كتاب الحق الدامغ

c 7

تحميل كتاب الحق الدامغ للشيخ أحمد بن حمد الخليلي PDF

فهرس الكتاب

المبحث الأول : في رؤية الله
" مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة "
ـ المقدمة : في مدلول الرؤية لغةً
ـ الفصل الأول : في اختلاف الأمة في إمكان رؤية الله ووقوعها
ـ الفصل الثاني : في أدلة المثبتين
ـ الفصل الثالث : في أدلة النافين ، وهي قسمان عقلية ونقلية
ـ خاتمــــة : في نتيجة البحث


المبحث الثاني : في خلق القرآن
مقدمة وأربعة فصول وخاتمة
ـ المقدمة : في التعريف بالخلق وبالقرآن والتفرقة بين القرآن وسائر الكتب المنزلة وبين الكلام النفسي
ـ الفصل الأول : في اختلاف الأمة في قِدم الكلام أو حدوثه
ـ الفصل الثاني : في تضارب أقوال القائلين بقِدم القرآن
الفصل الثالث : في أدلة النافين لخلق القرآن
الفصل الرابع : في أدلة القائلين بخلق القرآن
ـ خاتمة : في نتيجة ما تقدم


المبحث الثالث : في خلود أهل الكبائر في النار

" مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة
ـ المقدمة : في تعريف الخلود والكبائر
ـ الفصل الأول : في اختلاف الناس في خلود الجنة والنار
ـ الفصل الثاني : في أدلة القائلين بانقطاع العذاب
الفصل الثالث : في أدلة القائلين بخلود جميع مرتكبي الكبائر في النار
ـ خاتمة : في نتيجة البحث
خاتمة الكتاب
شكر وعرفان




المقدمة

الحمد لله الذي اصطفى لعباده الدين فوحَّد به بين فئات المؤمنين ، وألَّف بنظامه بين قلوب المخلصين ، سبحانه هو الواحد في ذاته المتقدس في صفاته المتعالي في كبريائه ، الخالق لما في أرضه وسمائه ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) سورة الشورى 11 ، ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) الأنعام 103 ، الصادق في الوعد والوعيد ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا معقِّب لحكمه ولا تبديل لكلماته ، ولا إخلاف في ميعاده ، أحمده حمد من آمن بجلاله واعترف بكماله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ( له الحمد في الأولى والآخرة ، وله الحكم وإليه ترجعون ) القصص 88 ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وخيرته من خلقه وصفوته من رسله ، أرسله بأصدق البينات وأظهر الآيات وأبهر المعجزات فأكمل به الدين وأتم به النعمة على عباده المؤمنين ، صلى الله وسلم تسليماً عليه ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد

فإن التباين في أحوال الناس سمة من سمات البشر المعهودة ، فلذلك تجدهم متفاوتين في المدارك ، مختلفين في المشارب ، متعاكسين في الأحاسيس ، وإلى ذلك يرجع تعدد مذاهبهم في الأمر الواحد ، وتباين تصوراتهم في القضية الواحدة ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ، ولذلك خلقهم ) هود 118 / 119 ، وكثيراً ما تتأصل الحمية في نفوسهم فلا تلبث مع استمرار الوقت وعوامل الزمن أن تتحول إلى عقيدة راسخة مستحكمة ، في العقل والوجدان ، مستعصية على الحجة والبرهان ، لا تتزعزع لمحرك ، ولا تنقاد لداع

ولذلك كانت دعوات المرسلين عليهم السلام تستفرغ منهم الجهد الجهيد ، وتستغرق منهم الوقت الطويل ، وتظل مع ذلك أفكار أكثر الناس سادرة في غيِّها ، غارقة في عماها ، لا تصغي إلى الحجج الصادعة ، ولا تتفتح على المعجزات الساطعة ، بل كلما ازدادت الحجة بياناً ، والمعجزة ظهوراً ، كانوا أشد تصامماً وتعامياً ، وأوغل في العناد والشقاق

وقد ابتليت كل أمة بالافتراق فيما بينها والانشقاق على نفسها ، ولم تسلم من ذلك أمة حتى أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي اختصت بمبعث أعظم رسول إليها ، وإنزال أجلّ كتاب عليها ، وحذرت أيما تحذير من الافتراق ودواعيه ، وبينت لها عاقبته السيئة في محكم آيات الكتاب الذي اختصت به ،قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) آل عمران : 103 ، وقال سبحانه : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) آل عمران 105 ، وقال : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) الأنفال 46 ، وقال لنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ) الأنعام 159 ، فإنها مع ذلك كله لم تسلم من هذا الداء العضال الذي أصاب غيرها من الأمم ، غير أن الله سبحانه اختصها بأن حفظ لها كتابها المنزل عليها من تحريف العابثين وتبديل المناوئين تحقيقاً لوعده الصادق ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) الحجر 9 ، ومكن لها من معرفة الصحيح الثابت من سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ، وجعل لها مخلصاً من الشقاق والنزاع بالاحتكام إلى الله ورسوله حيث قال : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) النساء 59

ولا يكون الاحتكام إلى الله إلا بالرجوع إلى كتابه فتستلهم منه الحقيقة ويستبان به الحق ، وكذلك الاحتكام إلى رسوله صلى الله عليه وسلم لا يعني إلا بالرجوع إلى سنته الثابتة الصحيحة

ومع وجود هذا المَخْلص الذي أُمرنا بأن نفزع إليه من كوارث الاختلاف فإن الخلاف لم يزل ، والشقاق لم يُستأصل ، فقد تُؤُوِّل الكتاب تأولات شتى لم تستمد إلا من الوهم ، ولم تُستلهم إلا من الهوى ، كما أن للناس مواقف متعددة في معرفة الصحيح من غيره من سنته عليه أفضل الصلاة والسلام ، وفي معرفة نفس مقاصد السنة الثابتة باتفاق الجميع ، ومن هنا نشأ ما نراه بين الأمة من خلاف ونزاع في أصول الدين وفروعه

وإن أعظمه ضرراً ، وأفدحه خطراً ، وأعمقه أثراً ، وأسوأه عاقبة ما كان في أصول الدين ، فإنها قواعد الإسلام ؛ بها تقوم أركانه ، وعليها يشاد بنيانه ، وبقدر ما تكون قوتها تكون متانة الدين نفسه ، ولأجل ذلك فإن الأمة كثيراً ما تتسامح في الخلاف الذي يكون بين فئاتها في فروع الشريعة ، ولكن يشتد شقاقها ، ويتعمق نزاعها عندما تختلف في الأصول ، وبقدر ما يكون من التقارب أو التباعد فيها بين طائفة وأخرى بقدر ما بينهما من التلاقي أو الافتراق ، وما مصدر ما حدث ويحدث بين طوائف الأمة من التراشق بالتهم والتنابز بالألقاب ، والترامي بالأحكام القاسية إلا الاختلاف في أصول دينها ، والتباين في منازع استنادها في معتقداتها بين الإفراط والتفريط في التعويل على النقل أو العقل

وليس هذا النزاع في أصول الدين مع وحدة المصدر الذي تنهل منه العقول المتنازعة إلا نتيجة لتباين المدارك واختلاف التصورات عند أئمة الفرق ، ثم يؤصله تعصب الجماهير لأقوال أئمتهم بحيث تجعل كل طائفة قول إمامها أصلاً تُطوِّع له الأدلة المخالفة له بكل ما تخترعه من التأويلات المتكلفة ، فتوزعت الأمة شيعاً وأحزاباً ( كل حزب بما لديهم فرحون ) المؤمنون 53

ولست أبالغ إن قلت إن الإباضية - أهل الحق والاستقامة - تمتاز عقيدتهم وتتسم طريقتهم في فهم أصول الدين بثلاثة أمور

أولاً: سلامة المنزع، فإنهم جمعوا في الاستدلال على صحة معتقداتهم بين صحيح النقل وصريح العقل ، فلم يضربوا بالنصوص الصحيحة عرض الحائط بمجرد تعارضها مع مقتضيات العقل بادي الرأي كما هو شأن أصحاب المدرسة العقلية الذين جعلوا العقل أسمى وأقدس ، وأصح وأثبت مما جاء به النبييون عن الله عز وجل ، فعولوا عليه في التحسين والتقبيح ، والتعليل والحكم ، كما أنهم لم يطفئوا شعلة العقل مستأسرين لظواهر الألفاظ غير مسترشدين به في استكشاف أبعاد معانيها ، والغوص على حقائق مراميها ، كما هو شأن عَبَدَة الألفاظ الذين لا يأخذون من النص إلا قشوره ، لا يتجاوزون شكله إلى جوهره ، ولا يتعدون ظاهره إلى مضمونه ، بل استمسكوا بالعرى الوثقى من النصوص ، واتخذوا من العقل السليم دليلاً على فهم مقاصدها ، ومن الأساليب اللغوية شراكاً لاقتناص شواردها ، ولا غرو فَهُم منطلقون في ذلك من مراشد القرآن نفسه ، فكم تجد فيه ( لآيات لقوم يعقلون ) و ( لقوم يتفكرون ) و ( لقوم يعلمون ) و ( لأولي الألباب ) كما تجد فيه ( إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ) يوسف 2 ، فهو وإن سما فوق بلاغة بلغاء العرب والعجم لم يخرج عن كونه عربي اللسان والأسلوب ، وقد يسره الله للذكر بتفهم آياته واستجلاء مقاصده ، واستلهام مراشده .

ثانياً: عدم التعصبلأئمتهم تعصباً يجعلهم يتصاممون عن النقول الصحيحة ، ويتعامون عن العقول الصريحة ، كما نجد ذلك عند كثير من المتفقهة والمتكلمين ، ومن أبشع ما وجدناه في ذلك قول العلامة الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين : ( ولا يجوز تقليد ماعدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية ، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل ، وربما أداه ذلك للكفر ، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر

فقد باين الإباضية هذا المسلك الضيق فقهاً وعقيدة إلى فسيح النظرة الشمولية للأمة ، ولم يسوغوا لأنفسهم أن يرفعوا كلام أحد من أئمتهم إلى درجة كلام الله أو كلام رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام وإن بلغ في العلم والورع ما بلغ ، فهذا الإمام نور الدين السالمي رحمه الله يقول في كتاب أصول الدين من جوهر نظامه



وهي أمــور تبتنى عليها

صحــــة ديننا فمِل إليها

لا دين للمرء إذا لم يعرف

ما كان مـنه لازماً فلتعرف

واعتمدن ذلك بالدليـــل

في حالة الإجمال والتفصيل


إلى أن قال



ولا تناظــر بكتاب الله

ولا كلام المصطفى الأواه

معناه لا تجعل له نظيرا

ولو يكون عالماً خبـيرا

ويقول أيضاً



نقدِّم الحديث مهما جاءَ

على قياسنا ولا مراء

ونرجعن في بيان الحكم

عنه إلى إجماع أهل العلم


وستجد أخي القارئ الكريم فيما أقدمه إليك ، وفيما دوَّنه غيري من الإباضية ، ما يدلك دلالة قاطعة على صحة ما ذكرته لك ، من أن أهل الاستقامة ( والحمد لله ) بريئون من هذا الأصل الذي رضيَه الصاوي بأن يكون القاعدة التي يقوم عليها صرح الإسلام ، كما ستجد إن شاء الله أن الصاوي ليس وحيداً في هذا الميدان ، فهناك من مشى على نفس هذا المنهج كما يدل على ذلك مسلكه في النقاش ، وستجد ذلك إن شاء الله أثناء مطالعتك لهذه الدراسة التي أقدمها إليك ، ولا يعني ذلك أن جميع المذاهب الأربعة منغمسون فيما انغمس فيه الصاوي وغيره من حمأة التقليد البغيض ، ورفع أقوال الأئمة إلى مستوى أرفع من مستوى كلام الله ، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم ، كلا فإن كثيراً منهم تحرروا من ربقة هذا التقليد الأعمى وأنصفوا مخالفيهم في الحكم ، كما ستجد ذلك أيضاً إن شاء الله في هذه الدراسة

ثالثاً: المرونة والتسامحفي معاملة سائر فرق الأمة وإن بلغ الخلاف بينهم وبينهم ما بلغ ، إذ لم يتجرءوا قط على إخراج أحد من الملة وقطع صلته بهذه الأمة ما دام يدين بالشهادتين ولا ينكر شيئاً مما علم من الدين بالضرورة بغير تأويل ، أما من أسند إلى التأويل - وإن كان أوهى من نسج العنكبوت - فحسبه تأويله واقِيَاً لَهُ من الحكم عليه عندهم بالخروج عن حظيرة الأمة ، وخلع ربقة الملة عن عنقه ، ومن هذا المنطلق صدر ذلك الإعلان المنصف - الذي رسم مبدأ الإباضية في نظرتهم إلى الأمة - من أشهر قائد إباضي وهو / أبو حمزة المختار بن عوف السليمي ، في خطبته التي ألقاها على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأصاخ لها الدهر ، وسجلها الزمن ، وخلدها التاريخ ، إذ قال فيها رحمه الله : ( الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة : مشركاً بالله عابد وثن ، أو كافراً من أهل الكتاب ، أو إماماً جائراً ) وقد مشى الإباضية في هذا النهج السليم ، والتزموا هذا المبدأ القويم في معاملتهم لسائر طوائف الأمة كما يشهد بذلك التاريخ ، ونجد هذه النبرة المنصفة تتردد في أصوات قادة الفكر منهم في الخلف كما كانت من قبل عند السلف ، فهذا الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى يحدد لنا موقف الإباضية من سائر الأمة بقــــوله



ونحن لا نطالـب العبادا

فوق شهادتيهــم اعتقادا

فمن أتى بالجملتـين قلنا

إخواننا وبالحقــوق قمنا

إلا إذا ما نقضـوا المقالا

واعتقدوا في دينهم ضلالا

قمنا نبين الصواب لهـم

ونحسبن ذلك من حقهـم

فما رأيته مـن التحـرير

في كتب التوحيد والتقرير

رد مسائل وحـل شـبه

جاء بها من ضـل للمنتبه

قمنا نردهـا ونبدي الحقا

بجهدنا كي لا يضل الخلقا

لو سكتوا عنا سكتنا عنهم

ونكتفي منهم بأن يسلـموا

وعلى هذه القاعدة بنى الإباضية حكمهم على طوائف الأمة التي زاغت عن الحق وجانبت الحقيقة في معتقداتها ، فكانوا أشد احتياطاً من إخراج أحد منهم من الملة بسبب معتقده مادام مبنياً على تأول نص شرعي ، وإن لم يكن لتأويله أساس من الصحة ولا حظ من الصواب ، ومن هنا اشتد إنكار الإمام الكبير محبوب بن الرحيل - رحمه الله تعالى - على هارون اليماني الذي حكم بشرك المشبهة وخروجهم من الملة ، وأنشأ محبوب في ذلك رسالتين جامعتين ضمنهما حججه الداحضة لرأي هارون ، وجَّه إحداهما إلى إباضية عمان ، وثانيهما إلى إباضية حضرموت

وسُئِل المحقق الخليلي رضوان الله عليه عن حكم هؤلاء المشبهة هل هم مشركون ؟ فكان جوابه لسائله : إياك ثم إياك أن تعجل بالحكم على أهل القبلة بالإشراك من قبل معرفة بأصوله ، فإنه موضع الهلاك والإهلاك

هذا في حين تجد أتباع الأئمة الأربعة - الذين جعلهم الصاوي مقياساً لمعرفة الحق من الباطل دون الكتاب والسنة - يكفر بعضهم بعضاً في هذه المسألة ، وناهيك بما في ( السيف الصقيل في الرد على ابن زفِّيل ) للعلامة السبكي الشافعي ، و ( تبديد الظلام المخيم من نونية ابن القيم ) للعلامة الكوثري الحنفي ، و ( البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة ) للعلامة القضاعي الشافعي ، وأمثالها من الحكم بإخراج هؤلاء المشبهة عن حظيرة الإسلام ، كما أن أحكام المشبهة على الآخرين لا تقل صرامة وشدة ، وناهيك بقول العلامة ابن القيم في نونيته



إن المعطل بالعداوة معلن

والمشركون أخف في الكفران


وما مراده بالتعطيل إلا رد متشابه الآي والأحاديث إلى محكمها ، حرصاً على التنزيه ، وحملاً لكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على ما تقتضيه أساليب البلاغة في كلام العرب ، ودفعاً لما عسى أن يُتوهم منه من التناقض والاختلاف

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجد المتفقهين على مذهب إمام واحد من هؤلاء الأئمة الأربعة يشرِّك بعضهم بعضاً في هذه المسألة أو في غيرها ، فهذا الفخر الرازي يسمي كتاب محمد بن إسحاق بن خزيمة - الذي أسماه كتاب التوحيد - كتاب الشرك (3)، وهما شافعيان فقهاً ، وسوف تقف إن شاء الله في المبحث الثالث من هذا الكتاب على نقول حرفية من كلام ابن تيمية في اختلاف الحنابلة في ألفاظ القرآن وحروفه وأصواته ، وتكفير بعضهم بعضاً في ذلك ، ولا أريد أن أطيل في ضرب الأمثلة وتعديد الشواهد في هذا ، فإنني لم أرد بما ذكرته التشهير بأحد ، وإنما هو أمر اقتضته المقارنة بين احتياط الإباضية في الحكم وحذرهم من الاندفاع ، وبين تسرع بعض علماء الأمة الآخرين في إصدار مثل هذه الأحكام التي لا تؤول إلا إلى صدع جدار الأمة وتمزيق شملها ، وهو أمر يستدعي أسف اللبيب وحسرته ، كيف تنزل هذه الأمة إلى ميدان الشقاق والنزاع بينها ، متجاهلة ما فرض الله عليها من الوحدة والوئام ، والألفة والانسجام ، ألم يأمرها الله بذلك في محكم كتابه بقوله : ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) " آل عمران 103 " ؟! ألم يحذرها من عاقبة التفرق بقوله : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) " الأنفال 46 " ؟! ألم يبعث فيها نبياًّ كريماً ، ورسولاً أميناً يدعو إلى الوحدة دعوته إلى التوحيد فضرب فيها أروع الأمثال بصهر كل ما كان من قبل بين قومه من خلاف ونزاع في بوتقة الإيمان ، فآخى بالإيمان بين الفئات المتناحرة ، وألَّف بالإسلام بين القلوب المتنافرة ، وبيَّن أن هذه الوحدة هي وحدة عقيدة وعمل ، ومبدأ وغاية ، وأمل وألم ، وصوَّر ذلك أبدع تصوير عندما قال : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) وقال : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) .

أليست هذه الوحدة الإيمانية التي نادى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع لوائها بين أصحابه رضي الله عنهم وهي التي رفعت من شأن هذه الأمة فأبدلها الله بذلها عزا ، وبضعفها قوة ، وبضعتها رفعة ، فتمكنت من فتح الدنيا مع قلة عددها وعدتها ، وكثرة خصومها ، ووفرة العُدَدِ عندهم ؟

أو ليس ما بليت به من الشقاق هو الذي عكس عليها ما نشهده من آثار سلبية في أوضاعها ، فتشتتت بعد الوحدة ، وذلت بعد العزة ، وضعفت بعد القوة ، فازدرتها الأعين التي كانت تكبرها ، وطمعت فيها الأمم التي كانت لا تصطلي بنارها ؟ ليت شعري ! ألا صحوة بعد هذه السكرة ، ويقظة بعد هذه النومة التي غرقت فيها عقول هذه الأمة وفي مقدمتها علماؤها الذين ائتمنهم الله دينه وأخذ عليهم العهد أن يأخذوا بأيدي أمتهم إلى سبيل الرشد



يا ساسة الدين عـلام وهنكـم

وأنتـم في عـدة وعـــدِّ ؟

تختلفـون الرأي فيما بينكــم

والحال إخفاق ونقض عهــد

وخَلفكــم من يستغل خُلفكـم

في وثبة السمع وسمـع الخلد

يخالكــم كالشاء في مسرحها

فإن دعــاها رئمت لولــد

هلم في صدق العــزوم إنها

سلاح كل أمة وفرد

يا للضلال أن نضل قصدنا

كالسادة النادي وشيخ نجد

نرتع في غيبوبة من أمل

ونرتضي من العلى بالوهد

نحس بالآلام في أنفسنا

لكنها مني عليّ وحدي

ونغمد السيف عن الخصم ولا

نقره عن دمنا في غمد

أهكذا قالت لنا عقولنا؟

أم أنها قد أخطأت عن قصد؟

أم أنها ليست لها بصيرة؟

أم أنها بصيرة لا تجدي؟

يا حالة قد أفقدتني عصبي

رميت فيمن كنته بالفقد

مولاي عبد تاه في مرامه

عن نهجه وأنت مولى العبد

فخذ بضبعه وأمة هوت

تحت الخلافات وبثق السد

مستفتحين بأياديك الغنى

والعز والنصر وكل جدّ

فاجمع شتاتنا وأصلح شأننا

واقض لنا على ظلوم ند


ولعله مما يفاجئ كثيراً من القراء أن يطلعوا لأول مرة على عناية قادة الفكر من الإباضية بلمِّ شعث هذه الأمة وجمع شتاتها بعدما أثخنتها الخلافات المذهبية ، ومزقتها النزعات العصبية ، وكم تمنوا أن يحس سائر أعلام الأمة بمثل أحاسيسهم ، ويشاركوهم في هذه الهموم التي تنوء بها صدورهم ، وتؤرق ليلهم ، وتقض مضجعهم ، وقد كانت منهم محاولات ، للخطو في هذا الطريق والاستعداد لهذه المهمة بنفقات مالية يرصدونها من جيوبهم وجيوب المخلصين من سائر أبناء الأمة ، وأصدق مثال على ذلك ما يجده القارئ في هذا السؤال الذي صدر من عالم مفكر وقائد محنك ، ذلكم هو الشيخ سليمان بن عبدالله بن يحيى الباروني ، عضو مجلس المبعوثان بالدولة العثمانية ، المشهور بسليمان باشا الباروني ، وهو من إباضية جبل نفوسة بالقطر الليبي ، وقد توجه بسؤاله هذا إلى عالم الإباضية بالمشرق ، ومرجعهم في أمور الدين ، الإمام عبدالله بن حميد السالمي ، ونص السؤال

(هل توافقون على أن من أقوى أسباب اختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها؟ على فرض عدم الموافقة على ذلك فما هو الأمر الآخر الموجب للتفرق؟ على فرض الموافقة فهل يمكن توحيدها بالجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدد في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الاتحاد من كل شيء ؟ وعلى فرض عدم إمكان التوحيد فما الأمر القوي المانع منه في نظركم ، وهل لإزالته من وجه ؟ على فرض إمكان التوحيد فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة ؟ وأي بلد يليق فيه إبراز هذا الأمر؟ وفي كم سنة ينتج ؟ وكم يلزم من المال تقريباً ؟ وكيف يكون ترتيب العمل فيه؟ وعلى كل حال فما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعاً وسياسة ؟ مصلح أم مفسد؟).. وكان هذا السؤال في عام 1326هـ .

فكان من جواب ذلك الإمام له : ( نعم نوافق أن منشأ التشتيت اختلاف المذاهب وتشعب الآراء ، وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة على حسب ما اقتضاه نظركم الواسع .

وللتفرق أسباب أخرى منها ، التحاسد والتباغض ، والتكالب على الحظوظ العاجلة ، ومنها طلب الرئاسة . وجمع الأمة على الفطرة الإسلامية بعد تشعب الخلاف ممكن عقلاً مستحيل عادة ، وإذا أراد الله أمراً كـان ( لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) الأنفال 63.

والساعي في الجمع مصلح لا محالة ، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحضهم على التسمي بالإسلام ( إن الدين عند الله الإسلام ) آل عمران 19 ، فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية ولو بعد حين ، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه ويكون الحق أولاً عند آحاد من الرجال ثم يفشو شيئاً فشيئاً حتى يرجع إلى الفطرة .

وهي دعاية الإسلام التي بعث بها محمد عليه الصلاة والسلام ، وتضمحل البدع شيئاً فشيئاً ، فيصير الناس إخواناً ( ومن ضل فإنما يضل عليها ) يونس 108 ، الإسراء 15 ، الزمر 41 ، ولو أجاب الملوك والأمراء إلى ذلك لأسرع الناس في قبوله ، وكفيتم مؤونة المغرم ، وإن تعذر هذا من الملوك فالأمر عسير والمغرم كثير .

وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي ومتردد الملائكة ، ومقصد الخاص والعام ، حرم الله الآمن ، لأنه مرجع الكل . وليس لنا مذهب إلا الإسلام ، فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضاً ، ونرد الباطل على من جاء به وإن كان حبيباً ، ونعرف الرجال بالحق ، فالكبير عندنا من وافقه والصغير من خالفه ، ولم يشرع لنا ابن إباض مذهباً ، وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق

وهذا كلام غني عن التعليق بشيء فإنه إن لم يكن شاهداً عادلاً ومعلماً واضحاً على نبل قصد السائل والمجيب وسمو فكرهما ، وحسن أنشودتهما ، فليس يصح في الأذهان شيء.

وإذا كان الأدب مرآة تعكس ما في نفس الأديب من كوامن الأحاسيس فإن الأدب الإباضي قديمه وحديثه طافح بعصارات مشاعر الألم الذي يحسون به بسبب تشتت الأمة وانحلال عقد نظامها ، وإذا كنت أخي القارئ شاهدت صورة من ذلك فيما نقلته لك من قول أديب معاصر فإليك صورة أخرى تعكس مشاعر أديب بارع وعالم جامع من أدباء هذه الطائفة وعلماءها الغابرين ، وهو العلامة الكبير شاعر الإسلام والمسلمين أبو مسلم ناصر بن سالم البهلاني الرواحي الذي طالما انساب يراعه الموهوب ليصور لنا بعبارته الإيمانية همومه وأحاسيسه تجاه أمته ودينه ودونك هذا المقطع من قصيدة له بعنوان ( أفيقوا بني القرآن ) :

وقد كان من بشائر الخير التي لاحت للأمة مع تباشير إشراقة الصحوة الإسلامية المعاصرة ما كان - بادئ ذي بدء - من التعاطف والتواد والتراحم بين الشباب المسلم الذي أشرقت عليه أنوار هذه الصحوة ، فقد كانوا في بادئ أمرهم لا يلتفتون إلى الخلافات المذهبية ، ولا يشتغلون بالنعرات الطائفية إلا قليلاً منهم ، وهم الذين لم تصقل آثار تلك الصحوة ما تراكم على قلوبهم من الصدأ ، وهؤلاء كانوا مغمورين بالكثرة الكاثرة التي ينصب همها في محيط الإسلام الواسع الذي يجمع ولا يفرق ، ويُوَحِّد ولا يشتت ، وكادت القضايا الخلافية تُلقى في زوايا الإهمال لتصبح في خبر كان ، حتى إذا نضرت هذه الألفة وكادت تؤتي ثمارها الطيبة هاجت عليها أعاصير العصبية العمياء - بعدما حركتها أحقاد غصت بها نفوس ساءتها وحد الأمة - فلفحتها بسمومها التي أذبلت نضارتها ، وقضت على رونقها ، فإذا بالتواد تباغض ، وبالتعاطف تباعد ، وبالترابط تقاطع ، وبالرحمة عذاب .

وكان أول ضحية لهذا التآمر البغيض هو الإسلام الحنيف ثم الشبيبة المسلمة التي كادت تقلب مجرى التأريخ ، وتعيد إلى حاضر الأمة المشرق ماضيها العريق بضربها أروع الأمثال في الوحدة الإسلامية والترابط الديني ، فقد انتزعت انتزاعاً من حظيرة الوفاق الإسلامي ليدفع بها إلى متاهات من الخلاف والشقاق كان لها بد وأي بد من الدخول فيها والهيام في أرجائها .

وليت الأمر وقف عند حدود الجدل والمناظرات ، ولم يصل إلى التكفير وإصدار الأحكام التعسفية الجائرة على كثير من المسلمين ، بإخراجهم من الملة ، وتعريتهم من لباس الإسلام .

وقد لُزَّ الإباضية فيمن لُزَّ إلى مضائق هذه الفتنة على كره منهم ، فقد كانوا في مقدمة المستبشرين بطلائع الوحدة الإيمانية بين الأمة ، المرتاحين إلى روح الإخاء التي كانت تسود الشباب المسلم على اختلاف فئاته ، فما شعروا إلا ويُكفأ على رؤوسهم وقود هذه الفتنة وتضرم عليهم نيرانها بما صدر فيهم من أحكام التضليل والتبديع والتكفير ، واعتبارهم داءً عضالاً في جسم الأمة يجب استئصاله ولو ببتر الأعضاء التي أصيبت به ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) البروج 8 ، إذ لم ينقموا منهم إلا تنزيههم الخالق تبارك وتعالى ، وتصديقهم بما نزل في كتابه الكريم وما ثبت من سنة نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم .

وكثيراً ما تعرض طلبتهم في بلاد الإسلام وغيرها لأنواع المضايقات من قبل إخوانهم وزملائهم - مع ملاحظة ما يكنونه لهم من الود ويضمرونه لهم من الصفاء والخير - حتى بلغ الأمر ببعض سفهاء الأحلام أنهم كانوا يدعون الطلبة الإباضيين إلى إعلان الشهادتين ليكونوا في عداد المسلمين ، كأنهم - في نظر أولئك - من الملاحدة والمشركين .

وهو أمر يستدعي أسف كل ذي لب ، وحسرة كل من كان له قلب ، كيف ينزل الإباضية أهل الحق والاستقامة هذه المنزلة مع رسوخ قدمهم في التوحيد ، وصفاء مصدرهم في العقيدة ، وما عُرِفوا به بين الخاص والعام من الورع في الدين والخشية من بأس الله ، وما الذي ارتكبه الإباضية حتى ينزل بهم هذا الحكم ، ويُعاملوا بهذه الطريقة ؟؟

إن أهم ما تذرع به أولئك الذين أصدروا فيهم تلك الأحكام الرهيبة ، وعاملوهم بهاتيك المعاملة النكراء ثلاث قضايا كان للإباضية فيها موقف لم يتفق مع رغبات أولئك الحاقدين ، فعدوا كل قضية منها مبررة للحكم عليهم بالكفر وقطع حبال الصلة بينهم وبين سائر الأمة مع أن الإباضية لم ينفردوا بموقفهم دون سائر طوائف الأمة ، فثم الكثير من الذين رأوا في هذه القضايا رأيهم وأيدوا موقفهم كما سيتضح ذلك من خلال هذه الدراسة إن شاء الله ، على أنهم في كل قضية منها أخذوا بحجز النصوص القرآنية والسنة الثابتة عن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ..

والقضايا الثلاث هي
أ ـ إنكار رؤية الله تعالى
ب ـ القول بخلق القرآن
ج ـ اعتقاد تخليد الفسَّاق في النار

وقد انهالت عليَّ أسئلة الطلبة من هنا وهناك عن موقف أصحابنا في هذه القضايا الثلاث ، وما يستندون إليه من دليل ، ونظرتهم إلى أدلة من يقولون بخلاف قولهم ، ولم يكن لطلبتنا من قبل أي اهتمام بالقضايا الخلافية وبحثها ماعدا المتخصصين منهم في دراستها ، وإنما دعاهم إلى هذا الإلحاح في طلب كشف النقاب عن وجه الحقيقة فيها ما يلقونه من عنت ويواجهونه من إحراج من قوم لا يهمهم إلا إثارة شحناء كانت نائمة ، وتسعير فتنة كانت خامدة ، فدعاني ذلك إلى تحرير هذه العجالة التي سوف يجد فيها القارئ الكريم إن شاء الله دراسة وافية لكل قضية من هذه القضايا بتلخيص أدلة كل فريق وبحثها على ضوء قول الله عز وجل وقول رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام ، مع استلهام فهم مقاصدهما بالرجوع إلى قواعد اللسان العربي المبين ، الذي شرّفه الله بأن جعله وعاءً للقرآن الكريم وطبع عليه لسان نبيه الخاتم عليه أفضل الصلاة والتسليم ، وستدرك أخي القارئ - إن شاء الله - من خلال دراستك لما أقدمه إليك ، أن الإباضية لم يستمدوا عقيدتهم من فلسفة اليونان وغيرها من أساطير الأولين كما يحلو زعم ذلك للذين يهرفون بما لا يعرفون ، وإنما استمدوه من أصفى ينابيع الحق ، وأمور أشعة الحقيقة ، فقد احتكموا إلى الكتاب العزيز والسنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، عملاً بقوله تعالى : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) النساء 59 ،

وإذا خفيت عن الغبي فعاذر

أن لا تراني مقلة عمياء

وقد كنت حريصاً من قبل على عدم الخوض في مثل هذه القضايا الجانبية وعدم اتخاذ موقف من هذه المهاترات إلا الصمت ، فالحق أصفى وأبين من أن تكدر الشُّبَهُ صَفْوَه أو تحجب نوره .



وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها

ويجهد أن يأتي لها بضريب

ولن يضر هجر المقال إلا قائله دون من قيل فيه ، فما الذي ضر المرسلين وأتباعهم مما قيل فيهم من الإفك ، ورموا به من التهم ، وهذه هي سنة الله في خلقه ( إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ، وإذا مروا بهم يتغامزون ، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ، وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين ) المطففين 29/33 .



وإنا وما تلقى لنا من هجاءنا

لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق

ولكني رجَّحت جانب الرد على الصمت تبياناً للحث ودفاعاً عن الحقيقة ، ووقوفاً في وجوه الذين يضرمون الفتن ويؤججون الأحقاد بهذه المحاولات ، لتمزيق شمل الأمة وتفتيت وحدتها ، إذ لا يعلم إلا الله عاقبة هذه الفتنة إذا اضطرمت نارها وحَمِيَ أوارها والعياذ بالله .

ولعمر الحق إن ما تعانيه اليوم أمة الإسلام من محن وفتن وتشتت وضياع لجدير بأن يستدر لها عطف عدوها اللدود ، ويعتصر لها الرحمة من قلوب خصومها القاسية ، فكيف تسمح بمضاعفة بلائها وإنكاء جروحها من جديد ، بأمثال هذه المهاترات من غير أن نتصدى لها بالرد المقنع بالحجة والبرهان ، لذلك قمت ، مع اشتغال البال وتراكم الأعمال - بتحرير هذه العجالة تبياناً لحجة ( الحق الدامغ ) واستئصالاً لشبهة الباطل الزاهق ، والله هو الذي يحق الحق ويبطل الباطل ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) الأنبياء 18

وقد لخصت هذا الرد في ثلاثة مباحث





المبحث الأول

في رؤيـــــة اللــــه
ويشتمل على مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة


أعلى الصفحة

المقدمة

في مدلول الرؤية لغة

جاء في القاموس وشرحه للزبيدي ما نصه : ( الرؤية ) بالضم إدراك المرئي ، وذلك أضرُب بحسب قوى النفس ،

الأول
( النظر بالعين ) التي هي الحاسة وما يجري مجراها ، ومن الأخير قوله تعالى : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ) سورة التوبة 105 ، فإنه مما أُجْرِيَ مجرى الرؤية بالحاسة فإن الحاسة لا تصح على الله ، وعلى ذلك ( يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) الأعراف 27 .

الثـاني بالوهم والتخيل ، نحو أرى أن زيداً منطلق

الثالث بالتفكير ، نحو ( إني أرى ما لا ترون ) الأنفال 48 .

الرابع ( بالقلب ) أي بالعقل وعلى ذلك قوله تعالى : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) النجم 11 ، وعلى ذلك قوله تعالى : ( ولقد رآه نزلة أُخرى ) النجم 13(1) . وقال ابن سيده : الرؤية النظر بالعين والقلب(2) وهو تفسير للأخص بالأعم فقد تنظر العين مع عدم تحقق الرؤية مثال ذلك : نظرت الهلال فلم أره ، فإن النظر هنا هو محاولة للرؤية وليس إياها .

والخلاصة : أن الرؤية تكون بصرية وغير بصرية ، والبصرية تكون بحاسة الإبصار المعهودة وهي العين فيما كانت فيه عين ، وفسرها الإمام السالمي رحمه الله بقوله: (وهي اتصال شعاع الباصرة بالمرئي أو انطباع صورة المرئي في الحدقة ) (3)، وإلى هذا المعنى ذهب أكثر القائلين برؤية الله تعالى ، سواء الذين أثبتوا رؤيته في الدنيا والآخرة أو الذين أثبتوها في الآخرة دون الدنيا ، كما قال الشيباني



ومن قال في الدنيا يراه بعينه

فذلك زنديق طغى وتمردا

ولكن يراه في الجنان عباده

كما جاء في الأخبار نروبه مسندا

وقال آخر



ولله أبصار ترى الله جهرة

فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم




الفصل الأول

في اختلاف الأمة

في إمكان رؤية الله ووقوعها

اشتد النزاع بين طوائف الأمة في إمكان رؤيته تعالى ووقوعها ، فذهبت الطوائف المنتسبة إلى السنة من السلفية والأشعرية والماتريدية والظاهرية وغيرهم إلى أنها ممكنة في الدنيا والآخرة ، غير أن جمهورهم يثبت وقوعها في الآخرة لا في الدنيا.

وذهبت طائفة إلى أنها واقعة في الدنيا والآخرة ، وهم مختلفون كذلك ، هل هي خاصة في الدنيا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو هي عامة له وللمؤمنين ؟ فأكثرهم على أنها خاصة به ، وهو قول الأشعري وغالب أتباعه ، نقله عنهم الحافظ ابن حجر(1) وبه قال النووي ولم يقل بوقوعها لغيره صلى الله عليه وسلم في الدنيا إلا غلاة الصوفية ، وظاهر كلام الألوسي يدل على جنوحه إليه ، وقد غالى حتى أجاز له الكيفية تعالى الله عن ذلك ، ونص كلامه : " نقل المناوي أن الكمال بن الهمام سئل عما رواه الدارقطني وغيره عن أنس من قوله صلى الله عليه وسلم : (رأيت ربي في أحسن صورة) بناءً على حمل الرؤية على الرؤية في اليقظة " فأجاب بأن هذا حجاب الصورة. انتهى ، قال : وهو التجلي الصوري الشائع عند الصوفية ، ومنه عندهم تجلى الله تعالى في الشجرة لموسى عليه السلام وتجليه جل وعلا للخلق يوم يكشف عن ساق ، وهو سبحانه وإن تجلى بالصورة لكنه غير متقيد بها ( والله من ورائهم محيط).

والرؤية التي طلبها موسى عليه السلام غير هذه الرؤية ، قال : وذكر بعضهم أن موسى كان يرى الله تعالى إلا أنه لم يعلم أن ما رآه هو هـو وعلى هذا الطراز يحمل ما جاء في بعض الروايات المطعون بها (رأيت ربي في صورة شاب - وفي بعضها زيادة - له نعلان من ذهب) ، ومن الناس من حمل الرؤية في رواية الدارقطني على الرؤية المنامية ، وظاهر كلام السيوطي أن الكيفية فيها لا تضر ، وهو الذي سمعته من المشايخ قدس الله تعالى أسرارهم ، والمسألة خلافية.

قال : وإذا صح ما قاله المشايخ وأفهمه كلام السيوطي فأنا ولله تعالى الحمد قد رأيت ربي مناما ثلاث مرات ، وكانت المرة الثالثة في السنة السادسة والأربعين والمائتين والألف بعد الهجرة ، رأيته جل شأنه وله من النور ما له متوجها جهة المشرق فكلمني بكلمات أنسيتها حين استيقظت ، ورأيت مرة في منام طويل كأني في الجنة بين يديه تعالى وبيني وبينه ستر حبيك بلؤلؤ مختلف ألوانه ، فأمر سبحانه أن يذهب بي إلى مقام عيسى عليه السلام ثم إلى مقام محمد صلى الله عليه وسلم فذهب بي إليهما فرأيت ما رأيت ولله تعالى الفضل والمنة

وهذا كلام تقشعر منه الجلود ، وتتصدع به الجبال ، فإن فيه من الجرأة على الله تعالى ما ليس بعده ، كيف وقد أخذت بني إسرائيل الصاعقة بمجرد سؤال الرؤية ، ونال موسى عليه السلام ما ناله من الصعق لا لشيء غير أنه سألها ليكفكف - بما يأتي من الرد الحاسم على سؤاله - غلواءهم ، ويستأصل شافة طمعهم ، ولم يكد يفيق من الصعق حتى قال : ( سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) "الأعراف 143" ، ولولا أنى أردت أن أوقفك أيها القارئ على هذا الخلط العجيب الذي جرأ هؤلاء الناس عليه اعتقادهم جواز الرؤية ما نقلتُ من هذا الكلام حرفا

ولم يقف الأمر بالألوسي عند هذا الحد حتى أخذ ينقل من أقوال أقطابهم ما هو صريح في رد قوله تعالى لموسى : (لن تراني ) "الأعراف 143" ، وترجيح هذه الأقوال على هذا النص القرآني الصريح ، وإليك أيها القارئ الكريم بعض ما جاء به قال : "وقال الشيخ الأكبر قدس سره إنه رآه بعد الصعق وذكر قدس سره أنه سأل موسى عن ذلك فأجابه بما ذكر ، والآية عندي غير ظاهرة في ذلك ، وإلى الرؤية بعد الصعق ذهب القطب الرازي في تقرير كلام للزمخشري إلا أن ذلك على احتمال أن تفسر على الانكشاف التام ، الذي لا يحصل إلا إذا كانت النفس فانية مقطوعة النظر عن وجودها فضلا عن وجود الغير ، إلى أن قال : وذهب الشيخ إبراهيم الكوراني إلى أنه عليه السلام رأى ربه سبحانه حقيقة قبل الصعق فصعق لذلك ، كما دُك الجبل للتجلي ... الخ كلامه المتناقض الذي آثرت الإعراض عن نقله كله ، لأنه كثير العناء ولا جدوى

والقائلون برؤيته في الآخرة مضطربون كذلك لاختلافهم في من يرونه ومتى يرونه ، فبينما أكثرهم يقولون بأن الرؤية خاصة بالمؤمنين إذ هي نعمة يمن الله بها عليهم يتضاءل معها نعيم الجنة ، نجدُهُم يهرعون إلى الاستدلال عليها بحديث (سترون ربكم) مع أنه يقتضي أن هذه الرؤية ستكون في الموقف ، وأنها غير خاصة بالمؤمنين ، بل المنافقون يشاركونهم فيها لأن من نصوصه ( وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تعالى في صورة غير التي يعرفون ) وأغرب من هذا ما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) "المطففين 15" أنه يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون والكافرون ، ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية ، وعزا إلى ابن جرير أنه رواه عن الحسن (2) ، ولم أجده في تفسير ابن جرير وإنما وجدت فيه رواية عن الحسن أنه قال : "يكشف عنه الحجاب فينظر إليه المؤمنون غدوة وعشية " أو كلاماً هذا معناه

ونقل الحافظ القول باشتراك المؤمنين والكفار في رؤيته يوم القيامة عن طائفة من المتكلمين كالسالمية من أهل البصرة . وإذا قسنا هذا إلى ما نقله ابن القيم في حادي الأرواح من رواية ابن أبي حاتم عن الأوزاعي أنه قال : إني لأرجو أن يحجب الله عز وجل جهماً وأصحابه عن أفضل ثوابه الذي وعده أولياءه (4)، وجدنا تعارُضاً بعيدا بين أقوالهم ، وقد سمعت محاضرة مسجلة في شريط لأحد خطباء الجمعة المشهورين في إحدى دول الجزيرة العربية استدل فيها على ثبوت الرؤية بقوله تعالى : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) وكان مما قال في الآية " أن الإباضية هم الذين يحجبون عن ربهم فلا يرونه - عندما يراه المؤمنون - ولكنهم يرون مالكا خازن النار بسبب إنكارهم للرؤية" أعوذ بالله من نزغات أهل الجهل ، ومن عثرات أتباع الهوى.

وقال ابن القيم : فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن المنافقين يرونه تعالى يوم القيامة ، بل والكفار أيضا كما في حديث التجلي يوم القيامة ، ثم قال : وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل السنة :

* أحدهما : أن لا يراه إلاً المؤمنون.
* والثاني : يراه جميع أهـل الموقف مؤمنهم وكافرهم ، ثم يحتجب عن الكفار فلا يرونه بعد ذلك.
* والثالث : يراه المنافقـون دون الكفار ، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وهي لأصحابه .(1)

هكذا ترى - أيها القارئ الكريم - تضارب أقوال مثبتي الرؤية في هذه القضية حتى أنهم ينسبون إلى إمام واحد من أئمتهم أقوالاً متعارضة ومذاهب متباينة ، وناهيك بذلك شاهداً ودليلاً على ضعف القاعدة التي أسسوا عليها معتقدهم ، وإلاً فإن الحق لا يحتمل هذا الاختلاف لوضوح حجته واستقامة محجته وصدق الله : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) "سورة الأنعام آية 153".

وليت شِعري إذا كانت الرؤية أعظم ثواب أعده الله للمؤمنين ثم شاركهم فيها الكافرون والمنافقون ، ماذا بقى بعدئذ ؟ وكيف لا يشاركونهم في نعيم الجنة ، مع أن الجنة لا تساوي شيئاً بجانب هذا الثواب العظيم في زعم هؤلاء القائلين حتى أنهم نسبوا إلى أحد الأئمة أنه لو لم يوقن أنه سيرى ربه بوم القيامة لما عبده .(2) وهو يفيد أن قائله يرى أن الله سبحانه لا يستحق من خلقه عبادة - لولا رؤيته التي يرجونها - لا لعظمته ولا لنعمته ولا لثوابه ولا لعقابه ، ولعمري ما أخطر هذا القول ونسبته إلى عالم من عُلماء المسلمين ، فما أشبهه بقول بني إسرائيل : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) "البقرة 55".

هذا وقد صرَّح بعض الحنابلة بأن إثبات رؤية الكفار لله يوم القيامة قول باطل مخالف لإجماع الأمة ، فقد حكى ابن تيمية عن القاضي أبي يعلى وغيره من الحنابلة أن مثبتي رؤية الله في الآخرة ومنكريها اتفقوا على أن الكافرين لا يرونه - قالوا : ( فثبت بهذا إجماع الأمة - ممن يقول بجواز الرؤية وممن ينكرها - على منع رؤية الكافرين لله ، وكل قول حادث بعد الإجماع فهو باطل مردود ).

وحكى عنهم أيضاً ما نصه : الأخبار الواردة في رؤية المؤمنين لله إنما هي طريق البشارة ، فلو شاركهم الكفار في ذلك بطلب البشارة ، ولا خلاف بين القائلين بالرؤية في أن رؤيته من أعظم كرامات أهل الجنة.

ثم أتبع ذلك قوله . قال - أي القاضي أبو يعلى - : وقول من قال إنما يرى نفسه عقوبة لهم وتحسيراً على فوات دوام رؤيته ومنعهم من ذلك - بعد علمهم بما فيها من الكرامة والسرور - يوجب أن يدخل الجنة الكفار ويريهم ما فيها من الحور والولدان ، ويطعمهم من ثمارها ويسقيهم من شرابها ، ثم يمنعهم من ذلك ليعرفهم قدر ما منعوا منه ويكثر تحسرهم وتلهفهم على منع ذلك بعد العلم بفضيلته. ثم قال : والعمدة قوله سبحانه : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) فإنه يعم حجبهم عن ربهم في جميع ذلك اليوم ، وذلك اليوم ( يوم يقوم الناس لرب العالمين( وهو يوم القيامة ، فلو قيل إنه يحجبهم في حال دون حال لكان تخصيصاً للفظ بغير موجب ، ولكان فيه تسوية بينهم وبين المؤمنين ، فإن الرؤية لا تكون دائمة للمؤمنين والكلام خرج مخرج بيان عقوبتهم بالحجب وجزائهم به فلا يجوز أن يساويهم المؤمنون في عقاب ولا جزاء سواه … الخ (1) وكفى بهذا الكلام دحضاً لما قالوه ونقضاً لما شيدوه.

وذهب إلى استحالتها في الدنيا والآخرة أصحابنا - الإباضية - وهو قول المعتزلة والجهمية والزيدية والإمامية من الشيعة ، وبه قال جماعة من المتكلمين المتحررين من أسر التقليد كالإمام الجصاص في "أحكام القرآن" ، وجنح إليه الإمام الغزالي في بعض كتبه ، بل صرح به في بعضها ، وهو الثابت عندنا عن سلف هذه الأمة ، فقد رواه الإمام الربيع رحمه الله عن أفلح ابن محمد عن أبى معمر السعدي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، ورواه عن جبير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ورواه عنه من طريق أبي نعيم عن العباس أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن نافع بن الأزرق ، ورواه أيضا عن عائشة رضي الله عنها ومجاهد ، وإبراهيم النخعي ، ومكحول الدمشقي ، وعطاء بن يسار وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم ، وأبي صالح صاحب التفسير، وعكرمة ومحمد بن كعب ، وابن شهاب الزهري ومحمد بن المنكدر ، وهو مقتضى ما رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قول موسى عليه السلام : ( وأنا أول المؤمنين ) أنه لا يراك أحد ، وما رواه عن السدي أنه قال في قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار) لا يراه شيء وهو يرى الخلائق ، وستأتيك إن شاء الله رواية عبد بن حميد وابن جرير له عن مجاهد ، ورواية ابن مردويه له عن ابن عمر رضي الله عنهما وعن عكرمة ، ورواية ابن جرير وعبد بن حميد أيضا له عن أبى صالح ، ونسبه ابن حزم أيضا إلى مجاهد - وتعذر له في ذلك بأن الخبر لم يبلغ إليه - وعزاه أيضاً إلى الحسن البصري وعكرمة ثم قال وقد روى عن عكرمة والحسن إيجاب الرؤية له تعالى . (2)

وما رواه عن الحسن وعكرمة مما ظنوه إثباتاً لرؤية الله تعالى لا ينافي ما ثبت من إنكارها عند فهم مقاصدهما ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله .




الفصل الثاني

في أدلـة المثبتين

وهي تنقسم إلى قسمين ، أدلة جوازها ، وأدلة وقوعها .

فأما القسم الأول فمنه عقلي ومنه نقلي :

أما العقلي فيتلخص في قياس وجود الحق على وجود الخلق ، وذلك أنهم قالوا إن سائر الموجودات مشتركة في جواز الرؤية عليها ، وبما أن الله موجود أيضاً فإن رؤيته ممكنة .

وأجيب عن ذلك بما ملخصه أن الوجود إن كان هو العلة في رؤية الموجودات المرئية ، فلا مانع من أن يعتبر علة في خلقها ، فيترتب عليه أن يكون الله سبحانه ممكناً أن يشاركها في الخلق كمشاركته لها في الوجود ، أما إذا اعتبرنا علة خلقها الحدوث فيجب علينا أيضاً أن نعتبره علة في إمكان رؤيتها ، وأن ننزه الخالق عن قياسه عليها في الرؤية كما ننزهه عن قياسه عليها في الخلق ، على أن دعوى أن كل موجود تجوز رؤيته منتقضة بكثير من الموجودات غير المرئية ، كالروح والعقل والوجدان والإدراك ، ومثلها الأصوات والروائح ، والأثير والكهرباء ، وفتح باب القياس بين الخالق والخلق يؤدي إلى وصفه سبحانه بكثير ممَّا تواترت الرسالات واتفق العقلاء على استحالته في حقه تعالى ، فإن المخلوق لا يمكن تصور وجوده إلا بوجود الزمان والمكان ، وقد كان الخالق ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ، لا يتصف بالعوارض ، ولا يدرك بالحواس ، ولا يجوز في حقه الاتصال بشيء من المخلوقات ولا الانفصال عنها ، والعقول كيفما تطاولت فمنتهاها أن تقف على عتبة ( العجز عن الإدراك هو الإدراك ) و ( ما عرف الله من شبهه بشيء من خلقه ) وإنما محط رحال الأفكار إدراكها أنه ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) سورة الشورى : 11 ، وقد صرَّح السيد السند في شرح المواقف بانقطاع المسلك العقلي عن الوصول إلى حجية إمكان رؤيته تعالى.(1)

وأما النقلي فبعضه من الكتاب وبعضه من السنة ، أما من الكتاب فدليلان:

(1) سؤال موسى الكليم عليه السلام الرؤية بقوله: ( ربّ أرني أنظر إليك ) الأعراف 143 ، ووجه استدلالهم به أنه إما أن يكون ناشئا عن جهل وهو مستحيل لاستحالة أن يجهل الأنبياء ما يستحيل عليه تعالى وهم أعرف بالله وبكبريائه ، وما يجب له وما يستحيل عليه ، وإما أن يكون مقترنا بعلمه - عليه السلام - أنها مستحيلة وهو باطل أيضا ، لأن طلب المحال عمدا ليس من شأن الأبرار فضلا عن جوازه على النبيين ، وإنما هو من شأن أهل العتو والشقاق ، فنتج عن ذلك أنها جائزة عليه تعالى وأن موسى عليه السلام عالم بجوازها ، فلذلك اجترأ على سؤالها.

وأجيب بأنه عليه السلام كان عارفا باستحالتها ولم يرد بسؤالها نيل المستحيل ، وإنما أراد ردع قومه الذين لجوا في طلبها وعلقوا عليها إيمانهم برسالته ، فلعلهم عندما يقرعون بالرد الحاسم باستحالتها يرعوون عن غيهم ويتراجعون عن جرأتهم ، خصوصا عندما يقترن الرد بآية بينة تزجرهم عن مثل هذا التعنت.

واعترض بأن أولئك القوم إن كانوا مؤمنين فبحسبهم جواب موسى لهم باستحالتها ، فإنه الرسول الأمين المقرونة دعوته بآيات بينات لا تدع مجالا للشك في صدق قوله وصحة دعوته ، وإن كانوا كفارا فلن يجديهم جوابهم باستحالتها في هذا الموقف شيئا.

ورُد هذا الاعتراض بأن القوم لم يكونوا على شيء من الإيمان ، وكيف ينطبق وصف الإيمان على الذين قالوا : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) البقرة 55. وإنما أراد عليه السلام أن يقطع دابر شقاقهم ويستأصل شبهة عنادهم بجواب حاسم ،يأتيهم من قبل الله العزيز الحكيم مخالف لوصف خطابه عليه السلام لهم ، يتجلى فيه من الآيات ما يحسم كل شبهة ، ويقضي على كل طمع في مطلبهم المستحيل.

ومما يؤكد أن موسى عليه السلام لم يسألها لنفسه وإنما سألها لقومه ، ما تكرر في القرآن من توبيخ الله لهم على هذا السؤال وعدّه من أعظم جرائرهم وأبلغ كفرهم ، كما في قوله سبحانه : ( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ) النساء 153 ، وقوله : ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ) البقرة 55 ، واعتذار موسى إلى ربه بعد الرجفة مما حصل ، عازياً إياه إلى السفهاء حيث قال عليه السلام : ( رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فأغفر لنا وارحمنا وأنت خـير الغافرين ) الأعراف 155 .

واعترض على ذلك بأمرين:

أ . أنه عليه السلام لو لم يسألها لنفسه لما تاب من سؤاله.

ب. أنه لو سألها لغيره لم يضفها إلى نفسه ، ولقال رب أرهم ينظروا إليك ولم يقل رب أرني أنظر إليك.

وجواب الأول أنه عليه السلام سارع إلى التوبة لشعوره بالتورط بما سأل ، وإن كانت له نية حسنة يعلمها الله تعالى ، وإنما المقام يقتضي الاستئذان من الله قبل الإقدام على مثل هذا السؤال.

وعن الثاني بأن إضافتها إلى نفسه دونهم أبلغ في اقتناعهم باستحالتها عندما يعلمون أنه - مع علو مرتبته وصفاء سريرته مما يعلمون أنهم متلوثون به - لا تمكن له الرؤية التي هم ملحون في طلبها ، وإذا تعذرت عليه فهي عليهم أشد تعذرا.

والخلاصة أن موسى عليه السلام ما سأل الرؤية طامعا في حصولها ، وإنما سألها ليكون سؤاله وسيلة من وسائل الإقناع الذي يحرص عليه ، وأسلوبا من أساليب الدعوة التي يقوم بها ، ومثله في ذلك مثل إبراهيم عليه السلام الذي قال عندما رأى الكوكب والقمر والشمس ( هذا ربي ) الأنعام 76 ، 77 ، 78 ، فإنه بالقطع لم يرد تأليهها ، فإن العقل السليم لا يستسيغ بحال تأليه المخلوقات ، فكيف بعقول النبيين الذين صنعوا على عين الله ، واصطفاهم الله عز وجل لأن يكونوا وعاءً لهدايته وتجسيدا للحق الذي أرسلهم به ، بل كيف بعقل الخليل إبراهيم الذي أكرمه الله بخلته ، واجتباه لأن يكون أبا للنبيين وإماما للحنيفيين ؟ وإنما أراد صلوات الله وسلامه عليه بما قاله - مما ظاهره كفر وحقيقته إيمان وتوحيد - إقامة الحجة على من حوله من الذين يعبدون الأجرام السماوية ، بأن هذه الأجرام ما هي إلا كائنات متنقلة ، تعتريها الأحوال ويطرأ عليها الأفول ، وما كان كذلك فهو ليس من الربوبية أو الألوهية في شيء ، ويدل عليه قوله تعالى عقب حكاية قصته : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) الأنعام 83.

وإذا كان هذا هو محمل كلام إبراهيم عليه السلام مع عدم وجود نص في القرآن يدل على أن قومه كانوا يعبدون هذه الأجرام ، فلأن يحمل سؤال موسى عليه السلام للرؤية على قصد تبكيت قومه أولى ، لكثرة النصوص الدالة على أنهم هم الذين سألوها ، وهل يعقل أن يسأل موسى عين ما سألوه ، وهم الذين أصابهم ما أصابهم من التقريع على ما سألوا ، تا لله ما القول بذلك إلا تنظير لموسى بأنذال بنى إسرائيل وإنزالٌ له عليه السلام من علياء النبوة التي رفعه الله إليها ، واصطفاه من أجلها ، إلى دركات الجهل التي انحط إليها أسلاف اليهود ، الذين سألوا رؤية الله فحقت عليهم كلمة الله باستحقاق هوان الدنيا وعذاب الآخرة.

وبعد ما حررته هنا اطلعت على ما يسند حجته ويجلو وجهه من تحرير للمقام ، بقلم شيخ الإسلام المحقق الخليلي رحمة الله عليه ، فرأيت أن انقله بنصه ليزدان جيد كلامي بسمط كلامه الدرِّي ، قال - بعد تبيانه مقصود موسى من سؤاله : "وشاهد هذا قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكو نن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريءٌ مما تشركون ) فانظر كيف جاز لإبراهيم عليه السلام أن يتكلم بلفظة الشرك ثلاث مرات مخبرا بها عن نفسه من غير مندوحة ، ولا في موضع تقية على نفس ولا دين ولا مال ، وليس هو مجبراً على ذلك ولا مأخوذا به ، وقد كان له في الاحتجاج بغير هذا مجال رحب وسعة ، وقد احتج عليهم بغيره في غير مرة ، كما صرح به في كتاب الله تعالى ، ولكن رأى خطابهم على هذا الأسلوب والجري معهم على هذه الطريقة أقطع لحجتهم ، وأدمغ لكلمتهم ، وأبلغ لتبكيتهم ، وأوضح لإعجازهم ، فأثنى الله عليه بذلك وحكى ما قاله هنالك ، وقال تأييدا له : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) الأنعام 83.

وإذا كانت كلمة إبراهيم عليه السلام بالشرك الصريح - لما كانت مسوقة لهدم قواعد الشرك ومقولة لإيضاح الحق - لم تسّم شركا لفظا ولا معنى ، ولا عقلا ولا حكما ، فكيف يصح في مقالة موسى عليه السلام إذا كان مقصوده بها تبكيت قومه وإقامة الحجة عليهم بسماع المنع من الله تعالى أن تكون باطلة ، وهي نفس الحق المبين.

فموسى الكليم وإبراهيم الخليل في أحكام الحق سواء ، وكلمتاهما في أحكام الظاهر ممنوعتان سواء ، ولكنهما كانتا مسوقتين لإزهاق الباطل وإثبات الحق ، فهما في معنى الجواز سواء أم يجوز الفرق بينهما ؟ ولا فرق عند من عرف الحق ، فهما نفس الصواب وحقيقة الهدى ، ولا يكاد يصدر مثلهما إلا عن منصب النبوة ، ولكن ربما يخفى ضياء النهار على بعض الأبصار ، ولله در من قال :



وإذا كنت بالمدارج غرًّا

ثم أبصرت حاذقا لا تمار

وإذا لم تر الهلال فسلـم

لأناس رأوه بالأبصــار

فإن قلت كيف يسوغ التشبيه والاحتجاج بقصة إبراهيم عليه السلام في هذه الآية الشريفة ، وقد اختلف المفسرون في تأويلها ؟
قلنا إن الوجه الحق فيها ما قلناه وهو عمدة المحققين وقول المنصفين ، ولكن القوم لما لم يقتدروا على استخراج زبدها قال قائل منهم إن إبراهيم عليه السلام قال ذلك في صباه وهذا باطل ، لأن حكاية الشرك لا معنى لها عن صبي ولا بالغ لغير فائدة ، وأي فائدة في تجهيل الخليل عليه السلام ، وحكاية الشرك عنه في صباه.

وقال آخرون إنه قالها على معنى الاستفهام إيهاما لقومه وليس بالقوي . وقال بعض تقديره قال هذا ربي بزعمكُمْ ، وليس بشيءٍ لعدم الدلالة.

وقال بعضهم تقديره يقولون هذا ربى ، ولا دليل عليه أيضا ، فليس الوجه إلا الأول. (1) (2) قول الله سبحانه ( ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني) "الأعراف 143" ، ووجه الاستدلال بالآية ، أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل ، وهو في ذاته ممكن ، والمعلق على الممكن ممكن مثله .

وأجيب بأنه لا إمكان بعدما حصل من اندكاك الجبل ، وانكشف من قضاء الله فيه الذي لا يمكن أن يكون المقضي بخلافه ، فإنه تعالى لا تبديل لكلماته ، وقد كان في علمه تعالى أنه لن يستقر ، ولن يتبدل شيء عما كان في علمه ، وإنما كان استقراره ممكنا بحسب علم المخلوقين القاصر المحدود ، قبل أن ينكشف لهم باندكاكه ما في علمه تعالى وقضائه ، وفي هذا يقول الإمام ابن عاشور " ولما كان استقرار الجبل في مكانه معلوما لله انتفاؤه ، صح تعليق الأمر المراد تعذر وقوعه عليه بقطع النظر عن دليل الانتفاء ، فلذلك لم يكن في هذا التعليق حجة لأهل السنة على المعتزلة تقتضي أن رؤية الله تعالى ، جائزة عليه تعالى خلافا لما أعتاد كثير من علمائنا من الاحتجاج بذلك.

وقوله : ( فسوف تراني) ليس بوعد بالرؤية على الفرض ، لأن سبق قوله : ( لن تراني) أزال طماعية السائل الرؤية ، ولكنه إيذان بأن المقصود من نظره إلى الجبل أن يرى رأي اليقين عجز القوة البشرية عن رؤية الله تعالى بالأحرى مع عدم ثبات قوة الجبل ، فصارت قوة الكلام أن الجبل لا يستقر مكانه من التجلي الذي يحصل عليه ، فلست أنت بالذي تراني لأنك لا تستطيع ذلك ، فمنزلة الشرط هنا منزلة الشرط الإمتناعي الحاصل بحرف " لو" بدليل قرينة السابق

وأما من السنة : فما روي عن جماعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من إثبات رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء والمعراج ، ووجه استدلالهم بذلك على إمكان الرؤية أنها لو لم تكن ممكنة لما قال بوقوعها أحد من الصحابة ، وهم أوفر عقلاً ، وأغزر علماً ، وأنور بصيرة ممن جاء بعدهم ، ووجه اعتبار هذا الدليل من السنة أنهم رضي الله عنهم لا يقولون شيئاً من نحو هذا اعتباطاً ، ولكن استناداً إلى ما علموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم

وجوابه أن ما روي عنهم من إثبات رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه لا يخلو إما أن يكون من كذب الرواة عنهم ، وإما أن يكون من سوء فهمهم لما رووه ، وكيف يمكن أن يقول أحد منهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه تعالى ، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقطع عذر من قال ذلك باعتباره قد أعظم على الله الفرية ، كما جاء ذلك عنها بأصح الأسانيد وأضبطها في مسند الإمام الربيع بن حبيب ، وفي صحيحي البخاري ومسلم من طريق مسروق ، وإعظام الفرية على الله أكبر الكبائر التي يجب تنزيه المسلمين عنها ؛ فضلاً عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، الذين هم خير القرون ، وفي رواية أخرجها البخاري عن مسروق قال : قلت لعائشة رضي الله عنها : يا أمتاه هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه ؟ فقالت : " لقد قفَّ شعري مما قلت " وما هو إلا كناية عن هول ما سَمِعَتْ ، وضيق صدرها منه لاستحالة ذلك على الله سبحانه .

وأشهر من رُوِيَ عنه القول بخلافها ابن عباس رضي الله عنهما ، ومن أمعن نظره في نص كلامه المروي ، يدرك أنه لم يقصد بالرؤية إلا مزيد المعرفة بالله تعالى الذي حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة المباركة بما تجلى له من آيات الله ، وانكشف له من أسراره في الملكوت الأعلى .

ففي صحيح الإمام مسلم ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو بكر الأشج ، جميعاً عن وكيع ، قال الأشج حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن زياد الحصين أبي جهمة عن أبي العالية عن ابن عباس قال : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى ) قال : رآه بفؤاده مرتين ، وفيه من طريق عطاء عنه رضي الله تعالى عنه ، قال : رآه بقلبه ، وهو من الوضوح بمكان في كون الرؤية قلبيه لا بصرية ، وأصرح من ذلك في نفي الإبصار ما أخرجه ابن مردويه عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لم يره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه إنما رآه بقلبه ، وقد حكى عثمان بن مندة الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره ) فإن قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الناس معرفة منذ أكرمه الله بالنبوة وشرَّفه بالرسالة الخاتمة ، فكيف يقال إنه عرفه مرتين إن فسرت الرؤية بالمعرفة . فجوابه أن العارف بالله تعرض له أحوال من تجليات الحق ، فيستغرق في حالة من شهود جلاله وكبريائه كأنما يراه سبحانه وتعالى ، ولا ريب أنه عليه أفضل الصلاة والسلام - وهو أوفر الناس عقلاً وأتمهم معرفة - قد أكرمه الله بما هو أبلغ وأعظم مما وصل إليه غيره في طُروِّ مثل هذه الحالات النفسية ، خصوصاً في تلك الرحلة الكريمة التي أزيحت عنه فيها الأستار ، فتجلى له من أسرار الملكوت الأعلى ما لم يتجلى لغيره ، ولعل هاتين المرتين اللتين قصدهما البحر ابن عباس كانت التجليات فيهما أكمل وأشمل ، فعبر عن ذلك ابن عباس رضى الله تعالى عنه برؤية الفؤاد أو القلب ، على أنا نرجِّح في تفسير الرؤية في آية النجم بما ثبت رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عائشة رضي الله تعالى عنها في مسند الإمام الربيع وصحيحي البخاري ومسلم ، فقد قالت : أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : ( إنما هو جبريل لم أره في صورته التي خُلِق عليها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض ) فإنه صلى الله عليه وسلم أدرى بمعاني القرآن ومقاصده ، ومع ثبوت المرفوع لا يلتفت إلى الموقوف .

وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم نفي رؤيته لله تعالى نفياً صريحاً لا يدع للشك مجالاً . فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : هل رأيت ربَّك ؟ فقال : نورٌ أنَّى أراه ؟ وفي قوله : أنَّى أراه استبعاداً لأن يتمكن عليه أفضل الصلاة والسلام من رؤيته تعالى ، وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا ، فقلت : يا رسول الله هل رأيت ربك ؟ قال : لا ، إنما رأيت جبريل منهبطاً ، وكيف يظن بابن عباس رضي الله عنه أن يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم رآه رؤية بصرية مع ما روي عنه من نفي الرؤية في الدنيا والآخرة ، كما ستقف عليه إن شاء الله .

وقد نص كثير من مثبتي الرؤية في الآخرة على أنها لم تقع لأحد في الدنيا حتى للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولعل هذا هو قول الكثيرين منهم .

وأما القسم الثاني وهو : أدلة وقوعها في الآخرة ، فهو نقولٌ بعضها من الكتاب وبعضها من السنة ، فمن الكتاب :

1 ـ قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) القيامة 22 / 23 ، وهو أقوى ما استندوا إليه في هذا الباب ، واعتُرِضوا بأن النظر أعم من الرؤية ، فإنه يكون بمعنى محاولتها ولو لم تتحقق ، لجواز أن يقول قائل : نظرت إلى كذا فلم أره ، مع عدم جواز أن يقول : رأيته فلم أره ، ففي القاموس ما نصَّه : ( نظره كنصره وسمعه ، وإليه نظرا ومنظراً ونظراناً ومنظرة ، وتَنْظَاراً تأمله بعينه ) وفي شرحه للإمام الزبيدي نقلاً عن البصائر ، والنظر أيضاً تقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته ، وقد يراد به التأمل والفحص ، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص ، ثم قال الشارح : ويقال نظرت إلى كذا إذا مددت طرفك إليه رأيته أو لم تره .(1) وقد شاع النظر بمعنى الانتظار ، كقوله تعالى : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) البقرة 210 ، وقوله : ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة ) وقوله : ( يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم ) الحديد 13 ، وعليه يتعين حمل النظر في هذه الآية لوجوه :

أ ـ إبعاد تأويل القرآن عن تعارض بعضه مع بعض ، فإن حمل النظر في الآية على الرؤية يتعارض مع أدلة نفيها القطعية ، وستأتي إن شاء الله .

ب ـ الانسجام المعهود في آي القرآن وارتباط بعضها مع بعض ، وهو لا يكون إلا بتفسير النظر بالانتظار ، فإن الآيات قسّمت الناس يومئذ إلى طائفتين ، إحداهما وجوهها ناضرة ـ أي مبتهجة مشرقة بما ترجوه من ثواب الله ـ إلى ربها ناظرة أي منتظرة لرحمته ودخول جنته ، والأخرى مباينة لها في أحوالها ، فوجوهها باسرة - أي كالحة مكفهرّة لما تتوقعه من العذاب - تظن أن بفعل بها فاقرة أي تتوقع أن ينزل بها ما يقطع فقار ظهورها ، فَنَضَارَة هذه الوجوه مقَابَل ببسور تلك ، وانتظاره هذه لرحمة الله ودخول جنته مقابَل بتوقع تلك للعذاب ، ولو فسر النظر هنا بالرؤية لتقطع هذا الوصل بين الآيات ، وتفكك رباطها ، وذهب انسجامها ، إذ لا تقابل بين الرؤية وما وصفت به تلك من ظنها أمراً يقطع فقارها ، ومثل هذه النكت البلاغية لا تفوت البلغاء في كلامهم ، منثوره ومنظومه ، فما بالكم بكلام الله تعالى الذي هو أدق في التعبير ، وأبلغ في التصوير ، وأكثر انسجاماً ، وأشد ترابطاً من كل كلام ( وكيف لا وهو كلام الله جل ؟ ) .

ج ـ أن هذا التأويل هو الذي يتفق مع ما في خاتمة عبس ، وهو قوله سبحانه : ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غـبرة ترهقها قترة ) عبس 38 / 41 ، إذ لا فارق بين ما وصفت به وجوه المؤمنين هنا من الاستبشار ، ووصفت به في آي القيامة من النظر بمعنى الانتظار ، فإن المنتظر للرحمة مستبشر بها والمستبشر منتظر لما استبشر به .

د ـ أن تقديم المعمول على عامله يؤذن بقصره عليه ، فتقديم ( إلى ربها ) على (ناظرة ) يؤذن أنها لا تنظر إلا إليه وهو لا يتفق إلا مع تفسير النظر بالانتظار ، فلو كان المراد به الرؤية لاقتضى أنهم لا يرون شيئاً غيره تعالى مع ما هو معروف عقلاً ونقلاً من رؤية بعضهم لبعض ، ورؤيتهـم لما أعد الله لهم من النعيم .

وأنكر المثبتون تفسير النظر بالانتظار من ثلاثة أوجه :

أولها:
أن في الانتظار تنغيصاً يتنافى مع إكرام الله لعباده الأوفياء يوم القيامة .

ثانيها: أن انتظار رحمة الله من قبل عباده المؤمنين أمر حاصل في الدنيا ، فكيف يوعدون به في الآخرة .

ثالثهما: أن تعدية النظر بإلى تمنع من حمله على الانتظار ، خصوصاً إذا أسند إلى الوجوه

وكل ذلك مردود : أما الأول فلأن الآيات تصور لنا الموقف يوم القيامة قبل أن ينتقل الأبرار إلى دار الثواب ، والفجار إلى دار العقاب ، بدليل السياق في الآيات السابقة ، وقوله سبحانه في الأشقياء ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) يؤكده فإن ذلك قبل دخول النار قطعاً إذ لا معنى لظنهم ذلك بعد الدخول وقد لقوا ما لقوه وحلت بهم الفاقرة التي كانوا يتوقعونها ، ولا ريب أن الناس في الموقف متباينة أحوالهم ، فالأبرار ناضرة وجوههم بانتظارهم رحمة الله التي وُعِدوها ، والفجار على خلاف ذلك ، ولا يجوز إنكار هذا الموقف الذي يقفه الأبرار والفجار قبل انتقالهم إلى مقر الجزاء الدائم لأنه ثابت بالكتاب والسنة .

وأما الثاني فلبعد ما بين الانتظارين ، فشتان بين حال من كان في دار الشهوات والنزغات غير عارف بخاتمته ، ولا متيقن بمصيره ، ومن طوى المراحل وتجاوز العقبات حتى تلقته الملائكة في زمرة السعداء ( ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) فصلت 30 ، .

وأما الثالث فلثبوت مجيء النظر بمعنى الانتظار حال تعديته بإلى بالنقول الثابتة والشواهد البينة ولا عبرة بمن أنكر ذلك :

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد

وينكر الفم طعم الماء من سقم

فمن النقول المصححة له قول صاحب اللسان : ( ويقول القائل للمؤمَّل يرجوه إنما ننظر إلى الله ثم إليك ، أي إنما أتوقع فضل الله ثم فضلك ) . (1)

ومن شواهده ما رواه الإمام الربيع رحمه الله عن سفيان بن عيينة عن الأعمش عن أبي راشد أن مولاة لعتبة بن عمير قالت : إنما أنظر إلى الله وإليك ، فقال لها : لا تقولي كذلك ، ولكن قولي : إنما أنظر إلى الله ثم إليك .(2) وقول جميل بن معمر :



وإذا نظرت إليك من ملك

والبحر دونك زدتني نعما

وقول آخر

إني إليك لما وعدت لناظر

نظر الفقير إلى الغني الموسر

وقول غيره

كل الخلائق ينظرون سجاله

نظر الحجيج إلى طلوع هلال

ولا وجه للتفرقة بين كونه مسنداً إلى الوجوه أو إلى غيرها ، فإنه تحكم لا دليل عليه ، على أنه جاء بهذا المعنى مع إسناده إلى الوجوه في كلام العرب ، ومنه قول حسان :



وجوه يوم بدرٍ ناظرات

إلى الرحمن يأتي بالفلاح

وقول البعيث

وجوه بها ليل الحجاز على الهوى

إلى ملك كهف الخلائق ناظرة

فإن قيل إن الانتظار محله القلوب لا الوجوه ؛ فلذلك تعين حمل النظر في الآية على الرؤية لا على الانتظار ؛ لأن الوجوه محل للأبصار التي هي آلة الرؤية ؟

فجوابه : أن الرؤية أيضاً لا تكون بالوجوه وإنما تكون بالعيون فإسنادها إلى الوجوه غير وارد إذ لم يعهد قول أحد رأيته بوجهي ، ويتعذر جواز ذلك قطعاً على رأي الذي ينكر المجاز مطلقاً أو في القرآن خاصة كما هو شأن كثير من مثبتي الرؤية ، أما نحن فنحمل الوجوه على أصحابها لأن ذلك معهود عند العرب كقولهم : ( قصدت وجهك ) بمعنى قصدتك ، فالانتظار وإن أسند إلى الوجوه لفظاً فهو لأصحابها معنىً ، ولذلك جاز إسناد الظن إليها في قوله : ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) القيامة 25 ، كما جاز إسناد الخشوع والعمـل والنصب إليها في قوله تعالى : ( وجوه يومئذ خاشعة ، عاملة ناصبة ) الغاشية 2-3 ،ويؤكده قوله من بعد : ( تصلى ناراً حامية ، تسقى من عين آنية ، ليس لهم طعام إلا مـن ضريع ) الغاشية 4-6 ، فإن الصلى غير خاص بالوجوه ، والسقي والطعام لأصحاب الوجوه قطعاً ، ومثله إسناد النعمة والسعي والرضى إلى الوجوه في قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية ) الغاشية 8-9 .

وبجانب كل ما ذكرته فإن تفسير النظر في الآية بالانتظار مروي عن السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، فقد أخرجه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده الصحيح عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من طريق أبي معمر السعدي كما أخرجه أيضاً عم ابن عباس رضي الله عنهما من طريق الضحاك بن قيس ، وطريق سعيد بن جبير ، وعزاه إلى مجاهد ومكحول وإبراهيم والزهري وسعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب . (1)

ورواه ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما من الصحابة ، وعكرمة من التابعين ، ورواه عن عكرمة عبد بن حميد كما رواه عن مجاهد وأبي صالح بإسناد صححه الحافظ ابن حجر .(2) وأخرجه الإمام ابن جرير عن مجاهد بخمسة أسانيد وفي كلامه إنكار صريح للرؤية ، فقد جاء في رواية منصور عنه أنه قال : لا يراه من خلقه شيء ، وفي أخرى مـن طريقه أيضاً قال : كان الناس يقولون في حديث ( فيرون ربهم) فقلت لمجاهد : إن أناساً يقولون إنه يُرى ، فقال : يَرى ولا يراه شيء .

وفي تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي - وهو أحد علماء الشيعة الإمامية المعاصرين - ما نصه : وفي العيون في باب ما جاء عن الرضى عليه السلام من أخبار التوحيد بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود قال : قال علي بن موسى الرضى عليه السلام في قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) يعني مشرقة تنتظر ثواب ربها - قال : أقول ورواه في التوحيد والاحتجاج والمجمع عن علي عليه السلام . (1)

ومن أقطع الأدلة وأبين الشواهد على مجيء النظر معدَّى بإلى ، وهو ليس بمعنى الرؤية قوله تعالى : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ) آل عمران 77 ، فإنه لو حمل النظر في الآية على الرؤية لأدى إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يرى هؤلاء يوم القيامة ، وهذا عين المحال ، واعتقاده رأس الضلال ، فإنه كفر بالله تعالى ، ولا وجه لحمل النظر هنا إلا على الرحمة والإحسان ، ومن هنا نتبين أن نظر القوي إلى الضعيف هو عطفه ورحمته ، وأن نظر الضعيف إلى القوي هو انتظار ذلك منه .

هذا وقد اتضح لك مما سبق أن الآية الكريمة تصور لنا حال الناس في الموقف قبل نقل السعداء إلى دار النعيم والأشقياء إلى نار الجحيم ، ولئِن كان النظر فيها بمعنى الرؤية وكان الراؤون له تعالى تنضر وجوههم بهذه الرؤية ، لزم أن تشمل هذه الحالة منافقي هذه الأمة لأنهم يشتركون مع مؤمنيها في الرؤية حسبما يقتضيه حديث أبي سعيد وأبي هريرة عند الشيخـين الذي يستند إليه مثبتو الرؤية كما سيأتي بيانه إن شاء الله . وقد أشكل على المثبتين للرؤية إسناد النظر في آية القيامة إلى الوجوه ، فترددوا بين القول بأن الرؤية بالبصر أو بالوجوه أو بالجسم كله أو بحاسة سادسة ، وما هذا الاضطراب إلا دليل بيِّن على أنهم غير مستندين إلى أصلٍ فيما قالوه ، ولو أنهم فهموا الآية الكريمة فهماً صحيحاً ، وحملوها على ما يقتضيه السياق واللغة لسلموا من هذا الاضطراب ، وبعدوا عن هذا التيه . وقد أدرك المحققون المنصفون من معتقدي الرؤية ضعف الاستدلال على ثبوت الرؤية بهذه الحجة فصرحوا بذلك ، فالسيد محمد رشيد رضا يقول في " المنار" : ( وأما رؤية الرب تعالى فربما قيل بادئ الرأي إن آيات النفي فيها أصرح من آيات الإثبات كقوله تعالى : ( لن تراني ) الأعراف 143 ، وقوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) الأنعام 103 ، فهما أصرح دلالة على النفي من دلالة قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) على الإثبات ، فإن استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وكلام العرب ، كقوله : ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة ) يس 49 ، ( هل ينظرون إلا تأويله ) الأعراف 53 ، ( هل ينظرون أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) البقرة 210 ، وثبت أنه استعمل بهذا المعنى متعدياً بإلى ، ولذلك جعل بعضهم وجه الدلالة فيه على المعنى الآخر - وهو توجيه الباصرة إلى ما تراد رؤيته - أنه أسند إلى الوجوه ، وليس فيها ما يصحح إسناد النظر إليها إلا العيون الباصرة ، وهو في الدقة كما ترى). (1) وقد سبق بيان ما أشار إليه أخيراً من استدلال حاملي النظر على الرؤية بإسناده إلى الوجوه والرد عليه .

وقال الإمام المحقق ابن عاشور في تفسير الآية : ( فدلالة الآية على أن المؤمنين يرون بأبصارهم رؤية متعلقة بذات الله على الإجمال دلالة ظنية ، لاحتمالها تأويلات تأولها المعتزلة بأن المقصود رؤية جلاله وبهجة قدسه التي لا تخول رؤيتها لغير أهل السعادة ) . (2)

( 2 ) ـ قوله تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) يونس 26 ، فقد فسروا الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية ، مستدلين بحديث صهيب عند الشيخين مرفوعاً : ( إذا دخل أهل الجنةِ الجنـةَ نادى منادٍ إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه ، قالوا : ألم تبيضْ وجوهنا ، وتنجنا من النار ، وتدخلنا الجنة ، قال : فيكشف الحجاب، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ) .

وأنتم ترون أن لفظة الزيادة مبهمة غير دالة على الرؤية وضعاً ولا استعمالاً ؛ من قريب ولا من بعيد ؛ أما الحديث الذي عوَّلوا عليه في تفسيرها فدلالته على ما قالوه ضعيفة جداً

أما أولاً : فلأن النظر لا يلزم أن يكون بمعنى الرؤية كما سبق بيانه في آية القيامة ، وكشف الحجاب يجوز أن يكون كناية عن مزيد الإكرام ورفع الدرجات ، وفتح أبواب العطاء غير المحدود ، وهذا الذي يتعين أن يحمل عليه كشف الحجاب والنظر إلى الله في الحديث ؛ لدفع التعارض بين آيات الله وأحاديث رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.

وأما ثانياً : فلأن حمل الزيادة على هذا المفهوم يتعارض مع ما استندوا إليه من المفهوم الذي عولوا عليه في تفسير آية القيامة ، التي استندوا إليها في إثبات الرؤية ، فإنه يلزمهم بموجب ذلك المفهوم أن تكون الرؤية حاصلة في الموقف قبل دخول الجنة ، مع أنها حسب تفسيرهم لآية يونس وحديث صهيب لا تكون إلا بعد دخول الجنة .

وأما ثالثاً : فلأن ذلك يتعارض مع حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما الذي استندوا إليه في إثبات الرؤية في الموقف . ولو أن الحديث كان نصاً صريحاً في تفسير النظر بالرؤية لما قامت به حجة لأحاديثه ، ومعارضته لما هو أقوى منه متناً ودلالة من أدلة نفيها ، فكيف وهو يعتريه الاحتمال ، وقد قيل : إن الدليل إذا اعتراه الاحتمال سقط به الاستدلال ، والقضية قضية عقيدة ، فلا يستدل فيها إلا بما كان قطعياً مَتْناً ودلالة .

وأما رابعاً : فقد روي عن السلف تفسيرهم الزيادة في الآية بغير الرؤية ، فلو كان الحديث نصاً صريحاً صحيحاً على تفسيرها بالرؤية لما كان لهم أن يعدلوا عنه إلى غيره ، ومن أمثلة ذلك ما رواه الإمامان الربيع وابن جرير (1)عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسَّرها بغرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب ، وروى الإمام الربيع عن ابن عباس مرفوعاً : ( إن أهل الجنة لا يزالون متعجبين مما هم فيه حتى يفتح الله لهم باب المزيد فإذا فتح لهم كان لا يأتيهم منه شيء إلا وهو أفضل مما في جنتهم ) ، وروى ابن جرير عنه وعن علقمة بن قيس أن الزيادة مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها ، وهذا رواه الإمام الربيع عنه وعن الحسن .

وروى الإمام الربيع بإسناده إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه فسر الزيادة بغرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب - كما سبق عن ابن عباس - وروى ابن جرير عن الحسن أنه فسرها بمغفرة من الله ورضوان ، وهو مروي عن مجاهد عند الربيع ، وروى الربيع عـن أبي حازم ، وابن جرير عن ابن زيد أنها عدم محاسبتهم على ما أعطاهم في الدنيا . وروى الربيع عن الشعبي أن الزيادة دخول الجنة ، وعن محمد بن كعب ما يزيدهم الله من الكرامة والثواب . (2)

وهذه الأقوال بعضها متباين وبعضها متداخل أو متقارب ، وأظهرها أن الزيادة هي ما يمد الله به عباده في الجنة من فيوض عطائه الحِسِّيِّ والمعنوي بغير حدود لأنه يدل عليه حديث ابن عباس المرفوع عند الربيع ، ويقتضيه حديث صهيب المرفوع عند الشيخين حسب مفهومه الصحيح .

( 3 ) قوله تعالى : ( ولدينا مزيد ) ق 35 ، بناء على ما روي عن بعضهم أن المزيد هو رؤية الله تعالى .

وبسقوط احتجاجهم عليها بالزيادة ، يسقط احتجاجهم بالمزيد .

( 4 ) قوله تعالى : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) المطففين 15 ، ووجه استدلالهم به أنه كما دل منطوقه على حجب الكفار عن ربهم ، فمفهومه دال على أن المؤمنين يرونه . لأن حجب الكفار عقاب توعدوا به فلا يليق بالمؤمنين إلا خلافه .

وهو استدلال ساقط من عدة أوجه
أولها : أن الحجاب في الآية كناية عن الحرمان من رحمته ، والإبعاد عن دار كرامته ، كما أن التقرب منه سبحانه لا يكون حسياً وإنما يفسر بامتثال ما أمر به من الطاعات ، واجتناب ما نهى عنه من المعاصي ، وكذلك تقرب الله من العبد لا يعني إلا إحاطته برعايته الرحمانية ، وغمره بألطافه الربانية ، وقد وردا معاً في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ( من تقرَّب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ، ومن تقرَّب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ) وبهذا المعنى الذي ذكرته فسَّر قتادة وابن أبي مليكة الحجاب في هذه الآية ، رواه عنهما ابن جرير . (1)

ثانيهما : أنه استدلال بمفهوم المخالفة ، وهو حجة ظنية اختلف العلماء في الأخذ بها في الأمور العملية الفرعية ، فكيف بالقضايا الاعتقادية الأصلية مع أن الاعتقاد ثمرة القين ، على أن المفهوم هنـا أقرب أن يكون مفهوم لقب ، وهو أضعف المفاهيم بإجماع الأصوليين والفقهاء ، وسائر أصحاب فنـون العلم ، حتى أنهم عدوا من أخذ به من الفقهاء في الفروع شاذاً .

ثالثهما: أنه لو جاز الاستناد إلى هذا المفهوم في إثبات رؤية المؤمنين لله يوم القيامة ، لكان أحرى أن يستند إلى مفهوم يفيده التقيد بـ ( يومئذ ) في إثبات رؤية الكفار له تعالى قبل ذلك اليوم ، فإن الظروف لها حكم الصفات في تقييد النسبة ، ومفهوم الوصف من أقوى المفاهيم كما حرره الأصوليون ، قال الإمام نور الدين السالمي رضي الله عنه في شمس الأصول:



فالوصف والغاية والشرط معا

أقوى مفاهيم وأجلى موقعا

ومن النوادر التي ينبغي أن تُدَّخر لتسلية الثكالى ، ما حكاه ابن القيم في حادي الأرواح عن ابن المبارك أن الضمير في قوله تعالى : (هذا الذي كنتم به تكذبون) "المطففين 17" عائد إلى الرؤية (2) ليتسنى حمله على وعيد المنكرين لها ، وقد رقص على أنغام هذه الرواية كثير من الذين يقولون ما لا يعلمون ويجترُّون ( كل ) ما يلقى إليهم ، من بينهم صاحب المحاضرة فيما سمعته من محاضرته المسجلة بصوته في الشريط كما أشرت إليه من قبل ، فقد جاء فيها أن هذا الوعيد واقع بالإباضية الذين أنكروا الرؤية وأنهم المقصودون به ، وليت شعري هل هذا القول ناشئٌ عن هوى أصمَّ صاحبه وأعماه ، أو عن جهله باللغة وأساليب الكلام ، فإن مما يدركه كل من له معرفة بلغات الناس ، أن الإشارة لا تكون إلا إلى مشار إليه سواء كان حاضرا أو في حكم الحاضر لتقـدم ذكره ، والضمير في الآية عائد إلى اسم الإشارة الذي قصد به ما تقدم ذكره من صلى الجحيم ، ونحـو هذا قوله تعالى : ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ، انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب ) "المرسلات 29/31" ولو كان الأمر كما ادعوا لكان ذلك قاضيا بأنهـم يرونه سبحانه ، فإنك عندما تقول لأحد تبكيتا وتقريعا : هذا الذي كنت لا تصدق به ، لا يمكن إلا أن تكون مشيرا إلى شيء أوضحته له بعد الخفاء ، فقامت بوضوحه الحجة عليه به ، ولولا تفاهة قولهم هذا الذي حملوا عليه كتاب الله تعالى غير مبالين بتحريف الكلم عـن مواضعه ، لسقت نصوصَ أقوال المفسرين في قوله : ( هـذا الذي كنتم به تكذبون ) لا سيما الذين يعتقدون الرؤية منهم ، ليتضح خطأ هذا التأويل الفاسد ، غير أن فساده أبين من أن يحتاج إلى بيان.



وليس يصح في الأذهان شيء

إذا احتاج النهار إلى دليل

(5) قوله تعالى : ( على الأرائك ينظرون ) "المطففين 23/25" وهو استدلال بما لا دليل فيه ، فإن غاية ما في الآية وصفهم بالنظر من غير ذكر للمنظور إليه ، ومن المعلوم قطعا أنهم يتمتعون بالنظر إلى أصناف النعم ، وأنواع الغرائب التي تبهج نفوسهم ، وتقر عيونهم ، ولم يقل أحد من السلف أن المراد بالنظر في الآية رؤية الله ، بل روى ابن جرير وغيره عن ابن عباس وقتادة وآخرين أنهم ينظرون إلى أعدائهم في النار ساخرين منهم ، وهذا الذي يقتضيه السياق ، وعوَّل عليه المفسرون إلا من شذ منهم.

(6) الآيات المصرحة بلقاء الله ، وذلك أنهم فسروا اللقاء بالرؤية ، وهو خطأ فإن اللقاء أعم منها ، فقد يكون فيما لا يرى ، كما في قوله تعالى : ( ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه ) "آل عمران 143" ، ولا يختلف في جواز قول الأعمى : لقيت فلانا ، ومن الكلام المعهود عند العرب أن يقول قائلهم: لقيت من هذا الأمر شدة، أو فرجا ومخرجا ، أو عُسرا ، أو يسرا ، أو خيرا أو شرا ، وقد جاء في القرآن وعد غير المؤمنين باللقاء ، كقوله تعالى : ( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ) "التوبة 77" ، وقوله : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) "الانشقاق 6" ، فإن قيل بأن الضمير في الأول عائد إلى النفاق ، وفي الثاني إلى الكدح لا إلى الله ، قلنا وفي هذا أيضا حجة لنا على أن اللقاء أعم من أن يكون بمعنى الرؤية ، فإن النفاق والكدح لا يريان لأنهما من الأعراض.

وقد فسر لقاء الله بالانتقال إلى الدار الآخرة ، لما يتحقق به من وعد الله سبحانه ، ويتجلى من أسرار غيبه ، وقد أطلق على الموت مراعاة لهذا المعنى ، ويقال فيمن مات لقي الله ، وفي اللسان نقلا عن ابن الأثير في شرح حديث ( من أحب لقاء الله احب الله لقاءه ) المراد بلقاء الله المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله ، (1) ويكون اللقاء وعيدا كما يكون وعدا كما في الآيتين ، وفي حديث ( لقي الله وهو عليه غضبان).

(7) قوله تعالى : ( وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا ) "الإنسان 20" ، استدل به الفخر الرازي في تفسيره لسورة الأنعام ، مدعيا أن إحدى قراءاتها " مَلِكاً " بفتح الميم وكسر اللام ، وقال : أجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى ، وعندي أن التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها(2).

وناهيك بقوله بأن التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها برهانا على ضعف الأدلة التي يتمسكون بها ، فإن هذا الاستدلال لا يعدو أن يكون كملاحقة ( سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) "النور 39" ، فإن القراءة التي ادعاها لم تثبت ، فقد راجعت كتب القراءات ، وكتب التفسير المعنية بنقل القراءات فلم أجد لها ذكرا ، بل لم يذكرها الفخر الرازي نفسه في تفسيره لهذه الآية ، وعندما ذكرها في تفسير سورة الأنعام لم يعزها إلى أحد ، ولو سلمنا أنها قراءة واردة فهي من القراءات الشاذة التي قال جمهرة من المحققين بأنها لا تكون حجة في المسائل الفقهية الفرعية ، فكيف تكون حجة في الاعتقاد ؟

وأما من السنة فقد أكثروا من الأحاديث التي حشروها للاستدلال بها ، وأشهر وأقوى ما اعتمدوا عليه حديث ( سترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر ) ، وقد رووه من طريق أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وجرير بألفاظ متعددة ، وكثيرا ما يقتصرون في كتب العقيدة على هذا القدر من نصه ، وقبل أي تعقيب على الاستدلال أرى أن أنقل بعض ألفاظه وأسانيده.

روى الشيخان - واللفظ للبخاري - في كتاب التوحيد ، قال حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبن شهاب ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي هريرة أن الناس قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : فهل تضارون في الشمس ليس دونها حجاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : فإنكم ترونه كذلك ، يجمع الله الناس يوم القيامة ، فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمـس ، ويتبع من كان يعبد القمر القمـر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغـيت ، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها أو منافقوها - شك إبراهيم - فيأتيهم الله فيقول : أنا ربكم ، فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا جاء ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون ، فيقول لهم : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، فيتبعونه ... الخ ، ورواه مسلم في كتاب الإيمان عن زهير بن حرب عن يعقوب بن إبراهيم بالإسناد المذكور ، وفي روايته جزم بقوله : ( فيها منافقوها ) من غير تردد ، وزيادة ( فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم. فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا .. الحديث ).

وجاء بألفاظ مختلفة عند الشيخين وغيرهما ، ومثله في ذلك حديث أبي سعيد عند الشيخين كذلك . وأنت أيها القارئ الكريم تدرك ببصيرتك أن الأخذ بظواهر هذه النصوص يفضي إلى ما يرده العقل ويكذبه البرهان كما هو واضح فيما يلي

أنه يترتب عليه تغير ذاته تعالى من صورة إلى غيرها ، والتغير سمة من سمات الحدوث فيلزم منه حدوثه تعالى

كونه سبحانه مرئيا لهذه الأمة مؤمنها ومنافقها في الدنيا رؤية جلية تترك صورته منطبعة في أذهان الرائين ، حتى إذا جاءهم في صورة أخرى أنكروا أن يكون ربهم واستعاذوا بالله منه ، وإلا فبم عرفوا صورته حتى أنكروه عندما جاءهم في غيرها ، وعرفوه إذا انقلب إليها ، مع أن ذلك هو أول موقف من مواقف يوم القيامة

وقد حَصَلَتْ مناظرات بيني وبين بعض العلماء في ذلك ، ولمَّا ألزمتهم هذه الحجة أجابوا بأن هذه المعرفة بصورته ليست نتيجة رؤية سابقة ، ولكنها بسبب ما عرفوه من وصفه لنفسه في كتابه ووصف النبي صلى الله عليه وسلم له في سنته ، فألزمتهم أن يكون كل من قرأ كتاب الله ودرس سنة رسوله صلى الله عليه وسلم عارفاً بالصورة الحقيقية التي يرى بها ربه سبحانه وتعالى ، حتى إذا رآه في غيرها أنكره ، فهلمَّ إلى وصف هذه الصورة وتحديدها لنا مما عرفتموه من قراءتكم للقرآن ، ومطالعتكم لأحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، فأحجموا ودحضت حجتهم والحمد لله .

وإن مما يبطل تأويلهم الذي لجأوا إليه - فراراً من هذا الإلزام - مخالفته لصريح ما نص عليه حديث أبي سعيد عند الشيخين ، ففي البخاري عنه بلفظ ( فيأتيهم الجبار في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرَّةٍ ) وأما لفظ مسلم فهو ( حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برٍّ وفاجر أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها ) واللفظان صريحان في أن معرفتهم بصورته ما كانت إلا عن رؤية سابقة ، ولا محيص - لمن أخذ بهذا الظاهر - عن القول بأنه مرئي في الدنيا - وقد أنكره أكثرهم ، ومن قال به حصر رؤيته في مخصوصين ، ولم يقل بشمولها الأبرار والفجار من هذه الأمة - أو القول برؤيته في البرزخ ، وهو ما لم يقله قائل من قبل ، فضلاً عن وجود مستند له .

وبعد هذا الذي قررته ، رأيت في فتح الباري ما نصه ( وقال غيره - أي غير الخطابي - في قوله : ( في الصورة التي يعرفونها ) يحتمل أن يشير بذلك إلى ما عرفوه حين أخرج ذرية آدم من صلبه ثم أنساهم ذلك في الدنيا ، ثم يذكرهم بها في الآخرة ! )(1) وهذا القول يحتمل أمرين إما أن يريد به قائله أنهم عندما أخرجوا من صلب آدم رأوا ذات الحق تعالى ، وإما أن يريد أنهم حصلت لهم معرفة ما كانت لهم من بعد ، والأول باطل لأمرين :

أ ـ أنه لم يقل به قائل ، ولم يشر إليه نصّ .

ب ـ أنه مخالف لما قالوه من علة عدم رؤية الناس لربهم في الدنيا ، وهي أنهم لم يخرجوا عن طور الفناء ، والفاني لا يقوى على رؤية الباقي ، وهل من المعقول أن يكونوا وهم في صلب آدم كأمثال الذر أقوى على الرؤية وأجدر بها من موسى الكليم بعد اصطفائه بالرسالة والكلام ، وإدنائه في مقام الزلفى .

والثاني غير معقول إذ لا يُتصور أن يكونوا في تلك اللحظة العابرة أعرف بالله منهم بعد نشأتهم في الدنيا ، وما من الله به عليهم من العلم والعقل ، على أن التصريح بأنهم رأوه في حديث أبي سعيد يسقط هذا الاحتمال ، اللهم إلا أن تفسر الرؤية بالعلم ، ويلزم منه أن تكون رؤيته تعالى المقصودة في الحديث هي زيادة المعرفة به .

( 3 ) كون رؤيته تعالى شاملة للبر والفاجر والمؤمن والمنافق ، وهو مخالف لما نص عليه أكثرهم ، من كونها ثواباُ خاصاً بأهل الإيمان .

(4) معارضته لحديث صهيب الذي استدلوا به كذلك على الرؤية - بناء على حملهم النظر فيه عليها - فإنه ناصٌّ على أن حصول ذلك بعد دخول الجنة ، وأنه زيادة على ما حصل لهم من النعيم كما سبق بيانه .

( 5 ) أن غالب معتقدي الرؤية يقولون أنها تحصل بلا كيف ، وتشبيهها برؤية القمر في الحديث في قوله : ( كذلك ترونه ) ينافي هذا القول ، وكذلك ما فيه من ذكر الصورة وإنكارهم لها عندما تتغير عما عهدوها .

ولأجل هذا الإشكال في الحديث ، هام القائلون بثبوت الرؤية في فهمه ، حتى أن ابن بطَّال نقل عن المهلب قوله : ( إن الله يبعث لهم ملكاً ليختبرهم في اعتقاد صفات ربهم الذي ليس كمثله شيء ، فإذا قال لهم : أنا ربكم ، ردّوا عليه لما رأوا عليه من صفات المخلوقين بقولهم : فإذا جاء ربنا عرفناه ؛ أي إذا ظهر لنا في ملك لا ينبغي لغيره ، وعظمة لا تشبه شيئاً من مخلوقاته ، فحينئذ يقولون : أنت ربنا ) .(1) وهذا كلام إن دل على شيء فإنما يدل على الحيرة مع الإصرار على تأييد فكرة معينة ثبتت أو لم تثبت
ويرده أمران :

أولهما : أن الكذب بغيض إلى الله قبيح عنده ، فلم يكن الله ليأمر به ، فإن الله لا يأمر بالفحشاء والمنكر ولكنه ينهى عنهما ، وإن أعظم الكذب وأفحشه أن يزعم عبد من عباد الله أنه هو الله ، ولم يكن لأحد من ملائكة الله الذين هم أعرف الخلق بحقه ، وأخوفهم من عقابه ، أن يجترئ على القول بذلك .

ثانيهما : أن تلك الدار دار جزاء وليست دار ابتلاء في اعتقاد ولا غيره ، وجزاء الناس إنما هو بحسب ما كانوا عليه في الحياة الدنيا من اعتقاد أو عمل ، لا بحسب ما يكون منهم في الدار الآخرة .

وإذا حُملت الرؤية في الحديث على المعرفة انحلّ الإشكال ، وانجلى اللبس ، وزال التعارض ، اللهم إلا ما يكون من الإشكال في قولهم : ( نعوذ بالله منك ) فإن العياذ من الله لا يتصور أن يكون من مؤمن في أي موقف ، ولذلك كانت هذه الزيادة بحاجة إلى مزيد من التأمل ، ولعله من باب التمثيل لدهشتهم من هول ما يرونه في الموقف العظيم ، كما جاء في حديث التوبة ( اللهـم أنت عبدي وأنا ربك ) ، وتجدد معرفة العبد بربه بما يترآى له من الآيات التي لم يكن على بال منها من قبل أمر لا ينكر ، فغير بعيد أن يكون الحديث تمثيلاً لما يتفاعل في نفوسهم من الخواطر وهم يشاهدون مشاهد لم يألفوها ، وتنجلي لهم حقائق لم يعرفوها ، فلا غرو إذا طرأ عليهم من الاضطراب ما يطير ألبابهم ، حتى تحط على دوخة الحقيقة ، وتقر في قرار اليقين ، وما المشاهد التي يرونها والتجليات التي يعاينوها إلا من قبله سبحانه ، فهو يقلب الأحوال كما يشاء ، وفي كل حال منها تجليات لجلاله ، ومشاهد لكبريائه ، عبر عنها بالصور مضافة إليه سبحانه لأنها منه وإليه .

وقد قارب هذا التفسير جماعة من مثبتي الرؤية ، ومن ذلك ما نقله الحافظ ابن حجر بقوله : ( واختلف من أثبت الرؤية في معناها ، فقال قوم : يحصل للرائي العلم بالله تعالى برؤية العين كما في غيره من المرئيات ) وهو على وفق قوله في حديث الباب ( كما ترون القمر ) إلا أنه منزه عن الجهة والكيفية ، وذلك أمر زائد على العلم .

وقال بعضهم : إن المراد بالرؤية العلم ، وعبر عنها بعضهم بأنه حصول حالة في الإنسان نسبتها إلى ذاته المخصوصة نسبة الأبصار إلى المرئيات .

وقال بعضهم : رؤية المؤمن لله نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم ، وهذا أقرب إلى الصواب من الأول .. (1)

وقريب من هذا تفسير الإمام الغزالي للرؤية في بعض كتبه :
ومجيء الرؤية بمعنى العلم معهود لغة كما سبق نقله عن صاحب القاموس وشارحه ، ومن شواهده قوله تعالى : ( ألم تر إلى ربك كيف مدَّ الظل ) الفرقان 45 ، وقوله : ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد ) الفجر 6 ، وقوله : ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) الفيل 1 ، وقوله : ( ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ) المجادلة 7 ، وقوله : ( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ) الأنعام 6 ، وقول الشاعر بـ ( رأيت الله أكبر كل شيء ) ، وقول غيره : ( رأيت الله أهلك قوم عاد ) .

ودعوى أن الرؤية لا تكون بمعنى العلم إلا إذا تعدت إلى مفعولين ، مردودة بقوله تعالى : ( فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) آل عمران 143 ، وقوله : ( ألم يرو كم أهلكنا من قبلهم من قرن ) .

ولا ريب أن في الجنة من التجليات الربانية لأصحاب السعادة ما يفوق ما يكون في مواقف القيامة ، فلا غرو إذا عبر عنها أصدق الإنس والجن ، وأبلغ العرب والعجم بالرؤية ، أو نحوها من العبارات تقريباً للأفهام ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يخاطب العرب باللسان العربي المبين الذي نشأوا عليه ، فعرفوا معانيه ، وأدركوا مراميه ، فلا تعجبوا إذا لم يشكل عليهم هذا الخطاب .

وإذا كان العبد إذا أخلص لله تعالى في هذه الدار الدنيا - مع كثافة حجب طبائعها المادية المظلمة - تتراأى له في ذكره ودعائه مشاهد العظمة ، ويتكشف له من آيات الجلال ما يجعله يغيب عن وجوده ، غارقاً في عالم شهوده ، مشغولاً عن نفسه بما يمده به الحق تعالى من ألطاف الإنس ، المتراسلة من حظائر القدس ، خصوصاً في بعض الأحوال كخلوات العبادة ، وفي بعض الأزمان ، كليالي رمضان ، وفي بعض البقاع كالحرمين الشريفين ، فما بالكم بالدار الآخرة التي أعدت للمتقين ، حيث ترقى نفوسهم إلى أوج الكمال الإنساني .

ولا ينكر هذه المشاهد الإنسية في هذه الدار الدنيا إلا من حُرِم شفافية الروح ، ورقة الشعور والوجدان التي يشعر بها العبد وهو ماثل بين يدي الله تعالى ، داعيا أو ذاكرا ، حتى يكون كأنه من أنسه بربه يرى ذاته تعالى بأم عينيه ، من غير أن يتحول تعالى عن صفته الذاتية ، وهي عدم إدراكه بالأبصار ، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المرتبة بالإحسان ، وذلك في قوله (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فأي عجب إذا حصل للمؤمنين الصادقين في إيمانهم ، المخلصين في عملهم ، ما هو أبلغ في الدار الآخرة من ذلك من التجليات الجلالية لعقولهم وقلوبهم ؟ وأي بدع إن عبر عن ذلك بالرؤية مع ورود مثله في اللسان العربي ؟

وبهذا يتضح المراد بالرؤية في الأحاديث ، وبه يمكن الجمع بينها وبين آيات التنزيه الناصة على منعها ، ومهما يكن فإن هذه الأحاديث آحادية ، والآحادي لا تنهض به حجة في الأمور الاعتقادية لأن الاعتقاد ثمرة اليقين ، واليقين لا يقوم إلا على الأدلة القطعية المتواترة نقلا ، النصية دلالة بحيث لا تحتمل تأويلا آخر ، والحديث الآحادي لا يتجاوز ثبوت متنه الظن ، فلذلك قال المحققون إنه يوجب العمل ولا يفيد العلم ، وإذا كانت هذه درجة الآحادي في الحجية فكيف إذا عُورض بالنصوص القطعية من القرآن ، ولذلك نحكم بسقوط الروايات الصريحة في تشبيه الخالق بالخلق إذا لم تحتمل التأويل ، لاستحالة أن يصدر ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ، وذلك كحديث (إذا كان يوم الجمعة نزل على كرسيه ثم حف الكرسي بمنابر من نور ، فيجئ النبيون حتى يجلسوا عليها .. الخ) فإنه مصادم للعقل والنقل ، بل هو مصادم لما يقوله معتقدو الرؤية أنفسهم من أنه يرى بدون إحاطة ، فإنه يلزم أن يكون محاطا به قطعا إذا كان النبيون تحف منابرهم بكرسيه الذي يستوي عليه.

وإذا كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لم يقبل بعضهم ما رواه بعض منهم مما رآه مخالفا لما فهمه من مدلول الكتاب العزيز ، كما كان من عمر في رواية فاطمة بنت قيس ، وما كان من عائشة فيما رواه ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين - مع كونهم في خير القرون وأفضل العصور - فما بالكم بمن بعدهم ، وقد اختلط الحابل بالنابل ، وفشا اللبس ، وكثر التدليس ، وانتشرت البدع ، وتعددت الدسائس ، وتباعدت العصور عن العصر الكريم.

هذا وقد سمعت فيما سمعت من المحاضرة المسجلة في الشريط ، التي أشرت إليها من قبل ، سخرية من المحاضر بالإباضية لعدم اعتمادهم على الأحاديث المروية في الرؤية لآحاديتها ، كأنه لم يقل بعدم الأخذ بالأحاديث الآحادية في الاعتقاد غيرهم ، وما هذه إلا سخرية من نفسه ، فإنه قد أثبت بذلك عدم معرفته بما قاله المحققون من علمائه ، ولا أريد إلا أن أنقل هنا بعض نصوصهم في ذلك ، من غير أن أشرك نصا لأحد من علماء الإباضية:

قال الإمامان ابن السبكي في جمع الجوامع والمحلي في شرحه (خير الواحد لا يفيد العلم إلا بقرينة) كما في إخبار الرجل بموت ولده المشرف على الموت ، مع قرينة البكاء ، وإحضار الكفن والنعش (و) قال (الأكثر لا) يفيده (مطلقا). (1)
وفي تنقيح ابن الحاجب وشرحه (التوضيح) ما نصه : (والثالث - ويعنى به الخبر الآحادي - يوجب عليه الظن إذا اجتمع الشرائط التي نذكرها إن شاء الله تعالى ، وهي كافية لوجوب العمل لأنه لا يوجب العلم ؛ ولا عمل إلا عن علم - إلى أن قال - والعقل يشهد أنه لا يوجب اليقين). (2)
وفي حاشية السعد التفتازانى عليهما أن هذا هو قول الجمهور( المرجع : التلويح للسع التفتازاني ص431 ) ثم قال : "بل العقل شاهد بأن خبر الواحد العدل لا يوجب اليقين ، وأن احتمال الكذب قائم وإن كان مرجوحا ، والإلزام القطع بالنقيضين عند إخبار العدلين بهما".(3)
وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي "اعلم أنا نريد بخبر الواحد في هذا المقام ما لا ينتهي من الأخبار إلى حد التواتر المفيد للعلم ، فما نقله جماعة من خمسة أو ستة مثلا فهو خبر الواحد - إلى أن قال - وإذا عرفت هذا فنقول خبر الواحد لا يفيد العلم ، وهو معلوم بالضرورة فإنا لا نصدق بكل ما نسمع ، ولو صدقنا وقدرنا تعارض خبرين فكيف نصدق بالضدين ؟ وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل إذ يسمى الظن علما ، ولهذا قال بعضهم يورث العلم الظاهر ، والعلم ليس له ظاهر وباطن وإنما هو الظن".(4)
وفي فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت لابن عبد الشكور ما نصه : "الأكثر من أهل الأصول ومنهم الأئمة الثلاثة على أن خبر الواحد ، إن لم يكن هذا الواحد المخبر معصوما نبيا ، لا يفيد العلم مطلقا ، سواء احتف بالقرائن أو لا - إلى أن قال - لو أفاد خبر الواحد العلم لأدى إلى التناقض إذا أخبر عدلان بمتناقضين - ثم قال - وذلك أي إخبار العدلين بمتناقضين جائز بل واقع ، كما لا يخفى على المستقرئ في الصحاح والسنن والمسانيد). (5)
وقال الإمام محمد عبده في إحدى فتاواه "ولو أراد مبتدع أن يدعو إلى هذه العقيدة ، فعليه أن يقيم عليها الدليل الموصل إلى اليقين إما بالمقدمات العقلية البرهانية ، أو بالأدلة السمعية المتواترة ، ولا يمكنه أن يتخذ حديثا من حديث الآحاد دليلا على العقيدة ، مهما قوي سنده ، فإن المعروف عند الأئمة قاطبة أن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) (النجم 28). (1)

وقال العلامة السيد محمد رشيد رضا "إن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة عند من ثبتت عنده واطمأن قلبه بها ، ولا تكون حجة على غيره يلزم العمل بها ، ولذلك لم يكن الصحابة رضي الله عنهم يكتبون جميع ما سمعوه من الأحاديث ويدعون إليها ، مع دعوتهم إلى اتباع القرآن والعمل به ، وبالسنة العملية المتبعة المبينة له إلا قليلا من بيان السنة ، كصحيفة عليّ كرم الله وجهه المشتملة على بعض الأحكام كالدية ، وفكاك الأسير ، وتحريم المدينة كمكة ، ولم يرض الإمام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحملا الناس على العمل بكتبه حتى الموطأ ، وإنما يجب العمل بأحاديث الآحاد على من وثق بها رواية ودلالة".(2)

وإذا كان هذا موقف حجية الآحادي في الأمور الفرعية العملية فكيف بالاعتقاد ، بل كيف تكون حجيته مع معارضته للقطعي المتواتر ، وقد قال هذا الإمام نفسه "وإذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة مخالفة راويه لغيره من الثقات فمخالفة القطعي من القرآن المتواتر أولى بسلب وصف الصحة عنه".(3)

وما قاله هنا هو الذي يقتضيه كلام علماء المصطلح في الاستدلال على وضع الحديث ، بل هو الذي يستفاد من صنيع الصحابة رضوان الله عليهم في قبول الروايات أو رفضها كما تقدم ، ومع مبالغة أهل الحديث في التعويل على أخبار الآحاد في أمور الدين وإنكارهم على من لم يأخذ بها ، نجد البخاري يقيد ذلك بالفروع حيث يقول : "باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام".(4)



الفصل الثالث

في أدلة النافين

وهي قسمان ، عقلية ونقلية


أما العقلية : فتتلخص في أن الله سبحانه كان قبل خلق الوجود كله ، ولم تتحول ذاته ، أو تتبدل صفاته بعد الخلق عما كانت عليه قبله ، فلا تتصل ذاته سبحانه بشيء من مخلوقاته كما أنها لا تنفصل عنها ، لأن كل ذلك من صفات الحوادث ، ومن ثم كان إدراك كنهها مستحيلا عقلاً ونقلاً ، وإنما غاية المعرفة بها الشعور بالعجز عن إدراك كنهها ، كما قيل "العجز عن الإدراك هو الإدراك".

والرؤية البصرية المعهودة هي انطباع صورة المرئي في حدقة الرائي بقوة الذبذبات الضوئية الملتقطة للصور ، ولها شروط :

- أولها : سلامة الحاسة.
- ثانيها : أن يكـون المرئي جائز الرؤية فيخرج بذلك ما كان ممتنعها كالروح والعقل والروائح والأصوات.
- ثالثها : مقابلته للباصرة في جهة من الجهات أو انعكاس صورته في شيء مقابل للرائي ، وتدخل في ذلك الصور المرئية في المرايا أو الشاشات.
- رابعها : أن لا يكون دقيقا جدا كالميكروبات التي تعجز الأبصار عن التقاط صورها وإدراك حقيقتها ، وذلك يختلف باختلاف حالة البصر قوةً وضعفاً.
- خامسها : أن لا يكون في منتهى اللطافة كالنسيم.
- سادسها : أن لا يكون قريبا جداً فان الالتصاق بالأبصار يحجبها عن الرؤية ، ولذلك تحجب الأجفان الأحداق عن رؤيتها.
- سابعها : عدم غاية البعد ، فإن البعيد جدا يضعف البصر عن رؤيته ، ولذلك تخفى عن أبصارنا الأجرام السماوية الضخمة لإيغالها في البعد . وتختلف الحالة في هذا الشرط باختلاف الأبصار قوة وضعفا واختلاف المبصرات صغرا وكبرا.
- ثامنها : عدم الحجاب الحائل وهو الجسم الكثيف أو ما في حكمه كالضباب المتراكم.
- تاسعها : أن يكون مضيئا بنفسه أو واقعا عليه ضوء غيره. (1) وقد اعترض على هذا الاستدلال بأن هذه الشروط إنما هي في رؤية الشاهد ، ولا يجوز أن تحمل عليها رؤية الغائب.

وأجيب بأن الرؤية المعهودة عند الناس هي هذه ، ولا فرق في ذلك بين الشاهد والغائب ، على أن مثبتي الرؤية أنفسهم قاسوا الغائب على الشاهد في باب الصفات ، فما بالهم يفرُّون هنا مما لجأوا إليه هنالك.

ولا يرد على هذا أن الله يرى مخلوقاته من غير أن تكون رؤيته مقيدة بشيء مما ذكر ، لأنه سبحانه مخالف لمخلوقاته في كل شيء فهو يرى لا كما يرون . كما أنه يسمع لا كما يسمعون ، ويعلم لا كما يعلمون ، ويقدر لا كما يقدرون ، ويفعل لا كما يفعلون ، والمخلوقون وإن اختلفت أحوالهم لا يتجاوزون حدود المخلوقية ، ولا يتصفون بشيء من صفات الخالق دنيا ولا أخرى.

وأما النقلية : فبعضها من الكتاب ، وبعضها من السنة.
أما من الكتاب فهي كما يلي :

(1). قوله تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) "الأنعام 103" ، ووجه الاستدلال بالآية أنه تعالى مدح نفسه فيها بأن الأبصار لا تدركه ، وإدراكها الرؤية ، فتبين منها أن عدم رؤيته بالأبصار صفة ذاتية لازمة له تعالى ، فإنه لو رؤى للزم زوال مدحه وإذا زال انقلب إلى ضده ، وهو الذم تعالى الله عنـه ، ومن ناحية أخرى فإنه إخبار من الله سبحانه بوصف من أوصافه ، وأخبار الله لا تتبدل ، لأنها لو تبدلت كان التبدل تكذيبا لها (ومن أصدق من الله قيلا).

واعترض على هذا الاستدلال من خمسة أوجه :
- أولها : أن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية ، وبينهما فرق ، فإن الإدراك هو الإحاطة بالمدرك من جميع جوانبه وهو مستحيل عليه تعالى ، والرؤية لا تستلزمه فهي أعم منه ، ونفي الأخص ليس نفيا للأعم كما أن قوله تعالى : (ولا يحيطون به علما) "طه 110" لا ينفى مطلق العلم ، فإن للعباد معرفة به تعالى يخشونه بها ويرجونه ، ويطيعونه ويعبدونه ، وإنما هو ناف للإحاطة بكنه ذاته سبحانه ، وهذا أشهر ما عولوا عليه في دفع هذه الحجة ، ولذلك سرعان ما تجدهم يهرعون إليه للتخلص منها.

- ثانيها : أن الآية ليس فيها أكثر من نفي كون جميع الأبصار تراه (وهو الذي يُعبر عنه بسلب العموم) وليست نافية أن يكون كل فرد من أفراد جنس الأبصار رائيا له (وهو ما يُعبر عنه بعموم السلب) والكل متفقون على أنه تعالى لا تراه جميع الأبصار وإنما يراه بعضها ، وأقل ما يقال بأن الآية محتملة لهذا المعنى ، والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال ، وقد بالغ بعض غلاتهم المتعصبين فقلب مدلول الآية رأسا على عقب ، زاعما أنها أدل على ثبوت الرؤية منها على نفيها ، بانيا قولـه هذا على أن جملة (لا تدركه الأبصار) نافية غير مقيدة بعموم أو خصوص ، فتحمل على عدم إدراك بعض الأبصار دون جميعها ، وتخصيص البعض بالنفي دال بمفهومه على إثبات المنفي للبعض الآخر.

- ثالثها : أنهـا وإن عمَّت في الأشخاص فإنها لا تعم في الأزمان ، لأن نفيها مطلق وليس مقيدا بدوام.

- رابعها : أن الآية تدل على عدم رؤية الأبصار له، لكنها لا تدل على عدم رؤية المبصرين إياه ، لجواز أن تكون نافية للرؤية بالجارحة مواجهة وانطباعاً كما هو العادة ، فلا يلزم منه نفي مطلق الرؤية ، وخلاصة ذلك أن ما في الآية من امتداح إنما هو بنفي المبْصَرِية لا بنفي الرؤية. (1)

- خامسها : أن عمومها مخصص بأدلة إثبات الرؤية. (2)

وهذه الاعتراضات كلها مردودة :
أما الأول فهو مخالف لما دل عليه الاستعمال العربي لكلمة الإدراك ومشتقاتها ، فإنه لا يفهم منه أنه بمعنى الإحاطة ، فأقوال أساطين العربية المهرة وشواهدها الصريحة الثابتة دالة على أن الإدراك ليس بمعنى الإحاطة بل لكل منهما معنى مستقل عن الآخر. قال ماتن القاموس وشارحه (الدركُ محركة اللحاق) وقد (أدركه) إذا لحقه ، وهو اسم مـن الإدراك ، وفي الصحاح : الإدراك اللحوق ، يقال : مشيت حتى أدركته ، وعشت حتى أدركت زمانه. (1)

ونص كلام الجوهري في الصحاح "الإدراك اللحوق ، يقال : مشيت حتى أدركته ، وعشت حتى أدركت زمانه ، وأدركته ببصري ، رأيته".(2) وفي اللسان "الدّرك اللحاق - إلى أن قال - وتدارك القوم تلاحقوا ، وفي التنزيل (حتى إذا ادَّاركوا فيها). (3)

هذه نصوص أساطين اللغة الذين نقلوها إلينا بأمانة ، وليس فيها ما يدل على تفسير الإدراك بالإحاطة ، ولا يمكن حمل اللحوق أو اللحاق عليها ، لأن قول القائل : لحقت الجدار بيدي لا يدل إلا على مماسته له ، وهو قول فصيح مقبول وضعاً وعرفـاً ، مع تعذر إحاطة اليد بالجدار ، ومثل ذلك قولك ، أنزلت الحبل في البئر حتى لحق الماء ، وأمثلة ذلك لا تُحْصى ، ولم أجد مرجعا لغويا فسَّر الإدراك بالإحاطـة ، وناهيك دليلا على خطأ هذا التفسير عدم تقبل العرف والذوق لقول القائل في الحائط المحيط بالزرع إنه مدرك له ، ومثله قول القائل بأن البيت مدرك لمن كان وما كان داخله ، مع العلم بأنه لا يماري أحد في إحاطته بما اشتمل عليه.

وإذا كان معنى (لا تدركه الأبصار) لا تلحقه فإن مؤداه قطعا أن القوى البصرية لا تصل إليه حتى يكون مرئيا لها ، فإن البصر يطلق على الحاسة كما يطلق علـى آلة الإبصار وهي العين ، وتمثيل صاحب الصحاح بقوله : "عشت حتى أدركت زمانه" شاهد على صحة ما قلته من التباين بين لفظتي الإدراك والإحاطة ، فإنه مما يدركه كل أحد أن قائل ذلك لم يرد أنه عاش حتى أحاط بزمان من أضيف إلى ضميره الزمان من أوله إلى آخره ، إذ لو كان ذلك هو المراد لما جاز لأحد أن يقول في أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أدرك زمانه عليه الصلاة والسلام إلا إذا كان ذلك الصحابي قد أحاط بزمنه صلى الله عليه وسلم منذ الولادة إلى الوفاة.

ومن الشواهد الدالة على خطأ تفسير الإدراك بالإحاطة أنه لا يختلف في صحة قول القائل - فيمن وقع عليه سهم - أدركه السهم ، ولو قال أحد أحاط به السهم لما عد قوله عاقل إلا هذيانا.

وأصرح من هذه النصوص ما تقدم نقله عن شارح القاموس بأنه فسر الرؤية بإدراك المرئي ، وفي اللسان أيضا "والإدراك اللحوق ، يقال مشيت حتى أدركته ، وعشت حتى أدركت زمانه ، وأدركته ببصري رأيته ".(1)

وتصاريف لفظة الإدراك دالة على هذا ، فقوله تعالى : (حتى إذا اداركوا فيها) لا يقصد به أن كل فريق منهم أحاط بغيره وإنما هو أن كل فريق لحق سابقه.

واستشهاد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على نفى الرؤية بهذه الآية الكريمة من أوضح الأدلة وأبينها ، وأقوى الشواهد وأقطعها بأن الإدراك إذا أسند إلى الأبصار لا يكون إلا بمعنى الرؤية ، فإنهم رضي الله تعالى عنهم عرب أقحاح طبعوا على فصيح الكلام العربي بتربيتهم العربية الأصيلة ، وزادهم القرآن الكريم الذي كان ينزل بين ظهرانيهم علماً بمعانيها ، وخبرة باستعمالها ، فأنَّى لهم أن يجهلوا الفرق بين رؤية البصر وإدراكه لو كان بينهما فرق ؟

ومما روي عنهم في ذلك ما أخرجه الإمام الربيع في مسنده ، والشيخان في صحيحيهما عن مسروق قال : "كنت متكئا عند عائشة فقالت : يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية ، من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ، قال : وكنت متكئا فجلست وقلت : يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ، ألم يقل الله عز وجل : (ولقد رآه بالأفق المبين) ، (ولقد رآه نزلة أخرى) فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنما هو جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطاَ من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض . فقالت : أو لم تسمع أن الله يقول : (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) .. الخ.

وقد أخرج الإمام الربيع رحمه الله عن علي وابن عباس رضي الله عنهما أنهما استدلا على نفي رؤية الله تعالى بهذه الآية الكريمة . (2) وقد حاول الفخر الرازي دفع كون استدلال عائشة رضي الله تعالى عنها بالآية على نفي الرؤية ، شاهدا على أن الإدراك لا يتقيد بالإحاطة حيث قال : "معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة ، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد ".(3)

وهي محاولة فاشلة مردودة من ثلاثة أوجه :
- أولها : أن العرب الأقحاح - عندما كانوا لا يعتمدون إلا على سليقتهم العربية في نطقهم وفهمهم لمقاصد الكلام - هم أقوى حجة ممن جاء بعدهم من علماء العربية الذين دونوا مفرداتها ، وشرحوا معانيها ، فإن هؤلاء كانوا يستندون إلى أولئك في فهم مقاصدها ، ولم يكن أولئك يرجعون إلى هؤلاء في ذلك .

- ثانيها : أن ما نقله أئمة العربية عن العرب من معاني الإدراك متفق كل الاتفاق مع ما ذهبت إليه عائشة رضي الله تعالى عنها في هذا الاستدلال .

- ثالثهما : أن الاستشهاد باستدلالها هذا ليس هو من التقليد في شيء ، وإنما من باب الأخذ بوسائل الفهم للمعاني اللغوية .

واعتمد ابن جرير الطبري في التفريق بين الرؤية والإدراك على قوله تعالى : (فلما ترآى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون . قال كلا إن معي ربي سيهدين) "الشعراء 61/62" ، حيث نفى موسى ما توقعوه من إدراك عدوهم مع أن الترائي حصل بين الجانبين ، وتابعه ابن حزم (1)،(ونقل ذلك الحافظ بن حجر عن القرطبي صاحب المفهم ، وتعقبه الحافظ بقوله : "وهو استدلال عجيب لأن متعلق الإدراك في آية الأنعام البصر ، فلما نفي كان ظاهره نفى الرؤية بخلاف الإدراك الذي في قصة موسى ، ولولا وجود الأخبار بثبوت الرؤية ما ساغ العدول عن هذا الظاهر . (2)

وأضيف إلى ما قاله الحافظ بأن الإدراك يتفاوت معناه بحسب تفاوت أنواع المدركات - بالكسر - فإدراك العين رؤيتها للشيء ، وإدراك الأذن سماعها للصوت ، وإدراك اليد مسيسها للجسم ، وإدراك السيف وقعه على المضروب ، وإدراك السهم إصابته للمرمى ، وإدراك الرمح إصابته للمطعون ، وإدراك العدو لعدوه تمكنه منه وقدرته على إنزال السوء به ، فأصحاب موسى عليه السلام ما كانوا يتوقون مجرد رؤية عدوهم لهم ، وإنما كانوا يحذرون من تمكنه منهم .

وكلام ابن حجر يفيد أنه يرى رأينا في تفسير الآية ، غير أنه يستند في معارضته هذا المفهوم بالأخبار المثبتة للرؤية ، وقد علمت أخي القارئ ما في تلك الأخبار المشار إليها من عدم إفادتها ثبوت رؤيته تعالى ، كما سبق بيانه فثبتت والحمد لله قطعية حجتنا .

وإن من أحسن ما قرأته في تفسير هذه الآية الكريمة قول الإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المشهور بالجصاص في كتابه (أحكام القرآن) ونصه : "يقال إن الإدراك أصله اللحوق ، نحو قولك : أدرك زمان المنصور ، وأدرك أبا حنيفة ، وأدرك الطعام أي لحق حال النضج ، وأدرك الزرع والثمرة ، وأدرك الغلام إذا لحق حال الرجال"

"وإدراك البصر للشيء لحوقه له برؤيته إياه ، لأنه لا خلاف بين أهل اللغة أن قول القائل أدركت ببصري شخصا معناه رأيته ببصري ، ولا يجوز أن يكون الإدراك الإحاطة لأن البيت محيط بما فيه وليس مدركا له ، فقوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) معناه لا تراه الأبصار ، وهذا تمدح بنفي رؤية الأبصار ، كقوله : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) ، وما تمدَّح الله بنفيه عن نفسه إثبات ضده ذم ونقص ، فغير جائز إثبات نقيضه بحال ، كما لو بطل استحقاق الصفة بـ (لا تأخذه سنة ولا نوم) لم يبطل إلا إلى صفة نقص"

ولا يجوز أن يكون مخصوصا بقوله : (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) لأن النظر محتمل لمعان منه انتظار الثواب كما روي عن جماعة من السلف ، فلما كان ذلك محتملا للتأويل لم يجز الاعتراض عليه بما لا مساغ للتأويل فيه".

"والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم ، لو صحت ، وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ، ولا تعرض فيه الشكوك لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة".(1)

أما الإعتراض الثاني فهو مناقض لتمدحه تعالى في الآية بعدم إدراك الأبصار له ، فإنه إن حمل على سلب العمـوم - كما قالوا - لم يبق معنى للامتداح ، لأن المخلوقات المرئية كلها مشاركة لله تعالى في هذه الصفة ، إذ ما من مخلوق رأته أو تراه جميع الأبصار حتى الشمس - التي هي أكثر انكشافا لمن على ظهر الكوكب الأرضي جميعا ، فإن أصحاب العوالم الأخرى لا يرونها لبعدهم عنها ، كما أننا لا نرى ما هو أكبر وأنور منها من الأجرام النائية السابحة في المجرات السحيقة - فضلا عن البشر وأمثالهم ، فإن أي إنسان منا لا يمكن أن تراه جميع الأبصار المعاصرة له في هذه الأرض نفسها فضلا عمن مات قبله ، أو يأتي بعده ، أو كان في عوالم أخرى من المبصرين ، ومن ناحية أخرى فإن تجويز هذا التأويل في الآية يقتضي جوازه في أمثالها ، نحو (إن الله لا يحب المعتدين) "البقرة 190 ، المائدة 87" ، (إنه لا يحب المسرفين ) "الأنعام 141 ، الأعراف 31" ، (والله لا يحب الظالمين) "آل عمران 57 ، 140" (إن الله لا يحب كل مختال فخور) "لقمان 18" ، إذ لا فارق بينها فإنها جميعا سيقت مساق المدح له تعالى وهو كاف في إسقاط الاحتمال الذي ذكروه.

وأما جعل الآية دليلا على جواز الرؤية لأنها نافية غير مقيدة بعموم أو خصوص ، فتحمل على عدم إدراك بعض الأبصار دون جميعها بناءً على أن تخصيص البعض بالنفي دال بمفهومه على إثبات المنفي للبعض الآخر ، فهو أضعف من أن يحتاج إلى إضعاف ، لأن كل من صحا عقله من سكرة الهوى ، وسلم ذوقه من فساد الفطرة يدرك بطلانه ، فإن النفي في قوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) لم يخص ببعض الأبصار دون بعض ، وإنما يعمها بلفظه الصريح الذي تؤيده القرائن ، وذلك أن التعريف في الأبصار قاض بعمومها ، سواء حملناه على الجنس أو الاستغراق ، فإن حملناه على الاستغراق فهو أظهر من أن يحتاج إلى بيان ، إذ لا معنى للاستغراق إلا شمول أفراد مدلول اللفظ ، وإن حملناه على الجنس فمن حيث أن أي فرد من أفراد جنس ما يوجد مدلول ذلك الجنس ضمنه إثباتا أو نفيا ، ولو كان هذا القول صحيحا لما حكم بالحنث على من يقسم بالله الأيمان المغلظة أنه لم يزر القبور مع أنه يتردد على زيارتها في كل أوقاته ، إذ لا يعقل أن يزور جميع القبور في الأرض ، كما أنه يترتب عليه أن يكون من أقسم بأنه لم يزن بالنساء - وقد زنى بألوف النساء - صادقا في قوله غير حانث في يمينه ، لتعذر أن يزني زان بجميع نساء الأرض ، وكذلك يلزم عدم حنث من حلف بأنه لم يسرق التمر وقد سرق من التمور ما لا يدخل تحت إحصائه ولا إحصاء غيره ، بل يلزم على هذه الدعوى أن يكون قول القائل لم أزر القبور منبِّئا أنه قد زار بعضها وكذا في أمثاله.

فإن قيل لعل تعريف الأبصار عند هذا القائل عهدي ليس للجنس ولا للاستغراق ، فجوابه أن حمله على العهد مناف لما تدل عليه الآية من التمدح الذي يقتضيه سياق ما قبلها وما بعدها ، والعهد لا بد له من معهود ولا معهود ، ولو فرضنا أن ثم معهودا فهل يمكن أن يكون نفي شيء عن معهود قاضيا بإثباته لغيره ؟ وهل هذا إلا من باب الاحتجاج بمفهوم اللقب ، الذي لا يعول عليه في الظنيات فكيف بالقطعيات ؟

وأما الإعتراض الثالث وهو أن النفي المطلق لا يدل على الدوام - فهو مرفوض لغة وعرفا وشرعا ، فإن كل أحد يدرك أن قول القائل : لا أشرب اللبن دال على نفي الشرب في أي وقت من الأوقات ، ولولا ذلك لما حنث من حلف أنه لا يزني ولا يسرق ولا يشرب الخمر ولا يقتل النفس المحرمة بغير حق ، إذا أتى أي شيء من ذلك في مستقبل الزمان ، بناء على أن النفي المطلق غير شامل للأزمنة.

ومما لا خلاف فيه أن للنهي حكم النفي ولئن ساغ هذا القول لم يبق أمر محجور فيسوغ للناس أن يأكلوا الربا الذي حرمه الله في كتابه ، وأن يقتلوا النفس المحرمة بغير حق ، وأن يرتكبوا كل فساد في الأرض ، ويأتوا كل منهي في الإسلام ، متذرعين إلى ذلك كله بدعوى أن النهى غير شامل لعموم الأزمنة.

وما تقد تقريره من أن هذه الآية - كسائر الآيات التي انتظمت في سلكها ، سيقت مساق مدحه تعالى مبطل لهذه الدعوى ، إذ لو حمل النفي فيها على الدار الدنيا دون الآخرة لجاز مثله في نظائرها نحو قوله تعالى : (لا تأخذه سنة ولا نوم) "البقرة 255" ، وقوله : (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) "الجن 3" ، وقوله : (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) "الإخلاص 3/5" ، وقوله : (ولا يظلم ربك أحدا) "الكهف 49" ، ولجاز عليه تعالى في الآخرة ، ما كان ممتعا عليه في الدنيا من السنة والنوم ، والصاحبة والولد ، والكفء والند ، والجور والظلم ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

على أن الواجب على كل مسلم أن يعتقد أن الدنيا والآخرة لا تأثير لهما في ذات الحق تعالى ، فإنه سبحانه يستحيل عليه مرور الزمان ، كما يستحيل عليه اكتناف المكان ، فهو تعالى خالق الزمان والمكان ، لا تتغير ذاته ، ولا تتبدل صفاته أزلا وأبدا ، وإنما تحول الأحوال بين الدنيا والآخرة لا يتجاوز المخلوقين.

هذا وذكر الإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني رضي الله عنه في معالمه بأن القول بأن الدال على عموم الأفراد في الإطلاق لا يدل على عموم الأزمان هو قول لبعض أئمة الأصول كالآمدي والقرافي ، والأصفهاني ، وهو بمعزل عن التحقيق ، والتحقيق في ذلك ما عليه المحققون منهم كالفخر وابن دقيق العيد ، والسبكي وابنه ، وكثير من المتأخرين ، وهو لازم لمدلول الدال على استغراق الأفراد. (1)

وأما الإعتراض الرابع وهو أن الآية نفت إدراك الأبصار ولم تنف إدراك المبصرين - فيدحضه أن البصر في الأًصل هو الطاقة التي تتوصل بها العين إلى الإبصار ، وإطلاقه على العين تجوُّز ، كإطلاق السمع على الأذن ، فلو فرضنا أن أحدا أبصر برأسه أو بأذنيه أو بمنخريه أو بيديه أو برجليه ، أو بجميع وجهه أو بجميع جسمه لكانت الطاقة البصرية موجودة فيما أبصر به ، وإذا كان المنفي في الآية إدراك البصر فإن كل ذلك داخل في النفي.

وأما الإعتراض الخامس : - وهو أن الآية مخصصة بغيرها - فهو مردود بأمرين :
1 - أحدهما : عدم وجود المخصص ، وهو واضح فيما قررناه من إبطال تعلق معتقدي الرؤية بما يتشبثون به مما ظنوه حجة ودليلا.

2 - ثانيهما : أن سياق الآيـة مساق المدح له سبحانه بنفي إدراك الأبصار مانع من التخصيص.

فإن قيل إن انتفاء الرؤية عن الله تعالى لا يعد مدحا له سبحانه لمشاركة غيره له في ذلك ، كالرياح والأرواح والذرة والكهرباء.

فجوابه أن انتفاءها عنه سبحانه لجلاله وكبريائه ، وانتفاءها عن غيره مما لا يرى لإخفائه سبحانه عن الأبصار ، على أنه يترتب على هذا الاعتراض أن يكون قوله تعالى : (لا تأخذه سنة ولا نوم) وقوله : (لم يتخذ صاحبة ولا ولدا) لا يعد مدحا لوجود ما لا ينام ولا ينكح ولا يلد من مخلوقاته ، فالملائكة متصفون بذلك كله ، والشمس والقمر والأرض وسائر الأجرام الفلكية هي أيضا لا تنام .

وقسَّم المحقق الخليلي رضوان الله تعالى عليه الأشياء في هذا على أربعة أقسام فقال :
- أحدهما : ما يرى - بفتح الياء - ولا يُرى - بضمها - وهو نهاية الشرف وغاية الكمال لاتصافه بالقدرة على رؤية ما سواه وتعاليه عن إدراك غيره إياه ، وليس شيئا كذلك إلا سبحانه وتعالى ، فهو المنفرد بمطلق الكمال والمتوحد بصفة العز والجلال (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) "الشورى 11".

- وثانيهما : قسم يُرى ويَرى - بضم الياء وفتحها - وهو أشرف ما بعده من الأقسام وهو الحيوانات من الملائكة والجنة والناس والطير وسائر الدواب من الأنعام والبهائم والسباع وأكثر الحشرات.

- وثالثهما : يُرى ولا يَرى - بضم الياء الأولى وفتح الثانية - كالأجساد الكثيفة من الأرض والجبال ، والمعادن والنبات ، وما يشاركها في ذلك من الجواهر والأعراض.

- ورابعها : لا يُرى ولا يَرى مما يدرك بالحواس كالشم والذوق ، والصوت المدرك بالسمع أو مما لا يدرك بها كالإيمان والكفر ، والعقل والعلم ، والغضب والحلم ، وغيرها من الصفات والأخلاق التي كلف الشرع بها ، وأثاب وعاقب عليها. (1)

هذا وقد أتى كل من ابن تيمية والفخر الرازي بما يأباه العقل الصحيح ويرفضه الذوق السليم في تأويل قوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) حيث اتخذا من هذه الآية تكأة لما يدعيانه مما ينافي في مدلولها الصريح ، فقد عداها من حجج المثبتين للرؤية قلبا لمفهومها وعكساً لمدلولها .

أما ابن تيمية فقد قال : "هي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها ، فإن الله سبحانه إنما ذكرها في سياق التمدح ، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية ، وأما العدم المحض فليس بكمال ، ولا يمدح به ، وإنما يمدح الرب تبارك وتعالى بالعدم إذا تضمن أمرا وجوديا كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية ، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة ، ونفى اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة ، ونفى الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلاهيته وقهره ، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال الصمدية وغناه ، ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه ، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه ، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته ، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته ، ولهذا لم يمتدح بعدم محض لا يتضمن أمرا ثبوتيا ، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر يشترك وهو المعدوم فيه فلو كان المراد بقوله : (لا تدركه الأبصار) أنه لا يُرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال ، لمشاركة المعدوم له في ذلك ، فإن العدم الصرف لا يرى ولا تُدركه الأبصار ، والرب جـل جلاله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض ، فإذا المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به" . (2)

وهو كلام يُشْدُه منه كل من كان يتمتع بشيء من العقل الذي لم يتكدر بتأثير الهوى ، فإنه ظاهر البطلان ، بيّن التناقض ، وناهيك أنه أثبت في صدره أن الآية ذكرت في سياق التمدح ، ثم أتبع ذلك أن الله لا يمتدح بعدم محض ، وانتهى به التطواف إلى القول بأن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار ، ثم أتى بنتيجة ذلك كله وهي أن الله يُرى ولا يدرك ، وعليه فيلزمه من ذلك أن لا يكون نفي إدراك الأبصار لذاته تعالى مدحا له ، وأن تكون ذات الله العلية ممكنة الإحاطة بها بناءً على ما فسر به الإدراك - لأن العدم الصرف لا يدرك أيضا كما نص عليه بنفسه .

وبالجملة فإن أعجب ما جاء به ابن تيمية في كلامه هذا ، عرضه النصوص القطعية على قاعدة مصطنعة من الخيال والوهم ، ليس لها أسس من العقل ، ولا دعائـم من النقل ، مع أن الواجب علينا - معاشر العباد - أن نثبت لله ما أثبته لنفسه ، وأن ننفي عنه ما نفاه بنفسه ، فإنه سبحانه أعلم بذاته وصفاته ، وليس لنا أن نعترض عليه في نفيه أو إثباته .

وإن من أعجب العجاب أن يشتد إنكار الحنابلة - ومن بينهم ابن تيمية وابن القيم - على المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم فيما هو أولى بالصواب ، وأجدر بالحق ، وأدنى إلى الحقيقية من أسس علم الكلام الجامع بين براهين بالعقل ونصوص النقل ، بينما تجدهم يطلقون لخيالهم العنان في استنتاج أمثال هذه الأوهام ، لا لغرض غير التهرب من قهر النصوص وقبضة البراهين.

ولو سلمنا جدلا لهذا المنطق المتداعي لقلنا إن في نفي الرؤية عن الله سبحانه إثباتا لصفة كمال له عز وجل وهي الكبرياء ، ففي الحديث الصحيح نص صريح بأن كبرياء الله سبحانه مانعة من رؤيته ، وذلك فيما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) فأي إشكال مع هذا في نفي الله سبحانه أن ترى الأبصار ذاته العلية.

ومع التسليم المفترض - وهو غير واقع - بأن بين الرؤية والإدراك فرقا في المعنى ، فإن ابن تيمية ملزم - حسب هذه القاعدة التي اصطنعها من خياله - بأن يكون مثبتا لله تعالى ما نفاه من إدراك الأبصار لذاته .

وإن من أخطر الخطر على الدين أن تعصف أعاصير الهوى بعقول العلماء المتبحرين حتى يتلاعبوا بالنصوص كما شاءوا ، فيجعلوا من النص حجة على خلاف معناه.

وأما الفخر الرازي فقد قال : "لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله : (لا تدركه الأبصار) ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته ، والعلوم ، والقدرة ، والإرادة ، والروائح ، والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها ، فثبت أن قوله : (لا تدركه الأبصار) يفيد المدح ، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية ، وهذا يدل على أن قوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) يفيد كونه تعالى جائز الرؤية ، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء ، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة ، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته.

وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، والدليل عليه أن القائل قائلان ، قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه ، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته ، فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب القطع بأن المؤمنين يرونه ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية ، وهذا استدلال لطيف من هذه الآية. (1)

وليس بعد هذا القول الذي قاله الفخر الرازي تعليق لأحد ، إلا السؤال عن عقيدته في وحدانية الله ونفي الولد والشريك عنه ، مادام يجعل من نفي الشيء دليلا على إثباته ، وبموجب هذا القول فإن للنصارى والمشركين أن ينتزعوا من قوله تعالى : (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك) "الإسراء 111" ، دليلا قاطعا بأن له سبحانه ولدا وشريكا وأن يضيفوا إلى ذلك إثبات الصاحبة له تعالى ، بل وإثبات كل ما نفاه عنه من السنة والنوم ، والغفلـة واللغوب ، والظلم والجور ، مادام النفي دليلا قاطعا على الإمكان وبالتالي على الإثبات .

وإن تعجب فعجب أن يكون الفخر الذي اتخذ من قوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) سُلَّماً إلى القطع بثبوت الرؤية قلباً للحقيقة وعكسا للحجة ، هو الذي يقول في تأصيلاته بأن دلائل الألفاظ على المعاني لا تتجاوز الظن كما هو صريح في قوله : "دلالة الألفاظ على معانيها ظنية لأنها موقوفة على نقل اللغات ونقل الإعرابات والتصريفات مع أن أول أحوال تلك الناقلين أنهم كانوا آحاداً ، ورواية الآحاد لا تفيد إلا الظن ، وأيضا فتلك الدلائل موقوفة على عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم النقل ، وعدم الإجمال ، وعدم التخصيص ، وعدم المعارض العقلي ، فإن بتقدير حصوله يجب صرف اللفظ إلى المجاز ، ولا شك أن اعتقاد هذه المقدمات ظن محض ، والموقوف على الظن أولى أن يكون ظنا". (2)

فانظر كيف يجعل الفخر دلالة الألفاظ على المعاني الموضوعة لها ظنية ، مع جعله دلالتها على ضد تلك المعاني قطعية.

والخلاصة من كل ما تقدم أن دلالة الآية الكريمة على انتفاء رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة دلالة قاطعة ، وكل ما تعلق به القائلون بخلاف ذلك لا يتجاوز أن يكون ضبابا من الوهم ، لا يلبث أن يتلاشى بإشراق مس الحقيقة ، ويؤيد نصيتها على ذلك تذييلها بقوله تعالى : (وهو اللطيف الخبير) فإن قوله : (اللطيف) كالتعليل لقوله : (لا تدركه الأبصار) وقوله : (الخبير) كالتعليل لقوله : (وهو يدرك الأبصار) والصفتان المذكورتان من صفات ذاته تعالى لا تتبدلان أزلاً وأبداً ؛ أما الخبير فكونه من صفات الذات ظاهر لأنه كالعليم ، وأما اللطيف فلأنه - كما يقول الإمـام ابن عاشور : "صفة مشبهة تدل على صفة من صفات ذات الله تعالى ، وهي صفة تنزيهه تعالى عن إحاطة العقول بماهيته ، أو إحاطة الحواس بذاته وصفاته فيكون اختيارها للتعبير عن هذا الوصف في جانب الله تعالى هو منتهى الصراحة والرشاقة في الكلمة ، لأنها أقرب مادة في اللغة العربية تقرب معنى وصف ذاته تعالى بحسب ما وضعت له اللغة من متعارف الناس" . (1)

(2). قوله تعالى لموسى عليه السلام : (لن تراني) "الأعراف 143" ، فإنه نفي مطلق غير مقيد بزمان ولا تبديل لكلمات الله ، فلو حصلت الرؤية في أي وقت من أزمان الدنيا أو الآخرة لكان ذلك منافيا لصدق هذا الخبر ، وتتأكد دلالة هذا النص على هذا المعنى باندكاك الجبل الذي علقت الرؤية على استقراره اندكاكاً هائلاً ليكون آيةً بينةً تستأصل أطماع المتطاولين على الله بطلب أو تمني ما يستحيل عليه ويتنافى مع كبريائه ، وقد وضح لكل ذي عينين صبح الحق بعدم استقرار الجبل فلا مطمع في حصولها لأنها إحدى المستحيلات.

وما ألطف وأدق وأروع قول موسى عليه السلام إثر إفاقته مما حصل له من الصعق بعـد هذا الحدث : (سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمين) "الأعراف 143" ، فقد بادر عليه السلام أولا إلى تنزيه الله سبحانه إعلانا بحق ربوبيته واعترافاً بالخطأ إعظاماً لحق الله ، وإن كان قلبه عليه السلام بريئاً من قصد ما دل عليه ظاهر قوله بادي الرأي لأنه لم يسأل ما سأل إلا لتبكيت قومه كما تقدم ، ثم أتبع ذلك التوبة النصوح مما وقع فيه تعرضا منه لمغفرته تعالى ، وختم كلامه بأنه عليه السلام أول المؤمنين بأن الله تعالى لا يُرى - وهو الذي أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما - وفي هذا من تقرير عقيدة الحق المنزهة لله عن درك الأبصار ما لا يخفى على ذي بصر ، فإنه عليه السلام ما قصد بقوله : (وأنا أول المؤمنين) إلا الاعتذار والتنصل مما يوحي به ظاهر قوله ، وإن كان الله عز وجل عالما بسريرته ، فإن مثل ذلك مثل الاستغفار باللسان ، والإخبار بالقول عن عقد العزم على عدم العودة إلى المعصية ، مع أن الله عليم بالسرائر لا يخفى عليه شيء مما اشتملت عليه حنايا الضمائر .

و " لن " تفيد تأكيد النفي أو تأييده ، أو هما معاً ، فتحصّل من جميع ذلك أن رؤيته تعالى مستحيلة ، لأن امتناعها لأمر يتعلق بذاته تعالى وهو كونها غير قابلة لأن ترى ، وإلى ذلك الإشارة بالتنزيه الذي صُدر به الاعتذار في قوله موسى عليه السلام ، ولو كان لأحد مطمع في حصول الرؤية لما آيس الله منها عبده موسى الذي اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه.

واعترض هذا الاستدلال بأن هذا النفي مقيد بالحياة الدنيوية ، لأن الإنسان فيها مفطور على الفناء ، فلذلك لم يكن أهلا لرؤية الباقي تعالى ، كما اعترض بأن الجواب لم يكن بصيغة تفيد أن الله لا يرى ، لأن الرؤية المنفية في صيغته أسندت إلى موسى عليه السلام فهي لا تفيد عموم النفي بخلاف ما لو كان الجواب لا أُرى.

قال الألوسي : "ومن المحققين من استند في دلالة الآية على إمكانها بغير ما تقدم أيضا ، وهو أنه تعالى أحال انتفاء الرؤية على عجز الرائي وضعفه عنها حيث قال له : (لن تراني) ولو كانت رؤيته تعالى غير جائزة لكان الجواب لست بمرئي ، ألا ترى لو قال : أرني أنظر إلى صورتك ومكانك ، لم يحسن في الجواب أن يقال : لن ترى صورتي ولا مكاني ، بل الحسن لست بذي صورة ولا مكان" . (1)

وعوَّل كثير من مثبتي الرؤية على إنكار تأبيد النفي بلن ، ومما أستقر في ذاكرتي من ذلك ما نقله السيوطي في شرحه لعقود الجمان عند قوله :



ثم للتأكيـد لـن

ونفي ما كان حصوله يظن

قيل وللتأبيد لكن تركـا

وخصه لا ابن خطيب زملكا

عن ابن الخطيب الزملكاني أنه فرق بين (لن) و (لا) النافيتين فقال بانقطاع النفي بأولاهما ودوام النفي بأخراهما أخذاً من أداء الحرفين في النطق لأن (لن) منقطعة في النطق و (لا) ممدودة ومثل لذلك بقوله تعالى في النفي بلن : (لن تراني) وبقوله سبحانه في النفي بلا : (لا تدركه الأبصار) بناءً على تفرقتهم بين الرؤية والإدراك كما تقدم ، وأخذ من ذلك أن نفي الرؤية منقطع لأنه ينتهي بانتهاء الدنيا بخلاف نفي الإدراك ، وأقوى ما عولوا عليه في نفي تأييد النفي بلن قوله تعالى في اليهود : (ولن يتمنوه أبدا) "البقرة 95" ، مع قوله سبحانه في أهل النار عموما : (ونادوا يا مالك ليقْض علينا ربك) "الزخرف 77" .

والجواب أن كون هذا النفي مقيداً بالحياة الدنيا دون الآخرة ، دعوى لم يقم عليها دليل ، فإن صفات الله لا تتبدل ، وكبرياءه لا تتحول ، وما سبق من الأدلة على أن رؤيته تعالى منافية لكبريائه كافٍ في دحض هذا الزعم.

وأما دعوى أن صيغة الجواب لا تفيد عموم النفي فهي مردودة بأن الجواب لم يكون إلا مطابقا للسؤال ، ومما تدركه العقول أن نفي حصول الرؤية لموسى عليه السلام قاض بنفي حصولها لغيره ، لأنها لو كانت ممكنة لكان أحق بها لما اختصه الله تعالى به من مزايا وآتاه من مواهب من بينها اصطفاؤه بالرسالة والتكليم ، فهو جواب واضح لا غبار عليه بخلاف لن ترى صورتي أو لن ترى مكاني فـي جواب أرني صورتك أو أرني مكانك ، لما يتضمنه من إثبات الصورة والمكان.

وأما التأبيد فهو يختلف بحسب اختلاف الأحوال وتفاوت مقامات الخطاب ، فبما أن اليهود شغفوا بالحياة الدنيا ، وأخلدوا إليها ، وكانوا مشفقين من الموت لما يعلمون وراءه من العذاب ، فضلا عن حرصهم على ما يقضونه من شهواتهم في هذه الحياة ، كان تأبيد عدم تمنيهم الموت محصورا في الحياة الدنيا ، وبما أن الله سبحانه وتعالى لا تجري على ذاته الأحوال ، ولا يجوز على صفاته التبدل والانتقال كان نفي الرؤية المنافية لكبريائه أزليا أبديا سواء نفي بلن أو بغيرها.

وأما تفرقه ابن الخطيب الزملكاني بين (لن) و (لا) النافيتين فهي لا تتعدى أن تكون تحكيما لذوقه ، واللغات لا تستفاد معانيها من الأذواق وإنما تحكم فيها النقول الثابتة عن ألسنة أصحابها التي هي منابع بيانها ، والشواهد الثابتة من ذلك تدل على خلاف ما قال ، وكفى بما جاء في القرآن الكريم من ترادف (لن) و (لا) على منفي واحد كقوله تعالى : (ولن يتمنوه) "البقره 95" ، مع قوله : (ولا يتمنونه) "الجمعة 7" ، وانتفاء إتيان المشركين بمثل سورة من القرآن وخلق آلهتهم للذباب بلن في قوله تعالى : (ولن تفعلوا) "البقرة 24" ، وقوله : (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا) "الحج 73" ، مع أنه معلوم قطعا أن هذا النفي أبدى.

(3) قوله تعالى : (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) "الشورى 51" ، وقد استدلت به عائشة رضي الله تعالى عنها على امتناع الرؤية كما سبق ، ووجه الاستدلال أن الله عز وجل نفى أن يكون لبشر تكليم من الله إلا بما ذكره من الطرق ، وقد أكد هذا النفي بإدخاله على كان لتأكيد تعذّر وقوع المنفي ، ولا يتقيّد هذا النفي بزمن دون زمن كما سبق بيانه في قوله : (لا تدركه الأبصار) لأن ذلك هو اللائق بجلال الله ولو كانت رؤيته تعالى جائزة لكان تكليمه جائزا بغير هذه الطرق.

(4) ما جاء في آيات الكتاب من الإنكار البالغ والتقريع الشديد للذين سألوا الرؤية من اليهود والمشركين ، مع تحذير المسلمين من أن يقعوا فيما وقعوا فيه ، ومن ذلك قوله تعالى بـ : (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة) "النساء 153" ، وقوله تعالى : (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا) "الفرقان 21" ، ثم أتبع ذلك بيان حالهم عندما يرون الملائكة : (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا) "الفرقان 22" ، وسكت عن رؤية الله تعالى لما في سؤالها من التعنت البالغ والكفر العظيم ، وقوله : (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل) "البقرة 108" ، ووجه الاستدلال بذلك ما في هذا الإنكار من الدلالة الواضحة على أن الذين سألوها تخطوا جميع الحواجز ، واقتحموا كل السدود حتى داسوا حمىً محجوراً وحاولوا أمراً مستحيلاً ، ولذلك عوقت بنو إسرائيل بالصاعقة على هذا السؤال ، مع أنهم لم يعاقبوا بمثلها على جميع ما كانوا يأتونه من الفظائع ، حتى عبادتهم للعجل . فإن قيل إن الإنكار ليس هو على السؤال ذاته وإنما هو على التعنت . فجوابه نعم أنكر عليهم التعنت في كل شيء ، ولكنه جعل سؤال الرؤية أكبر من ذلك كله ، كما في قوله : (فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) وكم تطاولت الأمم على أنبيائها متحدية لهم بطلب الآيات - كما هو ثابت بالتواتر - ولم تكن عقوبتهم على هذا الطلب كعقوبة بني إسرائيل على طلبهم الرؤية ، وحسبكم أن موسى سلام الله عليه صعق بمجرد سؤالها ، مع أنه لم يقصد به إلا صرفهم عن الباطل وإقناعهم بالحق ، وما كاد يفيق من صعقته حتى بادر إلى التنزيه والتوبة والاعتذار وإعلان عقيدة التنزيه التي كان منطويا عليها.

وبنو إسرائيل أنفسهم - مع تتابع عنتهم وإصرارهم على الشقاق والتحدي - لم يعاقبوا بمثل هذا العقاب الرهيب إلا على هذا السؤال ..

وأما من السنة فيما يلي :
(1) ما رواه الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) ، ووجه الاستدلال به صراحته في عدم رؤيتهم لله لحيلولة رداء الكبرياء بينهم وبين ذلك ، والكبرياء صفة ذاتية لله عز وجل لا يمكن أن يتخلى عنها كما لا يتخلى عن القدرة ، أو العلم ، أو الإرادة ، أو الحياة أو السمع ، أو البصر ، إذ لو تخلى عنها في أي لحظة لكان منقلبا عنها إلى ضدها وهو الصغار المنافي لربوبيته تعالى ، فمن ادَّعى مع هذا النفي رؤيته سبحانه لزمه سلب الكبرياء عن الذات العلية.

وإضافة الرداء إلى الكبرياء في الحديث من باب إضافة المشبه به إلى المشبه ، كذهب الأصيل ولجين الماء في قول الشاعر:



والريح تعبث بالغصون وقد جرى

ذهب الأصيل على لجين الماء

وفيها إشارة إلى تشبيه الكبرياء بالرداء بأسلوب التشبيه البليغ حسبما جاء في الحديث القدسي وهو قوله سبحانه "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" ، وما معناه إلا أنه تعالى مختص بهما كاختصاص أحدنا بردائه وإزاره ، فليس لأحد أن يتطاول فينازعه فيهما ، وقد صرح بذلك آخر الحديث وهو قوله : (فمن نازعني فيهما أدخلته النار ولا أبالي).

فإن قيل ما بالكم حملتم النظر في مقام النفي على الرؤية مع حملكم إياه في مقام الإثبات على الانتظار كما قلتم في آية القيامة وحديث صهيب ؟ . فالجواب أن حمله على الانتظار هناك لأن هذا المعنى هو الذي يتفق مع القرائن العقلية ، ويتساوق مع السياق في الآية والحديث ، ونحن لا نمنع أن يفسر النظر بالرؤية عندما تكون مرادة به ، فإنه من باب اللفظ المشترك الذي يصلح لأكثر من معنى ، وإنما القرائن هي التي تعين المراد ، والمقام هنا يقتضي تفسير النظر بالرؤية ، فإن الحديث يفيد أن الأولياء وصلوا في دار كرامة الله من تكريمه إياهم وتقريبه لهم ، ورفعه لدرجاتهم إلى حيث لم يبق شيء مما ألف من أنواع التكريم إلا وقد نالوه ، ماعدا الرؤية فإنهم لم يمنعوا منها حرمانا ، ولكن لكونها منافية لصفة الكبرياء الخاصة بجلال الله ، وبهذا يمكن الجمع بين نصوص النفي والإثبات ، والوجه هنا بمعنى الذات عند المحققين حتى من مثبتي الرؤية.

وقد أشكل الحديث على معتقدي الرؤية فتكلفوا من أجل الدفاع عن معتقدهم تأويله بما تأباه سلامة الفطرة وينكره الذوق غير المؤف ، كقول الحافظ ابن حجر في توجيه جواب الكرماني عن هذا الإشكال "إن في الكلام حذفا تقديره بعد قوله إلا رداء الكبرياء .. فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه".(1)

ولعمر الحق إن اتباع مثل هذه التأويلات البعيدة يفضي إلى عدم الاستقرار على معنى نص من النصوص لاحتمال تقدير ما يحور نفيه إلى الإثبات وإثباته إلى النفي.

وقد أجاد السيد العلامة صاحب المنار ، حيث قال بعد أن نقل هذا التأويل : "وفيه من التكلف ما لا ينبغي لحفاظ السنة الاعتداد به ، وهم ينكرون على الجهمية والمعتزلة مثله ، وما هو أمثل منه من تأويلاتهم". (2)

وحمل الحافظ الرداء في هذا الحديث على الحجاب المذكور في حديث صهيب المتقدم ، وبعد أخذ ورد قال : "ومقتضى حديث الباب أن مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالاً للنعمة ، فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء ، فكأنه رفع عنهم حجابا كان يمنعهم".(3) وقد نقل كلامه هذا صاحب المنار ، ولم يتعقبه بشيء ، مع أنه لا يقل تكلفاً عما قبله ، فإن الحديث لا يفيد أن امتناع الرؤية عن الله لشيء في نفوس عباده كالهيبة التي تخشع لها أبصارهم وتوجل منها قلوبهم ، وإنما يفيد أن امتناعها لأمر خاص بالذات الإلهية ، وهو اتصافه تعالى بالكبرياء وصفات الله تعالى لا تتناقض ، ولا تناقضها أفعاله ، فقول الحافظ : ( فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء ) قول تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، فحاشى لله سبحانه أن يفعل ما لا تقتضيه صفاته الذاتية ، كيف وهي أجل المحامد المقتضية لأعظم المدائح ، وقد مر بكم من القول في حديث صهيب ما يُغني عن إعادته هنا .

( 2 ) ما أخرجه مسلم عن أبي موسى الأشعري قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال :
أ ـ إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام .
ب ـ يخفض القسط ويرفعه .
ج ـ يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل .
د ـ حجابه النور - وفي رواية النار -
هـ ـ لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه .

ووجه الاستدلال به على امتناع الرؤية ما يقتضيه من تعذر أن ينتهي إليه سبحانه بصر أحد من العباد ، والحديث ما أراد به صلوات الله وسلامه عليه إلا تمثيل تعذر وصول عقول البشر إلى كنه الحقيقة الذاتية المقدسة ، أو امتداد أبصارهم إليها ، فإن الرؤية وسيلة من وسائل الاكتناه عادة ، وقد فات هذا المعنى صاحب المنار - مع غزارة علمه وثاقب فهمه - ففسَّر الحديث تفسيراً ماديا لا يليق بتنزيه الحق تعالى . وخلاصة قوله : أنه بما ثبت أخيراً من أن الكهرباء التي رأى البشر كثيراً من عجائبها هي الأصل في تكوين مادة الكون كله وأطوارها ، وهي نور أو مصدر النور ، والحركة التي يحدثها النور أو تحدثه ، وإذا كان الخالق البارئ المنزه عن نقص المخلوقات التي لا يكمل شيء منها إلا به قد حجب عنها بالنور فلك أن تفهم أن الكهرباء وما جعلها الله أصلا له من تكوين العالم المادي هي الحجاب المانع من رؤية الرب تعالى فيه ، وأن انكشاف هذا الحجاب لا يكون إلا في الجنة ، وأن انكشافه هو الذي يوصل أهلها إلى أعلى وأكمل درجات المعرفة به تعالى ، وهي الرؤية بغير كيف ولا إدراك. (1)

وهذا التفسير وإن قال صاحبه إنه المتفق مع طريقة السلف ودلائل العلم الحديث فإنه مدفوع بأمرين:

-أولهما : أنه يقتضي أن الذات العلية مكتنفة بمخلوقاته تعالى،فإن الكهرباء من جنس مخلوقاته الخفية وهي موجودة في هذا العالم الأرضي مع أن طائفة من مثبتي الرؤية - ومن بينهم صاحب المنار حسب المعتقد الذي صار إليه يحصرون ذات الحق تعالى في الجهة العلوية ويثبتون ، استقراره على العرش.

-ثانيهما : أن كون الكهرباء منشأ للكون ليس حقيقة ثابتة،وإنما هي نظرية، والنظريات لا تبنى إلا على التخمين والحدس،فلا يجوز أن تفسر بها النصوص الثابتة، وكفى بما في ذلك من خطورة تعريض النصوص للتحول مع تحول هذه النظريات وتناسخها.

والقول الفصل أن الحديث الشريف ما هو إلا كناية عن عدم إمكان وصول المخلوق إلى حقيقة ذات الخالق بحاسة ولا فكر ، وأمثال هذه الكنايات معروفة في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل وفي كلام الله تعالى ، ففي الحديث القدسي (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها) فلو تقيدنا بقيود الظواهر وانحبسنا في مضيق الألفاظ من غير أن نسرح أبصارنا وأفكارنا في رحاب المقاصد وأبعاد الغايات ، لزمنا أن نثبت أن الله سبحانه هو نفس سمع العابد المتنفل المحبوب إلى الله ، ونفس بصره ويده ورجله ، وهذا ما تأباه عقيدة كل من يؤمن بالله ، وإذا أدركت ذلك علمت أن النور أو النار في حديث أبي موسى ليسا حسيين ، وإنما هما كناية عما يتجلى للعارفين به تعالى من صفات جلاله وعظمته التي تجعلهم مبهورين بجمال الجلال ، وتجلي الكمال ، وما يعترض السالكين إليه من مخاطر الانحراف والضلال والعياذ بالله ، ولو جاز مثل هذا التفسير الذي انتهجه صاحب المنار لساغ للقائلين بوحدة الوجود أن يفسروا قوله تعالى : (الله نور السماوات والأرض) "النور 35" ، بأن المراد به أن ذاته تعالى هي ما يترآى لنا من أنوار في العالم العلوي أو السفلي كالشمس والقمر وسائر الأجرام الفلكية ، فيجعلوا من الآية سندا لضلالهم وحجة لكفرهم ، تعالى الله عما يقول الأفاكون علوا كبيرا.

(3) ما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال عندما سئل عن رؤيته لربه : (نور أنَّى أراه) . ووجه الاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وسلم استبعد فيه حصول الرؤية بقوله : (أنَّى أراه) فإن أنَّى بمعنى كيف ، وهو شاهد على استحالة رؤيته تعالى.








خاتمة
في نتيجة البحث


بعد هذا العرض لموضوع رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة ، واستعراض أدلة النافين والمثبتين ، وما يتوجه إليها من اعتراض ، وما يعقبه من جواب ، لا أظنك أيها القارئ الكريم تشك في أن نفاتها لم يأخذوا إلا بالأقوى والأسلم والأحزم،فإن ذلك واضح بوضوح حججهم ، وسلامة قولهم من التأثر بالذين سألوا الرؤية من اليهود والمشركين ، وناهيك أن ذلك أسعد بمقتضى القاعدة الأصيلة في صفات الله تعالى ، وهي عدم مشابهته لمخلوقاته ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) وإن كنت لم تقتنع بما ذكرته ، فلا أقل من تقتنع بأن أصحاب هذا القول متمسكون بأصل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلا وجه لتكفيرهم أو تضليلهم وقطع الحبال الواصلة بينهم وبين الأمة الإسلامية ، وقبل أن أغادر هذا الموضوع أود أن أضع بين يديك أمرين اثنين لعلهما يحظيان بتفكيرك وتأملك
ـ أولهما :
أنك تجد في كتاب الله ما وعد به المؤمنين في الدار الآخرة من النعيم مذكوراً بأصرح العبارات ، ومكرراً في مواضع شتى لأجل التشويق إليه ، بينما لا تجد للرؤية ذكراً إلا ما يتأوله مثبتوها من لفظ الزيادة وأمثالها ، وهو لم يذكر إلا مجملاً ، فهل ترى من المعقول - أن لو كانت الرؤية ثابتة وهي أجلّ من كلِّ نعيم الجنة - أن يكتفى بمثل هذه الإشارة الطفيفة إليها بينما تذكر المآكل والمشارب ، والمساكن والمناكح ، والحدائق والأنهار ، وسائر المباهج والملذات الفينة بعد الفينة بعبارات واضحة لا تحتمل التأويل ؟
- ثانيهما :
ما ذكره الله في كتابه من قصة عبده وخليله إبراهيم عليه السلام ، وهو يقيم الحجة على قومه الذين كانوا يعبدون الأجرام السماوية ، بما ينتزعه من الأدلة على بطلان ألوهيتها من واقع حالها ، إذ كانت تتحول من حال إلى حال تظهر تارة وتختفي أخرى ، ومن المعلوم أنها لم تكن باختفائها تنعدم أصلاً وإنما يواريها الأفق عن الأبصار ، أليس في هذا شاهد بأن من يظهر للأبصار ثم يختفي عنها لا يمكن أن يكون حقيقاً بالربوبية والألوهية لأن الحقيق بهما لا تجري عليه الأحوال ، فلا ينتقل من حال إلى حال ؟ فكيف لنا أن نثبت بعد ذلك لله هذه الصفة التي أنكرها إبراهيم عليه السلام في النيرات المؤلهة محتجاً بها على قومه ، فنزعم أنه ينكشف لأهل الجنة فيرونه ، ثم يحتجب عنهم إلى أن يحين ميقات رؤيته مرة أخرى ؟

لا أظنك أخي القارئ إذا تأملت هذين الأمرين ، مع ما سبق تحريره في هذا البحث ، تشك في استحالة رؤيته تعالى وسلامة معتقد منكريها ، ولا أريد أن أطيل عليك فوق هذا ، فإن اللبيب يستجلي الحقائق من ومضاتها ( ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها ) ..









المبحث الثاني
في خلق القـــــرآن
ويشتمل على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة

أعلىالصفحة

المقدمة

في التعريف بالخلق وبالقرآن
والتفرقة بين القرآن وسائر الكتب المنزلة وبين الكلام النفسي

الخلق هو الإبداع على غير سبق مثال ، وفي اصطلاح أصحاب الديانات هو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود ، وبهذا المفهوم هو فعل من أفعال الله تعالى الخاصة به التي لا يجوز أن تصدر عن غيره ، وما ورد في القرآن الكريم من نحو ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ) المائدة : 110 ، فهو حكاية لقصة طرأت قبل تخصيص العرف الشرعي معنى الخالقية بالله عز وجل .

والقرآن هو الكلام المنزل بحروفه وكلماته على النبي محمد صلى الله عليه وسلم المعجز بتراكيبه ومعانيه المنقول عنه بالتواتر القطعي .

فالكلام جنس وما عداه فصل مخرج لغير المقصود ، فخرج ( بالمنزل ) كلام البشر المعتاد منثوراً كان أو منظوماً ، فإن الله يخلقه في أدمغتهم ويجريه على ألسنتهم ، وخرج بقيد ( بحروفه وكلماته ) ما كان من الأحاديث النبوية فإن صوغه من الحروف والكلمات راجع إلى الأنبياء الناطقين بتلك الأحاديث ، إذ لم تنزل عليهم ألفاظها وإنما أُنزلت عليهم معانيها ، وخرج بقيد تنزيله على النبي محمد صلى الله عليه وسلم سائر الكتب السماوية التي أُنزلت على غيره من النبيين ، كصحف إبراهيم وصحف موسى والتوراة والإنجيل والزبور ، وخرج بقيد الإعجاز الأحاديث القدسية الربانية على فرض نقلها بالتواتر فإنها لم تنزل للإعجاز كالقرآن ، وخرج بقيد النقل التواتري القراءات الشاذة فإنها لا تعطى أحكام القرآن .

وأما الفرق بين الكلام النفسي وبين القرآن وسائر الكتب المنزلة فهو أن الكلام النفسي صفة ذاتية لله تعالى يثبت بها كماله عز وجل ، وينفي بها عنه النقص ، ذلك لأن إثبات الكلام نفي لضده وهو الخرس ، كما أن إثبات العلم نفي للجهل وإثبات القدرة نفي للعجز ، وإثبات السمع نفي للصمم ، وإثبات البصر نفي للعمى ، وإثبات الحياة نفي للموت .

وذهبت المعتزلة إلى عدم الضرورة إلى إثبات صفة أزلية لله تسمى كلاماً اكتفاء منهم في نفي الخرس عنه سبحانه بصفة القدرة ، ولعل بعض أصحابنا يرون هذا الرأي ، وأصحابنا الذين أثبتوا الكلام النفسي اتفقوا مع الأشعرية في كونه يختلف عن سائر الكلام فهو ليس حروفاً ولا أصواتاً ، ولا جملاً ولا كلمات تقوم بذاته عز وجل ، إذ ليس المراد به إلا انتفاء صفة الخرس عنه سبحانه .

والمعتزلة الذين اكتفوا بإثبات صفة القدرة له تعالى عن إثبات الكلام الأزلي راعوا أن الصفات الذاتية لا يراد بها إلا نفي أضدادها ، وليس الكلام ضداًّ للخرس حتى ينتفي الخرس بإثباته ، وإنما ضده السكوت فقد يكون غير المتكلم غير أخرس ولا يكون غير ساكت .

وقد أجاد الإمام ابن أبي نبهان رحمهما الله في تقرير معنى الكلام العاري عن الأصوات والحروف بما تستسيغه الأفهام وتستمرئه الأفكار ، حيث قال ما حاصله : إذا أردت أن تدرك حقيقة هذا الكلام فانظر إلى سلطان جوارحك وحاكم جسدك ، وهو الجهاز العصبي الذي هو مركز العقل والتدبير - تجده يأمر وينهي في مملكته - وهي سائر جسدك - بكلام تؤديه الوسائط التي جعلها الله بينه وبين أعضاء الجسم وغُدده وخلاياه . ولا تكاد حجيرة في الجسم يصل إليها شيء من الأوامر والنواهي إلا وتبادر فوراً إلى الامتثال ، وذلك لما أودع الله في هذا السلطان من قوة غيبية وسرٍّ خفي ، فإذا كانت هذه الآية تتجلى في مخلوقات الله سبحانه فما بالك بالخلاق العليم الذي لا ينفلت شيء في الكون من قبضته ، ولا تخرج صغيرة ولا كبيرة عن قهره وتدبيره ، وذلك هو المراد بقوله سبحانه : (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) "النحل 40" (1)

وإطلاق الكلام على مثله مما لم يكن مسموعا ولا مقروءا معهود عند العرب ، ومنه قول الأخطل



لا يعجبنك من خطيب خطبة

حتى يكون مع الكلام أصيلا

إن الكلام لفي الفؤاد وإنمـا

جعل اللسان على الفؤاد دليلا

وأما الكتب المنزلة فهي كلام منتظم من الحروف الهجائية ، مقروء بالألسن ، مكتوب في الألواح ، محفوظ في الصدور ، مسموع بالآذان ، أوحاه الله بواسطة الملك إلى من اصطفاه من عباده ، ويتميز عن سائر الكلام بكونه لم ينشأ عن ملكات البشر ، وإن كان متألفاً من نفس الحروف التي يتألف منها كلامهم ، ومتركباً من نفس الكلمات التي يتناولونها في خطابهم ، لكل جزء منه بداية ونهاية ، وقد أودع الله فيهم القدرة على تلاوته وسماعه وكتابته وحفظه ، غير أنه لا يجوز مع ذلك كله أن يضاف إليهم أو إلى أحد منهم ، لأن الله وحده أخرجه بقدرته من العدم إلى الوجود ، ثم أنزله بعلمه من اللوح المحفوظ إلى قلوب أنبيائه وأذهان الذين أكرمهم بحفظه من عباده.

وقد اختص الله بعضه - وهو القرآن - بما نفخ فيه من روح غيبية ، فحارت فيه الألباب ، بما تجلى لها فيه من سر ربوبيته تعالى ، كما هو شأن الله تعالى في خلقه الإنسان من تراب ، وجعل صحته تحار منها الألباب ، بما أودعه الله من ملكات حسية ومعنوية ترجع إلى هذا السر الغيبي وهو نفخ الله فيه من روحه.

وقد أجاد الإمام ابن أبي نبهان -رحمهما الله- ببيانه وجه إضافة هذا الكلام إليه تعالى ، حيث قال ما معناه : "أرأيتم لو أن الله تعالى أراد أن يخاطب عباده بأبلغ الكلام وأصدقه ، من غير هذا الذي أنزله عليهم ، أليس بقادر على أن يخلقه مكتوبا بقلم قدرته في اللوح المحفوظ ، ويأمر أحد ملائكته في السماء أن ينزل به على قلب أحد عباده في الأرض ، ليبلغه إلى الناس ويأمرهم بتلاوته وكتابته والعمل بمحتواه ، لا ريب أن كل من آمن بالله لا يشك في قدرته على ذلك ، وإذ تبين لكم إمكان هذا ، أرأيتم إلى من يضاف هذا الكلام ؟ أيقال هو كلام الناس الذين يتلونه أم كلام الرسول الذي بلغه إليهم أم كلام الملك الذي نزل به ، أم كلام اللوح الذي سطر فيه ، أم كلام القلم الذي كتبه ، أم كلام الخالق العظيم الذي أخرجه من العدم إلى الوجود ؟ إنه لمما يتبادر لكل عاقل أنه لا يجوز أن يضاف حقيقة إلا إليه تعالى" (2) وجاء شيخ الإسلام المحقق الخليلي رحمه الله تعالى بنحو هذا البيان ، وقال في آخره : وأما نسبته إلى الله تعالى مع كونه متلوًّا لنا من نطق ألسنتنا ، بأصوات وألحان ونغمات ، بأحرف وكلمات من ألفاظنا ، فالأصل فيه أن كل قول ينسب إلى من قاله لا إلى من قرأه ولحن به ، وبيانه لو أن أحدا قال في معلقة امرئ القيس أو قصائد أبي تمام أو البحتري أو غيرهم إنها من كلامه ، ونسبها إلى نفسه إذ قرأها ، لكان ذلك منه خطاً فاحشا . أو كما تجد الآثار المنسوبة إلى أهل العلم فتنسبها لقائلها منهم ، ولو لم تسمع نطقه بها ، ويحتمل في كاتبها أنه لم يلفظ بها أصلا ، أو كما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل : (أنشدني أبياتك التي قلتها البارحة ولم ينطق بها لسانك ولا سمعتها أذناك) فقال الرجل : أنا أشهد أنك رسول الله ، ولقد قلتها ولم ينطق بها لساني ولا سمعتها أذناي ثم أنشده إياها ، فالقرآن على أي وجه كان قد أنشأه الله إنشاءاً تحدىّ به البلغاء وأعجز به المصاقع الخطباء فلا ينسب إلا إليه" . (1)

ونحن عندما نتحدث عن خلق القرآن ، فإنما نتحدث عن هذا القرآن المتلو بالألسن المكتوب في المصاحف السابق تعريفه ، ولسنا نتحدث عن الكلام النفسي ، إذا لم يقم شاهد من الكتاب نفسه ولا من السنة على تسميته قرآنا ، وإنما اصطلحت الأشاعرة على تسميته بذلك ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، غير أنهم لم يستندوا في اصطلاحهم هذا على شيء ثابت سماعه ، فلذلك لم نعول عليه ، ونحن نثبت لله صفة الكلام كما قال الإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني رحمه الله في معالمه : "اعلم أن الكلام يضاف تارة إلى الله تعالى على معنى نفي الخرس فيكون صفة ذات على ما أمر في الصفات ، وتارة يضاف إليه على معنى أنه فعل له ، فيكون فعلاً من أفعاله سبحانه ، فمعنى كونه متكلما على الأول أنه ليس بأخرس ، وعلى الثاني أنه خالق الكلام " . (2)

ومما يجب أن يستقر في الأذهان عند الحديث عن خلق القرآن ، أنه لا يقصد بالقرآن علم الله بما أنزله من كتبه على رسله ، فإنه لا يماري أحد في قِدم علمه تعالى بهذه الكتب ، إلا الذين قالوا بحدوث صفاته سبحانه ، ولا يعبأ بهم ، غير أن قِدم العلم لا يقتضي قِدم المعلوم ، فالله سبحانه عليم بكلام البشر علما أزليا ، كما أنه عليم بكلامه ، وعليم بكل مخلوقاته ، فهو عليم بما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون ، ولكن لا يستلزم ذلك قِدم شيء من هذه المعلومات بحال ، ولذلك قال بعض السلف القرآن حادث ، وعلم الله به قديم ، وفي هذا يقول المحقق الخليلي رحمه الله : "وقد كان علم الله الذي هو من صفات ذاته ولا توراة معه ولا إنجيل ، ولا زبور ولا صحف ولا قرآن ، وهو الآن على ما هو عليه كان ، لأن الصفات الذاتية لا يجوز عليها التكثر ولا التبديل ، ولا التغير أصلا ، وإنما تختلف آثارها ومدلولاتها وتكثر أو تقل بحسب التجدد والحدوث معلوماتها ، والآثار كلها مخلوقة ، قال الله تعالى بـ (فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها) "الروم 50" . (3)

فالكتب المنزلة إنما هي في الحقيقة مدلولات علمه الذي هو من صفات ذاته سبحانه وتعالى ، لا هي نفس صفة العلم الذي هو صفة لذاته القديمة وإلا لكان التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى والقرآن وجميع الوحي كله قديما موجودا في الأزل مع الله تعالى بهذه الألفاظ المخلوقة المحدثة على كثرتها ، فيكون كثير من المخلوقات قديما موجودا في الأزل مع الله القديم الأزلي ، وهذا باطل إذ لا قديم سواه ، وكل شيء غيره حادث ولا يمكن أن يكون القرآن مثلا قديما معه بلا وجدان صورته مكتوبا أو متلواً بألفاظه وكلماته ، لأنه من القول بوجدان حقيقة لم توجد ، وهو محال ، فعلم ضرورة أن القديم الذاتي علمه بالقرآن والتوراة والإنجيل ، كما أن علمه بغيرهن من الكائنات قديم أيضا ، لأنه صفة ذاتية للقديم الأزلي الواجب الوجود سبحانه وتعالى ، وهذا ما لا يجوز الاختلاف فيه أبدا" (4)

ومما تقدم يتضح للقارئ الكريم الفرق بين الكلام النفسي والكلام الموحى به إلى العباد ، كما يتضح الفرق بين الوحي وعلم الله به ، ويتضح كذلك وجه إضافة هذا الكلام الموحى إلى الله تعالى وحده ، وعدم جواز إضافته ، إلى غيره تعالى ، اللهم إلا أن يكون ذلك تجوزا كما أضافه سبحانه إلى جبريل في قوله : (إنه لقول رسول كريم) "الحاقة 40 ، التكوير 19) .









الفصل الأول

في اختلاف الأمة في
قِدَمِ الكلامِ أو حدوثه



من القضايا التي شغلت بال الأمة وأحدثت بينها شقاقاً كبيرا ، ووزعت طوائفها عزين ، قضية كلام الله تعالى المنزل ، هل هو حادث أو قديم ؟ وقد جرَّهم هذا الخلاف إلى الحديث عن الكلام النفسي والخوض فيه ، والتنازع بين إثباته ونفيه ، ولست أريد في هذه العجالة أن أحشر أقوال المختلفين ، وأسرد ما لكل قول أو عليه من حجة وبرهان ، اللهم إلا ما يضطرني إليه التمهيد لشرح ما نقمه الناقمون على الإباضية من القول بخلق القرآن المنزل على سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.

وقد مر بك أيها القارئ الكريم في مقدمة هذا المبحث ، أن من طوائف هذه الأمة من ينكر الكلام النفسي رأسا - وهم المعتزلة - اكتفاءً في نفي الخرس عن الله بإثبات صفة القدرة ، كما مر بك أن أصحابنا و الأشعرية وجمهور الأمة متفقون على إثباته ، ولعلك استوضحت تفرقة أصحابنا بينه وبين القرآن وسائر الكتب المنزلة ، مما نقلته عن صاحب المعالم وعن الإمام ابن أبي نبهان ، كما أرجو أن تكون قد استوضحت الفرق بينه وبين علم الله به ، مما نقلته لك عن المحقق الخليلي.

هذا وقد التبست هذه الفروق على كثير من الناس ، فأدى بهم ذلك إلى النزاع والشقاق في القرآن ، هل هو مخلوق أو غير مخلوق ؟ وقد أشعل نار هذه الفتنة بعض الدخلاء في الأمة الذين تقمَّصوا الإسلام لحاجات في نفوسهم أرادوا قضاءها ، أهمها إذكاء نار الفتنة بين طوائف الأمة ، وتقسيمها إلى شيع وأحزاب (كل حزب بما لديهم فرحون) ولعل على رأس هؤلاء أبا شاكر الديصاني الذي قيل عنه إنه يهودي تظاهر بالإسلام كما كان من سلفه بولس اليهودي الذي مزق أتباع المسيح عليه السلام بما أججه بينهم من نار الخلاف.

وكان الرعيل الأول من السلف الصالح مضى إلى ربه قبل أن تسمع آذانهم طنينا من القول في هذا الموضوع ، وإنما كانوا مجمعين على أن الله خالق كل شيء وأن ما سواه مخلوق ، وأن القرآن - كسائر الكتب المنزلة - كلام الله ووحيه وتنزيله ، وهذا الذي اتفقت عليه كلمة علماء المسلمين بعمان في عهد الإمام المهنا بن جيفر ، بعدما غشيتهم موجة من الخلاف في هذه القضية بعد أن طمي عبابه وهاجت عواصفه بمدينة البصرة الحافلة بمختلف التيارات الفكرية آنذاك وكانت للعُمانيين صلة وثيقة بها بحكم العلاقات الثقافية والاقتصادية التي تربطهم بها ، وليتهم وقفوا عند هذا الحد ، بل ليت المسلمين جميعاً اكتفوا بهذا القدر من الاعتقاد والقول في هذا الموضوع ، ولكن استحكمت في القضية أهواء وحكمت فيها العواطف الهوجاء ، التي أشعلت سعير هذه الفتنة الذي اصطلى المسلمون أواره.

ومرد ذلك كله إلى الغلو ، فإن من شأن المغالاة أن تدعوا إلى ضدها ، وكانت بداية ذلك منابذة أهل الحديث ومن سار في ركبهم لأصحاب المدرسة العقلية من المعتزلة وغيرهم ، واستعداء السلطات عليهم ، وتأليب الناس ضدهم ، وعندما دالت الدولة للمعتزلة في أواخر أيام المأمون ثم المعتصم انتهزوا فرصتهم للتشفي والانتقام من أهل الحديث ، فأسرفوا في التقتيل والتعذيب ، فامتلأت الصدور بالأحقاد ، وأخذت القضية مجرى عاطفيا في البحث ، وأخذ كل فريق يندد بالفريق الآخر ويكيل له التهم ، ويرميه بالبدعة والانحراف.

وبما أن أصحابنا أهل الاستقامة لم يشتركوا في شيء من تلك الفتن ، ولم يلتبسوا بهاتيك الإحن ، لم يقعوا تحت تأثير العواطف ، فكان بحثهم في القضية موضوعيا صرفا لأنهم انطلقوا فيه من قاعدة الحجة والدليل لا من واقع السخائم والأحقاد.

أما أهل المغرب منهم فلبعدهم عن تلك الأحداث لم يترددوا في إعلان القول الصحيح من أول الأمر ، إظهاراً للحق ، واستنادا إلى الحجة ، وأما أهل المشرق فقد حاول إمامهم الأكبر محمد بن محبوب رحمه الله أن يعلن ما أعلنه إخوانه أئمة وأعلام الجناح المغربي غير أن محمد بن هاشم اشتدت معارضته له في ذلك فانثنى عنه واتفقت كلمتهم على ما ذكرته سابقا عندما اجتمعوا في مدينة دما (السيب حاليا) وهو الاكتفاء بما كان عليه سلف الأمة ، وقصر القول عن التصريح بخلق القرآن أو عدمه.

ولا أراهم وقفوا هذا الموقف الصامت إلا سدا للذريعة وتجنبا لمشايعة الظالمين ، فإنهم رحمهم الله من أرسخ مبادئهم وأبرز سماتهم مناهضة الظلم ومصارعة الظالمين ، من غير التفات إلى من صدر منه الظلم أو من وقع عليه ، وكانت الأنباء تترادف إليهم بما يتعرض له أبناء الأمة - من أبشع الظلم وأشنع القسوة - في العاصمة العباسية التي كانوا على مقربة منها ، فكانوا كأنما يحسون بأنينهم وسياط الظالمين تلذع ظهورهم وبشهيقهم وصوارمهم ، تفصل رؤوسهم عن أجسادهم ، فلم يكن لهم - وهم دائماً ثائرون على الظلم ، منابذون للظالمين ، وقد رقق الإيمان قلوبهم وطهر مشاعرهم من الأحقاد - إلا أن يقفوا هذا الموقف لئلا تجد السلطة الظالمة من قولهم ما يبرر صنيعها ، وقد جعلت من الدين جسرا تعبر به إلى ما تهواه من سفك الدماء وإزهاق الأرواح وتعذيب الأجساد ، فلله تلك الأنظار الثاقبة ، والبصائر النيرة ، والسرائر النقية. (1)

وقد خفي هذا البعد في التفكير عن أبصار الذين جاءوا من بعد هؤلاء ، فحسبوا أن امتناعهم عن التصريح بخلق القرآن لأجل قدمه ، فصرحوا بخلافه وتحاملوا على من قال بخلقه ، وأدى بهم ذلك إلى تناقض عجيب ، يظهر لك عندما تقرأ ما كتب في هذا الموضوع في تلك الحقبة من الزمن ، كالجزء الأول من بيان الشرع ، والجزء الأول من الكشف والبيان ، وديوان الإمام ابن النضر .

وكثيراً ما تلمس فيما كتبوه أثر ما كان عقب تلك المحنة من ردة فعل عنيفة تبلورت فيما كتبه الكاتبون عنها ، وإظهارهم للمنكوبين فيها بأنهم أبطال الأمة وشهداء عقيدتها الحقة ، الذين حموها بدمائهم وصانوها بتضحياتهم ، وقد انعكس أثر هذا المنطق العاطفي الجياش على كل ما دونه المؤيدون لهم في تلك الوقفة التي وقفوها . سواء كان هؤلاء المؤيدون من مشارقة الإباضية أو من الأشعرية أو من غيرهم ، وقد استمرت هذه الفكرة في الوسط الإباضي المشرقي حتى برز من علماء عمان المتأخرين من فتحوا بتحريرهم أقفال الأشكال ، وأزاحوا ببيانهم أستار الشبه فإذا بالموقف المشرقي الإباضي يلتحم مع الموقف المغربي ويتحد .

وقد استقريت أسباب اللبس في هذه المسألة ، حتى أشتد نكير طائفة من المسلمين على من قال بخلق القرآن فوجدته يعود إلى أمرين اثنين :
- أولهما : التباس القرآن المنزل في أفهامهم بالكلام النفسي الذي يراد به نفي الخرس .
- ثانيهما : التباسه بعلم الله سبحانه وتعالى به ، مع أن صفتي الكلام والعلم قديمتان.

وما مر بك في المقدمة من التفرقة بين الكلام المنزل والكلام النفسي ، وبينه وبين علم الله سبحانه كاف في رفع هذا اللبس وتبديد هذه الشبهة ، وأضيف إلى ذلك أن التكلم لغة وعرفا لا يكون إلا بمعنى إحداث الكلام ، فإذا قلت تكلم محمد لم يفد قولك هذا إلا أنه أحدث كلاما في زمن مضى ، وإذا قلت يتكلم فلا يدل إلا على إحداثه الكلام في الزمن الحاضر أو المستقبل لأن المضارع صالح لهما ، وإذا قلت : تكلم يا فلان لم يدل إلا على طلب المخاطب بإحداث الكلام .

ولا يعني قولك هذا بأي صيغة من صيغه الثلاث الإخبار عن كون الكلام صفة قائمة بذات المتكلم أو المطلوب منه التكلم ، وإلا فما معنى قولك لغيرك تكلم إن كان الكلام المطلوب قائما به ، وهل هذا إلا تحصيل حاصل ؟ وهذا لا ينافي استحضاره للكلام قبل أن يتكلم به ، لأن مفهوم الكلام النفسي يختلف عن مفهوم الكلام اللفظي ، وبجانب ذلك فإن من الواضح بداهة أنك إن أخبرت عن أحد بأنه تكلم يوم الجمعة أو سيتكلم يوم السبت ، لم يفد ذلك لغة ولا عرفا أنه كان متكلما بذلك الكلام الذي تكلم به أو سيتكلم به قبل ذلك التوقيت ، وقد خاطب الله عباده بلغتهم التي يعرفونها ومفاهيمهم التي يألفونها ، فإذا أخبرهم أنه كلم أحداً من خلقه في وقت ما ، لم يفد إخباره هذا إلا أنه أحدث التكليم في ذلك الوقت ، فلا وجه لجعل ذلك الخطاب الذي سمعه المكلم أو قرأه صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى ، نعم هو معلوم لله سبحانه منذ الأزل كعلمه بكلام خلقه حروفه وكلماته ، جُمَلِهِ ومفرداته ، ألفاظه ومعانيه ، مخارجه ومقاطعه ، أصواته وصفاته .

وأما قول ابن القيم "وقد دل القرآن وصريح السنة ، والمعقول وكلام السلف على أن الله سبحانه يتكلم بمشيئته ، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته وهي صفة ذات وفعل" . قال تعالى : (إنما قولنا لشيءٍ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) "النحل 40" ، وقوله : (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) "يس 82" ، فإذا تخلص الفعل للاستقبال ، وأن كذلك ، و (نقول) فعل دال على الحال والاستقبال ، و(كن) حرفان يسبق أحدهما الآخر ، فالذي اقتضته هذه الآية هو الذي في صريح العقول والفطر ، وكذلك قوله : (وإذا أردنا أن نهلك قريةً .. الآية) "الإسراء 16" ، سواء كان الأمر هاهنا أمر تكوين أو أمر تشريع فهو موجود بعد أن لم يكن ، وكذلك قوله : (ولقد خلقناكم ثم صوَّرناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) "الأعراف 11" ، وإنما قال لهم (اسجدوا) بعد خلق آدم وتصويره ، وكذلك قوله تعالى : (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلَّمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني .. الآيات) "الأعراف 143/147" ، فكم من برهان يدل على أن التكلم هو الخطاب وقع في ذلك الوقت ، وكذلك قوله : (فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن) "القصص 30" ، والذي ناداه هو الذي قال له : (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) "طه 14" ، وكذلك قوله : ( ويوم يناديهم فيقول ) القصص 62/65/74، وقوله : (ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون) "سبأ 40" ، وقوله : (يوم نقول لجهنم .. الآية) "ق30 " ، ومحال أن يقول سبحانه لجهنم (هل امتلأت) و (تقول هل من مزيد) قبل خلقها ووجودها ، وتأمل نصوص القرآن من أوله إلى آخره ، ونصوص السنة ، ولاسيما أحاديث الشفاعة وحديث المعراج ، وغيرها كقوله : (أتدرون ماذا قال ربكم الليلة) وقوله : (إن الله يحدث من أمره ما يشاء ، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة) وقوله : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب).

وقد أخبر الصادق المصدوق أنه يكلم ملائكته في الدنيا ، فيسألهم كيف تركتم عبادي ، ويكلمهم يـوم القيامة ، ويكلم أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين يومئذ ، ويكلم أهل الجنة في الجنة ، ويسلم عليهم في منازلهم ، وأنه كل ليلة يقول : (من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ، من يقرض غير عديم ولا ظلوم) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا" ومعلوم أنه في ذلك الوقت كلمه ، وقال له تمن عليّ إلى أضعاف أضعاف ذلك من نصوص الكتاب والسنة" .. الخ كلامه . (1)

فهو كله حجة لنا على صحة ما قررناه ، من أن المراد بتكليم الله سبحانه إحداثه للكلام في الوقت الذي يكون فيه ، وإلا فما معنى تقييد تكليمه بالليل أو النهار أو الدنيـا أو الآخرة أو غير ذلك من الأزمنة ، لو كان هذا الكلام نفسه أزليا .

والفارق بين إحداث الله لكلامه ، وإحداث العبد لكلامه أمران :
- أولهما : ما يفرق به بين أفعال الله وأفعال العباد من حيث إن العبد لا يستقل بإيجاد فعله استقلالا تاما ، وإنما له منه جانب الكسب والله هو الخالق له ، والثواب والعقاب مترتبان على كسب العبد لا على خلق الخالق ، فكلام المخلوق - كسائر أفعاله - مخلوق لله عز وجل ، وليس للمخلوق منه إلا الاكتساب ، ولا يستنكر أن يخلق الله للعبد كلاما في نفسه ثم يجريه باختياره على لسانه ، كما لا يستنكر أن يخلق الله في العبد حركة من الحركات ثم يجريها باختياره على العضو المتحرك منه ، أما كلام الله فهو كسائر أفعاله - من إيجاد وإعدام ، وعطاء ومنع ، ورفع وخفض ، وبسط وقبض ، وإحياء وإماتة - لا دخل لأحد من خلقه فيه .
- ثانيهما : تفاوت صفتي تكليم الحق وتكليم الخلق ، كما تباين أفعاله تعالى أفعال خلقه ، كتعليمه سبحانه لعباده ، فإنه إما أن يكون إلهاما يقذفه في صدور من اختصهم به ، ومنه (وعلم آدم الأسماء كلها) "البقرة 31" ، و (وعلمك ما لم تكن تعلم) "النساء 113" ، (علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) "العلق 4/5" ، وإما أن يكون وحيا يوحيه بواسطة رسله ، وهو داخل في تعليم الإنسان ما لم يعلم ؛ وأما تعليم الناس بعضهم لبعض فهو بالتلقين والتدريب .

وكذلك يتفاوت مدلول النصر إذا أسند إلى الله عما إذا أسند إلى العباد ، فإن نصر العباد بعضهم لبعض بالمؤازرة بالنفس أو المال أو الجند ، ونصر الله لعباده هو خلق أسباب انتصارهم وتهيئتها لهم ، ومنه قوله تعالى : (ولقد نصركم الله ببدر) "آل عمران 123" ، وقوله : (ولينصرن الله من ينصره) "الحج 40" ومثله العطاء فإنه يسند إلى الله وإلى العباد ، ويتفاوت مدلوله في الإسنادين .

وبهذا تدرك تفاوت صفتي التكليم باختلاف إسناده ، فإنه إن أسند إلى الخالق كان له مدلول يختلف عما إذا أسند إلى المخلوقين ، فإنه إن أسند إلى المخلوق المعهود - وهو الإنسان - دل على عملية تشترك فيها مشاعره الظاهرة والباطنة ، ودماغه ورئتاه ، وقصبته الهوائية وشعبه ، وحنجرته ، وحلقه ، ولسانه ، وأسنانه وشفتاه مع الطاقة الهوائية المرتفعة من الرئتين ، والدافعة للصوت ، وهو بهذا المفهوم مستحيل على الله سبحانه ، فلا يجوز أن يفسر تكليمه تعالى بهذا المعنى ، وقد بين لنا تعالى صفة تكليمه لعباده حيث قال : (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) "الشورى 51" ، وناهيك أن سبحانه جعل الوحي تكليما منه ، مع أنه إلهام يختص به تعالى من شاء من عباده ، وهو أمر متعذر كونه بين إنسان وإنسان آخر مثله ، إذ لا مقدرة للبشر على الإلهام ، ولو حصل مثله في الناس لما انطبق عليه معنى التكليم المعهود بينهم لغة ولا عرفا .

وإذا عرفت ذلك اتضح لك جواز أن يكون التكليم من وراء حجاب إذا أسند إلى الله ، بمعنى خلق صوت مسموع لا يصدر عن شيء ، ينبئ عن مراد الله ، ويتلقفه سمع من اختصه الله بالتكليم ، وعلى هذا يحمل تكليم الله لموسى عليه السلام ، وهو أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما الإمام الطاهر ابن عاشور - وهو مالكي المذهب أشعري العقيدة - في تكليم الله لملائكته حيث قال :

"وكلام الله للملائكة أطلق على ما يفهمون به إرادته ، وهو المعبر عنه بالكلام النفسي ، فيحتمل أنه كلام سمعوه ، فإطلاق القول عليه حقيقة ، وإسناده إلى الله لأنه خلق ذلك القول بدون وسيلة معتادة ، ويحتمل أنه دال آخر على الإرادة فإطلاق القول عليه مجاز لأنه دلالة للعقلاء ، والمجاز فيه أقوى من المجاز الذي في نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم : (اشتكت النار إلى ربها) وقوله تعالى : (فقال لها وللأرض أتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) "فصلت 11" ، ولا طائل في البحث عن تعين أحد الاحتمالين"(1) ومثله قوله - في تعليم آدم الأسماء "وتعليم الله آدم الأسماء إما بطريقة التلقين بعرض المسمى عليه ، فإذا رآه لقن اسمه بصوت مخلوق يسمعه .. الخ"(2) وقد اتضح لك مما نقلته سابقا من كلام الإمامين ابن أبي نبهان والخليلي- رحمهما الله- وجه كون القرآن الكريم وغيره من الكتب المنزلة كلام الله مع كونه مخلوقا له سبحانه ، وسقوط شبهة القائلين بقدمه المتشبثين بقوله تعالى : (فأجره حتى يسمع كلام الله) "التوبة 6" ، وهذا هو الذي استقر عليه اعتقاد أصحابنا الإباضية ، وقال به كثير من الأشعرية ، حتى أن المحقق الخليلي رحمة الله عليه قال : "قد اتفقنا نحن والأشعرية أنه مخلوق وصرح بذلك الشيخ أبو سعيد ، ومحمد بن محبوب رحمهما الله ، واتفق عليه أصحابنا المغاربة وفاقا للمعتزلة ، ولا منكر لذلك فيما قيل إلا بعض الحنابلة"(3).

وممن صرح بخلقه من الأشعرية الفخر الرازي ، وحكى غير مرة اتفاق العقلاء عليه ، ومن ذلك قوله في مقدمة تفسيره الكبير : "الكلام الذي هو متركب من الحروف والأصوات ، فإنه يمتنع في بديهة العقل كونه قديما لوجهين :

- الأول : أن الكلمة لا تكون كلمة إلا إذا كانت حروفها متوالية ، فالسابق المنقضي محدث لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه ، والآتي الحادث بعد انقضاء الأول لاشك أنه حادث .
- والثاني : أن الحروف التي منها تألفت الكلمة إن حصلت دفعة واحدة لم تحصل الكلمة لأن الكلمة الثلاثية يمكن وقوعها على التقاليب الستة ، فلو حصلت الحروف معا لم يكن وقوعها على بعض تلك الوجوه أولى من وقوعها على سائرها ، ولو حصلت على التعاقب كانت حادثة" (1)

وقال في تفسيره سورة الأعراف : "الناس مختلفون في كلام الله تعالى ، فمنهم من قال كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة ، ومنهم من قال كلامه صفة حقيقة مغايرة للحروف والأصوات ، أما القائلون بالقول الأول فالعقلاء المحصلون اتفقوا على أنه يجب كونه حادثا كائنا بعد أن لم يكن ، وزعمت الحنابلة والحشوية أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم ، وهذا القول أخس من أن يلتفت العاقل إليه"(2) ثم ذكر مناظرة له ستأتي بعد قليل إن شاء الله .

وبالغ الفخر في تفسيره لسورة الشورى النكير على الحنابلة القائلين بقدم الحروف القرآنية حيث قال : "وهؤلاء أخس من أن يُذكروا في زمرة العقلاء ، واتفق أني قلت يوما لبعضهم ، لو تكلم الله بهذه الحروف ، إما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والتوالي ، والأول باطل لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على التعاقب والتوالي فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى ، والثاني باطل لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة،ولما سمع ذلك الرجل هذا الكلام قال الواجب علينا أن نقر ونمر، يعني نقر بأن القرآن قديم ونمر على هذا الكلام على وفق ما سمعناه ، فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل"

ثم قال الفخر : "قد أطبقوا على أن هذه الحروف والأصوات كائنة بعد أن لم تكن ، حاصلة بعد أن كانت معدومة ، ثم اختلفت عباراتهم في أنها هل هي مخلوقة أو لا يقال ذلك بل يقال إنها حادثة أو يعبر عنها بعبارة أخرى ؟ " (2)

ونجد الإمام ابن عاشور في تفسيره لسورة النساء يقول - بعد حديثه عن كلام الله المنزل بواسطة الملك على الرسل المسمى بالقرآن ، وبالتوراة وبالإنجيل وبالزبور - وهذا لا يمتري في حدوثه من له نصيب من العلم في الدين ، ولكن أمسك بعض أئمة الإسلام عن التصريح بحدوثه أو بكونه مخلوقا في مجالس المناظرة التي غشيتها العامة أو ظلمة المكابرة ، والتحفز إلى النبز والأذى دفعا للإيهام وإبقاء على النسبة إلى الإسلام ، وتنصلا من غوغاء الطغام". (4)

ومن قول هذين الإمامين الأشعريين يتبين لك ثبوت ما قاله المحقق الخليلي من أن موقف الأشعرية من هذا القرآن المنزل على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، المتلو بالألسن ، المحفوظ في الصدور ، المكتوب في الصحف لا يختلف عن موقفنا وموقف المعتزلة وغيرهم القائلين بخلقه ، وهذا الذي يعنيه الإمام نور الدين السالمي رحمة الله عليه حيث جعل الخلاف بيننا وبينهم لفظيا فحسب . (5)

ثم ظهر لي أن هذا الموقف لم تتفق عليه الأشاعرة أو أنهم لم يستقروا عليه ، فإنا نجد في كتبهم وفيما يروى عنهم أن القرآن الذي نقرؤه ، ونسمعه ، ونحفظه ، ونكتبه ليس هو عين كلام الله سبحانه وتعالى وإنما كلامه تعالى صفة قديمة قائمة بذاته عز وجل ، وما هذه الحروف والأصوات إلا عبارة عن ذلك الكلام وهي مخلوقة لأجل إيصال الأفهام بها إلى مقاصد ذلك الكلام الأزلي ، فمثلها كمثل المرآة التي تنعكس فيها صور الأشياء فيراها الناظر منها ، مع أن الذي يراه ليس إلا مجرد صورة للشبح المنعكس ، ونجد الفخر الرازي - وهو من أئمة الأشعرية - يعزو هذا القول إلى الأشعري وأصحابه بعبارة الزعم الدالة على عدم موافقته لهم ، وينص على أن من عداهم مخالفون لهم في ذلك ، ونص كلامه : ( أجمعت الأمة على أن الله تعالى متكلم ، ومن سوى الأشعري وأتباعه أطبقوا على أن كلام الله هو هذه الحروف المسموعة والأصوات المؤلفة ، وأما الأشعري وأتباعه فإنهـم زعموا أن كلام الله تعالى صفة قديمة يعبر عنها بهــذه الحـروف والأصوات ). (1)

والظاهر أن الأشعرية مضطربون في هذه المسألة لأن الفخر الذي يشير إلى تنصله من قولهم في كلامه هذا ، قد قال نفسه في مقدمة تفسيره : ( إذا قلنا لهذه الحروف المتوالية والأصوات المتعاقبة إنها كلام الله تعالى ، كان المراد أنها ألفاظ دالة على الصفة القائمة بذات الله تعالى فأطلق اسم الكلام عليها على سبيل المجاز - إلى أن قال : وإذا قلنا كلام الله قديم لم نعن به إلا تلك الصفة القديمة التي هي مدلول هذه الألفاظ والعبارات ، وإذا قلنا كلام الله معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم عنينا به هذه الحروف وهذه الأصوات التي هي حادثة ، فإن القديم كان موجوداً قبل محمد عليه الصلاة والسلام فكيف يكون معجزة له ، وإذا قلنا كلام الله سور وآيات عنينا به هذه الحروف ، وإذا قلنا كلام الله فصيح عنينا به هذه الألفاظ ، وإذا شرعنا في تفسير كلام الله تعالى عنينا به أيضاً هذه الألفاظ ). (2)

ثم قال : ( زعمت الحشوية أن هذه الأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان عين كلام الله تعالى ، وهذا باطل لأنا نعلم بالبديهة أن هذه الحروف والأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان صفة قائمة بلسانه وأصواته ، فلو قلنا بأنها عين كلام الله تعالى لزمنا القول بأن الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات الله تعالى ، وحالَّة في بدن هذا الإنسان وهذا معلوم الفساد بالضرورة ، وأيضاً فهذا عين ما يقوله النصارى ، من أن أقنوم الكلمة حلت في ناسوت صريح وزعموا أنها حالَّة في ناسوت عيسى عليه السلام ، ومع ذلك فهي صفة لله تعالى وغير زائلة عنه ، وهذا عين ما يقوله الحشوية من أن كلام الله تعالى حالٌّ في لسان هذا الإنسان مع أنه غير زائل عن ذات الله تعالى ، ولا فرق بين القولين ، إلا أن النصارى قالوا بهذا القول في حق عيسى وحده ، وهؤلاء الحمقى قالوا بهذا القول الخبيث في حق كل الناس من المشرق إلى المغرب ).(3)

ويفهم من هذا الكلام ونحوه من نصوص أئمة الأشعرية ، أنهم يطلقون اسم القرآن على الكلام النفسي الذي هو صفة ذاتية لله تعالى ، وهو الذي يقصدونه عندما يقولون إن القرآن غير مخلوق ، وهو الذي عوَّل عليه من قال إن الخلاف بيننا وبينهم لا يعدو أن يكون لفظيا .

غير أن هذا المذهب الأشعري تعرَّض لنقد شديد من قبل الطائفتين المتعارضتين معاً ، وهم القائلون بقدم القرآن المتلو ، والقائلون بحدوثه ، ويتلخص اعتراض الجانبين في كون الله سبحانه قد سمى هذا الكلام الذي نتلوه قرآناً وفرقاناً وكتاباً وهدىً في آيات كثيرة ، منها قوله : ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ) يوسف : 3 ، وقوله : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) الإسراء : 9 ، وقوله : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان ) البقرة : 185 ، وقوله : ( إنا أنزلناه قرآناً عربياً ) يوسف : 2 ، وقوله : ( إنا جعلناه قرآناً عربياً ) الزخرف : 3 " وقوله (تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده) "الفرقان 1" وقوله : (تلك آيات القرآن وكتاب مبين) "النمل 1" وقوله: (تلك آيات الكتاب وقرآن مبين) "الحجر 1" وقوله : ( ذلك الكتاب لا ريب فيه ) البقرة 2 ، وقد وصفه الله تعالى بالإنزال كما سبق في بعض الآيات ، ونحوه قوله: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) "الدخان 3" وقوله: (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) "إبراهيم 1" وقوله: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات) "آل عمران 7" وقوله: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) "القدر 1" ووصفه بالتفصيل في قوله: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم) "الأعراف 52" ، ووصفه به وبالإحكام في قوله: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) "هود 1" ، وميز بين آياته فوصف بعضها بالإحكام وبعضها بالتشابه في قوله: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) .

ووصفه بأنه مقروء حيث قال : (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) "الإسراء 45" ، وقال: (فاقرأوا ما تيسر من القرآن) "المزمل 20" ، وقال : (فأقرأوا ما تيسر منه) "المزمل 20" ، وقال: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) "النحل 98" .

ووصفه بأنه محفوظ في الصدور بقوله : (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) "العنكبوت 49" ، وبأنه مكتوب في اللوح حيث قال : (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) "البروج 22/23"

ومن المعلوم قطعا أنه لم يُرد في شيء من هذه الآيات إلا هذا القرآن المعهود ، (إذ لم يرد سمع بتسميته غيره قرآنا ، وجاء في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسميته بذلك ، كقوله عليه أفضل الصلاة والسلام : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) وقوله : (إن هذا القرآن مأدبة الله) ونهيه صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ، وهو لا يعني به إلا المصحف.

فتبين من ذلك كله أنه لا يقصد بالقرآن والكتاب والذكر والهدى إلا هذا الكلام المنزل ، وأنه مقروء محفوظ مكتوب منقسم إلى محكم ومتشابه ، ومجمل ومفصل ، وناسخ ومنسوخ ، فإنكار قيام هذه الصفات بالقرآن إنكار لما صرحت به النصوص ودل عليه العقل وصدقه الواقع ..

هذا وحكى ابن تيمية وابن القيم عن الأشعري أن الكلام عنده صفة قديمة ليست بصوت ولا حرف ولا يتجزأ ، فهو عين الأمر والنهي ، والخبر والاستخبار ، وهو عين التوراة والإنجيل والقرآن والزبور ، وكونه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا صفات لذلك المعنى الواحد ، وكونه توراة وإنجيلا وقرآنا وزبورا تقسيم لعباراته فإنه إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن وإن عبر عنه بالعبرية فهو توراة ، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل ، والعبارات مخلوقة والحقيقة قديمة. (1)

ولئن صح هذا الذي نقلاه فإن بطلانه أظهر من أن يحتاج إلى إظهار لما فيه من الجمع بين الأضداد كجعل الأمر هو النهي ، والخبر هو الاستخبار ، وليس ذلك جمعا بين الضدين فحسب بل هو جعل الضد عين ضده ، ويترتب عليه أن ترجمة التوراة والإنجيل إلى العربية تجعلهما قرآنا ، وترجمة القرآن إلى العبرية تجعله توراة ، وإلى السريانية تجعله إنجيلا ، وهذا عين البطلان ، وحسبك أن في القرآن من الحكم والأحكام والقصص والأمثال والعلوم والفوائد ما ليس في الكتب السابقة، كما أن تقسيمه يختلف عن تقسيمها.

وأرى أن الأشعرية لم يكن لهم موقف موحد من هذه المسألة ، فهذا ابن رسلان منهم يقول في زبده :



كلامه كوصفه القديــم

لم يحدث المسموع للكليم

يكتب في اللوح وباللسان

يقرأ كما يحفظ بالأذهان

فنجده يثبت صفة القدم للكلام المسموع المكتوب المقروء غير أن شارحه (الفِشَنِي) يحمل قوله هذا على ما يتفق مع المحكي عن الأشعري حيث يقول : "فاتصافه بهذه الأوصاف الأربعة اتصاف له باعتبار وجودات الوجود الأربعة وليس حالا في المصاحف ولا في القلوب ، ولا في الألسنة بل معنى قائم بذات الله تعالى" (1)

وقال قبل ذلك ، "والحق قول أهل الحق أنه تعالى متكلم بكلام قديم قائم بذاته ، فإن عبر عنه بالعربية فالقرآن أو بالعبرانية فالتوراة أو بالسريانية فالإنجيل ، إلى غير ذلك من الاختلاف في التعبير"

وذكر قبيل قوله هذا أن كلامه تعالى ليس بحرف ولا صوت ، لأنهما عرضان حادثان.(2)

واضطراب هذا الكلام أظهر من أن يحتاج إلى بيان وتحليل ، وقد بالغ ابن حزم وابن تيمية فحكما على قائليه بالكفر - ولا ريب أنهما يعنيان الكفر الملي - أما ابن حزم فقال : "وهذا كفر مجرد بلا تأويل ، وذلك أننا نسألهم عن القرآن أهو كلام الله أم لا ؟ فإن قالوا ليس هو كلام الله كفروا بإجماع الأمة ، وإن قالوا بل هو كلام الله سألناهم عن القرآن ، أهو الذي يتلى في المساجد ويكتب في المصاحف ويحفظ في الصدور أم لا ؟ فإن قالوا لا كفروا بإجماع الأمة ، وإن قالوا نعم تركوا قولهم الفاسد ، وأقروا أن كلام الله تعالى في المصاحف ومسموع من القراء ومحفوظ في الصدور كما يقول جميع أهل الإسلام" (3)

وأما ابن تيمية فقد نسب إلى عوامهم أنهم أسقطوا حرمة المصحف ، وربما داسوه ووطئوه ، وربما كتبوه بالعذرة أو غيرها - ثم قال فيهم - وهؤلاء أشد كفراً ونفاقاً ممن يقول : الجلد والورق كلام الله ، فإن أولئك آمنوا بالحق وبزيادة من الباطل ، وهؤلاء كذَّبوا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله ( فسوف يعلمون . إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ) غافر : 70 /72 . (4)

ولست أريد هنا أن أتحدث عن هذا الحكم الذي حكما به على أصحاب هذه المقالة صحة وبطلاناً ، فإن ذلك يستلزم إطالة في البحث ما كنت أودها ، وإنما أريد أن أقول إن ما وقعا فيه من التناقض ليس بأقل شناعة مما عاباه على غيرهما ؛ أما ابن حزم - فمع تقريره أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى - نجده يؤكد أن كلامه سبحانه هو عين ذاته فعندما حكى عن الأشعرية قولهم إذ قال : ( وقالت الأشعرية : كلام الله صفة ذات لم تزل غير مخلوقة وهو غير الله تعالى ، وخلاف الله تعالى ، وهو غير علم الله تعالى ، وأنه ليس لله تعالى إلا كلام واحد - أردفه بقوله : واحتج أهل السنة بحجج منها أن قالوا : إن كلام الله تعالى لو كان غير الله لكان لا يخلو من أن يكون جسماً أو عرضاً … إلى آخره .

وقال أيضاً : ( وأما الأشعرية فيلزمهم في قولهم إن كلام الله غير الله ما ألزمناهم في العلم وفي القدرة سواء بسواء ، مما قد تقصيناه قبل هذا والحمد لله رب العالمين ) . (1) ولا ريب أنه يلزم على هذا أن يكون القرآن الكريم هو عين ذات الله تعالى ، وأن يكون سبحانه بإنزاله إياه وتفصيله له وإحكامه آياته لم ينزل ويفصل ويحكم إلا ذاته سبحانه ، كما يلزمه أن يكون كاتب القرآن وتاليه وحافظه لا يكتب ولا يتلو ولا يحفظ إلا ذاته تعالى ، وأن تكون الذات العلية هي هذه الحروف والأصوات ، فتكون متجزئة بتجزء القرآن إلى سور وآيات وجمل وكلمات وحروف وأصوات ، تعالى الله عن ذلك كله علواًّ كبيراً . وقد أتي ابن حزم في احتجاجه لقدم القرآن بسفسطة عجيبة لا يتصور العقل صدورها من مثله ، مع غزارة علمه وقوة فهمه . (2)

وقد آثرت ضرب الصفح عن إيرادها اكتفاءً بما نقضها به الإمام شمس الدين أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني رحمه الله في آخر كتابه العدل والإنصاف . (3) وإنما يُعجب من عزو الإمام أبي يعقوب ما قاله ابن حزم إلى الإمام أحمد بن حنبل ، ولم أجده في شيء من كتب الحنابلة بل ما رأيته فيها مناقض له . وأما ابن تيمية فسترى إن شاء الله في الفصل الآتي من نصوص كلامه ما يوقفك على تناقضه واضطرابه . هذا ويظهر لون آخر من الخلاف المعنوي بيننا وبين الأشعرية ومن قال بقدم القرآن من مشارقة الإباضية ، وهو أنهم صرَّحوا بأن ما سمعه موسى عليه السلام في مناجاته لربه هو كلام الله النفسي القديم وليس بمخلوق ، كما هو مقتضى قول ابن رسلان في زبده ، وقالوا إنه ليس صوتاً ولا حرفاً ، وقد صرَّح بهذا الإمام ابن عاشور في تفسيره لقوله تعالى: (وكلَّم الله موسى تكليماً ) النساء : 164 .

ونص قوله : ( فالتكليم تعلق لصفة الكلام بالمخاطب على جعل الكلام صفة مستقلة ، أو تعلق العلم بإيصال المعلوم إلى المخاطب ، أو تعلق الإرادة بإبلاغ المراد إلى المخاطب ، فالأشاعرة قالوا : تكليم الله عبده هو أن يخلق للعبد إدراكاً من جهة السمع يتحصل به العلم بكلام الله دون حروف ولا أصوات ، وقد ورد تمثيله بأن موسى سمع مثل الرعد علم منه مدلول الكلام النفسي ) .(4)

وهو كما ترى يتناقض مع ما سبق نقله عنه ، من تفسيره لقول الله للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ، وتعليمه آدم الأسماء ، فليت شعري كيف يجمع بين ما قاله هنا وما قاله هنالك ؛ على أنه بعد هذا الكلام بما لا يزيد على صحيفة واحدة قال : ( وقوله " تكليماً " مصدر للتوكيد ، والتوكيد بالمصدر يرجع إلى تأكيد النسبة وتحقيقها مثل قد وإن ، ولا يقصد به رفع احتمال المجاز ، ولذلك أكدت العرب بالمصدر أفعالاً لم تستعمل إلا مجازاً ، كقوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) الأحزاب : 33 ، فإنه أراد أن يطهرهم الطهارة المعنوية أي الكمال النفسي ، فلم يفد التأكيد رفع المجاز ، وقالت هند بنت النعمان بن بشير تذم زوجها روح بن زنباع :



بكى الخزّ من روح وأنكر جلده

وعجَّت عجيجاً من جذام المطارف

وليس العجيج إلا مجازاً ، فالمصدر يؤكد أي يحقق حصول الفعل المؤكد على ما هو عليه من المعنى قبل التأكيد . فمعنى قوله: ( تكليماً ) هنا ، أن موسى سمع كلاماً من عند الله بحيث لا يحتمل أن الله أرسل إليه جبريل بكلام ، أو أوحى إليه في نفسه ، وأما كيفية صدور هذا الكلام عن جانب الله فغرض آخر هو مجال للنظر بين الفِرَق ، ولذلك فاحتجاج كثير من الأشاعرة بهذه الآية على كون الكلام الذي سمعه موسى الصفة الذاتية القائمة بالله تعالى احتجاج ضعيف ، وقد حكى ابن عرفة أن المازري قال في شرح التلقين إن هذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم أن الله لم يكلم موسى مباشرة بل بواسطة خلق الكلام لأنه أكده بالمصدر ، وأن ابن عبد السلام التونسي شيخ ابن عرفة رده بأن التأكيد بالمصدر لإزالة الشك عن الحديث لا عن المحدث عنه ، وتعقبه ابن عرفة بما يؤول إلى تأييد رد ابن عبد السلام ) .(1)

ولعلنا نستخلص مما قاله هنا وهناك أنه لم يستقر رأيه في هذه المسألة على شيء بعينه ، ولعله يرى جواز صحة كل واحد من الرأيين .

أما نحن - معشر الإباضية القائلين بخلق القرآن ، ومن قال بقولنا من المعتزلة وغيرهم - فقد اتفقنا مع الحنابلة القائلين بقدم النصوص القرآنية ، على أن موسى عليه السلام سمع من تكليم الله كلاماً مركباً من الحروف وأنه كان صوتاً ، إلا أنا اختلفنا في قِدمه وحدوثه ، فقالوا بقدمه وقلنا بحدوثه ، وإنما قلنا إن هذا تكليم حقيقي من الله له ، لأنه لم يكن بواسطة بل خلقه الله له حيث شاء فأسمعه إياه من غير أن ينطق به ملك أو مخلوق آخر ، وقد قال كثير بأنه تعالى خلقه في الشجرة وأسمعه منها ، وهذا الذي نسبه الفخر الرازي إلى الإمام أبي منصور الماتريدي . (2)

ولا يتعين ذلك لعدم ما يدل عليه ، وإنما هو أحد الاحتمالات الواردة . ونستخلص مما تقدم أن الموقف الأشعري في هذه القضية يختلف عن موقف الطائفتين المتباينتين جميعاً ، وهو صريح فيما سبق نقله عن الفخر الرازي مما نسبه إلى الأشعري وأتباعه من مخالفتهم لغيرهم في مسألة الكلام . ونقل عنهم أنهم قالوا : ( وكما لا يبعد أن تُرى ذات الله مع أنه ليس بجسم ولا في حيِّز فأي بعد في أن يسمع كلام الله مع أنه لا يكون حرفاً ولا صوتاً ).(3) وهذا الإلزام خاص بمثبتي الرؤية ، وأما نحن فلا يطرق - والحمد لله - ساحتنا .





الفصل الثاني

في تضارب أقوال القائلين بقِدم القرآن

إن القول بقِدم القرآن - وإن تباينت مفاهيمه وتشعبت مسالكه باختلاف أصحابه فيما بينهم - ينبجس من نبع واحد ،وهو عدم التفرقة بين صفة الكلام الذاتية لله تعالى وبين أثرها ، وهو ما أنزل من كتبه على رسله ، وأصحاب هذا القول كلهم ملزمون بأن يقولوا بقِدم الحوادث كلها فإنها آثار لصفات الله تعالى ، إذ المخلوقات على اختلافها ما هي إلا آثار لقدرته تعالى ولإرادته ولعلمه ، وكل من هذه صفة ذاتية قديمة لاستحالة اتصاف الله بأضدادها . ومع اتحاد مصدر هذا القول ، تجد بين أصحابه من التنازع والتدافع ما يقضي العجب العجاب ، بحيث لا يمكن أن تجتمع أقوالهم في طريق واحد ولا تنتهي إلى غاية واحدة ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزوه إلى التراشق فيما بينهم بالتجهيل والتبديع ، والتقاذف بالتضليل والتكفير كما مـر بك ما يدلك على ذلك.

وإذا سكتنا عن طوائفهم المتعددة وأصغينا إلى ما تقوله طائفة واحدة فحسب - وهي الحنابلة - وجدنا من ذلك أمراً عجباً ، فقد سلكوا في إثبات وتفسير معتقدهم هذا طرائق قِدداً ، كل أصحاب طريقة منها يدَّعون أنهم أسعد بالحق وأتبع لقول إمامهم أحمد بن حنبل ، ومن أمثلة ما اختلفوا فيه :
أ ـ صوت قارئ القرآن وتلاوته.
ب ـ الحروف الهجائية التي تتركب منها كلمات القرآن وغيره .
ج ـ تكلم الله هل هو بمشيئته أو بدونها .
وبما أن خلافهم في الحروف والأصوات والتلاوة متداخل ، نجمع بينها في عرض أقوالهم فيها ونقدها. ذهب فريق منهم إلى قِدم صوت القارئ واعتقاد أنه قائم بذات الله تعالى ، ومن هؤلاء محمد بن داود البصيصي وابن حامد ، وأبو نصر السجزي ، والقاضي أبو يعلى ، وأنكر عليهم ذلك أبو بكر المروذي وآخرون ، وحكوا عن أحمد قوله : ( من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع ) (1)، وفي هذا النص الذي رووه من التناقض ما لا يخفى على عاقل ، فإنه لا توسط بين الخلق وعدمه ، فالشيء إما أن يكون مخلوقاً أو غير مخلوق ، فإن كان مخلوقاً فلماذا يضلل من قال بخلقه ؟ وإن كان غير مخلوق فلماذا يبدع من قال بعدم خلقه ؟ .

وقال ابن تيمية : ( لما تكلموا - أي الحنابلة - في حروف المعجم صاروا بين قولين ، طائفة فرقت بين المتماثلين فقالت الحرف حرفان ، هذا قديم وهذا مخلوق ، كما قال ابن حامد والقاضي أبو يعلى وابن عقيل وغيرهم ، فأنكر ذلك عليهم الأكثرون ، وقالوا : هذا مخالفة للحس والعقل ، فإن حقيقة هذا الحرف هي حقيقة هذا الحرف ، وقالوا الحرف حرف واحد ، وصنَّف في ذلك القاضي يعقوب البرزيني مصنَّفاً خالف به شيخه القاضي أبا يعلى - إلى أن قال - وذكر القاضي يعقوب في مصنَّفه أن ما قاله قول أبي بكر أحمد بن المسيب الطبري ، وحكاه عن جماعة من أفضل أهل طبرستان ، وأنه سمع الفقيه عبد الوهاب بن حلبة قاضي حران يقول : هو مذهب العلوي الحراني وجماعة من أهل حران ، وذكره أبو عبدالله بن حامد عن جماعة من أهل طبرستان ممن ينتمي إلى مذهبنا كأبي محمد الكشفل ، وإسماعيل الكاوذري ، في خلق من أتباعهم أنها قديمة ) .

( قال القاضي أبو يعلى وكذلك حكى لي عن طائفة بالشام أنها تذهب إلى ذلك منهم النابلسي وغيره ، وذكر القاضي حسين أن أباه رجع في آخر عمره إلى هذا ، وذكروه عن الشريف أبي علي بن أبي موسى ، وتبعهم في ذلك الشيخ أبو الفرج المقدسي وابنه عبد الوهاب ، وأبو الحسن بن الزاغوني وأمثاله ) .

( وذكر القاضي يعقوب أن كلام أحمد يحتمل القولين ، وهؤلاء تعلقوا بقوله لما قيل له إن سريا السقطي قال : لما خلق الله الأحرف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أؤمر ، فقال أحمد : هذا كفر ، وهؤلاء تعلقوا من قول أحمد : ( كل شيء من المخلوقين على لسان المخلوقين فهو مخلوق ) وبقوله : لو كان كذلك لما تمت صلاته بالقرآن كما لا تتم بغيره من كلام الناس ، وبقول أحمد لأحمد بن حسن الترمذي : ألست مخلوقاً ) قال : بلى ، قال : أليس كل شيء منك مخلوقاً ؟ قال : بلى ، قال : فكلامك منك وهو مخلـوق ) (1)وفي هذه الروايات من التناقض ما ليس بعده - وإن ادعى ابن تيمية عدم تناقضها - فانظر إليها أخي القارئ الكريم بعين الاستقلال الفكري التي تستجلي الحقائق وتكتشف الدقائق ، لا بعين التقليد الأعمى التي تجعل من السراب ماءً ، ومن الخيال حقيقة ، تجد أولاها تدل على منتهى الإنكار على القول بخلق الحروف الهجائية ، التي يتركب منها الكلام ، ويتخاطب بها الناس ، حتى بلغ إلى إلحاقه بالكفر والعياذ بالله ، ومقتضى ذلك أنها في القدم كالذات العلية ، وتجد في أخراها ما يدل على أن كل شيء من المخلوقين على لسان المخلوقين فهو مخلوق ، فأي القولين أحق بالحق وأسعد بالصواب ، فإن كان الأول لزم أن يكون الثاني كفراً ، وإن كان الآخر فكذلك ، لما في حديث أبي ذر رضي الله عنه عند مسلم ( ومن دعا رَجُلاً بالكفر أو قال عدو الله ، وليس كذلك إلا حار عليه ) .

وأما اعتذار ابن تيمية عنه بقوله : ( وأحمد أنكر قول القائل ، إن الله لما خلق الحروف أنه قال : من قال أن حرفاً من حروف المعجم مخلوق فهو جهمي ، لأنه سلك طريقاً إلى البدعة ، ومن قال : إن ذلك مخلوق ، فقد قال إن القرآن مخلوق ) (2)، فهو اعتذار لا يجدي فتيلاً ، فإن إنكار خلق ما علم أنه مخلوق بضرورة العقل وتواتر النقل وإلحاقه بالله تعالى في القدم - مع الإعراض عن النصوص القرآنية القاطعة بأن كل شيء سوى الله مخلوق ، كقوله تعالى : ( خالق كل شيء ) الأنعام 102 / الرعد 16 / الزمر 62/غافر 62 ، وقوله : ( وخلق كل شيء فقدَّره تقديراً ) الفرقان 2 ، لا يسوغ بحال ، فكيف والدافع إليه ليس إلا خشية سطوع شمس الحقيقة وتبخر ضباب الأوهام ، التي أرادوها أن تكون ستاراً بين العقول ودركها الحقائق ، والأشد من ذلك ، عدم الاكتفاء بإنكار الحقيقة فحسب بل تجاوزا ذلك إلى الحكم على من قالها بالجهمية والتبديع والتكفير ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ما أضيع الإسلام إذا فُسِّر بهذه المفاهيم المتناقضة !! وما أحير أصحابه إن لم يعرفوه إلا بها !! وإن أردت المزيد من تناقضهم فاسمع إلى ما يقوله ابن تيمية أيضاً : ( أما القول بأن المداد المكتوب قديم ، فما علمنا قائلاً معروفاً قال به ، وما رأينا ذلك في كتاب أحد من المصنفين ، لا من أصحاب أبي حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد ، بل رأينا في كتب طائفة من المصنفين من أصحاب مالك والشافعي وأحمد إنكار القول بأن المداد قديم وتكذيب من نقل ذلك ، وفي كلام بعضهم ما يدل على أن في المصحف حرفاً قديماً ليس هو المداد ). ( ثم منهم من يقول ، هو ظاهر فيه ليس بحالّ ، ومنهم من يقول هو حالّ ، وفي كلام بعضهم ما يقتضي أن يكون ذلك هو الشكل ، شكل الحرف وصورته ، لا مادته التي هي مداده ، ، وهذا القول أيضاً باطل ، كما أن القول بأن شيئاً من أصوات الآدميين قديم هو قول باطل ، وهو قول قاله طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ، وجمهور هؤلاء ينكرون هذا القول، وكلام أحمد وجمهور أصحابه في إنكار هذا القول مشهور .

ولا ريب أن من قال إن أصوات العباد قديمة فهو مفترٍ مبتدع له حكم أمثاله ، كما أن من قال إن هذا القرآن ليس هو كلام الله فهو مفترٍ مبتدع له حكم أمثاله ) (1)أنظر إلى هذا التضارب في الأقوال والتحزب في الآراء ، من غير دليل يستند إليه إلا تبرير ما يتصوره كل من هؤلاء القائلين أنه الحق، وإلا فما هي الحجة على ذلك من برهان العقل أو صحيح النقل ؟

واضْمُمْ إلى ما تقدم قوله أيضاً - بعد أن ذكر كلام المثبتين لخلق القرآن - ( فقابلهم قوم أرادوا تقويم السنة فوقعوا في البدعة ، وردوا باطلا بباطل ، وقابلوا الفاسد بالفاسد، فقالوا تلاوتنا للقرآن غير مخلوقه، وألفاظنا به غير مخلوقة، لأن هذا هو القرآن ، والقرآن غير مخلوق، ولم يفرقوا بين الاسم المطلق والاسم المقيد في الدلالة، وبين حال المسمى إذا كان مجردا وحاله إذا كان مقرونا مقيدا ، فأنكر الإمام احمد أيضا على من قال إن تلاوة العباد وقراءتهم وألفاظهم وأصواتهم غير مخلوقة ، وأمر بهجران هؤلاء ، كما جهَّم الأولين وبدَّعهم، والنقل عنه بذلك من رواية ابنه عبدالله وصالح والمروذي وفوران وأبي طالب وأبي بكر بن صدقه ، وخلق كثير من أصحابه وأتباعه )

( وقد قام أخص أتباعه أبو بكر المروذي بعد مماته في ذلك ، وجمع كلامه وكلام الأئمة من أصحابه وغيرهم مثل عبد الوهاب الوراق ، والأثرم ، وأبي داود السجستاني ، والفضل بن زياد ، ومثنى بن جامع الأنباري ، ومحمد بن إسحاق الصنعاني ، ومحمد بن سهل بن عسكر ، وغير هؤلاء من علماء الإسلام ، وبيَّن بدعة هؤلاء الذين يقولون إن تلاوة العباد وألفاظهم بالقرآن غير مخلوقة )

( وقد ذكر ذلك الخلاَّل في كتاب السنة وبسط القول في ذلك ، قال الخلاَّل : أخبرني أبو بكر المروذي قال : بلغ أبا عبدالله عن أبي طالب أنه كتب إلى أهل نصيبين : ( إن لفظي بالقرآن غير مخلوق) ، قال أبو بكر : فجاءنا صالح بن أحمد فقال : قوموا إلى أبي فجئنا فدخلنا على أبي عبدالله فإذا هو غضبان شديد الغضب قد تبين الغضب في وجهه ، قال : اذهب فجئني بأبي طالب ، فجئت به فقعد بين يدي أبي عبدالله وهو يرعد ، فقال : كتبت إلى أهل نصيبين تخبرهم عني أني قلت لفظي بالقرآن غير مخلوق ؟ فقال : إنما حكيت عن نفسي، قال فلا يحل هذا عنك ولا عن نفسي ، فما سمعت عالماً قال هذا ، قال أبو عبدالله القرآن كلام الله غير مخلوق كيف تصرف ؟ فقيل لأبي طالب : أخرج وأخبر أن أبا عبدالله قد نهى أن يقال لفظي بالقرآن غير مخلوق ، فخرج أبو طالب فلقي جماعة من المحدثين فأخبرهم أن أبا عبدالله نهاه أن يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق )

( ومع هذا فكل واحدة من الطائفتين الذين يقولون لفظنا بالقرآن غير مخلوق ، والذين يقولون لفظنا وتلاوتنا مخلوقة تنتحل أبا عبدالله وتحكي قولها عنه ، وتزعم أنه كان على مقالتها ، لأنه إمام مقبول عند الجميع ، ولأن الحق الذي مع كل طائفة يقوله أحمد ، والباطل الذي تنكره كل طائفة على الأخرى يرده أحمد ، فمحمد بن داود المصيصي - أحد علماء الحديث وأحد شيوخ أبي داود - وجماعة في زمانه كأبي حاتم الرازي وغيره يقولون : لفظنا بالقرآن غير مخلوق ، وتبعهم طائفة على ذلك ، كأبي عبدالله بن حامد وأبي نصر السجزي ، وأبي عبدالله بن منده ، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري ، وأبي العلاء الهمداني ، وأبي الفرج المقدسي ، وغير هؤلاء يقولون إن ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة ، ويروون ذلك عن أحمد ، وأنه رجع إلى ذلك كما ذكره أبو نصر في كتابه الإبانة ، وهي روايات ضعيفة بأسانيد مجهولة ، لا تعارض ما تواتر عنه عند خواص أصحابه وأهل بيته والعلماء الثقات ، لاسيما وقد علم أنه في حياته خطأ أبا طالب في النقل عنه حتى رده أحمد عن ذلك ، وغضب عليه غضباً شديداً ) .

وقد رأيت بعض هؤلاء طعن في تلك النقول الثابتة عنه ، ومنهم من حرَّفها لفظاً ، وأما تحريف معانيها فذهب إليه طوائف ، فأما الذين أثبتوا النقل عنه ووافقوه على إنكاره الأمرين ، وهم جمهور أهل السنة ومن انتسب إليهم من أهل الكلام كأبي الحسن الأشعري وأمثاله ، فإنه ذكر في مقالات أهل السنة والحديث أنهم ينكرون على من قال لفظي بالقرآن مخلوق ، ومن قال لفظي به غير مخلوق ، وأنه يقول بذلك )

( لكن من هؤلاء من تأول كلام أحمد وغيره في ذلك ، بأنه منع أن يقال إن القرآن يلفظ به ، وهذا قاله الأشعري وابن الباقلاني ، والقاضي أبو يعلى وأتباعه كأبي الحسن بن الزاغوني وأمثاله )

( ثم هؤلاء الذين تأولوا كلامه على ذلك ، منهم من قال : المعنى الذي أنكره أحمد على من قال لفظي بالقرآن مخلوق كما فعل ذلك الأشعري وأتباعه ، ومنهم من قال : بل المعنى الذي أنكره أحمد على من قال لفظي به غير مخلوق كما فعل ذلك القاضي وابن الزاغوني وأمثالهما ، فإن أحمد وسائر الأئمة ينكرون أن يكون شيء من كلام الله مخلوقاً حروفه أو معانيه ، أو أن يكون معنى التوراة هو معنى القرآن ، وأن كلام الله إذا عبر عنه بالعربية يكون قرآناً ، وإذا عبر عنه بالعبرانية يكون هو التوراة ، وينكرون أن يكون القرآن المنزل ليس هو كلام الله ، أو أن يطلق القول على ما هو كلام الله بأنه مخلوق ، وأحمد والأئمة ينكرون على من يجعل شيئاً من أفعال العباد أو أصواتهم غير مخلوق فضلاً عن أن يكون قديماً ، وكلام أحمد في مسألة التلاوة والإيمان والقرآن من نمط واحد ، منع إطلاق القول بأن ذلك مخلوق ، لأنه يتضمن القول بأن من صفات الله ما هو مخلوق ، ولما فيه من الذريعة ، ومنع أيضاً إطلاق القول بأنه غير مخلوق لما في ذلك من البدعة والضلال ) (1) نقلت لك أخي القارئ الكريم هذه الفقرات بنصها وفصها من كلام ابن تيمية ، لتقف أولاً على ما بينهم من خلاف في هذه المسألة يفضي إلى التبديع ، ثم خلو كلامهم مما يجوز الاستناد إليه من أدلة القرآن أو السنة أو براهين العقل ، ماعدا ما ينقلونه عن الإمام أحمد ويتصرَّفون في تأويله بحسب ما يحلو لكل فريق من المتأولين ، وتجدهم ينزلون كلام الإمام أحمد في الحجية منزلة كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، بحيث يجعلونه الأصل الذي يرجع إليه كل فريق منهم ، مع أنهم دائماً يرددون بألسنتهم وأقلامهم دعوى عدم التقليد وإتباع أقوال الأئمة من غير دليل ، وتأمل ما جاء في آخر هذه الفقرات ، من اعتبار التلاوة والإيمان فضلاً عن القرآن من صفات الله تعالى ، وكيف يتقبل عقل أحد آتاه الله نوراً في عقله ، بأن يكون الإيمان الذي في قلوب المؤمنين والتلاوة الجارية على ألسنة التالين من صفاته تعالى الأزلية .

ونجد ابن تيمية ينقل عن أحمد والبخاري وجماعة من أصحاب أحمد كعبد الوهاب الوراق ، والأثرم ، والمروذي ، ومحمد بن بشار ، وأبي الحسين الطوسي ، وغيرهم ، أنهم كانوا ينكرون أشد الإنكار على من قال إن لفظ العبد بالقرآن أو صوته به أو غير ذلك من صفات العباد المتعلقة بالقرآن غير مخلوقة ، ويأمرون بعقوبته بالهجر وغيره ) (2)وأتبع ذلك نقل بعض القصص التي وقعت لأصحاب أحمد عنده ، بسبب نسبتهم إليه أن لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق ) (3).

فانظر كيف يمكن جعل التلاوة تارة من صفات العبد فيمتنع القول بقدمها ، وتارة من صفات الله فيمتنع القول بخلقها ، مع أن الكائنات بأسرها أجسامها وأعراضها إما أن تكون محدثة ، وكل محدث مخلوق ، وإما أن تكون قديمة ، وذلك مالا يجوز أن يوصف به غير الله تعالى الأول والآخر ، الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً ، والحدوث والقِدم نقيضان لا يمكن ارتفاعهما عن موجود بعينه كما لا يمكن اجتماعهما ، فكيف ينفيان معاً عن شيء بعينه ويضلل من قال فيه بأحدهما .

وقد بلغت بهم الحيرة إلى الوقوف عن القول في المداد بخلقه أو قِدمه ، إن كتب به القرآن (1)، ثم تراجع ابن تيمية عن ذلك إلى التصريح بخلقه حيث قال: ( وكذلك ما يكتب في المصاحف من كلامه فهو كلامه مكتوباً في المصاحف ، وكلامه غير مخلوق ، والمداد يكتب به كلامه وغير كلامه مخلوق )(2)

ثم إن ابن تيمية فرَّق بين الحروف التي يتألف منها القرآن ، والحروف التي يتألف منها سائر الكلام ، حيث قال : ( من قال إن حروف المعجم كلها مخلوقة وأن كلام الله مخلوق فقد قال قولاً مخالفاً للقول المعقول الصريح والمنقول الصحيح ، ومن قال : نفس أصوات العباد أو مدادهم ، أو شيئاً من ذلك قديم فقد خالف أيضاً أقوال السلف وكان فساد قوله ظاهراً لكل أحد ، وكان مبتدعاً قولاً لم يقله أحد من المسلمين ولا قالته طائفة كبيرة من طوائف المسلمين ، بل الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم بريئون من ذلك ، ومن قال : إن الحرف المعين أو الكلمة المعينة قديمة العين فقد ابتدع قولاً باطلاً في الشرع والعقل ، ومن قال إن جنس الحروف التي تكلم الله بها بالقرآن وغيره ليست مخلوقة ، وأن الكلام العربي الذي تكلم به ليس مخلوقاً ، والحروف المنتظمة منه جزء منه ولازمة له ، وقد تكلم الله بها فلا تكون مخلوقة فقد أصاب).(3)

وتجد في هذا الكلام من الغرابة أنك بينما تجد فيه أن من قال إن الحرف المعين أو الكلمة المعينة قديمة العين فقد ابتدع قولاً باطلاً في الشرع والعقل - وهو حق في ذاته - تجد بعده ما ينقضه وهو أن الحروف التي انتظم منها القرآن والكلمات التي تركب منها ليست مخلوقة فكيف يكون الشيء الواحد مخلوقاً وغير مخلوق ، وبجانب ذلك ينقل ابن تيمية نفسه عن الإمام أحمد أن من قال إن حرفاً من حروف المعجم مخلوق فهو جهمي (4) على أن الظاهر من كلامه التفرقة بين الحروف والكلمات إن جاءت في كلام الله أو جاءت في كلام الخلق فهي - بحسب هذا الظاهر - في كلام الله غير مخلوقة وفي كلام خلقه مخلوقة ، فيلزم من ذلك أن تكون أسماء النبيين وغيرهم وسائر الأسماء المذكورة في القرآن إن وردت في القرآن فهي قديمة وإن وردت في غيره فهي حادثة ، ويترتب على ذلك أن يكون لكل منها حكمان متضادان .

وأصرح من كلام ابن تيمية قول تلميذه ابن القيم : ( وإذا قيل إن حروف المعجم مخلوقة أو غير مخلوقة ، فجوابه أن الحرف حرفان ، فالحرف الواقع في كلام المخلوقين مخلوق ، وحروف القرآن غير مخلوقة ) .(5)

ومع ما سبق نقله من كلام ابن تيمية الذي ينص بأن موقف الإمام أحمد وأكثر أصحابه أنهم اشتد إنكارهم على الذين قالوا بأن تلاوة العباد وألفاظهم بالقرآن غير مخلوقة ، وحكموا عليهم بالبدعة ، وأمروا بهجرهم ، نجد ما يخالف ذلك في كلامه بنفسه حيث يقول: (وأما الحروف هل هي مخلوقة أو غير مخلوقة؟ فالخلاف في ذلك بين الخَلَف مشهور ، فأما السلف فلم ينقل عن أحد منهم أن حروف القرآن وألفاظه وتلاوته مخلوقة ، ولا ما يدل على ذلك،بل قد ثبت عن غير واحد منهم الرد على من قال إن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة وقالوا هو جهمي ، ومنهم من كفره ، وفي لفظ بعضهم تلاوة القرآن ، ولفظ بعضهم الحروف ، وممن ثبت عنه ذلك أحمد بن حنبل وأبو الوليد الجارودي صاحب الشافعي ، وإسحاق بن راهويه ، والحميدي ، ومحمد ابن أسلم الطوسي ، وهشام بن عمر ، وأحمد بن صالح المصري ) (1) ولا داعي إلى التعليق على هذا الكلام ، فإذا كانت تلاوة التالي للقرآن غير مخلوقة مع أنها فعل من أفعاله ، والتالي نفسه مخلوق ، وكل أفعاله كائنة بعد أن لم تكن فحسبي الله ، آمنت به سبحانه ربا لا شريك له في خلقه ، ولا ند له في ربوبيته ، ولا مشابه له في صفاته .

وقال ابن تيمية أيضاً

وهناك ثلاثة أشياء :
ـ أحدها : حروف القرآن التي هي لفظه قبل أن ينزل بها جبريل ، وبعد ما نزل بها ، فمن قال إن هذه مخلوقة فقد خالف إجماع السلف فإنه لم يكن في زمانهم من يقول هذا إلا الذين قالوا إن القرآن مخلوق ، فإن أولئك قالوا بالخلق للألفاظ ألفاظ القرآن ، وأما ما سوى ذلك فهم لا يقرّون بثبوته لا مخلوقاً ولا غير مخلوق ، وقد اعترف غير واحد من فحول أهل الكلام بهذا ، منهم عبد الكريم الشهرستاني مع خبرته بالملل والنحل ، فإنه ذكر أن السلف مطلقاً ذهبوا إلى أن حروف القرآن غير مخلوقة ، وقال : ظهور القول بحدوث القرآن محدث ، وقرر مذهب السلف في كتابه المسمى بنهاية الكلام .


ـ الثاني : أفعال العباد ، وهي حركاتهم التي تظهر عليها التلاوة ، فلا خلاف بين السلف أن أفعال العباد مخلوقة ، ولهذا قيل أنه بدَّع أكثرهم من قال لفظي بالقرآن مخلوق (2) لأن ذلك قد يدخل فيه فعله .


ـ الثالث : التلاوة الظاهرة من العبد عقيب حركة الآية ، فهذه منهم من يصفها بالخلق ، وأول من قال ذلك - فيما بلغنا - حسين الكرابيسي وتلميذه داود الأصبهاني (3)وطائفة ، فأنكر ذلك عليهم علماء السنة في ذلك الوقت ، وقالوا فيهم كلاماً غليظاً ، وجمهورهم - وهم اللفظية عند السلف - الذين يقولون لفظنا بالقرآن مخلوق ، أو القرآن بألفاظنا مخلوق ، ونحو ذلك .

وعارضهـم طائفة من أهل الحديث والسنة كثيرون ، فقالوا : لفظنا بالقرآن غير مخلوق ، والذي استقرت عليه نصوص الإمام أحمد وطبقته من أهل العلم أن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع ، هذا هو الصواب عند جماهير أهل السنة أن لا يطلق واحد منهما كما عليه الإمام أحمد وجمهور السلف ، لأن كل واحد من الإطلاقين يقتضي إيهاماً لخطأ ، فإن أصوات العباد محدثة بلا شك ، وإن كان بعض من نصر السنة ينفي الخلق عن الصوت المسموع من العبد بالقرآن ، وهو مقدار ما يكون من القرآن المبلغ.

فإن جمهور أهل السنة أنكروا ذلك وعابوه جرياً على منهاج أحمد وغيره من أئمة الهدى ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( زينوا القرآن بأصواتكم ) .

( وأما التلاوة في نفسها التي هي حروف القرآن وألفاظه فهي غير مخلوقة ، والعبد إنما يقرأ كلام الله بصوته ، كما أنه إذا قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات .. ) فهذا الكلام لفظه ومعناه إنما هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قد بلغه بحركته وصوته ، كذلك القرآن لفظه ومعناه كلام الله تعالى ، ليس للمخلوق فيه إلا تبليغه وتأديته وصوته ، وما يخفى على لبيب الفرق بين التلاوة في نفسها قبل أن يتكلم بها الخلق وبعد أن يتكلموا بها ، وبين ما للعبد في تلاوة القرآن من عمل وكسب ، وإنما غلط بعض الموافقين والمخالفين فجعلوا البابين باباً واحداً وأرادوا أن يستدلوا على نفس حدوث حروف القرآن بما دل على حدوث أفعال العباد ، وما تولد عنها ، وهذا أقبح الغلط ، وليس في الحجج العقلية ولا السمعية ما يدل على حدوث نفس حروف القرآن إلا من جنس ما يحتج به على حدوث معانيه ، والجواب عن الحجج مثل الجواب عن هذه لمن استهدى الله فهداه ) (1)وكلامه هذا لا يختلف عن سائر ما سبق نقله عنه ، مما يدل على تضارب أقوالهم وتناقض حججهم ، فهو لا يحتاج إلى تعليق من هذه الحيثية ، وإنما أردت أن أضع بين يدي القارئ الكريم النقاط التالية :

1 ـ أن ابن تيمية حكى في صدر هذا الكلام المنقول أنّ من قال بأن حروف القرآن مخلوقة فهو مخالف للإجماع ، وأي إجماع هذا ؟ فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين لم يثيروا مسألة خلق القرآن ، وإنما اكتفوا باعتقاد أنه تنزيل من حكيم حميد ، وأن الله خالق كل شيء ، وما سواه مخلوق كائناً ما كان ، أما بعد ما أثيرت المسألة ونجم الخلاف فيها بين طوائف الأمة فلا وجه لأن يُعَدَّ قول طائفة منها إجماعاً ، اللهم إلا قول المستندين إلى الأدلة القاطعة من الكتاب أو السنة الصحيحة المتواترة ، أو الأصول المجمع عليها ، وهذا إنما يعرف بتمحيص الأقوال وبحث أدلتها ، وسيأتيك إن شاء الله من ذلك في هذا المبحث ما يثلج صدرك ويشرحه بالحق الذي لا مرية فيه .

2 ـ أنه فرق بين أفعال العباد - وهي حركاتهم التي تظهر عليها التلاوة - فحكى أنه لا خلاف بين السلف أن أفعال العباد مخلوقة ، وبين التلاوة الظاهرة من العبد عقيب حركة الآية ، فحكى عن علماء السنة أنهم أنكروا على من قال بخلقها مع أنه من المعلوم قطعاً أن ما يظهر من العبد عندما يتلو القرآن من الحركة ما هو إلا فعله المعبر عنه بالتلاوة ، وكيف يكون فعل العبد غير مخلوق مع أن نفس الفاعل مخلوق .

3 ـ أنه فرق بين التلاوة في نفسها قبل أن يتكلم بها الخلق وبعد أن يتكلموا بها ، وبين ما للعبد في تلاوة القرآن من عمل وكسب ، وادَّعى أن الفرق بينهما لا يخفى على لبيب ، مع أن التلاوة - كما قلت قبل قليل - ليست إلا نفس فعل التالي ، فكيف يفرق بين فعل العبد وبين ماله فيه من عمل وكسب ؟ وهل مثل هذا إلا كمثل التفرقة بين الضرب الصادر من الضارب ، والصوم الكائن ، من الصائم ، وبين كسب العبد فيهما ؟ وما هو في الحقيقة إلا تفريق بين الشيء ونفسه .

4 ـ أنه ادَّعى أنه ليس في الحجج العقلية ولا السمعية ما يدل على حدوث نفس حروف القرآن ، وليس لهذا جواب إلا أن يقال :



وليس يصح في الأذهان شيءٌ

إذا احتاج النهار إلى دليل

وستوافيك إن شاء الله هذه الحجج في الفصل الأخير المعقود لذلك من هذا المبحث .

وهاك نصًّا آخر عن ابن تيمية في تنازعهم في هذه المسألة قال : ( والقول بأن اللفظ غير مخلوق نُسب إلى محمد بن يحيى الذهلي ، وأبي حاتم الرازي ، بل وبعض الناس ينسبه إلى أبي زرعة أيضاً ويقول إنه هو وأبو حاتم هجرا البخاري ، لما هجره محمد بن يحيى الذهلي ، والقصة في ذلك مشهورة ) .

( وبعد موت أحمد وقع بين بعض أصحابه وبعضهم وبين طوائف من غيرهم بهذا السبب . وكان أهل الثغر مع محمد بن داود والمصيصي شيخ أبي داود يقولون بهذا ، فلما ولي صالح بن أحمد قضاء الثغر طلب منه أبو بكر المروذي أن يظهر لأهل الثغر مسألة أبي طالب فإنه قد شهدها صالح وعبد الله أبنا أحمد ، والمروذي وفوران ، وغيرهم ، وصنف المروذي كتاباً في الإنكار على من قال إن لفظي بالقرآن غير مخلوق ، وأرسل في ذلك إلى العلماء بمكة والمدينة والكوفة والبصرة ، وخراسان وغيرهم ، وقد ذكر ذلك أبو الخلال في كتاب السنة - وبسط القول في ذلك ) .

( ومع هذا فطوائف من المنتسبين إلى السنة وإلى أتباع أحمد كأبي عبدالله بن منده ، وأبي نصر السجزي ، وأبي إسماعيل الأنصاري ، وأبي العلاء الهمداني وغيرهم يقولون لفظنا بالقرآن غير مخلوق ، ويقولون إن هذا قول أحمد ، ويكذبون - أو منهم من يكذب - برواية أبي طالب ويقولون إنها مفتعلة عليه ، أو يقولون رجع عن ذلك ، كما ذكر ذلك أبو نصر السجزي في كتابه " الإبانة " المشهور ) .

( وليس الأمر كما قال هؤلاء ، فإن أعلم الناس بأحمد وأخص الناس وأصدق الناس في النقل عنه هم الذين رووا ذلك عنه ، ولكن أهل خراسان لم يكن لهم من العلم بأقوال أحمد ما لأهل العراق الذين هم أخص به ، وأعظم ما وقعت فتنة اللفظ بخراسان ، وتعصب فيها على البخاري - مع جلالته وإمامته - وإن كان الذين قاموا عليه أيضاً أئمة أجلاء ) (1)وهذا النص يفيد أنهم لم يكتفوا بالاختلاف في الرأي والاعتقاد بل جاوزوه إلى تكذيب بعضهم لبعضِ في الروايات التي يُسْنِدُونَهَا إلى أحمد ويستندون إليها .

وذكر ابن تيمية عقب هذا النص أنه وجد بخط بعض الشيوخ الذين لهم علم ودين يقول : مات البخاري بقرية خرتنك فأرسل أحمد إلى أهل القرية يأمرهم أن لا يصلوا عليه لأجل قوله في مسألة اللفظ .

وتعقبه ابن تيمية بأن هذا من أبين الكذب على أحمد والبخاري ، وأن كاذبه جاهل بحالهما لأن موت أحمد سابق على موت البخاري بخمسة عشر عاماً إذ كانت وفاته سنة إحدى وأربعين بينما وفاة البخاري كانت سنة ست وخمسين ) (2).

وهذه صورة واضحة من صور التعصب المقيت الذي كان بينهم في هذه المسألة ، وناهيك أن ابن تيمية ينسب هذا الكذب إلى من له علم ودين منهم ، فكيف بمن خلا منهما أو من أحدهما ، وأي دين يبقى لمن يسوغ لنفسه أن يكذب في أمور الدين ، ولست أرى هذه الاستساغة للكذب إلا أثراً من آثار اعتقاد العفو عن أهل الكبائر ، أو أنهم يعذبون بمقدارٍ ثم يخرجون من النار .

هذا وذكر ابن تيمية أنه رأى بخط القاضي أبي يعلى قال : ( نقلت من آخر كتاب الرسالة للبخاري في أن القراءة غير المقروء ، وقال وقع عندي عن أحمد بن حنبل على اثنين وعشرين وجها كلها يخالف بعضها بعضاً ، والصحيح عندي أنه قال : ما سمعت عالماً يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق ، قال : وافترق أصحاب أحمد بن حنبل على نحو من خمسين ) (3). وهم في هذا التنازع لا يرجعون إلى أصل من كتاب أو سنة ، وإنما كل مستندهم ما يروونه عن الإمام أحمد ويتأولونه من كلامه ، فكأنهم جعلوا كلامه أصلا من أصول الدين المستند إليها ، فأين هم من قوله تعالى : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) النساء 59 ، وقد أغمضوا أعينهم عن كل ما جاء عن الله والرسول مما يجلو وجه الحق ويكشف سدول الجهل عن حقيقته في هذه المسألة مما ستقف عليه في الفصل الأخير إن شاء الله ، ومع هذا لا تزال تسمع دعاوي عدم التقليد وعدم التقيد إلا بما ثبت عن الله والرسول فأين الواقع من الدعوى ؟ !!

وقد بلغ الإصرار ببعضهم إلى التزام كل ما يترتب على القول بقِدم القرآن حتى أصر بعضهم على أن كلام المخلوقين غير مخلوق لمشابهته كلام الله في حروفه وكلماته ، كما ذكره القاضي ابن عقيل - من الحنابلة - ونقله عنه ابن تيمية (1)وقال إثره: ( هذا الذي حكى عنه ابن عقيل من بعض الأصحاب المذكورين منهم القاضي يعقوب البرزيني ، ذكره في مصنفه فقال : دليل عاشر وهو أن هذه الحروف بعينها وصفتها ومعناها وفائدتها هي التي في كتاب الله تعالى وفي أسمائه وصفاته ، والكتاب بحروفه قديم وكذلك هاهنا )

قال : ( فإن قيل لا نسلم إن تلك لها حرمة وهذه لا حرمة لها ، قيل لا نسلم بل لها حرمة ، فإن قيل لو كان لها حرمة لوجب أن تمنع الحائض والنفساء من مسها وقراءتها ، قيل قد لا تمنع من مسها وقراءتها ويكون لها حرمة كبعض آية تمنع من قراءتها ولها حرمة وهي قديمة ، وإنما لم تمنع من قراءتها ومسها للحاجة إلى تعليمها ، كما يقال في الصبي يجوز له مس المصحف على غير طهارة للحاجة إلى تعلي