سياته ستمحى إن كانت توبته صادقه بل تبدل إلى حسنات عندها سيكون لديه باعث للرجوع من من معصية الله إلى طاعته وعما يكرهه الله إلى مايرضيه .قال تعالى:( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ماقد سلف) .وقال تعالى:( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات).

 أعلى الصفحة

الدرس الثامن والعشرون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

س1/ ما المقصود بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟

ج1/ يقصد بالأمر بالمعروف: الدعوة لكل خير ، ولكل فضل وجه إليه الإسلام . ويقصد بالنهي عن المنكر: التحذير من كل أمر نهى عنه الإسلام وأنكره الشرع الحنيف .

س2/ لماذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهما وضروريا ؟

ج2/ لأن القيام بهذا الواجب معناه حياة المجتمع واستقراره ، وتضييع هذا الواجب معناه دمار المجتمع وفساده ، فتنطلق الشهوات عندما لاتجد زاجرا ولامذكرا لها ، وتستباح المحرمات ، وتضيع الواجبات .

س3/ لماذا لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ؟

ج3/ لعنوا بسبب تضييعهم لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فكانوا لايتناهون عن منكر فعلوا . قال تعالى :( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصو وكانوا يعتدون . كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) .

س4/ اشرح قوله تعالى:( ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) .

ج4/ في هذه الآية خطاب للمؤمنين بأن يلزموا أنفسهم بالطاعة والتمسك بأوامر الله ، والدعوة إلى منهج الله ، ولايلتفتوا لضلال من ضل بعد أن يقيموا عليه الحجة ويأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر ، فلا يضرهم ضلاله بعد إقامتهم الحجة عليه ، واهتدائهم وتمسكهم بدين الله .

س5/ عن أبي رقية تميم بن أوس الداري أن النبي _صلى الله عليه وسلم قال:( الدين النصيحة (ثلاثا) قلنا لمن يارسول الله ؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) . أجب عن الأسئلة الآتية:

أ_ ما معنى قول الرسول _صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) ؟

ب_ كيف تكون النصيحة لكل من: لله ، لكتابه ، لرسوله ، لأئمة المسلمين ، لعامتهم ؟

ج5/أ_ معنى كلمة الدين النصيحة: أي قوام الدين النصيحة . والنصيحة معناها: إرادة الخير للمنصوح .

ب_ تكون النصيحة لله _جل وعلا _ بتوحيده ووصفه بالكمالات وتنزيهه عن العجز والسهو والغفلة وسائرالنقائص وتنزيهه عن الإتصاف بصفات المخلوقين .

تكون النصيحة لكتابه: بالحرص على تعلمه وتعليمه ، والعمل بأوامره ، واجتناب ما نهى عنه ، وتطبيق أحكامه ، وذب المبطلين عنه .

تكون النصيحة لرسوله: بالإقتداء به ، والعمل بسنته ، والتزام ما وجه إليه واجتناب ما نهى عنه ، وتعظيمه ، ودفع شبهات المبطلين عنه .

تكون النصيحة لأئمة المسلمين: أئمة المسلمين هم حكامهم العدول العاملون بأحكام الله ، وتكون النصيحة لهم بتقديم المشورة لهم ونصرتهم في الدفاع عن بيضة المسلمين ، وإعانتهم في تدبير شئون المسلمين ، وتذكيرهم بالله _ الواحد القهار . فإن عدم الحكام العدول وتغلب أهل الباطل وجب على الناس نصرة العلماء الورعين العاملين بمنهج الله _جل وعلا_ الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر .

تكون النصيحة لعامتهم: بالسعي لكل ما يعود لهم بالنفع ، وتعليم جاهلهم ، ودفع الأذى عنهم ، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ، ويكره لهم مايكره لنفسه .

 أعلى الصفحة

الخاتمة

الحمد لله الواحد الأحد الذي بنعمته تتم الصالحات وتكتمل وبتوفيقه وإعانته يتحقق النجاح والفلاح وبالإخلاص في التوجه إليه تقبل الأعمال وبطاعته والتزام منهجه تطمئن الأفئدة وبالدعاء تتوجه إليه الألسنة وإليه تصعد الأعمال وبطلب المعالي يتوجه العارفون فتزكوا نفوسهم وترتقي .

والصلاة والسلام على المبعوث بشيرا ونذيرا وهداية للعالمين سيدنا محمد _ صلى الله عليه وسلم _ وآله وصحابته الغر الميامين المتمسكون بالدين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد

فقد اكتملت هذه الثمرات الجنية المتناولة لتسعة وعشرين درسا من الدروس العقدية والتي أسأل الله_ جل وعلا _ أن يوفق للانتفاع مما فيها والحمد لله رب العالمين

 أعلى الصفحة

زرارة المقبرة: تحيزَّا

c 7زرارة المقبرة:

تحيزَّا ⵜⵃⵉⵣⵣⴰ

تحيزا هي مِن عاداتنا الجَميلة  ومن بين مراسيم  حفل الزواج في قصور وادي مزاب، في الصباح الباكر من اليوم الأول من عقد القران يذهب العريس رفقة وزرائه وأفراد العائلة وكل من أصدقائه ومرافقيه وبعض أعضاء العزابة لزيارة المقبرة التي دفن فيها بعض أفراد عائلة العريس، مثل مقبرة باعيسى وعلوان أو مقبرة بابا والجمة أو مقبرة الشيخ عمي سعيد، كما تستغل هذه الفرصة للتعريف بأول معمر للبلدة " الشيخ  باباولجما.

أهل العريس يحضرون  معهم خبز وتمر "أغروم نوفا د تيني" ليوزع على الحاضرين، قبل ذلك يطلب أحد أعضاء العزابة من العريس "تارضونت نوفاڤ" خبز الطاجين  إلى أربع قطع باستعمال يدا واحدة فقط، و وراء هذا الأمر الكثير من الحكم،

حيث يذكر العريس ما ينتظره من مسؤوليات بانتقاله من مرحلة العزوبة إلى مرحلة الزواج فيكون على عاتقه  الأبناء، الزوجة، الوالدين، لتعزيز قيمة تحمل المسؤولية بما تقتضيه المرحلة الجديدة من حياته في تكوين الأسرة، وكذلك تعمل على ترسيخ قيمة العدالة والمساواة واعطاء كل ذي حق حقه و كذلك الاعتماد على النفس بعيدا عن الاتكلية.

بعدها يلقي العزاب كلمة مقتضبة  ليتذكَّر أن الدنيا فانية زائلة، وأن بهجته وسُروره سُرعان ما سينقضيان ليرحَل إلى ربِّه، ويُغيَّب في التُّراب ويُوارى الثَّرى؛ فلا ينفعهُ إلا عملُه الصَّالِح حينئذ!!

بأن هذه الدنيا بجمالها ومتاعها وملذاتها تنتهي وتزول طالت أعماره أم قصرت فمآله القبر وما عند الله خير وأبقى

والحكمة من اختيار أخد العريس في  أيام  زفافه الأولى إلى المقبرة ليدرك أن الحياة تتقلب بين أفراح  و أقراح ولا وجود لحال دائمة، ولا ينسى الدار الباقية، في زحمة الفرحة الغامرة.

 

c 7زيارة القبور في العيد:

من السير الحميدة بمزاب في الأعياد -بالإضافة إلى التزاور بين الأقارب- هو زيارة الآباء والأجداد والمشايخ في قبورهم، ففيها من العبرة والموعظة الكثير، كما أنها تغرس في قلب الابن قيمة الاحترام والتقدير لآبائه وأجداده، وتغذي في نفسه الحاجة إلى الانتماء، وتقوي ارتباطه بهذه الأرض، وتزيد من ولائه لهذا النموذج الاجتماعي.

الراجح أن صورة القبر  للشيخ باعيسى وعلوان هو متواجد بمقبرة الشيخ عمي سعيد.

زهد عبد الرحمن بن رستم في المادة وتقشفه في عيشه

وكان عبد الرحمن متقشفا في عيشه، زاهدا في الدنيا، على طموحه، وجده واجتهاده في بناء دولته، والبلوغ بها أقصى درجات الحضارة والعمران. لقد كان يتمنى أن يرى رعيته كلهم يسكنون القصور الجميلة، ويبلغون النهاية في الغنى، ويصلون كل ما يشتهون في دنياهم، مما يزيدهم سعادة وللدولة قوة، وينيلهم رضا الله؛ وتكون عاصمته وجه الإسلام الجميل، ومظهر الجمهورية الرائع، وعنوان المغرب المعتد بنفسه، الذب لا يرضى أن يبزه احد، وان يخمله سواه. وقد بلغت بفضله عاصمته الذروة في الحضارة، ونالت رعيته كل ما تتمناه لنفسها من يسر وغنى، ورفاهية ورخاء، فسكنوا القصور، وتقلبوا راقية، وحياة رخية كريمة. أما هو فكان زاهدا في مباهج الحياة، متقشفا في العيش، لا يفكر في نفسه و لا يعمل لها. وكانت داره في تيهرت المتحضرة ابسط دورها، ليس فيها زخرف ولا رياش، ولا ما تزخر به دور رعيته، والسراة من أهل دولته، من فنون الحضارة والنعيم.وسترى في قصة الوفد الذي جاءه من البصرة صفة داره، ومبلغه في التقشف في عيشه، ونكرانه لذاته، وإيثاره لرعيته بكل المباهج والملذات.

زهده في المال مع إقباله عليه

وكان عبد الرحمن بن رستم زاهدا في المال، لا ينظر إليه نظرة الملوك والأمراء الذين يتكالبون عليه، ويظلمون الرعية من اجله، وينبهونه من أيديهم بكل الوسائل. بل كان ينظر إليه نظرة الشبعان المكتظ إلى الطعام الذي سبع منه، يؤثر به سواه، ويفيضه على غيره. وقد رد عشرين غرارة من الذهب الرنان تشتمل على ملايين عديدة من الذهب الوهاج، جاءته من إخوانه الجمهوريين بالبصرة، لما وجد أنهم أحوج إليها منه. وذلك لزهده في المادة، ولزهد خاصته فيها أيضا. ومن يزهد في المادة لا يشح بها. وإذا جاد بها على سواه، وجعلها وسيلة لنيل رضا ربه، فتح الله له كل خزائنه، فتقبل عليه الدنيا بكل متاعها، وتكون دنياه دنيا السحاب الذي ينهل فلا يمسك ماءه، خضراء ترفل في النضارة والجمال، غنية بكل أنواع الثمار والخيرات، باسقة الأشجار، ملتفة الجبال بالغابات الكثيفة التي تجدده!

محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير ج3 ص 281-282

عقيدة بني مزاب

   كان قدماء البربر يعتقدون وجود إله يسمونه " عَمُونْ" أو " أَمُونْ " و لكن يرون أنّه ليس له وجود مستقل, و إنّما هو روح تحلّ ببعض الكائنات و المظاهر فيعبدونها[1].من هذه الكائنات :

أ ـ الكواكب : كانوا يعبدون منها الشمس و القمر.

ب ـ الحيوانات : كانوايعبدون الثور و الكبش و الأفعى و البوم والطاوس و الهر.

ج ـ الروحانيات : كانوا يعتقدون وجود أرواح كالجن في بعض العناصر الطبيعية كالعيون و الأحجار و الأشجار, يتوسّلون بها لقضاء حوائجهم.

د ـ الأموات : كانوا يعبدون موتاهم و يقدّسونهم و يخشون غضبهم.                                

     و مع انتهاء الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا عام 84 هـ / 703 م, اعتنق البربر الإسلام و ساهموا في نشره و نقله إلى جنوب أوروبا, ثمّ إلى وسط أفريقيا.

   الملحوظ أنّ البربر عموما, و بني مزاب على وجه الخصوص, لم يشاركوا من قريب و لا من بعيد في الفتنة الكبرى و وقعة صفين بين علي و معاوية و قضية التحكيم و ما أعقبها من الأحداث الدموية المؤلمة, حيث أنّ إسلامهم تمّ بعد أكثر من أربعين عاما من اغتيال الإمام علي ( كرّم الله وجهه ) . فبأي منطق يلاحق بنو مزاب إلى اليوم بإدانة أجدادهم بقتل الإمام علي؟ إنّما الذي قتله هو عبد الرحمان بن ملجم الحميري بعد معركة النهروان. و كان ذلك في الكوفة بالعراق عام 40 هـ / 660 م .

   إن أول المذاهب الإسلامية التي اختارها بنو مزاب هو مذهب المعتزلة, و كانوا واصلية, نسبة إلى واصل بن عطاء ( 80 – 131 هـ / 700 – 748 م ). يقول القطب طفيش : " و ليس أهل هؤلاء القرى إباضية من أوّل, بل كانوا معتزلة يسافرون إلى تاهرت لقتال الإباضية "[2].

   هذه الحقيقة التاريخية تنفي وجود أيّة صلة ولاء بين بني مزاب و إباضية تاهرت, و اعتبار بني مزاب بقايا الرستميين نزحوا إلى سدراتة و منها إلى وادي مزاب لا أساس له من الصحة, و تصويرهم جماعة من المضطهدين قصدوا الصحراء القاحلة فرارا بمذهبهم, تصوير خاطئ مخالف للواقع[3].

     يجمع المؤرخون على أنّ تحوّل بني مزاب إلى المذهب الإباضي يرجع سببه إلى الداعية أبي عبد الله محمّد بن بكر المتوفّى عام 440 هـ, صاحب نظام الحلقة التي خلّدت ذكره.

   و الجدير بالذكر أنّ استجابة بني مزاب للشيخ أبي عبد الله لاعتناق المذهب الإباضي لم تكن فورية و جماعية, و لم يزُل وجود المذهب المعتزلي من البلاد نهائيا إلاّ بعد حوالي قرن و نصف من الزمن.

   لكن, لئن كانوا بنو مزاب آخر من اعتنق المذهب الإباضي في شمال أفريقيا, فإنهم صاروا الأشد حرصا على التمسّك به و خدمته, خاصة منذ النهضة الفكرية التي عرفها الوادي منذ القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي.

   أمّا علاقتهم ببقية الإباضية في العالم, فما فتئت تتوطّد. بعد أن كانت مقتصرة على مراسلة المشايخ و استقدام بعضهم عند الضرورة القصوى, و خدمة التراث الديني المشترك, أضحت المبادلات الثقافية اليوم أوسع و أشمل, و بعثات الطلاب بين مزاب من جهة, و عمان و زنجبار من جهة أخرى, أكبر دليل على حجمها المتنامي.

   و بالمناسبة, أورد بعض أصول الإباضية التي أرى أن لها تأثيرا مباشرا على سلوك الفرد في المجتمع و على علاقة الإباضية ببقية المسلمين :

أ ـ يتكوّن الإيمان من ثلاثة أركان : الاعتقاد و الإقرار و العمل.

ب ـ الإنسان حر في اختياره, مكتسب لعمله, ليس مجبرا عليه.

ج ـ شفاعة الرسول محمّد صلى الله عليه و سلم قسمان : الشفاعة الكبرى لبدء الحساب و دخول المسلمين الجنة, و الشفاعة الصغرى للمؤمنين الموفّين بزيادة درجاتهم.

د ـ مصير المسلم الذي مات على كبيرة و لم يتب منها, جهنّم خالدا فيها أبدا. و لا فرق في ذلك بين الإباضي و المخالف.

هـ ـ دماء المخالفين حرام إلاّ في حالة حرب أو دفاع عن النفس.

و ـ من حلّ دمه من المسلمين لا يحلّ غنيمة ماله, و لا سبي نسائه و قتل أطفاله, و لا قطع الميراث عنه[4].

ز ـ الخلافة الإسلامية لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي, أو تبقى محصورة في قبيلة معيّنة, إنّما يراعى فيها الكفاءة و الاستطاعة.

ح ـالإباضية لا يرون وجوب الخروج على الإمام الجائر, أمّا جواز الخروج عليه فمشروط بالاستطاعة وعدم الوقوع في أضرار ما هم عليه.

 


[1]ـ-محمّد علي دبوز : تاريخ المغرب الكبير, ج1 , ص 69 .

[2]ـ-الرسالة الشافية, ص 38 .

[3]- انظر علي يحي معمر : الإباضية في موكب التاريخ, الحلقة الرابعة, الجزء الثاني, ص 440 .

[4] ـ علي يحي معمر : الإباضية, ص 57 -71 .

قالوا عن الإباضية

  • الأستاذ الفاضل الشيخ محمد شحاته أبو الحسن

    أنا لا أحابي أحداً في موقفي هذا، ولكني أقول إن أصحاب هذا المذهب الذي تجنَّى عليه البعض، أكثر منَّا تسامحاً واستجابة لأمر الله سبحانه بالتآلف،  فقد عشت بين أظهرهم، أقوم بتدريس مادة التفسير في معهد القضاء الشرعي ما يزيد على اثني عشر عاماً لم أجد ما يكدِّر الصفو، ولا ما يحملني على قولٍ بعينه دون دليل، رغم الاختلاف في بعض المسائل، وكنا أنا وطلابي والعلماء الأجلاء في المذهب نتبع الدليل الأقوى فممن اعترف لهم قديماً عالم المدينة مالك بن أنس، فإنه قال خطبنا أبو حمزة خطبة حيرت المبصر وردت المرتاب، وأبو حمزة هو..  .

    اقرأ المزيد

  • السيد مصطفى بن إسماعيل المصري

    إن مذهب الاباضية نسبة إلى الإمام عبد الله بن اباض هو أقدم المذاهب تاريخاَ وأوثقها مصدراَ وأصحها تأويلا وأحفظها للباب طهارة الدين الحنيف ونقاوته وسماحته وزكاوته وعلى ذلك فليس ثمت مراء في انه هو الطريق الحق الذي كان يمضي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة معه و....

    اقرأ المزيد
  • الكاتب المنصف العالم الزيتوني الأستاذ عبد العزيز المجذوب

    أبرز ما يتصف به الإباضيون تمسكهم الشديد بالدين ، بأداء فروضه وتجنب نواهيه - إلى حد الغلو - وبُغظهم المفرط لأصحاب الظلم والفساد ، وبفضل هاتين الصفتين استطاعوا أن يحققوا لأنفسهم عزًّا دينيا، ومجداً سياسيًّا ، خلَّد ذكرهم في التاريخ الصراع المذهبي بإفريقية إلى...

    اقرأ المزيد

  • العلاّمة الكبير السيد عبد الحافظ عبد ربّه، من علماء الأزهر الشريف

    لقد استنبطوا مذهبهم من القرآن الكريم ، واقتبسوه من السنة المطهرة ، وسلكوا في مسيرتهم إلى عبادة الله نفس الطريق التي سلكها الصحابة ، وارتضاها الإجماع ، وحرصوا كل الحرص على أن تكون خطواتهم على ذات الدرب ، وفي نفس الطريق ، وفوق " إفريز " الشارع ، ومع السبيل التي قطعها الرسول صلوات الله وسلامه عليه في مشواره الطويل و...

    اقرأ المزيد

  • الشيخ عمر محمد صالح با من السنغال مالكي المذهب

    يقول في مؤلفه عن الاباضية : غير أن المبرر الذي نعتبره أكثر إلحاحا لتعريف الناس بالمذهب لأباضي، هو السعي لإزالة فهم تاريخي خاطئ عن هذا المذهب تداوله الكتاب، وأصبح سائدا في الأوساط العلمية وغير العلمية "التقليدية" وهذا المفهوم يتحمل تبعته كتاب غير دقيقين في كتاباتهم ولا مقدرين مسئولية نحو المادة العلمية التي يقدمونها إلى الجمهور كشيء...


    اقرأ المزيد

  • العلامة الجليل عز الدين التنوخي عضو المجمع العلمي بدمشق سابقاً

    كل من يتهم الإباضي بالزيغ والضلال فهو ممن فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً ، ومن الظالمين الجهَّال"خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل " ص ح ، ط1 . المطبعة العمومية بدمشق.

 

فيديوهات

  • إنصاف د. محمود هرموش للإباضية

    Icon 07مقاطع مِن محاضرة " الإجتهاد الفقهي عند الإباضية وغيرهم " للدكتور/ محمود مصطفى عبود هرموش ألقاها بمسجد الغفران  غرداية - وادي مزاب - جنوب الجزائر)  4 محرم 1432هـ  يوافقه الجمعة 10 / 12 / 2010....

    شاهد الفيديو
  • الأستاذ الدكتور علي جمعة

    Icon 07الإباضية بعيون مصرية ـ برنامج مجالس الطيبين للأستاذ الدكتور علي جمعة كلام من ذهب في أدب الإختلاف و دعوه للتقريب بين المذاهب

    شاهد الفيديو

كتاب الحق الدامغ

c 7

تحميل كتاب الحق الدامغ للشيخ أحمد بن حمد الخليلي PDF

فهرس الكتاب

المبحث الأول : في رؤية الله
" مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة "
ـ المقدمة : في مدلول الرؤية لغةً
ـ الفصل الأول : في اختلاف الأمة في إمكان رؤية الله ووقوعها
ـ الفصل الثاني : في أدلة المثبتين
ـ الفصل الثالث : في أدلة النافين ، وهي قسمان عقلية ونقلية
ـ خاتمــــة : في نتيجة البحث


المبحث الثاني : في خلق القرآن
مقدمة وأربعة فصول وخاتمة
ـ المقدمة : في التعريف بالخلق وبالقرآن والتفرقة بين القرآن وسائر الكتب المنزلة وبين الكلام النفسي
ـ الفصل الأول : في اختلاف الأمة في قِدم الكلام أو حدوثه
ـ الفصل الثاني : في تضارب أقوال القائلين بقِدم القرآن
الفصل الثالث : في أدلة النافين لخلق القرآن
الفصل الرابع : في أدلة القائلين بخلق القرآن
ـ خاتمة : في نتيجة ما تقدم


المبحث الثالث : في خلود أهل الكبائر في النار

" مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة
ـ المقدمة : في تعريف الخلود والكبائر
ـ الفصل الأول : في اختلاف الناس في خلود الجنة والنار
ـ الفصل الثاني : في أدلة القائلين بانقطاع العذاب
الفصل الثالث : في أدلة القائلين بخلود جميع مرتكبي الكبائر في النار
ـ خاتمة : في نتيجة البحث
خاتمة الكتاب
شكر وعرفان




المقدمة

الحمد لله الذي اصطفى لعباده الدين فوحَّد به بين فئات المؤمنين ، وألَّف بنظامه بين قلوب المخلصين ، سبحانه هو الواحد في ذاته المتقدس في صفاته المتعالي في كبريائه ، الخالق لما في أرضه وسمائه ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) سورة الشورى 11 ، ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) الأنعام 103 ، الصادق في الوعد والوعيد ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا معقِّب لحكمه ولا تبديل لكلماته ، ولا إخلاف في ميعاده ، أحمده حمد من آمن بجلاله واعترف بكماله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ( له الحمد في الأولى والآخرة ، وله الحكم وإليه ترجعون ) القصص 88 ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وخيرته من خلقه وصفوته من رسله ، أرسله بأصدق البينات وأظهر الآيات وأبهر المعجزات فأكمل به الدين وأتم به النعمة على عباده المؤمنين ، صلى الله وسلم تسليماً عليه ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد

فإن التباين في أحوال الناس سمة من سمات البشر المعهودة ، فلذلك تجدهم متفاوتين في المدارك ، مختلفين في المشارب ، متعاكسين في الأحاسيس ، وإلى ذلك يرجع تعدد مذاهبهم في الأمر الواحد ، وتباين تصوراتهم في القضية الواحدة ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ، ولذلك خلقهم ) هود 118 / 119 ، وكثيراً ما تتأصل الحمية في نفوسهم فلا تلبث مع استمرار الوقت وعوامل الزمن أن تتحول إلى عقيدة راسخة مستحكمة ، في العقل والوجدان ، مستعصية على الحجة والبرهان ، لا تتزعزع لمحرك ، ولا تنقاد لداع

ولذلك كانت دعوات المرسلين عليهم السلام تستفرغ منهم الجهد الجهيد ، وتستغرق منهم الوقت الطويل ، وتظل مع ذلك أفكار أكثر الناس سادرة في غيِّها ، غارقة في عماها ، لا تصغي إلى الحجج الصادعة ، ولا تتفتح على المعجزات الساطعة ، بل كلما ازدادت الحجة بياناً ، والمعجزة ظهوراً ، كانوا أشد تصامماً وتعامياً ، وأوغل في العناد والشقاق

وقد ابتليت كل أمة بالافتراق فيما بينها والانشقاق على نفسها ، ولم تسلم من ذلك أمة حتى أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي اختصت بمبعث أعظم رسول إليها ، وإنزال أجلّ كتاب عليها ، وحذرت أيما تحذير من الافتراق ودواعيه ، وبينت لها عاقبته السيئة في محكم آيات الكتاب الذي اختصت به ،قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) آل عمران : 103 ، وقال سبحانه : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) آل عمران 105 ، وقال : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) الأنفال 46 ، وقال لنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ) الأنعام 159 ، فإنها مع ذلك كله لم تسلم من هذا الداء العضال الذي أصاب غيرها من الأمم ، غير أن الله سبحانه اختصها بأن حفظ لها كتابها المنزل عليها من تحريف العابثين وتبديل المناوئين تحقيقاً لوعده الصادق ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) الحجر 9 ، ومكن لها من معرفة الصحيح الثابت من سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ، وجعل لها مخلصاً من الشقاق والنزاع بالاحتكام إلى الله ورسوله حيث قال : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) النساء 59

ولا يكون الاحتكام إلى الله إلا بالرجوع إلى كتابه فتستلهم منه الحقيقة ويستبان به الحق ، وكذلك الاحتكام إلى رسوله صلى الله عليه وسلم لا يعني إلا بالرجوع إلى سنته الثابتة الصحيحة

ومع وجود هذا المَخْلص الذي أُمرنا بأن نفزع إليه من كوارث الاختلاف فإن الخلاف لم يزل ، والشقاق لم يُستأصل ، فقد تُؤُوِّل الكتاب تأولات شتى لم تستمد إلا من الوهم ، ولم تُستلهم إلا من الهوى ، كما أن للناس مواقف متعددة في معرفة الصحيح من غيره من سنته عليه أفضل الصلاة والسلام ، وفي معرفة نفس مقاصد السنة الثابتة باتفاق الجميع ، ومن هنا نشأ ما نراه بين الأمة من خلاف ونزاع في أصول الدين وفروعه

وإن أعظمه ضرراً ، وأفدحه خطراً ، وأعمقه أثراً ، وأسوأه عاقبة ما كان في أصول الدين ، فإنها قواعد الإسلام ؛ بها تقوم أركانه ، وعليها يشاد بنيانه ، وبقدر ما تكون قوتها تكون متانة الدين نفسه ، ولأجل ذلك فإن الأمة كثيراً ما تتسامح في الخلاف الذي يكون بين فئاتها في فروع الشريعة ، ولكن يشتد شقاقها ، ويتعمق نزاعها عندما تختلف في الأصول ، وبقدر ما يكون من التقارب أو التباعد فيها بين طائفة وأخرى بقدر ما بينهما من التلاقي أو الافتراق ، وما مصدر ما حدث ويحدث بين طوائف الأمة من التراشق بالتهم والتنابز بالألقاب ، والترامي بالأحكام القاسية إلا الاختلاف في أصول دينها ، والتباين في منازع استنادها في معتقداتها بين الإفراط والتفريط في التعويل على النقل أو العقل

وليس هذا النزاع في أصول الدين مع وحدة المصدر الذي تنهل منه العقول المتنازعة إلا نتيجة لتباين المدارك واختلاف التصورات عند أئمة الفرق ، ثم يؤصله تعصب الجماهير لأقوال أئمتهم بحيث تجعل كل طائفة قول إمامها أصلاً تُطوِّع له الأدلة المخالفة له بكل ما تخترعه من التأويلات المتكلفة ، فتوزعت الأمة شيعاً وأحزاباً ( كل حزب بما لديهم فرحون ) المؤمنون 53

ولست أبالغ إن قلت إن الإباضية - أهل الحق والاستقامة - تمتاز عقيدتهم وتتسم طريقتهم في فهم أصول الدين بثلاثة أمور

أولاً: سلامة المنزع، فإنهم جمعوا في الاستدلال على صحة معتقداتهم بين صحيح النقل وصريح العقل ، فلم يضربوا بالنصوص الصحيحة عرض الحائط بمجرد تعارضها مع مقتضيات العقل بادي الرأي كما هو شأن أصحاب المدرسة العقلية الذين جعلوا العقل أسمى وأقدس ، وأصح وأثبت مما جاء به النبييون عن الله عز وجل ، فعولوا عليه في التحسين والتقبيح ، والتعليل والحكم ، كما أنهم لم يطفئوا شعلة العقل مستأسرين لظواهر الألفاظ غير مسترشدين به في استكشاف أبعاد معانيها ، والغوص على حقائق مراميها ، كما هو شأن عَبَدَة الألفاظ الذين لا يأخذون من النص إلا قشوره ، لا يتجاوزون شكله إلى جوهره ، ولا يتعدون ظاهره إلى مضمونه ، بل استمسكوا بالعرى الوثقى من النصوص ، واتخذوا من العقل السليم دليلاً على فهم مقاصدها ، ومن الأساليب اللغوية شراكاً لاقتناص شواردها ، ولا غرو فَهُم منطلقون في ذلك من مراشد القرآن نفسه ، فكم تجد فيه ( لآيات لقوم يعقلون ) و ( لقوم يتفكرون ) و ( لقوم يعلمون ) و ( لأولي الألباب ) كما تجد فيه ( إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ) يوسف 2 ، فهو وإن سما فوق بلاغة بلغاء العرب والعجم لم يخرج عن كونه عربي اللسان والأسلوب ، وقد يسره الله للذكر بتفهم آياته واستجلاء مقاصده ، واستلهام مراشده .

ثانياً: عدم التعصبلأئمتهم تعصباً يجعلهم يتصاممون عن النقول الصحيحة ، ويتعامون عن العقول الصريحة ، كما نجد ذلك عند كثير من المتفقهة والمتكلمين ، ومن أبشع ما وجدناه في ذلك قول العلامة الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين : ( ولا يجوز تقليد ماعدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية ، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل ، وربما أداه ذلك للكفر ، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر

فقد باين الإباضية هذا المسلك الضيق فقهاً وعقيدة إلى فسيح النظرة الشمولية للأمة ، ولم يسوغوا لأنفسهم أن يرفعوا كلام أحد من أئمتهم إلى درجة كلام الله أو كلام رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام وإن بلغ في العلم والورع ما بلغ ، فهذا الإمام نور الدين السالمي رحمه الله يقول في كتاب أصول الدين من جوهر نظامه



وهي أمــور تبتنى عليها

صحــــة ديننا فمِل إليها

لا دين للمرء إذا لم يعرف

ما كان مـنه لازماً فلتعرف

واعتمدن ذلك بالدليـــل

في حالة الإجمال والتفصيل


إلى أن قال



ولا تناظــر بكتاب الله

ولا كلام المصطفى الأواه

معناه لا تجعل له نظيرا

ولو يكون عالماً خبـيرا

ويقول أيضاً



نقدِّم الحديث مهما جاءَ

على قياسنا ولا مراء

ونرجعن في بيان الحكم

عنه إلى إجماع أهل العلم


وستجد أخي القارئ الكريم فيما أقدمه إليك ، وفيما دوَّنه غيري من الإباضية ، ما يدلك دلالة قاطعة على صحة ما ذكرته لك ، من أن أهل الاستقامة ( والحمد لله ) بريئون من هذا الأصل الذي رضيَه الصاوي بأن يكون القاعدة التي يقوم عليها صرح الإسلام ، كما ستجد إن شاء الله أن الصاوي ليس وحيداً في هذا الميدان ، فهناك من مشى على نفس هذا المنهج كما يدل على ذلك مسلكه في النقاش ، وستجد ذلك إن شاء الله أثناء مطالعتك لهذه الدراسة التي أقدمها إليك ، ولا يعني ذلك أن جميع المذاهب الأربعة منغمسون فيما انغمس فيه الصاوي وغيره من حمأة التقليد البغيض ، ورفع أقوال الأئمة إلى مستوى أرفع من مستوى كلام الله ، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم ، كلا فإن كثيراً منهم تحرروا من ربقة هذا التقليد الأعمى وأنصفوا مخالفيهم في الحكم ، كما ستجد ذلك أيضاً إن شاء الله في هذه الدراسة

ثالثاً: المرونة والتسامحفي معاملة سائر فرق الأمة وإن بلغ الخلاف بينهم وبينهم ما بلغ ، إذ لم يتجرءوا قط على إخراج أحد من الملة وقطع صلته بهذه الأمة ما دام يدين بالشهادتين ولا ينكر شيئاً مما علم من الدين بالضرورة بغير تأويل ، أما من أسند إلى التأويل - وإن كان أوهى من نسج العنكبوت - فحسبه تأويله واقِيَاً لَهُ من الحكم عليه عندهم بالخروج عن حظيرة الأمة ، وخلع ربقة الملة عن عنقه ، ومن هذا المنطلق صدر ذلك الإعلان المنصف - الذي رسم مبدأ الإباضية في نظرتهم إلى الأمة - من أشهر قائد إباضي وهو / أبو حمزة المختار بن عوف السليمي ، في خطبته التي ألقاها على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأصاخ لها الدهر ، وسجلها الزمن ، وخلدها التاريخ ، إذ قال فيها رحمه الله : ( الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة : مشركاً بالله عابد وثن ، أو كافراً من أهل الكتاب ، أو إماماً جائراً ) وقد مشى الإباضية في هذا النهج السليم ، والتزموا هذا المبدأ القويم في معاملتهم لسائر طوائف الأمة كما يشهد بذلك التاريخ ، ونجد هذه النبرة المنصفة تتردد في أصوات قادة الفكر منهم في الخلف كما كانت من قبل عند السلف ، فهذا الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى يحدد لنا موقف الإباضية من سائر الأمة بقــــوله



ونحن لا نطالـب العبادا

فوق شهادتيهــم اعتقادا

فمن أتى بالجملتـين قلنا

إخواننا وبالحقــوق قمنا

إلا إذا ما نقضـوا المقالا

واعتقدوا في دينهم ضلالا