أصول الدينونة الصافية للشيخ أبي حفص عمروس بن فتح

كتاب أصول الدينونة الصافية

تأليف الشيخ: أبي حفص عمروس بن فتح النفوسي

تحقيق: حاج أحمد بن حمو كُّروم
مراجعة:
مصطفى بن محمد شريفي
محمد بن موسى باباعمي
الطبعة الأولى
1420هـ / 1999م

تقديم
(( إن كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه ))
كلمة عظيمة من إمام عظيم في إمام عظيم .
هذه العبارة لهي شهادة علمية رفيعة المستوى ، وأجازة من الأجازات العلمية العالية منحها واحد من أقطاب العلم وعظماء الإسلام ذلكم هو الإمام المحكم محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي العماني رضي الله عنه إلى واحد من عباقرة العلم وعلماء الإسلام هو أبو حفص عمروس بن فتح المساكني النفوسي رضي الله عنه.
إن علاّميَّة عمروس ودقة فهمه وقوة استنباطه لمسائل العلم وقضاياه جعلت من الإمام الكبير محمد بن محبوب إن يظهر إعجابه بهذا النابغة المغربي الذي سبقته شهرته العلمية إلى المشرق العربي ولا سيما عُمان عندما تم اللقاء بينهما في مكة المكرمة حرسها الله تعالى ، حتى اخذ الحديث بالإمامين الكبيرين شجوناً وشئوناً كل مأخذ وتوغل بهما وتوغلا فيه إلى مكنون العلم الذي يضن به على غير أهله .
إن هذه الحادثة اللقائية المكية ترشدنا إلى ما لعمروس من منزلة عظمى في العلم ودرجة عليا في الفهم .
لذلك نجد إمام المنقول والمعقول أبا يعقوب الوارجلاني رضي الله عنه يورده في كتابه (( الدليل والبرهان )) من بين الأئمة العشرة الذين نقل عنهم مسائل عقدية تعتبر قواعد في علم العقيدة .
فلا غرو أن تأتي (( الدينونة الصافية )) صافية من غير كدر نقية من أية شائبة عذبة المورد سائغة للشاربين .
على أن الدينونة معناها الدين وهو دين الإسلام الحنيف ، مشتقة من دان يدين وهي كلمة ليست لها صيغة تصريفية عند العرب ، وإنما مما عدوه من النوادر وقليل النظائر ومنه قولهم (( طار طيرورة ، وسار سيرورة ، وحاد حيدودة ، وكان كينونة ، ودام ديمومة ، وهاع هيعوعة ، وساد سيدودة ، وقال قيلولة )) .
إن هذا العمل الجليل هو واحد من نتاج فكر عمروس ووحي عبقريته الفذة ضمنه دقيق مسائل العبادات وواضح قضايا الأحكام .
ولقد جاء عمل الأستاذ الفاضل / حاج أحمد بن حمو كّروم في تحقيق الكتاب جهداً واضحاً ملموساً ، فهو قد بذل فيه جهداً مشكوراً حيث استطاع أن يجمع مخطوطات خمسا للكتاب وهو أمر يعتبر من أساسيات عمل التحقيق .
وان وزارة التراث القومي والثقافة وعلى رأسها سمو السيد / فيصل بن على بن فيصل آل سعيد وزير التراث القومي والثقافة حينما تهم بنشر هذا الكتاب فإنها تضيف إلى المكتبة الإسلامية كنزاً قيما من كنوز العلم والمعرفة ، وتملأ بذلك حيزاً من مساحة الفكر الإسلامي العظيم عقيدة وشريعة .
وما ذلك إلا إستلهاماً من توجيهات القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ليكون حاضر هذه الأمة موصولا بماضيها تراثاً ، وليكون اللاحق سائراً على درب السابق تاريخاً ، وليكون السلوك مستمداً من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ومأثور أهل العلم اعتقاداً وعملاً .
والله نسأله التوفيق إلى كل خير والسداد في القول والعمل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
أحمد بن سعود السيابي
10/ 6/ 1418هـ.
12/10/ 1997م .

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
مقدمة
{ الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } وبعد :
ففي إطار الهواية التي اخترتها مناط مستقبلي ألا وهي : جمع مخطوطات الأصحاب ، وتحقيقها بعد تنظيمها عثرت على هذا المخطوط النفيس في مكتبة البكري بالعطف أثناء قيامي بوضع بطاقات فنية لمخطوطات المكتبة في رمضان 1410هـ / 1990م .
وما زالت نفسي تميل للقيام بتحقيقه وإخراجه للنور حتى طلب مني أحد الأساتذة أن أفيده بمخطوط كلامي يقوم هو بتحقيقه فسارعت إلى الإجابة لطلبه حتى لا تنفلت الفرصة بأن قدمت له المخطوط الذي بين يديك .. وعندما تصفحه وجده دون مستوى الشرط الذي طلبه فأرجعه لي .
هنالك عقدت العزم على نفسي في بداية سنة : 1411هـ / 1991م لأن أقوم بالعلمية معتمداً على نفسي وعلى إمكانياتي الكليلة في الميدان راجياً من المولى عزّ وجل العون والتّوفيق ، وأهمّ ما حفّزني إليه هو وجود نسخة ثانية في مكتبة المدرسة الجابرية ببني يزقن ، إضافة إلى وجود تسهيلات لاقتناء النسختين من قيمي المكتبتين حفظهم الله ورحم المحبَّسين ـ وكذا المكتبة الخاصة لشيخنا الحاج محمّد بن بأحمد الحاج سعيد العطفاوي ـ رحمه الله ـ وأبنائه المعتنين بها تقبّل الله منهم .
استغاثة ملحة
وهنا لا أنسى أن أغتنم الفرصة لأوجّه استغاثة إلى :
أصحاب مكتبات الآباء والأجداد : أن يتّقوا الله في خزن المخطوطات التي في حوزتهم وألاّ يستحوذوا عليها في (( عمدٍ ممدَّدة )) وليعملوا صالحاً للحضارة والأجيال ـ على الأقل ـ بعدم إهمالها والاِستخفاف بحقّها ... وأن يمدّوا يد المساعدة للرّاغبين على الاِطّلاع عليها لأنَّها ليست ملكهم وحدهم بل هي ملك للأجيال حتى لا تضيع الأمانة من أيدينا ..
أصحاب الشّهادات والألقاب العليا في مختلف فنون العلم الحديث : أن لا يتوانوا في تجديد أمر هذا التّراث الحيّ الضّخم ، وأن يمدّوا له أيديهم وأفكارهم وقلوبهم ؛ لئلاّ تستفزّه الأيدي المادّية والأفكار المغرضة ... واعلموا أن الحجّة قائمة عليكم بم أوتيتم من (( بسطة في العلم والجسم )) والتاريخ لا يرحمكم ولا يعذركم في الكسل بما وفّر الله لنا من الوسائل المتطوّرة في الحياة .
أصحاب رؤوس الأموال : أن لا يردّوا طلاّب المساعدة المادّية في هذا الميدان ... فالمال مال الله ... وما نحن إلاّ موظّفون مكلّفون ومحاسبون بل ومسؤولون عنه : من أين ؟ وإلى أين ...
وقبل أن أختم هذه الكلمات يجدر بي أن أعرض عليك أخي القارئ الخطّة التي سلكتها أثناء القيام بعمليّة التّحقيق الموضوعيَّ لفصول الكتاب ، ونصوص ترجمة المؤلّف .
عرض خطّة البحث والتّحقيق
نقلت هذه المخطوطات من مخطوطة ( د ) وقارنتها بمخطوطة ( أ ) و ( ب ) و ( جـ ) و ( هـ ) .
غالب الأخطاء اللغوية الموجودة في نسخة ( ب ) لم أثبتها في الهامش نظراً لكثرتها وبساطتها ، ويبدو أنّ ناسخ المخطوطة ( ب ) لم يكن عالما باللغة رحمة الله وتقبّل منه .
أشرت في الهوامش إلي ما كان من غموض كلمة بين النسخ فأبيّن الأنسب ليستقيم المعنى .
شرحت بعض الكلمات الجديدة والمصطلحات العلميّة ليفهمها القارئ .
خرّجت الأحاديث والآيات وأتممت ما يجدر إتمامه ، قدر المستطاع .
اعتمدت النسخة ( د ) أُمَّا للمخطوطات الأخرى نظراً لقدمها ، وجودة خطّها ، وضبطها وقلَّة الأخطاء فيها ، ولكونها تامَّة . اللهمَّ إلاَّ بعض الأخطاء الواضحة التي لا بدَّ من تصحيحها داخل المتن ، اعتماداً على النسخ الأخرى ـ خاصَّة ( هـ ) ـ مع الإشارة إلى ذلك في الهامش وهي قليلة .
أنني أطلت في التّرجمة رغبة مني في كشف الضبّاب الكثيف عن هذه الشّخصية النّموذجيّة التي لا يعرفها كثير من النّاس .
وضعت الفهارس المختلفة للكتاب ليسهل على الباحث مبتغاه .
بينّت القيمة العلمية للمخطوط وعرفت به وأثبت نسبته للمؤلّف حتى لا يكون مختلقاً عليه للشّهرة ، أو لقيطا تبنّاه بغير حق ...
كما أنَّني حاولت إرجاع بعض الآراء في متن المخطوط إلى أصحابها اعتماداً على بعض أمَّهات كتب الفقه ، ومن أبرزها : (( مدوّنة أبي غانم الخرساني )) رحمه الله ، التي هي مصدر من المصادر الهامّة لهذا الكتاب .
لقد سمحت لنفسي بوضع عناوين الأبواب والفصول والفقرات ليجد القارئ راحته أثناء الاِستفادة منه ... فأيّ عنوان وجدته بين معقوفتين فهو منّي .
لقد حاولت الاِبتعاد ما أمكن عن وضع تعليقات على الأفكار لئلا يتخم الكتاب فيخرج عن إطار التّحقيق إلى الشّرح إلاّ ما كان لا بدّ منه .
فما كان من حسن فبفضل الله وما كان من نقص فمن نفسي ... وعلى الله قصد السّبيل وهو أعلم بما تخفي الصّدور ...
والسلام عليكم ورحمة الله
القسم الأول
حول حياة المؤلف
ترجمة حياة المؤلَّف : الشيخ أبي حفص عمروس بن فتح المساكني النفوسي
مولده
ولد الشيخ عمروس بن فتح في قافلة نفوسة المتوجّهة إلى البقاع المقدّسة في أواخر العقد السّادس من القرن الثّاني الهجري . (1)
عائلته
أبوه : لم يسجّل لنا المصدر عن أبيه أيَّة معلومة تذكر ...
أمُّه : توفيت وتركته في المهد صبيّا ، ورجعت بسببه من طريق الحجّ وعندما حضرتها الوفاة أوصت بالحجّ وغيره ، لَّما سئلت عمّن استخلفت في إنفاذ هذه الوصيّة ... فأشارت إلى الذي في المهد ، وهو ابنها الرّضيع (( عمروس )) (2)
أخته : هي العالمة المشهورة بمواقف وأمجاد كثيرة منها ثلاثة للتّمثيل :
اشتراكها في نسخ مدونة أبي غانم الخرساني إذ كانت هي التي تملي على أخيها عمروس . (3)
__________
(1) …مجموعة ستة كتب ... الكتاب الرابع ، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية لعبد الله بن حميد السالمي ص70 ... غير أن الشماخي في كتاب السير لم يذكر عمروس بن فتح منهم ص228 ؛ وكذا ج1 من مخطوط سير المشايخ لأبي الربيع الوسياني ص6 ... وبالتالي يبدو وأن السالمي استنتجه استنتاجا من السياق وهو الصحيح .
(2) …الدرجيني أبو العباس : طبقات المشايخ بالمغرب ، ط1 ، تحقيق إبراهيم طلاي ، مطبعة البعث ـ قسنطية ـ الجزائر ـ ج2 ، ص324 .
(3) …انظر النقطة الرابعة من (( فتاويه واجتهاداته )) من مقدمة هذا الكتاب .
اشتراكها في وقعة (( مانو )) بجبل نفوسة مع النسوة ، أين استشهد أخوها ، فلمّا خشيت على نفسها وعليهنَّ الفتنة من الظلمة أمرت كلَّ واحدة منهنّ أن تستخلفها الأخرى في تزويجها بمن يريدها بسوء . (1)
سئل الشّيخ سدرات بن إبراهيم المساكني النفوسي عن امرأة ولدت ولداً فبقي آخر في بطنها هل تأكل في رمضان نهاراً ؟ قال : نعم ، فقال بعض الأشياخ نعس الشّيخ ، فقالت أخت عمروس : (( إن نعس لم ينعس علمه وكلامه ، وجدناها تأكل إذا انشقّت المبولة(2) فكيف بهذه ... )) (3)
أخوه : من خلال ما حفظته لنا كتب السير يبدو أنَّه لم يفقد حظّه من العلم ودرجته حيث اختبر أخاه عمروساً بسؤال عندما انتهى فترة التعلّم لائماً فقال له : (( لو رأيت إجرافاً في فدادينك ؟ )) فقال له مجيباً : (( لو رأيت أجرافاً يتلموا دينك ... )) (4)
قبيلته
هي نفوسة البربرية التي نسب الجبل الغربي لطرابلس إليها بليبيا ؛ هذه القبيلة قال عنها الشمّاخي : (( بلغت في العلم والتقى والعدل والورع مبلغاً عظيماً ، يكاد أن يكون حاكيه كاذباً ... بالشرق والغرب ، ولذا قال الإمام عبد الوهّاب رضي الله عنه : (( إنَّما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاته ... )) (5)
__________
(1) …أبو زكريا يحيى بن أبي بكر : سير الأئمة وأخبارهم ، ت إسماعيل العربي ، مطبعة أحمد زبانة ، الجزائر ، نشر المكتبة الوطنية الجزائرية ، الجزائر ص104 . الشماخي : سير ص229 .
(2) …المبولة : هي الماء الذي يسبق خروج الولد ، انظر هذا الحكم في كتاب : شرح النيل ، للقطب أطفيش ، ج1 ، ص313 .
(3) …الشماخي : السير ، ص267 .
(4) …الشماخي : السير ، ص229 ، (( يتلموا دينك )) هكذا وجدت الكلمة . ولعل الصحيح ما قال الباروني : (( لو رأيت أجرافاً تثلم دينك لهان عليك أمري )) . الأزهار الإباضية ، ص254 .
(5) …الشماخي : السير ، ص267 .
هذا الجبل الذي كان ملاذ كثير من القبائل : (( لواته ـ مزاته ـ هوارة )) ويؤمه الأصحاب عند فتور النفس في العبادة فيقولون : (( نصعد الجبل لنصقل قلوبنا )) يعني بالعلم والذكر ومجالسة الصالحين . أبو زكرياء الجناوني : الوضع ، مقدمة المحقق ، ص11 .
هذه القبيلة التي يصفها المؤرخون بأنها في ذلك الزمان أكثر الناس حجاً فكانوا يحجون بنسائهم وذراريهم ، حتى إنهم ولد لهم في ركب واحد ثلاث مائة مولود ذكر . الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص325 . الشماخي : السير ، ص228 . الوسياني : سير ( مخ ) ج1 ، ص6 .
مكان ولادته ونشأته
مكان ولادته :
(( قطرس )) وهي القرية الجاثمة على ضفّة وادي تالة العميق من أرض الرحيبات بجبل نفوسة في ليبيا . (1)
نشأته :
في هذه الأجواء الطاهرة المفعمة بالعلم والورع تربّى الفتى عمروس وترعرع فوجد فيها خير عزاء وعوَض عن أمّه التّي لم يحظ بحنانها المدّة الكافية لأبناء سنّة ...
حياته العلمية
لقد درس أوّلاً في مسقط رأسه (( قطرس )) مبادئ العلوم الدينيّة واللغويّة ... ثمّ انتقل إلى المغرب (2) ليتعلّم هناك مدّة عشرين عاماً ..
هذا ما كتبته المصادر عن تعلّمه بصفة إجماليّة دون التعرض لأيّ تفصيل يشير إلى مشائخه ورفقائه في الدراسة أو العلوم التي درسها أكثر من الأخرى ...
هل كان الشيخ مدرّسا ؟ : إنّ الإجابة عن هذا السؤال ذات شقّين أساسين ظنيين هما :
المصادر القديمة : إذا نظرنا إلى الكتب القديمة فلا نجد إشارة واضحة تذكر عنه أنَّه كان مدرّسا لحلقة من التلاميذ إلاّ ما نستشفُّه من ظلال بعض النصوص حيث ذكر الشيخ سليمان الباروني في تعليقاته :
على رسالة والده الشيخ عبد الله الباروني : " سلّم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئَّمة الدين " : (( ... وهي قطرس ، وفيها مسجد الشيخ عمروس وأظنّه ابن فتح المساكني النّفوسي ... )) (3)
وهل هذا المسجد المنسوب إليه بناه في حياته لهذا الغرض ؟ أم سمّي باسمه تكريما ؟ لا ندري ...
__________
(1) …علي يحيى معمر : الإباضية في موكب التاريخ ، ج2 ، الإباضية في ليبيا ، القسم الأول ، ص137 .
(2) …الشماخي : السير ، ص229 . هذه الكلمة : (( المغرب )) لم تتعرض لها المصادر المعتمدة بشيء من التوضيح ، فأصبحت محتملة إلا أن الاستعمال السائد آنذاك عند الإباضية لهذه الكلمة هو (( تيهرت )) عاصمة الدولة الرستمية إذ كانت كعبة الطلاب والعلماء والمتكلمين حيناً من الدهر حتى غدت تعرف بـ (( بغداد المغرب )) كما أنها جاءت في غرب جبل نفوسة .
(3) …المصدر المذكور : ص54 .
ذكر الوسيانيُّ أنّ جماعة اجتمعوا في موضع يسمّى : " تنين أزدرشل " في طلب العلم وفيهم أبو نصر من تمصمص ، وهو المفتي والمجيب ، وفيها نفاث بن نصر ، وكان يلقي مشكلات المسائل عليهم ، وربّما عسر جوابها عن أبي نصر ومن معه ، ثمّ أتى عمروس ومهدي فسكت نفاث فقال أبو نصر : (( الآن جاء السلوقان اللذان يحرزان الحيّ وأمّا جروة أبي نصر فتنبح على (1) أكل الذئب الغنم فهرب الذئب " يعني بالجروة نفسه ويعني بالذئب نفاث ويعني بالغنم نفوسة ، والسلاليق (2) هما مهدي وعمروس(3) والسؤال هو : هل كان دائما يحضر هذا المجلس أم جاءه عرضا ؟ لا ندري ...
يقول الحسن بن محمّد الوزّان القابسي من علماء القرن 10هـ : (( عمروس : مدشر يقع على بعد نحو ستّة أميال من طرابلس داخل الأراضي ويوجد فيه عدد كبير من النخيل وبساتين مليئة بمختلف الأشجار المثمرة )) (4)
هل كان في هذه المدينة مدرّسا ؟ لماذا نسبت إليه ؟ لا ندري ...
لقد تصفّحت الكتب التي أوردت نسب المذهب الإباضي (5) فلم أجده مذكوراً في أيّ سلسلة من سلاسلها الذهبيّة ، نظرا لأنّ هذه السلاسل عادة ما تحوي المتصدّرين لحلقات العلم الذين يتلقّى عنهم التلاميذ أمانة الدين فيبلّغونه لمن بعدهم من التلاميذ والدعاة ...
__________
(1) …الشماخي : السير ، ص328 .
(2) …السلاليق جمع السلوقي : الكلب الكبير المدرب على الحراسة .
(3) …الوسياني : سير المشايخ ( مخ ) ، ج1 ، ص23 . الدرجيني : طبقات المشايخ ، ج2 ، ص314 .
(4) …وصف إفريقيا ، ج2 ، ص110 ، ترجمة محمد حاجي ومحمد الأخضر .
(5) …الباروني محمد بن زكريا بن موسى : نسبة الدين ، ملحق بسير الشماخي . الباروني : رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين . القطب أطفيش : الرسالة الشافية .
المصادر الحديثة : أمّا إذا تصفّحنا الكتب الحديثة فإنّنا نجدها تذكره مدرّسا بدون إسناد لمصدر الفكرة ... فمنهم المحقّق الشيخ عبد الرحمن بكلّي يقول : (( وقّف حياته على العلم تحصيلا وتأليفا وتدريسا ... )) (1)
وعلى هذا فإنّني أرجّح أنّ الشيخ لم يكن مدّرسا لحلقة علم وإنّما كان من المتمكّنين في العلم المشتغلين بالمناظرة في مجالس المخالفين ودحض شبههم ، والدليل هو عدم إسناد سلسلة المذهب الإباضي إليه ، وهيبة نفاث منه إذا حضر مجلسا للمناظرة ...
إذن فهو إمام من أئمّة الإسلام الذين ذاع صيتهم بأقوال انفردوا بها ، وساهموا في حفظ المذهب من التلاشي بتآليفهم القيّمة ، وغيرتهم النيّرة ...
اشتغاله بالقضاء
لقد اشتغل الشيخ في وظيفته القضاء مدّة قصيرة ، حيث عيّنه أبو منصور إلياس ـ والي جبل نفوسة ـ على قضاء الجبل ، في عهد الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح ثم ابنه الإمام أبي حاتم يوسف بن محمد رحمهم الله ، ثمّ استقال من المنصب بسبب مضايقة بل مخالفته آراء بعض علماء عصره إذ أنَّه كان مرنا في أحكامه وفتاويه ، وهم يرفضون هذه المرونة خشية الفتك بعرى الدين بالنزوع إلى الرخص ، والسبب المباشر لهذه الإستقالة هو قضاءه بين عبد ومولاه وعندما اشتكى إليه العبد كان الشيخ أبو مهاصر يسمع ـ وهو شديد الأمر والنهي في دين الله ـ فغضب من جوابه وقال له : (( اِعطه حقّه من مولاه ، وإلاّ نزعك الله من ذلك المكان وردّ فيه غيرك )) . ولقد أبى الرجوع عن استقالته رغم الإلحاح عليه (2) وربّما لأنّ المعارضة على أحكامه قد تكرّرت عليه كثيراً من هذا الشيخ وغيره ...
نماذج من أقضياته
__________
(1) …الجيطالي إسماعيل بن موسى : قواعد الإسلام ، تحقيق عبد الرحمن بن عمر بكلي ، هامش المحقق ، ج1 ، ص12 .
(2) …الشماخي : السير ، ص229 ، الباروني ، الأزهار الإباضية ، ص254 .
لقد رغبت في عرض هذه النماذج رغم أنَّها إطالة للترجمة وذلك لأنَّها لا تخلو من إبراز الجوانب اللاّمعة في شخصية الشيخ وتعيننا على تفهُّم الأفكار التي بثَّها في كتابه ...
اختصم إليه ذات مرّة رجلان فاستمسك أحدهما بالآخر ، فقال للمدّعى عليه : (( ردّ الجواب )) فسكت ، فأعاد عليه فسكت ... فقام إليه فركضه برجله ، فقال له جلساؤه عجلت يا عمروس ...
فجمع أصابعه بيده فقال : (( كم هؤلاء )) فقالوا : (( خمسة )) ، فقال لهم : (( ما عجلت له إلاَّ كما لم تعجلوا أنتم إذ لم تعدوها واحدا واحداً )) ... فقال لألياس : (( إن لم تأذن لي بثلاث ، فخذ خاتمك عنّي : قتل مانع الحقّ ، والدالَّ على عورات المسلمين ، والطاعن في دين المسلمين )) . (1)
وذكر أنَّ قافلة وقع عليها قطَّاع الطرق فانتهبوها ، ثمَّ إنَّ أصحاب القافلة والقطَّاع اصطحبوا جميعا إلى جبل نفوسة في زمان ولاية أبي منصور إلياس وقضاء عمروس ، فتشاجروا فيما بينهم ، وكلُّ يدَّعي القافلة ، وانتهوا إلى الوالي فحار في أمرهم ؛ وقال : أحكّم بينهم عمروس ... ثمَّ إنَّ عمروساً عزل أصحاب القافلة على حدة ، وانفرد بكلَّ واحد منهم يسأله عما رفع وما علامة حمله ومتاعه ، فكتب ذلك كلّه ، ثمَّ انفرد بالقطّاع فسألهم كما سأل الأولين ، فكتب ما قالوا ، ثمَّ أخرج ما في الأحمال فوجده كما قال الأولون أصحاب القافلة بها لهم ... ووجد قول القطّاع مختلفا بعضه ينقض بعضا ؛ فقال القاضي عمروس لألياس : (( هؤلاء أصحاب القافلة وأولئك أضيافك أضفهم )) . يعني يحبسهم ويؤدبهم . (2)
جهاده واستشهاده
__________
(1) …الوسياني : سير المشايخ ( مخ ) ج2 ، ص2 ، الدرجيني : طبقات المشايخ ج2 ، ص321 . الشماخي : السير ص226 .
(2) …الوسياني ، سير المشايخ ( مخ ) ، ج1 ، ص3 ، السير ص226 ، علي يحيى معمر : الإباضية في ليبيا القسم 1 ، ص141 ـ 142 .
إضافة إلى كلّ ما كنت أذكره لك من جهاد الشيخ بلسانه وقلمه فإنّه لم يهمل نصيبه من الجهاد بالسيف حيث شهد وقعة " مانو " بين نفوسة والأغالبة ، وكان في آخر المعركة يحمي الناس ويذود عنهم ولم يقدروا عليه ، (( وكان على فرس سابق ، فلمّا أعجزهم وأتعبهم عمدوا إلى الحبال فنصبوها له واضطروّه إليها فعثر به الفرس فأخذوه أسيرا ومضوا به إلى الفاسق إبراهيم بن الأغلب ، فسألوه أن يستعفيه ليعفيه ، فقال لهم : كلمة لا تسمعوها منّي ، ولكن أسألك في سراويلي هذه لا تكشفوني منه ، فأخذوه يقطعونه بالحديد من أنامله ، فلمّا وصلوا إلى عضده استشهد (( رحمه الله )) . (1)
فقال ابن عذاري المرّاكشي : (( وفي سنة 284هـ كانت وقعة نفوسة لأبي العبّاس بن إبراهيم فقتل منهم مقتله عظيمة ، وأسر منهم ثلاثة مائة ، فلمّا وصل بهم إلى والده إبراهيم إبراهيم بن أحمد دعا بهم ... فقرب إليه شيخ منهم ، فقال له إبراهيم : (( أتعرف علي بن أبي طالب ؟ )) فقال له : (( لعنك الله يا إبراهيم على ظلمك وقتلك )) . فذبحه إبراهيم وشقّ عن قلبه وأخرجه بيده وأمر أن يفعل ببقيّة الأسارى كذلك ... حّتى أتى على اخرهم ونظمت قلوبهم في حبال ، ونصبت على باب تونس )) . (2) وهي في عهد المعتضد بالله الخليفة العبَّاسي ببغداد (ت : 289هـ) لا في عهد المتوكّل (ت : 247هـ) كما يشير الوارجلانُّي والدرجينيُّ .
وفاته
__________
(1) …أبو زكريا : سير الأئمة ، ص104 ، الشماخي : السير ، ص229 ، الدرجيني : طبقات المشايخ ، ج1 ، ص89 ، سليمان الباروني : الأزهار الإباضية ، ص282 ، علي يحيى معمر : الإباضية في ليبيا ، القسم 1 ، ص 142 .
(2) …ابن عذاري : البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ط2 تحقيق ج ، س كولان وأ . ليفي بروفنسال ( دار الثقافة بيروت ، ج ، ص130 ) .
وهناك اختلاف طفيف بين المراجع في تحديد سنة الواقعة التي تعنينا في ضبط السنة التي توفَّي فيها الشيخ عمروس بن فتح رحمه الله ... فالمصادر الإباضيَّة كُّلها متَّفقة على سنة 283هـ (1) نقلاً عن ابن الرقيق القيرواني صاحب تاريخ إفريقيَّة ، إلاَّ الشيخ البكري فقد أشار إلى أنَّ هذه الوقعة كانت في سنة 282هـ . (2)
أمَّا المصادر غير الإباضية فهي تشير إلى السنة التي وقعت فيها الكرة من ابن الأغلب على نفوسة ، وهي سنة 284هـ (3) أي بعد عام من وقعة مانو ...
وبناء على هذا التاريخ يتبين لنا أن الشيخ قد عمر طويلا(4) . وأهم دليل نستند إليه في هذا هو نسخه لمدونة أبي غام الخراساني في عهد الإمام عبد الوهاب الذي توفي سنة 190هـ ، وبالتالي لا يمكن أن يكسب هذه الثقة ، ولا يستطيع أن يصل إلى هذا المستوى من التفكير إلا بعد أن تجاوز سن البلوغ (18 سنة على الأقل) (5) . وبذلك يمكن أن نقدر ميلاده في أواخر العقد السادس من القرن الثاني للهجرة .
أسرته
لم تتعرض المصادر التي بين أيدينا لشيء من أسرة الشيخ (زوجه وأولاده) إلا بصورة يسيرة عامة ، وذلك عندما كتب وصية حياته قبيل الخروج إلى معركة مانو .. (6) .
حالته المادية
يبدو أن الشيخ في الجانب المادي كان دون الأغنياء الكبار ، وأفضل من الفقراء الضعاف ، إذ أنه كان يملك ما يلي :
__________
(1) …الشماخي : السير ، ص268 ، الباروني : الأزهار ، ص280 ، الجيطالي : قناطر الخيرات ، تحقيق عمرو خليفة النامي ، ج ، ص49 .
(2) …الجيطالي : قواعد الإسلام ، هامش المحقق ج1 ، ص12 .
(3) …ابن عذاري المراكشي : البيان المغرب ، ج1 ، ص130 .
(4) …الدرجيني : طبقات ج2 ، ص320 . ويقول الشماخي نقلاً عن الدرجيني : (( حاز قصب السبق ، وإن كان في السن متأخراً . السير ، ص225 .
(5) …الدرجيني : طبقان ج2 ، ص323 . يقول ( وعمروس حينئذ حدث ) أي صغير السن .
(6) …الدرجيني : طبقات ج2 ، ص323 ، الشماخي : السير ، ص228 .
أدوات الكتابة والتأليف (نسخه لمدوَّنة أبي غانم ، وتأليفه كتابه في الأصول) .
السفر إلى الحج الذي يتطلب الزاد ووسيلة النقل .
الخروج إلى البادية ابتغاء فضل من الله ونعمة مع أبي مهاصر .
له عبد نصراني (1) ... وبغلة يستقي عليها . (2)
وسائل الجهاد (فرس سابق وسيف قاطع) .
مؤلفاته
لقد نسب المؤرخون للشيخ عددا من المؤلفات منها الموجود ، ومنها المفقود ، منها المكتوب ، ومنها الذي بقي في الخاطر أمينة غير محققة ...
كتاب " العمروس " الذي أجاب به الشيخ عبد الخالق الفزاني (3) .
كتاب في الخاطر مشروعا هو في قول الدرجيني : (( بلغنا أنه هم أن يعلق تأليفا في الفقه ولم يسبق في طريقته ، عزم أن يفرق في العلم على ثلاثة أوجه : التنزيل والسنة والرأي ، وما يتعلق بكل واحد منها من المسائل فيرتب كل باب من أبوابه ويبنيه على القواعد الثلاثة ... فلم يقدر الله بذلك بل قضى له بإعجال الحمام )) (4) .
كتابان في الأصول والفقه . (5)
كتاب عمروس بن فتح . (6)
كتاب أعلام الملة .
كتاب الحكم والمعارف .
كتاب الدينونة (7) الصافية . (8)
كتاب في الرد على النكاث وأحمد بن الحسين . (9)
__________
(1) …الشماخي : السير ، ص230 .
(2) …الشماخي : السير ، ص229 .
(3) …الشماخي : السير ، ص229 ، الجيطالي : قناطر الخيرات ، تحقيق د. عمرو خليفة النامي ، ص49 . ولعل انفراد الشماخي بذكره هو الذي جعل الدكتور النامي ينفي وجود هذا الكتاب تماماً في مؤلفات الشيخ ( دليل المؤلفين الليبيين ص300 .
(4) …أبو زكريا الوارجلاني : سير ، ص96 ، الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص321 ، الشماخي : السير ص225 .
(5) …أبو زكريا : سير ، ص99 . هكذا ذكرهما بدون أي توضيح .
(6) …البرادي : الجواهر المنتقاة ، ص219 ، هكذا بدون أي توضيح .
(7) …هذه الكتب الثلاثة ذكرها الشيخ عبد الرحمن بكلي في هامش ص12 من كتاب قواعد الإسلام للجيطالي .
(8) …دليل المؤلفين العرب الليبيين ، ص300 .
(9) …المصدر السابق .
تلاحظ أخي القارئ أنني جمعتها بدون تعليق ، ولو كانت بدون عنوان أو كان عنوانها مكرراً ، وذلك خشية أن يكون أحدها موجوداً ، فأجني عليه بالغفلة والسكوت ، ولا مانع أن أشير إلى أن المحقق في التراث الإباضي الدكتور عمرو خليفة النامي جزم في مقدمته على كتاب " الرد على جميع المخالفين " ص(ي) المحققة المرقونة ، بأنه لم يبق لنا من تراث الشيخ عمروس إلا رسالتان : إحداهما بعنوان " الدينونة الصافية " وأخرى بعنوان " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " . وأما الشيخ فرحات الجعبيري في كتاب البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية ص109 ، فيجزم بوجود الأولى منهما فقط ، وأشار إلى مكان وجودها في المكتبة البارونية بجربة تونس .
فتاويه واجتهاداته
لقد اشتهر الشيخ بفتاويه مثبوتة في بطون كتب المذهب الإباضي في الأصول والفروع ، ولذلك احتل مكانة مرموقة في تاريخ أعلام المذهب ؛ ولعل انفراده ببعض هذه الفتاوي عن معظم علمائنا ، يجعلني أتجرأ على العلماء فأصفه بأنه بلغ " درب الاجتهاد في الدين " ... وعندما أعرض لك بعضا منها فاحكم بما شئت بعد اطلاعك الموضوعي على ما يتضمنه الكتاب الذي أرجو أن أكون موفقاً في تحقيقه إن شاء الله .
جلس الشيخ ذات مرة مع داود بن ياجرين وماطوس بن هارون رضي الله عنهم يتحدثون حتى قالوا لعمروس : (( أهل شروس لا يكذبون )) ، فكان عمروس بعد ذلك يجيز شهادتهم ، فتذاكر الشيخان ما يفعل عمروس ، فقالا له : (( مالك تحكم بكل أهل شروس ؟ )) فقال لهما : (( إنما أحكم بكما لا بهم ، لأنكما زكيتماهم بقولكما : أهل شروس لا يكذبون )) ، فقالا له : (( ما ذلك مرادنا )) ، فترك جواز شهادتهم بعد ذلك إلى أهل العدالة والرضى . (1)
سأله رجل بمحضر أبي مهاصر عمن أخذ من مال ابن طيلون ، خرج فتاب ولم يعلم له صاحباً ، قال : (( تسأل عن مولاه ، فإن أعياك أمره فتصدق به )) ... فغضب أبو مهاصر فقال : (( لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا )) ... قال عمروس : (( إن أردت أن تقعد فاقعد ، فإن من شأن المسلمين أن لا يؤيسوا أحداً من رحمة الله )) . (2)
__________
(1) …الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص3 ، ولكن الدراجيني استبعد أن يقع مثل هذا العبث بأحكام الله من الشيخ ، فقال (( وعمروس أجل من أن يتجاوز إلى هذا القدر ، أو ينسب إليه هذا التهاون )) فأوله بأنه توبيخ مؤدب مع الشيخين لأنهما أعلى منه مرتبة حتى يعدلا فتواها ، إلى أن قال : (( وهذه إحدى فضائله ، لا ينسب إليه غير هذا )) . الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص322 .
(2) …الشماخي : السير ، ص227 . قال الشيخ على يحيى معمر : (( لقد كان أبو مهاصر شديداً وهو يرى أن يلزم صاحب الخرج أن يبحث عن صاحبه أو ورثيه مهما كلفه الأمر ، ولن يبرئه من التباعة غير ذلك ، أما عمروس فقد كان أعمق فهماً لأسرار الشريعة .. وقد أصبح قول عمروس هو القول المعمول به في الأحوال المشابهة )) . الإباضية في ليبيا ، القسم الأول ، ص140 .
حدث جماعة من المشايخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع هو وعمروس بن فتح رحمهما الله ، فلبثا أياماً على غير ماء في برية من الأرض ، لا يجدون ما يتوضؤون به ، إنما كانوا إذا حضرت الصلاة تيمموا وصلوا ، وتكدر خاطر أبي مهاصر لذلك ، حتى قال ذاماً لهذه الحال : (( قلوب تربو عليها الشحوم مما سمنت ، ووجوه تعلوها الغبرة ، قلت سلامة الدين مع أهل الوبر ، إنما الدين في المدر ، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لاتباع شهواتنا ، وإني لأخاف أن أكون ممن عاب الله عز وجل ، فقال فيهم : { أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } (1) (( فرد عليه عمروس بأن قال له : (( ليس في ذلك ما تخافه ، فقد أباح الله التيمم عند الضرورة ، فأبان ذلك في كتابه ، وعلى لسان نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك في ابتغاء الفضل ، وقطع الفيافي ـ المجاهل من الأرض ـ وقال : { وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ } (2) وقال : { عَابِرِي سَبِيلٍ } (3) وقال : { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } (4) )) فلم يقنع ذلك جميعاً أبا مهاصر بل أرتحل راجعاً إلى منزله . (5)
__________
(1) …الآية 59 من سورة مريم.
(2) …الآية 10 من سورة الجمعة.
(3) …الآية 43 من سورة النساء.
(4) …الآية 43 من سورة النساء.
(5) …الدرجيني : طبقات ج2 ، ص306 .
من أهم الحسنات التي سجلها له التاريخ ، هو استنساخه لمدوَّنة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني ، هذا العالم الذي مرَّ بالشيخ عمروس بجبل نفوسة ، فأودع عنده مدوَّنته التي رواها عن حملة العلم ـ تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ـ في الفروع ، وهو قاصد وجهة بغداد المغرب ـ تيهرت ـ لزيارة الإمام عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن ... فأفتى عمروس لنفسه باستنساخ الوديعة رغم أنَّه لم يستأذن صاحبها (1) فأملتها عليه أخته حتَّى أتمَّاها ، وردها في مكانها ، وعندما رجع أبو غانم إليها اكتشف ذلك ، بعلامة وقعت على الأصل وهي نقطة حبر لم ينتبه إليها عمروس ، أو تعمدَّها . فقال له : (( أسرقت هذه ؟ )) قال : (( نعم ، سمَّاني سارق العلم )) إخباراً لا أمراً . (2)
وكأنه بهذا يشير إلى جواز استعمال وديعة من هذا النوع بمثل هذه الطريقة ، إذا كانت في صالح المسلمين .
__________
(1) …يشير الوسياني إلى أنه استأذنه فأبى .
(2) …ويقول عنه الدرجيني : (( وكأن الكتاب في اثني عشر جزءاً. وفي إثر هذا كان ما كان من إتلاف ديوان تاهرت غصباً وحرقاً ، ولولا تمسك عمروس بهذا الكتاب لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب ديوان يعتمد عليه ؛ وذلك بحسن نية عمروس وبركته ويمنه )) انظر : الوسياني : سير (مخ) ج1 ، ص4 . الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص323 . الشماخي : السير ، ص228 . الباروني : الأزهار ، ص253 . علي يحيى معمر : الإباضية في موكب ، الإباضية في ليبيا ، القسم الأول ، ص128 . وهذه المصادر كلها تعلق على فعل عمروس وتحمده .
لما حضرت الوفاةُ أمَّ عمروس أوصت بوصايا وأشهدت عليها ... فقيل إلى من تفوّضين تنفيذ هذه الوصايا ؟ قالت إلى ذلك الذي في مهدي فأشارت إلى عمروس الرضيع ... فلما بلغ أشده شرع في تنفيذ الوصايا في وجوهها ، إلا وصيتها بالحج فقد توقف عنها . لماذا ؟ لأنه لا يعرف منزلة أمة من الولاية والبراءة ... وجعل يسأل في جهات من نفوسة عن أحوالها ، فلم يجد من يعرف حالها وتولاها غير امرأة واحدة ، فتولاها لذلك وحج عنها ...
ويريد من هذا العمل أن يرشدنا إلى أمرين هامين في مجال العقيدة :
أن الحجة في ولاية الدين يمكن أن تقوم بشهادة النساء والعبيد إذا كانوا ممن قبل قوله وتقوم به الحجة .
أن الذي يحج عن غير متولى فإنه غير مرضى الفعل ولا مشكور الحال ... (1)
والثالثة تتمثل : في جواز استخلاف الوارث على تنفيذ الوصية ولو كان في المهد صبيا .
كانت لأبي محمد ملي الإيدر في بقرة تحلبها امرأة كل صباح دون أي جهد ، وذات مرة مرة ركضت فدفقت قدح الحليب على غير عادتها فلما شكت الزوجة لبعلها قال : ما هذا إلا لنازلة سوء شنيعة نزلت بالجبل فأخذ عكازه وخرج مبادراً ، فأتى مجمع أهل الجبل ، فوجدهم مختلفين على رجل ينكل ويجلد ، فسألهم عن شأنه فقالوا له : جاء في كتاب الوالي ... فقال : أبسواد في بياض تهرق الدماء يا نفوسة ؟ أو قال : يا معشر المسلمين ؟ فقالوا لعمروس : جاوبه ... فقال : إذا قيل الحق بطل الجواب ... قال : فسألوا عن الرجل فغدا هو غير المكتوب فيه ... فقال لهم عمروس : إذاً قصوا ضربه ... فأعطوا ديته فأعطى فيهم عمروس سهمه ... (2)
__________
(1) …الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص6 . الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص325 .
(2) … الوسياني : سير (مخ) ، ص14 . الدرجيني ، طبقات ، ص334 .
لما سمع عمروس بموت الشيخ أبي مهاصر موسى بن جعفر رضي الله عنه أكبر المعارضين لفتاويه ـ سارع ليبلغ جنازته ، فوصلهم وهم يجعلون التراب على قبره ، فوضع عليه يده فقال : (( الآن يا أخي أمنت لك )) . يعني من همزات عدو الله إبليس ومكائده ...
وفي الحديث : (( إن إبليس يأتي المؤمن عند خروج روحه ويكيده ، ويقول له : سلمت منّي آمنك منك الآن يا عدو الله )) يعني ذلك الشيخ عمروس رضي الله عنه أجمعين لا يعني غير ذلك (1) قال الشماخي : قال الجهال : استراح منه وتأولوه لأموره الدنيوية ... أعني جهال إفطمان بلد أبي مهاصر ... (2)
قبيل خروجه للجهاد الذي حظي فيه بالشهادة كتب وصيته ومكنها ورثته فقال لهم (( اعملوا بما فيها وأنا خصيمكم غداً بين يدي الله )) (3)
مكانته العلمية
يقول أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر : (( وكان عمروس عالماً كبيراً ... )) (4) وقال : (( وكان حافظاً فاطناً حاضر الحجة )) . (5)
وقد وصفه الشيخ الدرجيني قائلاً : (( بحر العلوم الزاخر ، المبرز أول السباق وهو الآخر ، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم ، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادفة تلك الهموم ... لازم الدرس والاجتهاد ثم رابط على الجهاد ... (6) ولم تزل الأمثال مضروبة به بعلومه وآدابه ، وحيال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه إذ كان علم الدين يقتدى به )) (7)
__________
(1) …الوسياني : المصدر السابق ، ص22 .
(2) …الشماخي : السير ، ص228 .
(3) …الوسياني المصدر السابق ، ص4 ، الدرجيني ، طبقات ص323 ، الشماخي المصدر السابق ص228 .
(4) …سير الأئمة وأخبارهم ، ص99 .
(5) …نفس المصدر السابق .
(6) … الدرجيني : طبقات ، ص320 .
(7) … المصدر السابق ك ص321 .
وروى أبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني عن أشياخه أن عمروساً عالم غاية زمانه . (1)
قال الشيخ علي يحيى معمر : (( كان عمروس من أكبر أئمة العلم والدين وله أقوال إنفرد بها وحسب من أجلها إماماً )) . (2)
وذكر الشيخ سليمان الباروني أنه استشهد من نفوسة في وقعة مانو أربعمائة عالم فيهم من المشاهير والعلماء الكرام أبو ميمون وعمروس وماطوس . (3)
وذكره الأستاذ بحار إبراهيم من بين مشاهير علماء تيهرت فقال : (( ويشغل عمروس بن فتح النفوسي مكاناً بارزاً في طبقات الإباضية إذ كان عالماً غاية زمانه ... (4) وقد صنفه الدرجيني في كتابه طبقات المشايخ بالمغرب في الطبقة السادسة (250 ـ 300 هـ) (5)
وذكره الشيخ أحمد بن سعيد الشماخي في سيره عند تسمية شيوخ نفوسة ثالثهم (أبو حفص عمروس بن فتح من أمو ساكن) . (6)
__________
(1) … الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص2 . علي يحيى معمر : الإباضية في موكب التاريخ ، ج2 . الإباضية في ليبيا ، القسم 1 ، ص139 .
(2) … الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص2 . علي يحيى معمر : الإباضية في موكب التاريخ ، ج2 . الإباضية في ليبيا ، القسم 1 ، ص139 .
(3) … الباروني : الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية ، ج2 ، ص282 .
(4) … إبراهيم بحار : الدولة الرستمية ، ص326 .
(5) … الدرجيني : ج2 ، ص326 .
(6) … الشماخي : السير ، ص590 .
سافر إلى الحج مع جماعة من أصحابه فدخلوا إلى مجلس علم يتصدره الشيخ محمد بن محبوب بن الرحيل العماني ، فأدنى مجلسهم دون أن يتعرف على أعضاء الوفد ...وأثناء تجاذب الفتوى بين الحاضرين ألقى عمروس سؤالاً ... فقال ابن محبوب : إن كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه فقالوا له هو السائل : فرفع ابن محبوب مجلسه وزاد في دنوه فجعل عمروس يسأله في مسائل الدماء وأكثر ، فقال ابن محبوب : هذا من مكنون العلم فلا يعلن به في قوم جهال ، فقال عمروس لأصحابه : إحفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب فلما قدموا نفوسة ، قال عمروس : هلموا ما تكلفتكم ، قالوا : لم يبق معنا إلا قولك إحفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب لنرد بها على إخواننا . ثم إن عمروساً أعادها مسألة مسألةَ . (1)
قال الشيخ عبد الرحمن بكلي : (( الإمام عمروس بن فتح المساكني النفوسي إمام من أئمة الدين وكهف من كهوف العلم في القرن الثالث الهجري )) . (2)
أرسل له أحد الأشياخ من علماء فزان رسالة يطلب منه أن يؤلف له كتاباً في الأصول ، فكتب إليه الكتاب المعروف بـ (( العمروسي )) وكتب إليه رسالة فلما رآه الفزاني ـ وهو الذي ألف الكتابين المعروفين بأصول الكلام ـ قال النفوسي أعلم مني ... (3)
مميزاته وعصره
مميزاته :
فمن خلال ما استعرضنا في الأبواب السابقة تتجلى لك مميزات الشيخ فيما يلي :
الورع والتقوى : وكان له الحافز على العدل في القضاء ، كما أنه لم يسمح لنفسه بالحج عن أمه حتى يجد من زكاها له في الولاية .
الذكاء والاجتهاد : يمكن أن تتجسد ذلك من خلال بعض النماذج التي وضحتها لك في باب القضاء والفتاوى .
__________
(1) … الوسياني : سير (مخ) ، ج1 ، ص6 ، الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص324 ، الشماخي : السير ، ص227 .
(2) … الجيطالي : قواعد الإسلام ،ج1 ، ص12 ، تحقيق الشيخ عبد الرحمن بكلي .
(3) … الشماخي : السير ، ص229 .
حب العلم : والدليل هو : المدة التي قضاها في التعلم ، ثم تخصصه في الفتوى ، وكذا استنساخه للمدونة .
تقدير العلماء : يظهر ذلك جلياً في قصته مع داود بن ياجرين وماطوس بن هارون في إجازته شهادة أهل شروس كلهم .
إحقاق الحق : إن اقتحامه لأكثر القضايا ولو لم ترق الوالي أو الخصم يكفي دليلاً لذلك .
حب الجهاد : ولا أدل على ذلك من عدم تمكن العدو منه إلا بعد أن نصب له فخاً لإسقاطه .
الشجاعة والإقدام : فهو لا يخاف ممن يعارضه في فتوى ولو كانت نقيض رأي الحاكم ولا أدل على هذه الشجاعة من عدم الخضوع لابن الأغلب في طلب العفو منه .
عصره :
لقد وجد الشيخ عمروس في ظروف سياسية مضطربة لم تعرف الاستقرار إلا في فترات متقطعة قصيرة ...
ففي المغرب : نجد ثورة ابن فندين ـ ثورة ابن السمح ـ ثورة نفات بن نصر ـ فتنة ابن عرفة ـ غارات الأغالبة على الدولة الرستمية وولاية نفوسة والقيروان ـ وقعة مانو ـ فتنة زواغة مع والي نفوسة ـ فتنة ابن طولون ، وعلى النقيض من هذا نجده قد عايش الازدهار العلمي الذي يعد فيه الشيخ واحداً من نماذجه ويكفي أن نعرف أن وقعة مانو فقط حصدت أربعمائة عالم من نفوسة وحدها ، ولا ندري كم حصدت الثورات الأخرى ليتجسد لنا هذا الازدهار الفائق في تيهرت .
كما أنه عايش أيضاً الازدهار الاقتصادي الذي امتاز به عصر الدولة الرستمية وضواحيها ... هذا الازدهار الذي مد جذوره إلى السودان وغانا ومالي وتشاد وسجلماسة ، وشارك في نشر الإسلام في هذه الربوع التي لم يصل إليها الفتح الإسلامي إلا من خلال القوافل التجارية الآتية من شمال إفريقية . (1)
__________
(1) … لمزيد من المعلومات راجع : كتاب الدولة الرستمية ، للأستاذ بحاز إبراهيم .
أما في عمان بالمشرق : فإننا نجده في عمان قد عاصر إمامة غسان ابن عبد الله اليحمدي (207هـ) ـ وعبد الملك بن حميد (ت226هـ) ـ والمهنا بن جيفر (277هـ) ـ والصلت بن مالك الخروصي (ت273هـ) ـ وراشد بن النظر اليحمدي (ت277هـ) ـ وعزان بن تميم الخروصي (ت280هـ) ، ولقد كان الرخاء والاستقرار يسود عهود الأئمة الأربعة الأولى بصفة عامة لولا تقطعه بفترات من الكوارث الطبيعية والبشرية أما في عهد الإمام الخامس فقد عمت فيه الفوضى والتعصب للقبيلة ( عدناني ، يماني ) وبلغ أشده في عهد الأخير منهم فانتشرت الفتن الداخلية بين القبائل وتوالت حتى استنجد المضريون لخلع الإمام بعامل المعتضد العباسي محمد بن بور في عمان فاستغل الخليفة الفرصة لاحتلال عمان فأمد الوالي بخمسة وعشرين ألف مقاتل فأسفرت المعركة عن قتل الإمام وعدد كبير من العمانيين منهم أربعمائة عالم إلى أن بويع لمحمد بن الحسين الخروصي سنة 282هـ ، وثمانية آخرين إلى سنة 320هـ . ومع ذلك لم تخل من علماء أجلاء لهم باع طويل في التأليف والمناظرة مثل : موسى بن علي بن الحصين العنبري وبشير بن المنذر ـ أحد حملة العلم ـ ومحمد بم محبوب بن الرحيل ـ الذي التقى به الشيخ عمروس في مكة ـ وأبو المؤثر الصلت بن خميس وغيرهم كثير ... (1)
أما في بغداد : فقد تعاقب على الخلافة الإسلامية هارون الرشيد (ت: 193هـ) ـ والأمين (ت: 198هـ) ـ والمأمون (ت: 218هـ) ـ المعتصم (ت: 227هـ) ـ والواثق (ت: 232هـ ) ـ المتوكل على الله (ت: 247هـ) ـ المنتصر (ت: 284هـ) ـ المستعين بالله (ت: 252هـ) ـ المعتز (ت: 255هـ) ـ المهتدي (ت: 256هـ) ـ المعتمد (ت: 279هـ) ـ المعتضد (ت: 289هـ) .
__________
(1) … لمزيد من المعلومات راجع : كتاب عُمان تاريخ يتكلم ، لمحمد بن عبد الله السالمي وناجي عساف ، والعقود الفضية في أمور الإباضية ، للحارثي ، ص256 .
وهذه القائمة الطويلة دليل على عدم الاستقرار السياسي في عاصمة الدولة العباسية ، وهذا لا ينفي وجود ازدهار مرموق في الجانب العلمي والاقتصادي .
أما في الأندلس : فقد شهد أواخر أيام عبد الرحمن الداخل (ت: 172هـ) ، ثم ولاية هشام الأول (ت: 181هـ) ، ثم ولاية الحكم الربضي (ت: 206هـ) ، ثم ولاية عبد الرحمن الثاني (ت: 238هـ) ، ثم ولاية الأمير محمد الأول (ت: 273هـ) ، ثم ولاية المنذر (ت: 275هـ) ، ثم ولاية عبد الله بن محمد (ت: 300هـ) . وبذلك يكون قد عاصر أيام تكون الدولة الأندلسية وأيام شبابها التي لم تخل ازدواجية بين السلم والحرب مع الداخل والخارج ، وبين الازدهار الاقتصادي والعلمي والتطور الاجتماعي ، فمثلاً عاصر عالم الطيران والكيمياء والفيلسوف الشاعر يحي الغزال ، والأديب الكبير أحمد بن عبد ربه . كما شهد عصره توسع مسجد قرطبة والتطور العمراني بالأندلس .
غير أن الشيخ فيما يبدو لم يكن له أي اتصال بهذه الحركات الحضارية في أطراف الدولة الإسلامية ، إلا ما كان عرضاً في آخر حياته من حروب نفوسة مع الأغالبة ، أو سفراً قاصداً أثناء لقائه مع ابن محبوب في مكة .
ولعل السبب يكمن في اكتفائه بالحركة العلمية بالمغرب الإسلامي ، وكذا ارتقائه منصب الصدارة العلمية في هذه الحركة حيناً من الدهر .
شخصيات لامعة عاصرها الشيخ
أثناء جمع معلومات الترجمة عثرت على كثير من الشخصيات الإباضية وغير الإباضية ، ذات المكانة العلمية أو السياسية التقى بها الشيخ أو عاصرها ، وهي مؤثرة في الأحداث بصورة أو بأخرى ، خاصة في مواطن الإباضية بالمغرب . ولعلك ـ أخي القارئ ـ قد التقيت مع أكثرها في الفقرات السابقة للترجمة ، فرأيت من الأفضل أن أحصرها لك في هذه القائمة ليسهل عليك ضبط تأثيراتها المباشرة أو البعيدة في تكوين حياة الشيخ وترقيتها .
الشخصية ... علاقتها بحياة الشيخ ... مصادر ترجمتها
أبو الحسن الأبدلاني ... الفقيه الشهير ومنجد تيهرت ... الشماخي : السير ، ص172
أبو بكر بن أفلح ... إمام بتيهرت قتل ابن عرفة في عهده ... الباروني : الأزهار ، ص222
أبو ذر أبان بن وسيم النفوسي ... وال على جبل نفوسة وعالم ... الباروني : الأزهار ، ص219
أبو عبيدة بن الأعرج ... فقيه من تيهرت ... الباروني : الأزهار ، ص243
أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني ... وال على جبل نفوسة ... الباروني : الأزهار ، ص143
أبو مهاصر موسى ... عالم صاحب الشيخ ... الشماخي : السير ، ص198
أبو ميمون ... عالم وشهيد موقعة مانو ... الشماخي : السير ، ص232 ، ص269
أبو نصر التمصمصي ... عالم التقى به الشيخ ... الشماخي : السير ، ص202
أحمد بن الحسين ... عالم التقى به الشيخ ... الشماخي : السير ، ص328
أفلح بن العبَّاس النفوسي ... وال على جبل نفوسة وعالم ... الباروني ، الأزهار ، ص245
أفلح بن عبد الوهَّاب ... إمام بتيهرت وعالم ... أبو زكريا : سير ، ص85
أيُّوب بن العبَّاس ... وال على جبل نفوسة وفارسها ... الباروني : الأزهار ، ص152
إبراهيم بن أحمد الأغلبي ... قائد جيوش وقعة مانو ... أبو زكريا : سير ص107
إلياس النفوسي ، أبو منصور ... وال على جبل نفوسة وعالم ... الباروني : الأزهار ، ص251
الطيب بن خلف بن السمح ... زعيم معارضة لوالي نفوسة ... الباروني : الأزهار ، ص277
بشر بن غانم ، أبو غانم ... عالم من خراسان التقى بالشيخ ... ابن خلفون : أجوبة ، ص11
جنا التنزغتي ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشماخي : السير ، ص203 ، 269
خلف بن السمح بن عبد الأعلى ... زعيم معارضة لإمامة أفلح ... الباروني : الأزهار ، ص168
داود بن ياجرين ... عالم من نفوسة ... الشماخي : السير ، ص273
سدرات البغطوري ، أبو القاسم ... عالم شارك في وقعة مانو ... الشماخي : السير ، ص235
سدرات بن إبراهيم المساكني ... فقيه مفتٍ في نفوسة ... الشماخي : السير ، ص230
سعيد بن أبي يونس القنطراري ... عالم شارك في وقعة مانو ... الشماخي : السير ، ص214
سليمان الفرَّاء ... عالم التقى به الشيخ ... الشماخي : السير ، ص262
شيبة ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشماخي : السير ، ص269
عبد الله بن الخير ، أبو محمًّد ... عالم وإمام مسجد ... الشماخي : السير ، ص236
عبد الوهاب بن عبد الرحمن ابن رستم ... إمام بتيهرت ومدرّس بجبل نفوسة ... أبو زكرياء : سير ، ص56
ماطوس بن ماطوس ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشماخي : السير ، ص265
ماطوس بن هارون ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشماخي : السير ، ص265
محكَّم الهواري ... قاضِ بجبل نفوسة ... الباروني : الأزهار ، ص210
محمد بن أفلح ، أبو اليقظان ... إمام بتيهرت ومدرَّس ومجادل ... الباروني : الأزهار ، ص236
أحمد بن طولون ، أبو العبَّاس ... والي المأمون على مصر ومحارب نفوسة ... طلس : تاريخ العرب ، ج6 ، ص36
محمد بن عبد الله ، أبو عبد الله ... قاض بتيهرت ... الباروني : الأزهار ، ص247
محمد بن عرفة ... صهر أبي بكر بن أفلح ومساعده ... الباروني : الأزهار ، ص223
محمد بن محبوب العماني ... عالم التقى به الشيخ في مكَّة ... ابن خلفون : أجوبة ، ص122
محمد بن يانس ... المفسَّر الشهير ومنجد تيهرت ... الشماخي : السير ، ص165
معبد ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشماخي : السير ، ص242، 269
ملي الإيدرفي ، أبو محمد ... عالم وحاكم بجادو ... الدرجيني : طبقات ، ص333 الشماخي : السير ، ص284
مهاصر السدراتي ، أبو مرداس ... شيخ زاهد وقور التقى بالشيخ ... الشماخي : السير ، ص174
مهدي النفوسي الويغوي ... المتكلم الشهير ومنجد تيهرت ... الشماخي : السير ، ص170
ميال بن يوسف ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشماخي : السير ، ص269
نفاث بن نصر النفوسي ... زعيم فرقة النفًّاثية ومجادل ... الباروني : الأزهار ، ص195
هود بن محكم الهواري ... المفسر المشهور ... هود بن محكم : تفسير ، مقدمة المحقّق
يزيد بن فندين ... زعيم معارضة ورئيس فرقة ... الباروني : الأزهار ، ص102
يوسف النفوسي ، أبو بكر ... عالم بعد وقعة مانو ... الباروني : الأزهار ، ص282
يوسف بن محمد ، أبو حاتم ... إمام بتيهرت وعالم ... الباروني : الأزهار ، ص265
ملاحظة :
ولا شك أنني لم أستقص جميع هؤلاء الأعلام ، وإنما على الأقل جمعت لك أغلبهم ، وقد اكتفيت بذكر مصدر واحد أو أثنين نظراً لأن أغلبها يأخذ بعضها من بعض .
هل هناك عمروس غيره في هذا الميدان ؟
إن المتصفَّح لكتب تاريخ الإباضيَّة يجد " عمروسين " غيره في المغرب ، وثالثهما من الأندلس ، ولكي نسلَّ شيخنا من بينهم كما تسلُّ الشعرة من العجين ، يجدر بنا التعريف بهم للتمييز بينهم .
أبو حفص عمروس بن عبد الله الزواغي :
ذكره الدرجيني في الطبقة التاسعة (400 ـ 450هـ) (1) وقال عنه الشمَّاخي : (( كان شيخاً مذكوراً في أهل الخير والصلاح )) . (2) وله حِكم وفتاوى مبثوثة في كتب اللقط والمعلقات .
أبو حفص عمروس اليفرني :
قال الشماخي : (( وقيل إنّ أهل أمرساون ذبحوا بقرة ولم تتحرّك فسألوا الشّيخ عمروس اليفرني وكان بتميجار ... فقال : اجعلوا قطعة من لحمها في الماء فإن نزل فكلوه وإن طفا ولم ينزل فلا تأكلوها )) (3) .
وحسب التّراجم التي بعده وقبله يبدو أنّه من علماء الخمسين الثّانية من القرن السّابع الهجري وأوائل القرن الثّامن الهجري .
عمروس الأندلسي :
__________
(1) …الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص403 .
(2) …الشماخي : السير ، ص495 .
(3) …الشماخي : السير ، ص552 .
كان والياً على طليطلة أيام الحكم بن هشام الأوّل على قرطبة (180ـ 206هـ) وعمروس هذا من أصل إسباني وهو مدبّر فتنة طليطلة ـ يوم الحفرة ـ إذ أقام مذبحة ضّد الثورة التي ثارت على حكم البيت الأموي في الأندلس ... فخمدت الأوضاع مؤقتاً لكن سرعان ما تحولت إلى عصيان مدني عصف بالاستقلال الداخلي أكثر من ربع قرن (1) .
وعليه فإنه من الواجب عليك ـ أخي القارئ ـ أن لا تحسب الشّحم فيمن لحمه ورم ... وطبعاً لا بدّ من تميز بين صاحب المخطوط وهؤلاء الثّلاثة وغيرهم مّمن لا أعرفهم بالسياق والسّباق والقرائن ، { أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[6] } (2) .
المراجع المعتمدة في الترجمة
أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي : كتاب السير ، ط حجرية ، القاهرة ، 1301هـ / 1884م .
أبو العبَّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني : كتاب طبقات المشايخ بالمغرب ، ت . إبراهيم طلاي ، مطبعة البعث ، قسنطينة ، الجزائر ، 1975م .
أبو زكريا يحي بن أبي بكر الوارجلاني : كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، ت . إسماعيل العربي ، مطبعة أحمد زبانة ، الجزائر ، 1399هـ / 1979م .
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني : الدّليل والبرهان ، ط حجرية ، البارونيّة ، مصر ، 1306هـ / 1889م .
أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي : قواعد الإسلام ، ت . عبد الرحمن بن عمر بكلّي ، المطبعة العربيّة ، غرداية ، الجزائر ، 1397هـ / 1977م .
أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي : قناطر الخيرات ، ت . عمرو خليفة النامي ، القسم الأوّل ، الطبعة الأولى ، مطبعة الاستقلال الكبرى ، القاهرة ، 1385هـ / 1965م .
عبد الله بن يحي الباروني : رسالة سلّم العامّة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين ، ت . سليمان باشا الباروني ، مطبعة النجاح ، مصر ، 1324هـ / 1906م .
__________
(1) …د. حسين مؤنس : معالم تاريخ المغرب والأندلس ، ص278 .
(2) …الآية 6 من سورة الحجرات.
علي يحيى معمّر : الإباضية في موكب التاريخ ، ج2 ، الإباضية في ليبيا ، القسم 1 ، مكتبة وهبة مصر ، 1384هـ / 1964م .
أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي : اللمعة المرضية في أشعّة الإباضية ، ضمن مجموعة ستّة كتب ، غرداية ، الجزائر .
سالم بن حمد الحارثي : العقود الفضيّة في أصول الإباضيّة ، دار اليقظة العربيّة ، سوريا ، لبنان ، 1394هـ / 1974م .
سليمان بن عبد الله الباروني : الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية ، مطبعة الأزهار البارونيّة .
أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي : الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخلّ به كتاب الطبقات ، ط . حجرية ، القاهرة ، 1302هـ / 1885م .
أبو زكريا يحيى بن أبي الخير الجناوني : كتاب الوضع ، ت . أبو إسحاق إبراهيم أطفّيش ، ط1 ، مطبعة الفجالة الجديدة ، القاهرة ، مصر .
أبو الربيّع سليمان بن عبد السلام الوسياني : سير مشايخ المغرب ، ج1 ، مخطوط بدار التلاميذ بالعطف ، غرادية ، الجزائر .
إبراهيم بم بكير بحّاز : الدّولة الرستمية ، مطبعة لافوميك ، الجزائر .
محمد بن عبد الله السالمي وناجي عساف : عمان تاريخ يتكلم ، المطبعة العمومية ، دمشق ، 1383هـ / 1969م .
ابن عذاري المراكشي : البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج1 ، ت . ج . س . كولان وإ . ليفي بروفنسال ، ط2 ، دار الثقافة ، بيروت ، 1980م .
د. حسين مؤنس : معالم تاريخ المغرب والأندلس ، مؤسسة المعارف للطباعة والنّشر ، بيروت ، ط1 ، 1397هـ 1977م .
دار الكتب طرابلس ، دليل المؤلفين العرب الليبيين ، مطابع الثورة ببنغازي ، ليبيا ، 1397هـ / 1977م ,
الحسن بن محمد الوزان الفاسي ، وصف إفريقيا ، ترجمة محمد حجي محمد الأخضر ، ط2 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت 1403هـ / 1983م .
د. محمد أسعد طلس : تاريخ العرب ، ج6 ، ط3 ، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ، 1403هـ / 1983م .
القسم الثاني
حول التعريف بالمخطوط وإثباته
إثبات نسبة المخطوطة إلى المؤلف
هذا المخطوط النفيس أثبت نسبته إليه القدماء والمحدثون من المؤرخين والمحققين الإباضية وغيرهم ، نذكر منهم :
أبو زكريا يحي بن أبي بكر الورجلاني (ت: 471هـ) في كتاب سير الأئمة وأخبارهم قال : (( وكان عمروس عالماً كبيراً له كتابان في الأصول والفقه .. )) (1)
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ( ت: 570هـ ) في الجزء الثاني من كتاب الدليل والبرهان قال : (( وأما قول عمروس فيما يسع الناس جهله فيما ضيقه المشايخ على الناس وسَّعه هو ، قال عمروس : (( والذي يسع جهله من الإيمان حتى يحل تفسيره ، فما كان من تفسير جملة التوحيد ، مثل إنفاذ الحدود على الله عز وجل )) (2) فهذه العبارة مأخوذة من هذا الكتاب نفسه ، فراجعها في ص {11} من المخطوط الأم .
وكذلك ذكر عبارة أخرى من هذا الكتاب نفسه : (( إنما يقيم الحجة في دين الله العالم الغاية الذي لا يوجد على قوله مزيد ... )) (3) فراجعها في المتن .
__________
(1) …أبو زكريا : في كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، ص99 .
(2) …الوارجلاني : كتاب الدليل والبرهان ، ج2، ط . البارونية ، مصر ، 1306هـ ، ص14.
(3) …المصدر نفسه : ص77 .
أبو القاسم بن إبراهيم البرادي (ق9هـ / 15م) ذكره في الرسالة التي ألفها في تقييد كتب الإباضية (المشارقة وأهل جبل نفوسة والمغاربة) .. حيث استهل به ـ تآليف جبل نفوسة ـ فقال : (( وأما تواليف أصحابنا أهل الجبل فمنها كتاب الشيخ أبي حفص عمروس بن فتح من أهل القرن الثالث ... (1) .
أبو العباس أحمد بن عبد الواحد الشماخي ( ت: 928هـ ) في كتاب السير قال : (( وبعث إليه بعض الأشياخ المتكلمين من أهل فزان أن يؤلف له كتاباً في الأصول فكتب إليه الكتاب المعروف بالعمروسي ... )) (2) .
القطب محمد بن يوسف أطفيش ( ت: 1332هـ ) استشهد ببعض نصوص هذا الكتاب في موسوعته شرح النيل وشفاء العليل ؛ وحتى صاحب المتن عبد العزيز الثميني رحمهم الله جميعاً (3) .
الدكتور عمر خليفة النامي (؟) ذكره برقم 12 ، ضمن قائمة المخطوطات التي ضبطها عام 1970م ، حيث رآها في زيارته إلى مناطق الإباضية في شمال أفريقيا عام 1968م (4) .
__________
(1) …انظر كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي الإباضي الذي حققه د. عمار طالبي بعنوان " آراء الخوارج الكلامية " ، ج2 مطابع الشروق ، بيروت ، نشر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر 1978م ، ص287 ، وانظر الجوهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات لأبي القاسم بن إبراهيم البرادي ، الطبعة البوني ، مصر 1301هـ ، ص219 ، وانظر اللمعة المرضية من أشعة الإباضية لعبد الله بن حميد السالمي ضمن مجموعة ستة كتب ، ص85 .
(2) …الشماخي : السير ، ص229 .
(3) …انظر مثلاً : ج4 ، ص9 . وقارنها بصفحة {9} من مخطوط هذا الكتاب . ج14 ، ص612 ، وقارنها بصفحة {25 } من مخطوط هذا الكتاب .
(4) …. Jornal Of Islamic studies : Adscription of new Ibai manuscripts from North Africa , by A. K . Ennami ,p.80.
عبد الرحمن بن عمر بكلي ( البكري ـ محبس مكتبة البكري التي أخذت منها مخطوطة ( ب ) ـ : 1986م ) ، تقبل الله منه وأجزل مثوبته ، قال في تحقيقه لكتاب " قواعد الإسلام " للشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي : (( ... فترك لنا كتباً قيمة ... وكتاب الدينونة ... )) (1) .
بطاقة تعريف تقنية عن النسخ المعتمدة
وصف المخطوطة ( أ )
مكانها : هي عبارة عن ورقة مزدوجة انفصلت عن مجموع المخطوطة ، وجدتها في مجموعة من مخطوطات شيخنا الناسخ : الحاج سعيد الحاج محمد بن باحمد العطفاوي ، رحمه الله رحمة واسعة ( ت : 1411هـ / 1990م ) في مكتبته بالعطف .
بدايتها : (( ... مملوكاً وذلك لقوله تعالى : { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ } ... )) .
نهايتها : (( ... فلما كان هذا هكذا ثبت أن الإقامة إنما هي الوقت ... تم الكتاب والحمد لله رب العالمين ، على كاتبه لنفسه )) .
عدد الأوراق : 4 صفحات تامة لكنها ممزقة من فوق .
مقاسها : 7,17 سم × 24 سم .
عدد الأسطر : 26 سطراً في كل صفحة .
خطها : مغربي مفهوم واسع ، لولا انفساح عام طرأ على صفحاتها بعوامل الزمن ، ويتخلله اللون الأحمر في عناوينها .
ناسخها : باحمد بن الحاج قاسم بن دادي حني بن باحمد بن عيسى بن الحاج سعيد العطفاوي .
تاريخ النسخ : يوم 11 رمضان المعظم 1296هـ
وصف المخطوطة ( ب)
مكانها : يقع نص المخطوطة ( ب) الذي نقلت منه هذا الأصل ضمن مجلد تحفظه لنا مكتبة البكري ـ العطف ـ ولاية غرداية ( الجزائر ) برقم (م31/ ع1) . وبعدها كتاب فيه فوائد أخذت من شرح الشيخ عمرو بن رمضان الجربي التلاتي للعقيدة الإباضية المسماة : (( مقدمة التوحيد )) .
__________
(1) …ج1 ، ط1 ، المطبعة العربية ، غرداية 1976م ، ص12 .
بدايتها : )) { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } . صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما . كتاب فيه أصول الدينونة الصافية ، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه .
الحمد لله أرانا الحقَّ ببرهانه ، وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة ... فهذه محنة الفصل بين التوحيد وجميع ملل الشرك الخمسة ... )) .
نهايتها : (( ... ووجوه تربيته تعالى لخلقه لا يحيط بها إلا هو ... فلما كان هذا هكذا أثبت أنَّ الإقامة إنما هي الوقت ... تم الكتاب والحمد لله ربَّ العالمين ... )) .
عدد الأوراق : 24 ورقة أي 47 صفحة .
مقاسها : 5,21 سم × 16 سم .
عدد الأسطر : 24 أو 25 سطراً في كلَّ صفحة .
خطها : مغربي مفهوم ، ويتخلله اللون الأحمر للعناوين والفقرات .
ناسخها : لم يذكر في نهايته وإنما أخذته من المخطوط الذي قبله ، لتشابه الخط ، وهو حاج بن محمد بن بكلي .
تاريخ النسخ : لم يذكر في نهايته وإنما أخذته من المخطوط الذي قبله ، لتشابه الخط . وهو يوم الخميس 1ربيع الثاني 1275هـ
قيمتها : تتمثل في أنها تامة وفي وضوح خطها رغم كثرة أخطائها النحوية والنسخية .
وصف المخطوطة (ج)
مكانها : يقع نص المخطوطة (ج) التي قابلتها على هذا الأصل وصححته عليها في بدايته ، مصورة صورة طبق الأصل ، تحفظها لنا مكتبة المدرسة الجابرية ببني يزقن ـ ولاية غرداية ـ ( الجزائر ) . بعدها : مخطوطة رسالة الحقائق للشيخ أبي القاسم بن إبراهيم البرادي ... وغيرها من متناثر الفوائد .
بدايتها : (( { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } . صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما . كتاب فيه أصول الدينونة الصافية ، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه .
والحمد لله أنار الحق ببرهانه ، وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة ... )) .
نهايتها : (( فلما كان هذا هكذا ثبت أن الإقامة إنما هي للوقت ... تم الكتاب والحمد لله رب العالمين ... )) .
عدد الأوراق : 28 صفحة مرقمة وقد صورت من وجه واحد .
مقاسها : 18سم × 27سم .
عدد الأسطر : 28 سطراً في كل صفحة .
خطها : مغربي رقيق ومتعِب إلا أنه مفهوم .
ناسخها : مجهول .
تاريخ النسخ : مجهول .
قيمتها : تتمثل في أن الناسخ له دراية بالنحو ، وأمين في النسخ وتامة .
عرض المخطوطة ( د )
مكانها : توجد ضمن مجلد به مجموع مخطوطات قيمة في مكتبة الحاج بابكر بن مسعود الغرداوي وهي عند حفيده الأستاذ بابكر الحاج يوسف .
بدايتها : (( { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وبه نستعين {كذا} ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
كتاب فيه أصول الدينونة الصافية ، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه .
الحمد لله الذي أنار الحق ببرهانه ... ))
نهايتها : (( فلما كان هذا هكذا ثبت أن الإقامة إنما هي للوقت ... تم الكتاب والحمد لله في 6شعبان سنة 1124هـ )) .
عدد الأوراق : 19 ورقة .
عدد الأسطر : 25سطراً .
مقاسها : 22سم × 16سم .
ناسخها : حسب المخطوط الذي قبله والذي بعده هو السيد يحيى بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الواحد بن عبد الرحيم ابن عبد الواحد الفناص اليفرني .
تاريخ النسخ : 6شعبان 1124هـ .
خطها : مغربي واضّح .
مدادها : أسود وأحمر .
ملاحظة : في وجه كل ورقة منها مكتوب : (( وقف على المصعبيين )) .
قيمتها : أنها تامة ، وخطها واضح ، وتاريخ نسخها أقدم ما في أيدينا من النسخ ، وأهم ما تمتاز به الدقة في الضبط وقلة الأخطاء . لذلك اعتمدناها أمّا لباقي النسخ .
عرض المخطوطة ( هـ )
مكانها : توجد ضمن مجلد به مجموع مخطوطات قيمة بمكتبة الحاج بابكر ابن مسعود الغرداوي وهي عند حفيده الأستاذ بابكر الحاج يوسف .
بدايتها : (( { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .
كتاب فيه أصول الدينونة الصافية ، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه .
الحمد لله الذي أنار الحق ببرهانه ... )) .
نهايتها : (( فلما كان هذا هكذا أتيت [ كذا ] أن الإقامة إنما هي للوقت ثم [ كذا ] .
عدد الأوراق : 28 ورقة .
عدد الأسطر : بين 23 و 24 سطراً .
مقاسها : 21 سم × 16 سم .
ناسخها : مجهول .
تاريخ النسخ : مجهول ويحتمل أنها نسخت في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر بعد السابقة .
خطها : مغربي واضح .
مدادها : بني وأحمر .
ملاحظة : * تنقصها ورقة واحدة بين صفحة 40 و41 .
* بداية المخطوطة لا بأس به من حيث نقص الأخطاء ، ولكنها في الوسط والآخر مليئة بالأخطاء الإملائية والنحوية وغيرها ...
* بعدها نصف صفحة بها فوائد في الأذكار .
قيمتها : أنها تامة إلا خرم ورقة واحدة ، وخطها واضح ، وتاريخ نسخها يبدو أنه قديم نسبيا .
ملاحظة عامة عن النسخ المعتمدة :
نلاحظ أن النسختين ( ب ) و( جـ ) كثيرا ما تتفقان على مواضع الخطأ ، أو السقط ... مما يجعلنا نرجح أنهما من أصل واحد ، أو أن إحداهما أماً للأخرى .
ونفس الملاحظة يمكن أن تقال عن النسختين : ( د ) و ( هـ ) . فهما من أم واحدة , ورغم قدم ( د ) أكثر من ( هـ ) فإنه يستبعد أن تكون أماً لها ، لأن في الثانية بعض الإضافات غير موجودة في الأولى .
إثبات عنوان الكتاب
لقد ورد عنوان الكتاب في النسخ المعتمدة على لفظين : في ( ب ) و( د ) و( ج ) كتب : " أصول الدينونية الصافية " بالياء بعد النون الثانية ... وفي نسخة ( هـ ) ضبط بلفظ " أصول الدينونة الصافية " بدون ياء بعد النون الثانية ، وهو الأصوب لما يلي :
أن هذه النسخ كلها تتفق في العبارة التي ختم بها باب العقيدة قائلا : (( وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية )) (1) .
من الجانب اللغوي في المعاجم لا نجد المصدر في كلمة " دان " إلا بلفظ " ديانة ودينونة " لا " دينونية " على صيغة النسبة ، ولا مجال للنسبة في هذا المكان ويرد في تعابير الفقهاء قولهم : (( فعل هذا دينونة )) (2) أو (( قال دينونة )) أي اعتقادا صحيحا .
لقد ورد هذا العنوان بلفظ " الدينونة " عند بعض المحققين المتأخرين مثل الشيخ عبد الرحمن بكلي والشيخ فرحات الجعبيري والدكتور عمرو النامي ... بينما المتأخرون منهم لو يورده أحد بهذا الاسم إلا النساخ .
فأميل إلى أن النساخ هم الذين وضعوا هذا العنوان له وقد اقتسبوه من وسط الكتاب ... والله أعلم بالصواب .
عرض المخطوطة :
تنقسم المخطوطة إلى ثلاثة أبواب رئيسية هي :
قسم العقيدة .
قسم العبادات .
قسم المعاملات .
وفي كل قسم تظهر عناوين مهمة جامعة لمعلومات ذات محور واحد ، تمتاز :
بضبط الحكم مباشرة ولو بدون دليل شرعي في بعض الأحيان ، اعتمادا على الدليل العقلي الموضوعي .
كما أن أسلوب الجدال والرد على مناقض رأي المذهب الإباضي ؛ ومقارعة الحجة بالحجة كان سيد الموقف في أغلب الأبواب . ولكنه كان أكثر وضوحا في باب العقيدة لأنه الميدان الخصيب لذلك النوع من الأساليب .
ومما يلاحظ أيضا في نصوص هذا الكتاب هو تسليط الضوء على بعض القضايا التي كانت محل خلاف أو اعتناء في اوساط الإباضية خاصة سكان جبل نفوسة ؛ بحيث إذا عرضناها على واقع هذه المنطقة اتضح لنا وجه الموافقة ، فمثلا : نجد مسألة الزكاة وبالضبط قسم الأنعام منها وقع فيها الإطناب والتوضيح بصورة ملفتة للانتباه ، والسبب واضح في أن المنطقة كانت منطقة رعي ورعاة وزهاد .
__________
(1) …انظر ص 13 من المخطوط .
(2) …انظر قوله : (( ومن قتل بالدينونة )) ص 27 من المخطوط .
والمثال الآخر : يتضح لنا جليا في عرض فريضة الحج عرضا واسعا أكثر من جميع الفرائض الأخرى ، وخاصة مسألة (( منهيات الإحرام وكفاراته )) ، ولعل السبب يرجع أيضا إلى واقع نفوسة التي وصف أهلها (( بأنهم أكثر الناس حجا وأزكاهم نهجا ، حتى إنهم كانوا يحجون بالنساء والذرية )) . (1)
كما نلاحظ أن هذه الأحكام قد اعتنت بجانب كبير من المعاملات المالية ـ سلبا وإيجابا ـ مثل الغنائم والمواريث التي تنتج عن كثير من الحروب التي خاضتها نفوسة في جبل نفوسة وفي تيهرت ـ بالجزائر ـ إذ أن أكثر إمدادات الحروب إلى الحكم الرستمي كانت من شرآة نفوسة الشجعان .
كما أن تفصيل الكلام في قضية قطاع الطرق والقصاص يبين لنا الأجواء التي كانت تعيشها منطقة المغرب بصفة عامة من كثرة الغارات والاعتداءات على الأموال والأنفس والثمرات ، سواء بين القبائل في الداخل او مع الجيران في الخارج كالأغالبة .
والملاحظة الأخيرة التي لا شك أنك أخي القارئ قد اكتشفتها أثناء تصفحك لفهرس الكتاب هي غياب الترتيب التسلسلي لمسائل بعض الفصول والأبواب . مثل وجود (( مسألة سنن الختان والأذان )) في آخر الكتاب رغم أنهما من مسائل الطهارة والصلاة . وسوف لا تكترث لمثل هذه الملاحظة إذا عرفت أنها ميزة أغلب الكتابات الإباضية في ذلك العصر ، سواء في التاريخ أو الشريعة (2) .
القيمة العلمية للمخطوطة :
يمكن لي أن أحصر القيمة العلمية لهذا الكتاب في أربع نقاط أساسية هي :
__________
(1) …الوسياني : سير ( مخ ) ج 1 ، ص 7 ، الدرجيني : طبقات ، ج2 ، ص325 ، الشماخي : السير ، ص228 .
(2) …لاحظ كتاب : بدء الإسلام وشرائع الدين ، لابن سلام الإباضي ، تح . ق . شفارتز والشيخ سالم بن يعقوب . والكتاب في التاريخ أصلا ، وإنمما سوف تجد فيه العقيدة والشريعة .
تساهم في كشف جوانب هامة عن التأليف عند الإباضية في عهد الدولة الرستمية ، هذه الدولة التي أبيدت معالمها من الجذور بعد أن أحرق الفاطميون مكتبتها (( المعصومة )) العظيمة ، لولا وجود كتب محفوظة هنا وهناك ، يتوارثها الأبناء عن الآباء في جو من السرية والحيطة المتناهيين ، إلى أن وصلتنا ، مثل هذا الكتاب .
أنها توضح لنا جوانب عن شخصية أحد الأعلام المغمورين في التاريخ الإسلامي للقرن الثالث الهجري ؛ هذه الشخصية التي ظلت مضرب المثل عبر القرون ـ للجد والنشاط واغتنام الفرص ـ فبارك الله في عمر الشيخ عمروس لإخلاص نيته في خدمة الإسلام ونفع عباد الله .
لها فضلها في الحفاظ على نصوص من مدونة أبي غانم الخراساني ، بل تلخيص بعضها تلخيصاً يتناسب مع طريقة التأليف في المغرب الإسلامي ، إذ أنها تعرض الإسلام على قوم عجم ليس لهم باع عريض في اللغة العربية ، فيبسط لهم الكلام ويمدده . (1)
إذا استعرضنا نصوص الكتاب إلى المنهجية العلمية في التأليف وجدناها لا تفقد حظها من ذلك ، إذ أنها : تعتمد على الدليل الشرعي والعقلي في أحكامها ، وتستعمل السند ـ ولو كان عاماً ـ في إثبات الترجيحات والاجتهادات الخاصة لكل مدرسة ، واختيار العبارات الواضحة ، حتى يتمكن العامي من فهمها .
أما النقطة التي نفتقرها في المصادر التي تحدثت عن الشيخ وآثاره ، فهو إظهار سبب تأليف هذا الكتاب بصورة مباشرة . ولعل السبب مذكور داخل الكتاب ولكنه غير كافٍ : (( وأردت أن أقصد بكتابي إلى بعض أمور تكون فيه الحاجة مما كلف الله به العباد )) . (2)
ولعله يرجع إلى عدم معرفة هذا الكتاب بعنوانه هذا منذ القديم ، والله أعلم بالحقيقة .
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
__________
(1) …قارن : أوقات الصلاة ، صلاة الجماعة ، زكاة الإبل ، زكاة الفطر ، الأذان ... بما في مدونة أبي غانم الخراساني .
(2) …انظر ص10 من المخطوط .
وبه نستعين (1)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

القسم الثالث
كتاب فيه أصول الدينونة الصافية
تأليف
الإمام الفقيه
عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدس روحه
مقدمة الباب الأول
[ مسائل في العقيدة ]
مقدمة
الحمد لله الذي أنار (2) الحق ببرهانه وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة التي قطع الله بها عذر المبطلين ، وشهد بها على أعدائه بما أراد عزّ وجلّ ، لئلا يكون للعاصي (3) في معصيته عذر ، ولا يهلك من هلك إلا بعد إعذار وإنذار ، بعث رسله تترى ، وأنزل كتبه تتلى { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } (4) { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } (5) .
وأن الناس لم يختلفوا في شيء قط إلا وقد بينه الله في كتابه : { وَلكِن(6) يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } (7) { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } (8) { فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ } (9) { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء } (10) فلا يصل إليه الخير ، فهو على شبهة من أمره .
__________
(1) …في ( د ) (( وبه نستعين )) . وهو تصحيف .
(2) …في ( ب) : (( أرانا )) .
(3) …في ( د ) : (( للعاصين )) .
(4) …الآية 165 من سورة النساء.
(5) …الآية 42 من سورة الأنفال.
(6) …في ( د ) ( هـ ) : (( ولكن الله يضل ...)) وهو خطأ إذ لا توجد آية هكذا .
(7) …الآية 93 من سورة النحل.
(8) …الآية 125 من سورة الأنعام.
(9) …الآية 22 من سورة الزمر.
(10) …الآية 125 من سورة الأنعام.
شرع الله دينه وبينه وأخذ على جميع من علمه إياه (1) الميثاق { لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } (2) .
وقد عبر الله تعالى قوماً لم يفعلوا ذلك ، فقال عزّ وجلّ : { فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } (3) .
وقوله : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } (4).
[ مسائل في العقيدة ]
[ المعاملة بين الموحدين ]
__________
(1) …في ( هـ ) سقط : (( إياه )) .
(2) …الآية 187 من سورة آل عمران.
(3) …الآية 187 من سورة آل عمران.
(4) …الآية 159 من سورة البقرة . وفي ( هـ ) : (( ... ما أنزل الله من البينة ... )) وهو خطأ .
فأول ما نحن ذاكروه : الإقرار لله بالوحدانية وأنه لا يشبهه شيء من خلقه ، وليس له شريك ، وأن محمداً عبده ورسوله ، والإقرار بما جاء به أنه الحق من الله ، فمن أقر بهذا فقد خرج من الشرك ، فهذه محنة (1) الفصل بين التوحيد وجميع ملل الشرك الخمسة ؛ (2) وإلى هذه (3) كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو المشركين ، فمن استجاب له كان مسلما ؛ ثم ابتلاهم الله بعد ذلك بالفرائض ، ومحصهم بها ، فقال عز وجل { الم[1] أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ[2] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[3] } (4) بغير الابتلاء (5) إلى قوله { ْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا } (6) في عمل ما أقروا به ، وهم المؤمنون { وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } (7) أهل الخيانة والتضييع لعمل ما أقروا به ، فسماهم الله منافقين ، اسماً لم يسم به أحداً من ملل الشرك ، فيهم كانت الحدود ، فهم مع المؤمنين ، جرت بينهم الحقوق من المناكحة والموارثة ، وأكل الذبائح ، والمدافنة [ 02 ] مع المسلمين ، وقبول الشهادة ، والقيام على جنائزهم ، والحج معهم ، والقصاص ، وتسويتهم في القود (8) والدية ، فهم بإقرارهم مع المسلمين في الأحكام . لا يبطل منهم بنفاقهم إلا ما أبطله القرآن ، من تحريم ولايتهم ، وتسميتهم بالإيمان وقد نفاه الله عنهم ، وتسميتهم بالكفر والنفاق ، (9)
__________
(1) …المحنة : الصفاء والنقاء .
(2) …إشارة إلى : المشركين ، اليهود ، النصارى ن المجوس ، والصابئين .
(3) …في ( هـ ) : (( هذا )) .
(4) …الآيات من 1 إلى 3 من سورة العنكبوت.
(5) …في ( د ) : (( الابتلى )) .
(6) …في ( هـ ) : (( وليعلمن )) . وهو خطأ .
(7) …سورة العنكبوت : 1 ـ 3 .
(8) …في ( ب ) و( ج ) : (( القود )) والصواب ما أثبتاه من ( د ) و ( هـ ) .
(9) …قوله : (( وتسميتهم بالكفر والنفاق ... )) معطوف على قوله : لا يبطل ، ولا يدخل في الاستثناء ، أي يجوز تسميتهم بالكفر ـ كفر نعمة ـ وبالنفاق .
وتحريم التسمية لهم بالشرك ، ما لم ينكروا ما أقروا به (1) من التوحيد وإن كان الكفر يجمعهم .
فكان الناس على ثلاث (2) منازل ، كما قال الله تبارك وتعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا } : لنفسه { جَهُولا ً } : لأمر ربه ... ثم قال : { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ } : فهذه منزلتان في الكفر ، { وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } : أهل الوفاء بالقول والعمل { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا[73] } (3) .
[ المنزلة بين المنزلتين ]
فهذه ثلاث(4) منازل في الخلق معروفة بأسمائها ، مختلفة في أحكامها ومنازلها ، ومن عدل الله أن يجمعهم من حيث اجتمعوا ، ويفرقهم من حيث افترقوا .
المشرك : المنكر للقول والعمل .
والمنافق : المقرّ بالقول المضيّع للعمل .
والمؤمن : الموفي (5) بما أقر به من القول والعمل .
__________
(1) …في نسخة ( ب ) : (( ما أقروا )) . وهو تحريف .
(2) …في ( هـ ) : (( ثلاثة )) .
(3) …الآية 73 من سورة الأحزاب.
(4) …في ( هـ ) : (( ثلاثة )) .
(5) …في( د ) : (( الموف )) . وهو خطأ إذ لا موجب لحذف الياء .
ولا يسمى أهل النفاق بالشرك ، وإن كان يجمعهم اسم الكفر ؛ كما لا يسمى أهل الشرك بالنفاق ، وإن كانت النار تجمعهم واسم الكفر ... فهم كما قال الله : { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً[143] } (1) . لا هم مع المؤمنين في الاسم والثواب ، ولا هم مع المشركين في الحكم والسيرة ، قال الله : { مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ } (2) .
وندعوهم إلى ترك ما به ضلوا وكفروا ، فمن أبى قبول ما دعونا إليه ورد دعوتنا ، وسفًَّه مقالتنا ، وباين مناصبتنا (3) استحللنا قتاله ، ولا تجاوز سفك دمائهم إلى غنيمة أموالهم وسبي (4) ذراريهم ، محرم ذلك علينا ، لإقرارهم بتوحيد ربهم ، ولا يحرم منهم شيء مما كان أحلّ لنا منهم ، إلا الولاية وتسميتهم بالاسم الذي زال عنهم من اسم الإيمان ؛ وإنما كان السبي والغنيمة في أهل الشرك ، وقد حكم الله بذلك أحكاما ، وسار فيها نبي الله بسيرة معروفة ، اتبعها المؤمنون (5) حين ابتلوا فكنا أتباعاً غبر مبتدعين .
[ معاملتنا لأهل الكتاب ]
__________
(1) …الآية 143 من سورة النساء.
(2) …الآية 14 من سورة المجادلة.
(3) …المناصبة : المقاومة والعداوة
(4) …في ( د ) و ( هـ ) : (( وسبا )) وهو جائز ، فهو سبي يسبي سباءً ، وإنما حذفت الهمزة على عادة غالب النساخ المغاربة على الخصوص . وصححناها هنا وفيما سيأتي تماشيا مع ما يجري في الألسن . ولم نشر إلى ذلك في الهامش لكثرة ورودها ..
(5) …في ( هـ ) : (( المسلمون )) .
وننزل أهل الكتاب حيث أنزلهم الله : أن يقاتلوا حتى يقروا بالجزية عن ذل وصغار ، ونستحل منهم إذا أقروا بالجزية نكاح الحرائر منهم (1) ـ وهم أهل الملل الثلاث : اليهود والصابوون والنصارى ـ ، وقد قال الله في كتابه : { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ } إلى قوله : { عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } (2) يعني : عن ذل وهم صاغرون (3) .
وقال : { أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } : [ 03 ] يعني الحلال كله ، { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ } : يعني ذبائحهم ، ثم قال : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ } يعني الحرائر منهم ، { إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } : أن تتزوجوهن بمهورهن ، فتبين (4) بقوله : { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } (5) ناكحين غير زانين معلنين { وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } يعني أن يتخذ أحدكم خليلة يزني بها في السر ، فحرم الله ذلك ـ سره وعلانيته ـ كما قال في سورة الأنعام : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } (6) . وفي الأعراف : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } (7) .
__________
(1) …في ( هـ ) : ((من نسائهم)) .
(2) …الآية 29 من سورة التوبة.
(3) …في ( ب ) سقط : (( يعني عن ذل وهم صاغرون )) .
(4) …كذا في النسخ والأنسب : (( تبين )) .
(5) …الآية 5 من سورة المائدة.
(6) …الآية 151 من سورة الأنعام.
(7) …الآية 33 من سورة الأعراف.
وإذا حاربوا وأبوا الجزية ، تركنا تحليل ذلك منهم ، لأنهم يسبون في ذلك الحال ، فلا يحل لمسلم أن يتزوج امرأة يحل سبيها لغيره ، ولا نستحل نكاح إماء أهل الكتاب لأن الله لم يذكر في التحليل إلا الحرائر .
ويوطأن(1) بملك اليمين ، لأن الله أحل للرجل ما ملكت أيمانهم ، ما لم يكونوا بمنزلة التي يحرمهن المسلمون، من ذلك : الرواضع ، والمشركات ، وما دخلت بمن يحرمها ، أو دخل بها من يحرمها ، أو ذوات البعولة ، وما يشبه ذلك من الحواجز .
وليس على الرجل وقت (2) عدد في التسري . ولا يتزوج الحر الأمة إلا مضطراً ، ولا يتزوج إلا واحدة ؛ وإن وجد المضطرُ الصبر عن تزويج الأمة فهو خير له ، كما قال الله (3) : { وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } (4) .
[ معاملتنا مع المجوس ]
وحكمنا في المجوس ما حكم الله فيهم ، وسار به نبي الله عليه السلام : أن يقاتلوا ، حتى يقروا بالجزية ، فإذا أقروا أخذت منهم { عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } (5) ، ثم تركوا على ما هم دائنون به لأن الله يقول : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } (6) ، وقد يقال : أكره على الدين ، ولا تكره فيه ، ولا تؤكل (7) ذبائحهم ولا تنكح حرائرهم ـ سلما كان أو جربا ـ .
[ معاملتنا مع المشركين ]
__________
(1) …في ( هـ ) : (( يطين )) .
(2) …كذا في النسخ ولعل الصحيح : (( وقف عدد )) . أو معناه انتظار أيام العدة .
(3) …في ( هـ ) : سقط : (( الله )) .
(4) …الآية 25 من سورة النساء.
(5) …الآية 29 من سورة التوبة.
(6) … الآية 256 من سورة البقرة.
(7) …في ( هـ ) : ((وتوكل)) .
وحكمنا في عبدة الأوثان ما حكم الله فيهم وسار نبي الله عليه السلام : القتل (1) حتى يدخلوا في الإسلام ، لا يقبل منهم إلا الدخول في الإسلام ، لا تقبل منهم جزية ، لأنهم ليس لهم دين (2) يقرون عليه . والمجوس يدَّعون أثره من العلم وأنهم ـ زعموا ـ أهل دين آدم ، ولذلك (3) أخذت منهم الجزية ... وأما عبدة الأوثان فلا يدعون (4) دينا ... وفيهم أنزل الله : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } : يعني شركا ، { وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ } (5) . فهذه ملل الشرك فقد ذكرناها ن وبينا السيرة في كل ملة ... وفيهم كان السبي والغنائم .
[ معاملتنا للمنافقين ]
__________
(1) …لعل الصحيح : (( القتال )) .
(2) …كذا في النسخ ، والأنسب : (( لأنهم ليسوا على دين )) .
(3) …في النسختين : ( ب ) و( ج ) : (( وذلك )) . والأنسب : ما أثبت في ( د ) و ( هـ ) .
(4) …في النسختين : ( ب ) و( ج ) : (( فلا يدعوا )) . وهو خطأ .
(5) …الآية 193 من سورة البقرة.
وأما المنافقون فهم في ملة الإيمان ، ويجري عليهم ملتهم التي ادعوا وأقروا بها ، وليسوا (1) بملة كملة اليهود والنصارى ، ولكنه إدغال (2) في الدين ، إما شهود في محرم ، أو تحريف في التأويل ، وإنما أصابوا النفاق بمعاص دون [ 04 ] الشرك في هوى (3) مضل ، أو تأويل شبهة في غير حق ، وأهله مقرون بالتنزيل ، ولا يجحدونه ولا ينكرونه ، ويجزي عليهم حكم ما أقروا ، ولا تستحل منهم إلا الدماء ، والبراءة منهم ، لأن الله تبارك وتعالى لم يحل منهم غير ذلك فقال : { مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا } (4) ويبين أنه إنما يحل منهم ذلك إذا باينوا (5) لقوله الله تعالى : { لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } (6) فأما إذا انتهوا (7) عن إظهار نفاقهم تركوا ، قال الله تعالى : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } (8) .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( وليسموا )) . وهو خطأ .
(2) …إدغال : من دغل يدغل : أي دخل دخول المريب ...وله معنى الخيانة والخلط .
(3) …في النسخ ( ب) و( ج ) و( د ) : (( هواء )) والأنسب ما أثبت من ( هـ ) .
(4) …الآية 61 من سورة الأحزاب.
(5) …في النسخ ( ب ) و( ج ) (( بيانو )) . والصحيح ما أثبت من ( د ) و( هـ) .
(6) …الآية60 من سورة الأحزاب.
(7) …في ( ب ) و( ج ) : (( انتلموا )) .
(8) …الآية 9 من سورة الحجرات.
فلا نجاوز تحليل دمائهم إلى غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم ، ونسميهم بالكفر كفر والنفاق كما (1) قالت المرجئة (2) إن كل موحد مسلمُ مؤمنُ ، وإن لم يذر لله حرمة إلا انتهكها ، أو معصية إلا ارتكبهاً ، خلافاً لما قال الله ، وتركا لما حكم جرأة على الله ، ونقصاً لقول الله بمكابرة ... وقد شرع الله ديناً نقياً صافياً خالصاً ، ليس فيه ند (3) ولا قذر (4) ولا ظلم ولا منكر ، ولا يدان فيه بمعصية الرب ن ولا يتولى فيه عدو ، (5) وليس يساعدهم على مقالتهم إلا سفيه أو فاجر ، يرتعي في رياض الهوى ويتجرأ (6) في الشهوات (7) ، جرأة العصاة على معصية الله ، وإسخاط ربهم .
[ لمن تمنح الشفاعة ؟ ]
__________
(1) …كذا في النسخ ، والأنسب : (( لا كما قالت )) . وفي ( هـ ) : (( وقالت )) .
(2) …هو إتجاه لبعض الفرق الإسلامية ( اليونسية ، الغسانية ... )) .
(3) …ند : نفور . ويمكن أن نقرأ في ( د ) : (( قد )) . وفي ( هـ ) : (( قدا )) . ولعل صوابها : (( قذى )) .
(4) …في النسخ ( ب) و( ج ) و( هـ ) : (( قدر )) أي ضيق .
(5) …في ( هـ ) : (( غدر )) أو (( عذر )) .
(6) …في النسخ : (( يتجر )) . والأنسب ما أثبت .
(7) …في ( د ) (( بيانو )) : (( في شهوات )) والأنسب ما أثبت من باقي النسخ .
وأباح الفساق الحرام ، وقالوا : دونكم التوحيد تنالوا به الدرجة العلى في الجنة بشفاعة (1) محمد عليه السلام ، لو لم يتركوا لله معصية جهلاً كالسائمة (2) من البهائم لا يعرفون البراءة ولا الولاية ، يزعمون أنهم على دين ، وليسوا على شيء حتى يقيموه (3) ولا يعرفون من الدين إلا اسمه ، ويزعمون أنهم على الكتاب وليسوا يعرفون من الكتاب إلا صفته ، ولا يقودهم الكتاب فيما يحل ولا فيما يحرم ، ولا يحكمون بأحكامه ، ولا يسمون بأسمائه ، ويزعمون أنهم من أهل السنة ، وهم ممن أمات السنة (4) ، وينكرون البدعة وهم أهلها ، ويحتجون بالكثرة والظهور والغلبة ، وأن بيت الله الحرام في حكمهم ؛ وليس هذا من الحجة في شيء ، فكم من ولي الله في أيدي أعدائه أسيراً ذليلاً مقهوراً ، وقد ألقي إبراهيم صلوات الله عليه في النار ، وهو على حجة الله ، ولو كان مع الغلبة لكان الذين ألقوه في النار محقين ، ولكان الذين قاتلوا أنبياء الله في سالف الدهر محقين ، ولكان أبو جهل بن هشام ومن معه من مشركي قريش محقين حين أخرجوا نبي الله والمؤمنين من مكة ، ولكان (5) نبي الله وأصحابه مبطلين حين منُعوا من بيت الله الحرام أن يقربوه ... قال الله عز وجل : { هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ
__________
(1) …الشفاعة لغة : الوسيلة والطلب ، وعرفا : سؤال الخير من الغير للغير ، وشرعا طلب تعجيل دخول الجنة أو زيادة درجة فيها من الرب عز وجل لعباده المؤمنين ، فتكون للأنبياء وغيرهم ، ويختص فيها نبينا عليه السلام بفضل الزيادة ، ثم يأتي من بعده . وهي عند الإباضية لا تجوز إلا للتقاة . انظر : السالمي : مشارق أنوار العقول ، ص 289 .
(2) …السائمة : الراعية في غير إسطبلها .
(3) …في ( ب) و( ج ) : (( يقيمون )) . وهو خطأ .
(4) …وهم الذين يرون أن الإسلام قول بلا عمل .
(5) …في النسختين : ( ب) و( ج ) : (( ولو كان )) .
مَحِلَّهُ } (1) . وتركوا حجة الله النيرة ، وأخذوا يخوضون في الأباطل . ألجأهم ثقل كتاب الله واستوحشوا [ 05 ] منه ، ونفروا عن الحق واستأنسوا بالروايات الكاذبة ، وقالوا : ( إن قوما يخرجون من النار ) ، بعد توكيد الله في غير موضع : أن من دخلها خالداً ، وما هم منها بخارجين ، (2) وإنهم ماكثون ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } (3) . حرفوا مقالة الله وافتروا على الله ، ولا يضرنا خلافهم ـ ولكنا نعلم ـ والحمد لله ـ أنهم كذبه .
__________
(1) …الآية 25 من سورة الفتح.
(2) …في ( هـ ) : (( بمخرجين )) .
(3) …الآية 37 من سورة المائدة.
وأنهم يستحلون شتم الإباضية (1) ، وحتى أنهم يقولون : شتمهم قربة إلى الله ، سفها بغير علم ؛ فبهذا نقض أول كلامهم ، أن جميع أمة محمد عليه السلام ، مسلمون حرام البراءة منهم ، فدينهم متضادد ، ينقض بعضه بعضاً ، وآخر كلامهم ينقض أوله ؛ وفساد مذهبهم أكثر من أن نأتي عليه بكتاب ولا خبر . وإن أولى الناس بالحق من أقامه ، ولم يستنكر مذاهبه ، ولم يختلف قوله ؛ إن أولى الناس بالله من اتبع أمره واستدل بحكمه ، واستدل بأمره ، وسمى الناس بما سماهم الله به في كتابه ، وحكم فيهم بما حكم الله ، ولم يتبع حكمه هوى ، ولا يميل به غضب ، ولا يأخذ المال إلا من حيث أذن الله له : ميراث من كتاب الله ، أو شراء ، أو بيع عن تراض ، أو هبة عن طيبة نفس أهل الهبات ، أو غنيمة من أموال المشركين غير المعاهدين ... في طريق الهدى ، مع أهل الهدى ، يدعوهم إلى الهدى ، مع أهل العدل ؛ لا يغل (2) من المغنم ، ولا يستخفي حتى تقسم الغنيمة على جميع أهل العسكر ، ويدفع الخمس إلى الإمام ، ويقسمه فيمن قسمه الله . وإنما يصح الخروج بإمام الهدى أو بإذنه ، ولا يحل أن يصفي (3) أحد لنفسه من الغنيمة شيئاً ، إلا إن نفله به الإمام ، ما خلا طعاماً يأكله لبطنه ، أو علفاً
__________
(1) …الإباضية : فرقة من الفرق الإسلامية المعتدلة أسسها الإمام جابر بن زيد الأزدي العُماني ـ رحمه الله ـ في البصرة ، ولكنها نسبت إلى ناطقها الرسمي عبد الله بن أباض ـ رحمه الله ـ في القرن الأول الهجري ، وهي نقيض الخوارج في مبادئها إلا في قضية رفض التحكيم في معركة صفين ، ولا يزال أتباعها منتشرين في عُمان وشمال أفريقيا . انظر : علي يحيى معمر : الإباضية بين الفرق الإسلامية ، كل الكتاب . وعوض محمد خليفات : الأصول التاريخية للفرقة الإباضية . بكير بن سعيد أعوشت : دراسات إسلامية في الأصول الإباضية .
(2) …يغل : من الغل ، السرقة أو الخيانة في الغنائم .
(3) …كذا في النسخ ، والأنسب : يصطفي .
يعلف به دابته ، وما سوى ذلك فهو مقسوم ، حتى السهم يخرجه الرجل من جسده .
[ الرد على شبهات الصفرية ]
وقالت الصفرية (1) : بتشريك أهل الكبائر من أهل التوحيد ، واستحلوا سبي ذراريهم ، وغنيمة أموالهم جرأة على الله ، ديناً لم يشرعه الله ولم يسن (2) بسيرته نبي الله عليه السلام ؛ وتأولوا على ذلك تأويل شبهة خالفت الحق وخرجت من العدل ، فدخل عليهم من الضلال ما لا نهاية له .
وتناقض قولهم فأجازوا مناكحة أهل القبلة ، وأكل ذبائحهم ، وأجازوا شهادتهم ، والقيام بين أظهرهم ، وأستحلوا نكاح ذوات البعولة من غير موت أزواجهن ولا طلاق ، وانتحلوا (3) الهجرة ، وزعموا أنها كهجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا مما لا يحصى من فريتهم وخدعتهم ، فأخذوا (4) [06 ] ما أحبوا وتركوا ما كرهوا .
فإن كان أهل القبلة بمنزلة مشركي العرب ، فقد ضلت الصفرية بأكل ذبائحهم وموارثتهم ومناكحتهم .
__________
(1) …الصفرية : فرقة من فرق الخوارج تنتسب إلى زياد بن الأصفر ، يرون أن مرتكب الكبائر مشرك ، وأن التقية تجوز في القول لا في العمل . انظر : مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذهب . ص104 .
(2) …كذا في النسختين : ولعل الأنسب : (( يسر )) .
(3) …انتحلوا : نسبوا أنفسهم إلى هجرة زعموها ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( لا هجرة بعد الفتح )) . رواه البخاري عن مجاشع بن مسعود وصححه السيوطي .
(4) …في ( هـ ) : إضافة : (( وما أحبوا وتركوا )) .
وإن كانوا بمنزلة المجوس ، فذلك في المناكحة والذبائح وقبول الشهادة وترك ضرب الجزية عليهم . وإن كانوا بمنزلة أهل الكتاب فليضربوا عليهم الجزية إذا أسلموا ، وليحرموا نساءهم على رجال قومهم ، وليحرموا منهم الموارثة ، وإن كانوا من أهل التوحيد فقد ضلوا باستحلال سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم ... يشبهون قومهم في بعض سيرتهم بالمسلمين ، وفي بعض يشبهونهم باليهود والنصارى ، وفي بعضها يشبهونهم بأهل اللات والعزى ، يستحلون غنيمة أموالهم ، ثم يقاسمونهم الميراث بكتاب الله !!
وعن النبي عليه السلام أنه قال : (( كل ما يورث حرام غنيمة وكل ما لا يغنم (1) حرام ميراثه )) (2) لأنه لا يجتمع في مال سيرتان : سبي وغنيمة بكتاب الله . واستحلوا نكاح نساء قومهم بكتاب الله ، ثم استحلوا سبيهم (3) مع ذلك ، ولا يجتمع حكمان في امرأة : نكاح بحلال ، وسبي بحلال .
وضلالتهم أكثر من أن أصف جميعها ، وقد ذكرت بعضها .
وقالت فرقة أخرى : لا ندري أي منزلة نضيف إليها المحدثين من أهل القبلة ، وذلك أسلم لنا وأحرز من الإثم ، وذلك أرضى لله ، أن (4) لا نقع في شيء من الخطأ لأن الناس اختلفوا فيهم فقال بعضهم مؤمنون مسلمون ، ثابته لهم الولاية والإيمان إيمانهم كإيمان المرسلين (5) والملائكة وجميع المؤمنين ، ليس أحد من أنبياء الله ورسله وملائكته أفضل منهم إيماناً ... إيمان من لا يترك لله معصية إلا ارتكبها !
__________
(1) …في نسختي ( ب) و(ج ) : (( ما يغنم )) وهو الأظهر .
(2) …قال القطب : (( رواه تبغورين ، ولم ينسبه ، وهو حجة )) شرح النيل ، ج15 ، ص340 .
(3) …كذا في النسخ ، والصحيح : (( سبيهن )) .
(4) …في ( هـ ) سقط ( أن ) .
(5) …في ( ج ) : (( كإيمان المسليمن والمرسلين )) .
كإيمان جبريل وإسرافيل (1) والملائكة والرسل ؟ ! لا يضر ـ زعموا ـ مع التوحيد كبير ولا صغير ؟ ! (2) التائب من الذنوب والراجع عنها كالمصر عليها والمتمادي فيها ؟ !
وأشنع من هذا مما وصفته المرجئة ، وما دخلوا فيه من تشبيههم ربهم وتحديدهم له ، وما وصفوه به من الزوال والانتقال ، وما ردوا من تنفيذ وعيد الله ، وهم أشبه بقول اليهود { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } (3) .
وقالت طائفة أخرى وهم الصفرية : إن المحدثين من أهل القبلة كأهل حرب نبي الله ، فمن شك في شركهم فهو مشرك ، يحل منهم ـ زعموا ـ ما يحل من المشركين من الاسم والحكم والسبي .
وقالت طائفة : ضألون منافقون ليسوا بمشركين ؛ فهذه مقالة أهل العدل (4) .
[ نقض شبهات المعتزلة ]
وقالت المعتزلة (5) : ما أشركوا ولا كفروا ولا نافقوا ، ولكنهم ضلوا ضلالاً لا يبرئهم من الإيمان ، وليسوا [07 ] بمؤمنين ، ولكنهم ضلوا وفسقوا ، حرام ولايتهم وتحل البراءة منهم ؛ ثم أدخلوا في ولايتهم الشكاك الذين قالوا : لا ندري أي الاسم (6) أصابوا ، ولا حيث نزلوا وتولوا المرجئة الذين أثبتوا الإيمان والولاية لمن نفته عنه المعتزلة بدين ، فهم أحمق ! كل فرقة إنما تعتقد أصلا واحداً وتبتي عليه ، وهم يعتقدون ثلاثة أديان ، يستحلون في دين ما يحرمون في غيره ، لأنهم يحرمون ولاية المحدثين .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( وميكائل )) .
(2) …الكبير والصغير : يعني به كبيرة ولا صغيرة من الذنوب .
(3) …الآية 80 من سورة البقرة .
(4) …أهل العدل يقصد بهم الإباضية .
(5) …المعتزلة أو أهل العدل والتوحيد : فرقة إسلامية تعتمد على التأويل والعقل في استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية ، ومؤسسها هو واصل بن عطاء ( ت : 131 هـ ) ومن أعلامها : النظام والجاحظ والزمخشري والقاضي عبد الجبار ... انظر : الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ص249 .
(6) …في ( هـ ) : سقط (( الاسم )) .
والمرجئة تستحلها بدين ، فجائز لهم أن يدخلوا في دين من يرونه مسلماً ، ويتركون دينهم بعد إذ علموا .. جائز لهم بعد العلم الرجوع إلى دين الشكاك ، ويرجعون بعد المعرفة شكاكاً حيارى .
وقالوا : أتصفوا لنا من أنفسكم ، واعدلوا الحكم بيننا وبينكم ، وقد وجدناكم تتولون (1) من نزل من ضعفائكم بتلك المنزلة . ولو أن (2) علماءكم يبرءون من رجل بما استبان لهم لم يلزم الغيب (3) من لم يعرف من براءته ما عرف العلماء .
ولو أن رجلاً من الضعفاء (4) تولي رجلاً بولاية العلماء ثم أحدث أمراً خلعته به العلماء ، ولا يفرز ذلك الضعيف علم العلماء ، فثبت على ولايته فتوليتموه !
وكذلك عذرنا نحن المرجئة والشكاك لضعفهم ، وإنما تولوه (5) على ما كان من إيمانه ، وقالوا إنما توليناه على الإسلام ، فكذلك عذرناهما بجهلهما كما عذرتهم ضعيفكم بجهله .
قلنا إنكم قستم أمرين غير مشتبهين ولا متناظرين ، وذلك إنما تولينا ضعفاءنا لردهم إلى علمائهم فيما لم تقم به عليهم الحجة ؛ لأن ضعيفنا يقول : أقف حتى ألقي العالم أو العلماء فأسألهم ، فما حملوني عليه احتملت ، وقولي قولهم ، وديني في الذي جهلت دينهم ؛ فمتى ما قال هذه المقالة ونزل هذه المنزلة كان قد وافق علم العلماء .
وأما الذين يقولون : لا علم أفضل من علمنا ، ولا لله دينا يعبد به أفضل مما كنا عليه ، فهذا قد نصب الحرام ديناً ؛ كما (6) نصبتم ما أنتم عليه ديناً .
[ الدليل على كفر النعمة ]
__________
(1) …في النسختين ( ب ) و( ج ) و( هـ ) : (( تتلون )) وهو تحريف .
(2) …في النسختين : (ب) و( ج ) : (( ولون )) ، وهو تحريف .
(3) …كذا في النسخ : ولعل الصواب : (( الغائب )) .
(4) …الضعفاء : يقصد بهم هنا غير العلماء أي المقلدون .
(5) …في النسختين : ( ب) و( ج ) : (( تولده )) ، وهو تحريف .
(6) …في النسختين : ( ب) و( ج ) : (( كم )) . وهو تحريف .
وقالوا لنا : ما أين علمتم كفر ضلال الإيمان ؟ قلنا : من قبل كتاب الله . قالوا : فأوجدونا ذلك . قلنا : من قبل أن الله أضاف الكافرين إلى النار . قالوا : فأوجدونا ذلك .. أين ذكر الله الزاني كافراً ؟ قلنا : من حيث وقع عليه الوعيد / فحيثما وجدنا الوعيد علمنا أن أصحابه كفار . كما أنا حيثما وجدنا الله وصف قوماً بالكفر علمنا أنهم مضافون إلى النار ؛ لقول الله : { النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } (1) . وقال { وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } (2) ؛ وقال : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا... } (3) وقال : { خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ } (4) . وقال [08] سليمان عليه السلام : { لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } (5) . مع اجتماع الناس في اللغة المطلقة الجائزة : أن لا تسأل أبدا عالماً أو جاهلاً إلا أخبرك عمن ليس بمؤمن أنه كافر . ولو أنك سألتهم : من أين يزعمون أن الزاني عدو الله ؟ لأنهم ينفذون فيه الوعيد ، ويسمونه فاسقاً ضالاً عدواً لله ؛ قالوا لك : من قبل أنه خرج من ولاية الله ، فلما خرج من ولاية الله استحق عداوة الله ، وليس بين عداوة الله وولايته منزلة ، مع أنكم تقرون لنا أنه عدو الله ؛ قلنا لهم : فعرفنا أنه عدو الله من قبل قوله : { فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ } (6) وكل عدو لله كافراً ، وإن كنتم من قبلنا عرفتم عداوته فاعرفوا كفره ، فإنا إنما قلنا إنه عدو لله لأنه كافر ، والله عدو للكافرين .
__________
(1) …الآية 72 من سورة الحج.
(2) …الآية 131 من سورة آل عمران.
(3) … الآية 3 من سورة الإنسان. وتمامها : ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) .
(4) … الآية 2 من سورة التغابن.
(5) … الآية 40 من سورة النمل.
(6) …الآية 98 من سورة البقرة.
وأما قولهم كيف يكون كافرا وليس فيه جميع الكفر ، وكان من قولهم : إن الناس لا يكونون (1) كافرين حتى يستكملوا جميع الكفر ، قلنا لهم لا يكون إذن ضالاً حتى يستكمل جميع الضلال ، وكيف يكون الناس بشيء من الضلال ضالين ، وبشيء من الفسق فاسقين ، ولا يكونون بشيء من الكفر كافرين ؟
وجاء عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبة يوم حجة الإسلام ـ ويقال حجة الوداع ـ : (( لا ألفينكم رجعتم بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) (2) وقوله حين سأله رجل عن قول الله تعالى : { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } (3) فقال رجل : أفي كل عام يا رسول الله ؟ فقال رسول الله عليه السلام : (( لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لما قدرتم عليها ، إذن لكفرتم )) (4) وقوله عليه السلام : (( ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة )) (5) وقد اجتمعت الأمة (6) على هذه الأحاديث عن رسول الله عليه السلام ، (7) يؤثره عنه عامة العلماء من الموافقين والمخالفين .
__________
(1) …في النسخ : (( لا يكونوا )) ، والصواب : (( لا يكونون )) إذ لا موجب لحذف النون .
(2) …روي الحديث عن عدد من الصحابة : جرير ـ ابن عمر ـ أبي بكر ـ ابن عباس ، في مسند أحمد والنسائي وأبي داود والبخاري مع اختلاف في اللفظ أحيانا وصححه السيوطي . ورواه الإمام الربيع بن حبيب بلفظ (( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) . حديث رقم 756 .
(3) …الآية 97 من سورة آل عمران.
(4) …رواه ابن ماجة والإمام الربيع عن أنس بن مالك برقم 394 .
(5) …رواه الإمام الربيع عن ابن عباس رقم 303 ، وابن ماجة عن أنس بلفظ : (( ... العبد والشرك )) .
(6) …اجتمعت : يعني أجمعت .
(7) …في ( هـ ) : (( صلى الله عليه وسلم )) .
وكل عدو لله كافر ، وكل ضال كافر ، وكل فاسق كافر ، والله إذا اشتد في شتم قوم نسبهم من بعد الكفر إلى الضلال ، قال : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ } (1) . وقال : { وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } (2) .
والكفر اسم عام لجميع الضلالة وليس بخاص ، والشرك اسم خاص لبعض الضلال وليس بعام ، وكذلك اسم النفاق اسم خاص وليس بعام ، والضلال والفسق أسماء عامة . والخروج من الإيمان الدخول في الكفر ، والدخول في الإيمان الخروج من الكفر ، وليس بينهما منزلة ، لأن الكفر ضد الإيمان ، والإيمان تفسير .
وإنما كان الإيمان إيماناً لوجوب الثواب ، وإنما كان الكفر كفراً لوجوب العقاب ، ليس كما يقول من يقول : إنما كان الكفر كفراً لأنه معصية ن وكان الإيمان إيماناً لأنه طاعة ، أو قول [ 9] من يقول : إنما كان الإيمان إيماناً للأمر به ، والكفر كفرا للنهي عنه ، وليس كذلك . يقول أهل النظر : لأنه لو كان الكفر كفراً لأنه معصية للزم أن يكون كل معصية كفراً . ولو كان إنما كان الإيمان إيماناً للطاعة أو للأمر للزم أن يكون كل ما ليس فيه أمر لا يكون إيماناً ، فتخرج كل نافلة يتقرب بها إلى الله من حد الإيمان . ولو أن الكفر إنما كان كفراً للنهي عنه للزم الكفر بكل أمر كان فيه نهي ، وهذا لا يقوله عالم .
[ لا منزلة بين المنزلتين ]
__________
(1) …الآية 90 من سورة آل عمران.
(2) … الآية 46 من سورة الذاريات.
وأما الشكاك فالذين قالوا : لا ندري أي الأسماء أصابوا ، ولا أيهم بلغوا ، يؤول (1) بهم ذلك إلى أن يجهلوا منزلتهم ولا يعرفون أنهم على هدى ولا على ضلال ، لأنهم لو عرفوا أنهم على هدى لعرفوا أن من خالفهم على ضلال ، لأنهم يقرون أنه ليس بين الهدى والضلال منزلة ينزل بها أحد ثم إنهم جمعوا الجبابرة والمحدثين من المتأولين وكلَ صاحبِ شهوة يسمونهم بالإيمان أحياناً ثم يلعنونهم أحياناً بلا (2) علمٍ بموقع اللعنة ، ويستغفرون لهم ويتولونهم بلا علم بموقع الاستغفار ، ويستحلون من أوليائهم ومن مخالفهم (3) أحياناً ما يحرمون أحياناً : يستحلون دماءهم وأموالهم ؛ ثم قالوا : لا نقاتل من قال : (( لا إله إلا الله )) ، ثم يقاتلونهم أحياناً ، ويأخذون أموالهم ، وليس لهم دين موصوف ولا لدين الله عندهم معرفة . وضلالتهم أعجب وأكثر من أن يستطاع صفتها ؛ وكل من وصفت لك من المحدثين يدينون بما يقولون ويدعون الناس إليه ، ويزعمون أن الله نهاهم عن غيره من الأديان ، فهم مستحلون للحرام ومحرمون للحلال .
وقد اختلفت المرجئة فيما بينهم ، والصفرية أيضا فيما بينهم ، والمعتزلة حتى إن منهم من يوسع جهل القيامة والبعث والحساب ، لأنهم جعلوا الإيمان كله توحيداً .
وقد اتفقت المرجئة والصفرية بدءا أن الإيمان كله توحيد ، واختلفوا بعد ذلك في صفته ، فقالت الصفرية : من ترك العمل أشرك . وقال المرجئة : لا يشرك ولا ينافق ، وجعلوا التوحيد بعضه يسع جهله ، وبعضه لا يسع جهله ؛ فلو جعلوا ما يسع جهله من الإيمان غير التوحيد لدخلوا في قول المسلمين .
[ نقض شبهات السبئية ]
__________
(1) …عبارة : (( لا ندري أي الأسماء أصابوا ، ولا أيهم بلغوا يؤول )) سقطت من ( ب) و( ج ) . وفي ( هـ ) بدل (( يؤول )) نجد : (( يدل )) .
(2) …في ( ب) و( ج ) : (( بل علم )) . وهو تحريف .
(3) …كذا في النسخ ، ولعل الأصوب : مخالفيهم .
وأما السبابة (1) فإن كل رجل قلد أمره رجلا من بني هاشم ، فما أحل أحلوه ، وما حرم حرموه ، وإن غير الكتاب والسنة ، والصلاة حول (2) القبلة ، مع أنهم ثلاثة أصناف أو أربعة يسندون أمرهم إلى رجل واحد ، فمنهم من يزعم أنه إله ، ومنهم من يزعم أنه نبي ، ومنهم من يزعم أنه (3) إمام مطاع لا يأمر بشيء إلا كفر من عصاه .
__________
(1) …كذا في ( د ) وفي ( ج ) : (( السيابة )) وسقطت من ( هـ ) . والصحيح هو السبئية : فرقة من فرق الشيعة الضالة المتطرفة التي تنسب إلى عبد الله بن سبأ . وقد بلغ الضلال بهذه الفرقة أن ألهت الإمام عليا وأبناءه واعتقدت رجعة محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) وعدم وفاة على كرم الله وجهه . مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ص 114 .
(2) …في ( هـ ) : (( حولوا )) . ولعل الصواب : (( الصلاة وحول القبلة )) .
(3) …في ( هـ ) : سقط (( أنه )) .
تعليق المستخدم :السبابة هم غلاة الشيعة والله أعلم ..وقد سماهم كذلك أيضا التابعي سالم بن ذكوان الهلالي -رضي الله عنه- في سيرته الطويلة ..وسموا بذلك لكثرة سبهم للخليفتين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما كما أن سياق الشيخ عمروس في كلامه يفيد ذلك .أما السبئية فما عليه بعض المحققين أن قصص عبدالله بن سبأ باطلة لا تصح ..والله أعلم....وليعذرني من حقق الكتاب على هذا التطفل !
فالذين يقولون : إنه إله بريئون من الفريقين ، والذين يقولون إنه نبي رسول بريئون من الفريقين ، والذين [10] يقولون إنه إمام بريئون من الفرقتين ، وهو حي قائم (1) يعرف براءة بعضهم من بعض ، واستحل بعضهم دم بعض ، ثم لا يصلح بينهم ؛ وقد دخل عليهم ما يدخل على الخوارج (2) والمرجئة والمعتزلة من الضلال إلا صنف منهم الزيدية (3) وصف منهم الحسنية (4)
__________
(1) …في ( هـ ) : (( خير قائص )) . ولا معنى له .
(2) …الخوارج : هم مجموعة من المسلمين المعارضين لفكرة التحكيم التي رضي بها الإمام علي كرم الله وجهه وأنصاره في معركة صفين ، هذه المجموعة التي تفرعت إلى فرق عديدة منها : الصفرية والأزارقة والنجدية ، وأما الإباضية الذين ألحقوا بهم ظلما فلا تجمعهم بهؤلاء الخوارج إلا فكرة المعارضة للتحكيم والدليل هو إعلان الإباضية البراءة من هؤلاء الخوارج ومعارضتهم في تطرفهم منذ الإمام الذي تنسب إليه الفرقة (( عبد الله بن إباض )) الذي أعلن معارضته للخروج معهم باستعمال القوة ضد الملوك الجورة فسموا (( قعدة )) . وقد وضح ذلك في رسالته التي خاطب بها الخليفة عبد الملك بن مروان قائلا : (( وإنما نبرأ من ابن الأزرق وأتباعه من الناس ، لقد كانوا على الإسلام فيما ظهر لنا حين خرجوا ، ولكنهم ارتدوا عنه وكفروا بعد إسلامهم فنبرأ إلى الله منهم )) مختصر تاريخ الإباضية ، الباروني ص25 .
(3) …الزيدية : فرقة من فرق الشيعة المعتدلة تنسب إلى زيد بن علي بن زين العابدين بن الحسن بن علي كرم الله وجهه ( ت ـ 122 ) ، وكان أول من أعلن المقاومة بالسلاح ضد بني أمية في عهد هشام بن عبد الملك وهم يوجدون اليوم في اليمن ويعتقدون جواز الإمامة في غير آل البيت بشروط ن ومبدؤهم تميل إلى الاعتزال كثيرا . مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ص150 .
(4) …الحسينية : أو ( التوابين ) هي فرقة من فرق الشيعة نشأت في البصرة بعد مقتل الحسين بن علي في واقعة كربلاء المشهورة سنة 61 هـ ، وعلى رأسهم الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي وكان شعارهم أخذ الثأر على مقتل ( الحسين ) إذ إنهم يحسون بمسؤليتهم في مقتله . انظر : مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ص158 .
تعليق المستخدم :الصحيح أن الذين عارضوا التحكيم هم القراء من الصحابة والتابعين ولكن الخوارج من النجدية والأزارقة والصفرية ألحقوا أنفسهم بالقراء ...أما الإباضية الكرام فهم الامتداد الأصيل لجيل القراء ..والله أعلم
، قالوا بالعدل وجامعوا (1) المسلمين في جميع كلامهم وأحكامهم وأسماء المحدثين ، ثم أدخلوا على أنفسهم الضلالة ، فلا نعلم أحداً من محدثي (2) أهل القبلة أحدث حدثاً هو أشد وأقبح منهم ، ولا هم (3) فيه أشد مكابرة لأهل العدل والحق ، وذلك أنهم زعموا أنه يحل لهم أن يحرموا الدماء التي (4) أحل الله في كتابه بلا قربة ولا رجعة ولا توبة ، وأن الكافرين الذين أحل الله دمائهم من المحدثين من أهل القبلة لهم أن يحكموا في كتاب الله ، فإن حكموا بأن دماءهم حرام حرمت ، وإن حكموا بأنها حلال أستحلت ، وإن ردوا (5) حكم الله بلا توبة كانت ممن أحل الله دماءهم ، وذلك أنهم جوزوا تحكيم الحكمين يوم صفين : حرموا دماء من قاتل عليا من أهل الشام مع معاوية ، وهم بغاة ولم يفيئوا إلى أمر الله ، وحكمهم في الكتاب والسنة ، والله يقول : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } (6) .
وقد بقي من أقاويل المخالفين كثير لم نذكره ن وبقي مما ذكرت حججاً عظيمة لم نذكرها ، لما يطول من ذكرها ، وقد ذكرت بعض ذلك وهي أكثر من أن نأتي عليها بكتاب .
[ ما لا يسع الناس جهله طرفة عين ]
وذكرت قول أهل الحق ، وأردت أن أقصد بكتابي إلى بعض أمور تكون فيها الحاجة مما (7) كلف الله به العباد وذلك أن أول ما يلزمهم الإقرار بالله ربا وبمحمد نبياً ، وبما جاء به حق ، وهذا ما لا يسع جهله طرفة عين .
[ ما يسع الناس جهله إلى قيام الحجة ]
__________
(1) …كذا في النسخ ، يعني : وافقوا .
(2) …في ( هـ ) : سقط : (( محدثي )) .
(3) …في( هـ ) : سقط : (( هم )) .
(4) …في النسخ : (( الذي )) والأنسب ما أثبت .
(5) …في ( ب) و( ج ) : (( أرادوا )) . وهو تحريف .
(6) …الآية 9 من سورة الحجرات.
(7) …في ( هـ ) : (( ما )) .
وأما الذي يسعهم جهله حتى يأتيهم وقت فعله وما يرضي الله عليهم (1) من الصلاة قبل وقتها ، والزكاة قبل وجوبها ، وصيام شهر رمضان قبل مجيئه ومحضره في أهله ، والحج والعمرة ، والبر بالوالدين ، وصلة الرحم ، وحق الجوار ، وما ملكت اليمين ، وشأن القبلة والولاية لأهل طاعة الله ، والعداوة لمن وقع عليه اسم الكفر ، وغض البصر ، وحفظ الفروج ، وصدق الحديث ، وحق ابن السبيل ، والاغتسال من الجنابة ، والاستئذان في البيوت ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والإخلاص في النية ، والعمل والقول ، وأداء الأمانة ، والوفاء بالعهد ، وذكر اسم الله ، على الذبيحة ، وما أشبه (2) ذلك مما أمر الله به ، (3) وحق الإيمان ، والجهاد في سبيل الله ، والتوبة من الذنوب ، فهذه ونحوها مما أمر الله بفعله يسع الناس جهله ما لم يأت وقت فعله ، [11] فإذا جاء وقت فعله لزمهم العلم والعمل به .
وقال من خالف الحق : إنما عليهم العمل وليس عليهم العلم ، وهذه أوهن الأقاويل وأضعفها ، (4) لأنه لو وسعه الجهل مع العمل لوسعه (5) أن يرى أن تارك (6) ذلك مسلم على تركه ، ويسعه أن يرى أن تارك جميع ما أمر الله به مسلم . ووسعه جهل إسلام من يعمل بجميع ما فرض الله عليه ، ووسعه أن يرى أنه كافر غير مسلم ، فإن ضيقوا عليه ذلك فقد ألزموه (7) العلم مع الفعل في وقت الفعل .
__________
(1) …كذا في النسخ والأنسب للعبارة : (( فهو ما يرضي الله )) .
(2) …في ( د ) : (( وما أشباه )) . وهو خطأ .
(3) …في ( هـ ) : سقط : (( به )) .
(4) …في ( هـ ) : (( وأضعفه )) .
(5) …في ( هـ ) : (( لوسه )) . وهو تحريف .
(6) …كذا في ( د ) و( ج ) وهو أنسب ، وفي ( ب) : (( ناكر )) .
(7) …في ( هـ ) : (( لزموه )) .
وأما الذي يسعه جهله من الإيمان حتى يحل له تفسيره ، فما كان من تفسير التوحيد مثل إنفاذ (1) الحدود عن الله والأقطار ، وإثبات القدرة له (2) والعلم وجميع الصنع الحدث أن يضاف إليه أنه صانعه ومحدثه ، وتصديق كل ما جاء عنه من خبر عما هو كائن أو يكون . وإضافة كل شيء إليه ، وما رأوا أو ما لم يروا سمية (3) ، وليس معه مكون ، وأنه بائن من صفات المخلوقين { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } (4) فهذا ذكروا جل تفسيره .
[ ما لا يسع جهله من التوحيد ]
ولا يسع جهله من ذلك ما أخبر الله من ذكر الجنة والنار ، والبعث والحساب ، والملائكة والكتب والرسل ، فهذا وأشباهه من تفسير التوحيد ولا يدعى في الجملة إلى هذا التفسير ، وهو داخل في جملة التوحيد . والمنكر لتفسير التوحيد منكر لجملة التوحيد ؛ كما أن الإيمان بجملته إيمان بتفسيره ، وكذلك الكفر بتفسيره كفر بجملته ؛ لأن المنكر لشيء من هذا أن يضيفه إلى الله منكر لتوحيد الله ، لأنه منكر لصفته ن والله يوصف بذلك : مثيب وباعث ومعاقب ومرسل ومنزل .
__________
(1) …في ( د ) : (( إنفاء )) . وفي ( هـ) : (( إنفاذ )) . بدال مهملة . وهو خطأ .
(2) …في ( ب ) و( ج ) : سقط : (( له )) .
(3) …كذا في النسخ ومعناه : مثله .
(4) …الآية 11 من سورة الشورى.
ومن أنكر شيئاً من صفات الله أنكر الله ، ومن أنكر الله فهو مشرك . وقال بعض أهل الخطأ والجهل : لا نشرك من أنكر شيئاً سوى الله ما أقرَّ أنَّ الله واحد ، وهذا هو الخطأ .. وكتاب الله يكذَّب قائل هذا في غير موضع ، منها ما ذكر الله من محاورة الأخوين في سورة الكهف حيث قال أحدهما : { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي ... } فأقر أنه ربَّه ، وإنما شك في البعث ؛ وقال له المؤمن : { أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ... } فجعل شك في البعث كفراً بالذي خلقه ، ولم يجحد أنَّه ربُّه ؛ ثم قال المؤمن له : { لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ... } أصله : (( لكن أنا هو الله ربي )) وأدغم النون الثانية ، وزاح الألف فوقع التشديد في النون لأنَّه التقى النونان ، ثم قال : { وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } فدَّل بهذا أنَّه إنما هرب من الشرك ، لأنَّ صاحبه واقعه واستحقه . ثم (1) قصتها محاورة بينهما إلى قوله : { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ } ندامة { عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا } حيث صارت { صَعِيدًا زَلَقًا، } وهو تراب يابس يزلق { وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا } (2) . وأقر أن شكه (3) في البعث شرك بربه .
فمن أنكر شيئاً مما تفرد الله به بصنعته (4) أشرك بالله ؛ ومن أنكر شيئاً مما أضافه الله إلى بعض خلقه فأنفى الله من صنعه نافق ، لأنه متأول مخطئ .
[ ما يسع جهله أبداً ما لم يكذًّب ]
__________
(1) …كذا في النسخ ، والأنسب : (( وأتم )) .
(2) …الآية 42 من سورة الكهف.
(3) …في النسختين : ( ب) و ( ج ) : (( أن شركه )) وهو تحريف .
(4) …في ( هـ ) : (( بصنعه )) .
وأما الذي يسع جهله أبداً ما لم يتقولوا على الله ـ في حال جهلهم ـ فيه الكذب ، فيحلون حراماً أو يحرمون حلالاً ، أو يواقعوا فعل ما يضلهم أو يلقوا الحجة فتخبرهم بها ، فلا يؤمنون بها ، ولا يصدقونها ، فما حرم الله عليهم من الميتة والدم ولحم الخنزير والزنى والربا وقتل النفس التي حرم الله وأكل الأموال الحرام والسرقة ، وكل ما حرم عليهم ، والفساد في الأرض والأمر بالمنكر والظلم والبغي ودخول البيوت بغير إذن والنظر إلى ما حرم الله ، وإتيان النساء في الحيض (1) وكل ما حرم الله ونهى عنه ، إنما عليهم الكف عنه ، (2) وليس عليهم معرفته ولا معرفة أن الله حرمه فهو يسعهم جهل ذلك أبداً ما لم يتقولوا على الله في حال جهلهم فيها الكذب ، فيحلوا حراماً أو يحرموا حلالاً ، أو يواقعوا فعل ما يضلهم ؛ أو يلقوا الحجة ، فتخبرهم عن الله أنه كذلك ، بمبلغ الحجة التي ليس فيها تفاضل ، لا يزيد فيها زائد ، ولا ينقص منها ناقص ، إذا كان المبلغ من أهل دين الله ، لأنه إنما يكون حجة في دين الله أهل دين الله ، إذا بلغ أقصى الحجة ، ولم يترك منها مزيداً ؛ مثل ما لو أن جميع المسلمين حضروا لم يجدوا عن (3) قوله مزيداً ، فهو حجة الله في دين الله . وقد قال بعض سلفنا رحمهم الله : إنما تكون التي يقطع بها العالم (4) الغاية بنهاية العلم الذي لا يجهل شيء الحجة .
__________
(1) …ف ( هـ ) : (( المحيض )) .
(2) …في ( هـ ) : سقط : (( إنما عليهم الكف عنه )) .
(3) …في ( هـ ) : (( على )) .
(4) …في ( هـ ) : سقط : (( العالم )) .
وقد تركت قولين يقال بهما في الحجة ، لأن من أدركنا من خيار أصحابنا مما (1) كنا نأخذ عنهم قالوا بتضعيف ذلك القولين ولم يميتوهما ، وإن كان بعض الناس يحتجون بهما ، وأن كل ما حرم الله حراماً ، وما نهى عنه فهو الحرام الذي حرمه الكتاب والسنة ، فاضاف فاعله إلى النار فهو كبيره يكفر أهله بمقارفته حين قارفوه حتى يتوبوا ، وكذلك نظيره ، وإن لم يذكره الكتاب والسنة . وما سمى الله أهله بشيء من أسماء الضلال فهو كبيره ، وما أمر الله عليه بالنكال في الدنيا فهو كبيرة ، وما لم يعد عليه النار ولم يفسق أهله ، ولم يأمر بنكالهم فأهله (2) .
وإن أصابوا معصية يخاف عليهم فيها حكم المسلمين ، وكانوا لله عاصين يخاف عليهم فيها عقوبة الله في الدنيا والآخرة ، وعليهم التوبة من ذلك والخوف ؛ فإن تمادوا ولم يتوبوا ضلوا وكفروا ، وإن ذلك (3) لهم حلال فهو أشد لكفرهم من التمادي .
[13] وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية ، نسأل الله التوفيق لمراشد الأمور .
الباب الثاني
مسائل في العبادات
[ الفصل الأول مسائل الصلاة ]
وقد أردت (4) تفسير بعض الفرائض .
ومما فرض الله الصلاة والزكاة في كتابه .
[ أوقات الصلاة ]
وإن مواقيت الصلاة مسميات في كتابه الله [فـ ] (5) قوله في سورة الروم : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } : يعني المغرب والعشاء ، { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } : يعني صلاة الغداة(6) { وَعَشِيًّا } : يعني صلاة العصر ، { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } (7) : يعني صلاة الأولى .
__________
(1) …كذا في النسخ ، ولعل الأنسب : (( ممن ))
(2) …كذا في جميع النسخ .
(3) …كذا في النسختين : ولعل الصحيح والأنسب : (( وإن كان ذلك )) .
(4) …في ( هـ ) : (( أرد )) . وهو تحريف .
(5) …أضفنا الفاء ليستقيم النحو .
(6) …في ( هـ ) : (( الغدوة )) .
(7) …الآيات 17 ـ 18 من سورة الروم.
وقال بعضهم : { حِينَ تُمْسُونَ } : صلاة المغرب وحدها (1) ، وذكر صلاة العتمة في سورة النور : { وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء } (2) يعني صلاة (3) العتمة ، وقدم (4) معها صلاة الصبح ، وقال : { مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ } (5) .
وقال في سورة بني إسرائيل : { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } : يعني زوالها ، { إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } : يعني ظلمته . وإنما ذكر ثم أربع صلوات الأولى والعصر والمغرب والعشاء ـ وهي العتمة ـ ثم قال : { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } يعني صلاة الصبح ، { إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } (6) يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار (7) .
وقال في سورة طه : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } : يقول : فصل بأمر ربك ، { قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } : يعني صلاة الصبح ، { وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } : يعني العصر والأولى ، { وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ } : يعني ساعات (8) الليل ، { فَسَبِّحْ } : يعني فصل له المغرب والعشاء ، { وَأَطْرَافَ النَّهَارِ } (9) : يعني صلاة الصبح والعصر ، كرر عليها .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( واحدها )) .
(2) …الآية 58 من سورة النور.
(3) …في ( هـ ) : سقط : (( صلاة )) .
(4) …في ( هـ ) : (( وقد )) . وهو خطأ .
(5) …الآية 58 من سورة النور.
(6) …الآية 78 من سورة الإسراء.
(7) …في ( ب ) و( ج ) : (( ملائكة الليل والنهار )) .
(8) …في ( هـ) : (( صلاة )) .
(9) …الآية 130 من سورة طه.
وقال في سورة هود : { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ } : الصبح والعصر (1) ، { وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ } : المغرب والعشاء ، وهي العتمة ، { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } (2) : يعني الصلوات الخمس ، وهي الخمسة يكفرن (3) ما دون الكبائر لمن اجتنب الكبائر . ويقال في : { طَرَفَيِ النَّهَارِ } : الأولى والصبح والعصر : الطرف الأول : الصبح ، والطرف الثاني : الأولى والعصر لأنهما كانتا في الطرف ، وقد زال وسط النهار فما ليس بوسط ، فهو طرف .
وقال في سورة ق : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } : وهي الصبح ، { وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } : وهي العصر ؛ ويقال : الأولى والعصر ، لأنهما مقرونتان في الوقت (4) .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( كرر عليها . وقال في سورة هود : (( وأقم الصلاة طرفي النهار )) الصبح والعصر )) .
(2) …لآية 114 من سورة هود.
(3) …في ( هـ) : (( المسلة ، يكفرون )) . وهو خطأ واضح .
(4) …قال الشيخ عامر الشماخي : (( وقال بعض أصحابنا : الظهر والعصر مشتركتان في الوقت ، وكذا في المغرب والعشاء ، والدليل على هذا حديث ابن عباس رضي الله عنه : [ صلى رسول الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعا من غير خوف ولا سحاب ولا مطر ] رواه مسلم . ورواه الربيع بن حبيب في مسنده ، بنحو لفظه . انظر حديث رقم 251
…انظر : عامر الشماخي : الإيضاح ، ج1 ، ص 382 . أبو غانم الخراساني : المدونة ، ترتيب القطب اطفيش ج 1 ، ص34 .
{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } يقول : فصل له المغرب والعشاء .. { وَأَدْبَارَ السُّجُودِ } (1) ، وهي الركعتان بعد صلاة المغرب (2) وقال في سورة الطور : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } : يعني إلى الصلاة ، { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } : يعني فصل له ، { وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } (3) يعني الركعتين قبل صلاة الصبح (4) بعدما أبهر (5) الفجر ... وذكر صلاة الضحى (6) نافلة قال { إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ } (7) ، ثم ذكر في سورة البقرة { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ } : يعني في الجماعة { والصَّلاَةِ الْوُسْطَى } (8) : يعني صلاة الصبح في قول أصحابنا . وقال متفقهوا قومنا : إن (9) الصلاة التي غفل عنها سليمان [14] بن داود عليه السلام ، { حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ } (10) ، وقال : { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } يعني النبي عليه السلام وحدك في الصلاة ، { وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } (11) يقول : ويرى صلاتك مع المصلين .
[ صلاة الجماعة ]
__________
(1) …الآية 40 من سورة ق.
(2) …هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، تحقيق بلحاج بن سعيد شريفي ، ج4 ، ص208 .
(3) …الآية 49 من سورة الطور.
(4) …هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج4 ، ص233 .
(5) …بهر ـ يبهر ـ أبهره : صار في حر وسط النهار . وفي ( هـ ) : (( أيفجر )) . ولا معنى له .
(6) …في ( ب) : (( ضحار )) . والصحيح ما أثبت من ( د ) و( ج ) و( هـ ) .
(7) …الآية 18 من سورة ص.
(8) …الآية 238 من سورة البقرة.
(9) …كذا في ( د ) ، ولعل الصواب : (( إنها )) .
(10) …الآية 32 من سورة ص. وانظر هود بن محكم : تفسير كتاب الله العزيز ، ج4 ، ص16 .
(11) …الآيتين 218 و 219 من سورة الشعراء.
ويقال : إن صلاة أحدكم في الجماعة يزيد على صلاة وحده (1) أربعة وعشرين ضعفا (2) وإنما يتقبل الله من المتقين .
[ حكم تأخير الصلاة ]
ومن ترك صلاة النهار حتى يدخل عليه الليل ، أو ترك صلاة الليل حتى يدخل عليه النهار من غير عذر ولا نسيان (3) ضل وكفر .
[ عدد الركعات في الفرائض والسنين ]
وسن الصلاة الأولى في الحضر أربع وهي في السفر ركعتان ، وإنما سميت الأولى لأنها أول صلاة فرضت . والعصر أربع ركعات ، والمغرب ثلاث ركعات ، والعتمة أربع ركعات ، والصبح ركعتان . كلها في السفر ركعتان ركعتان ، ما خلا المغرب فإنه ثلاث ركعات في الحضر والسفر ، وهذا العدد من السنة .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( واحدة )) .
(2) …روى البخاري عن أبي هريرة بلفظ ( خمس وعشرين ) وفي رواية عن عمر متفق عليها قال ( بسبع وعشرين درجة ) . ورواه الإمام الربيع بن حبيب عن أنس بم مالك بلفظ ( الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ) . وعن أبي هريرة بلفظ ( صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحدة بخمس وعشرين درجة ) . انظر مسند الربيع ، حديثي رقم : 215 و 216 .
(3) …المعذرون هم : الحائض والمسافر والصبي والمشرك والمغمى عليه والناسي والنائم والمجنون ، القطب اطفيش : شرح النيل ج2 ، ص22 . الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج1 ، ص240 .
والوتر ركعة ، وهي سنة ، ويستحب أن يوتر بسبع ركعات (1) . ومن الناس من يقول : الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهم بتسليم (2) والمعمول به عندنا ركعة .
وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) سنن الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها وتشهدها .
[ القراءة في الصلاة ]
أول ما نفتتح (4) بالتكبير ويقرأ في القيام بفاتحة الكتاب وحدها (5) سراً في الأولى والعصر ، وفي الثالثة من المغرب ، والركعتين الأخيرتين (6) من العشاء . ويقرأ في الركعتين الأولتين (7) من المغرب سورة من القصار مع فاتحة الكتاب . وفي الأولتين (8) من العشاء بسورة مع فاتحة الكتاب ، ويستحب من ذلك ما يبلغ عشر آيات ، وكذلك في الصبح .
[ إستقبال القبلة ]
__________
(1) …قال الشماخي : (( وقد روي أنه كان عليه السلام يوتر بسبع وثلاث )) رواه أحمد والنسائي ولذلك استحب علماؤنا رحمهم الله الوتر على سبع . الشماخي : الإيضاح ، ج1 ، ص691 .
(2) …قال الشماخي : (( دليلهم ما روي أنه قال عليه السلام : صلاة المغرب وتر النهار ، فأوتروا صلاة الليل ـ متفق عليه ـ وقالوا : لما كانت المغرب وتر النهار ، واختلف الناس في وتر الليل ، كان أحسن الأشياء أن يشبه به . وقد روي أيضاً أنه - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث لا يسلم إلا في أخراهن ـ رواه النسائي وأحمد )) الشماخي : الإيضاح ، ج1 ، ص692 .
(3) …في ( هـ ) : سقط : (( صلى الله عليه وسلم )) .
(4) …في ( هـ ) : (( تفتتح )) . وهو الأنسب .
(5) …في ( هـ ) : (( واحدها )) .
(6) …في ( هـ ) : (( الأخرتين )) . وهو خطأ .
(7) …كذا في النسخ .
(8) …كذا في النسخ .
وتوجيه الكعبة (1) في الصلاة فرض من التنزيل . قوله تعالى (2) : { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } (3) يعني في الصلاة .
[ الفصل الثاني في الطهارات ]
[ فريضة الوضوء ]
والوضوء من التنزيل ، [لـ] قوله (4) تعالى : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } : يعني إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة ، { فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ } (5) فهذه الفريضة .
وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المضمضة والاستنشاق ، وهما واجبتان لا يسع تركهما ، ولا تجوز الصلاة إلا بهما .
وسن مسح الأذنين مع الرأس مقدمهما ومؤخرهما . وقال بعضهم مقدم الأذنين من الوجه ومؤخرهما من الرأس . والمعمول به عندنا أنهما من الرأس .
[ سنة الإستنجاء ]
وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستنجاء من كل نجاسة (6) ، لا يجوز الوضوء إلا بعد الاستنجاء .
وفرض الله في كتابه الطهارة من الجنابة (7) .
[ رخصة التيمم ]
__________
(1) …كذا في جميع النسخ ، ولعل الصواب : (( والتوجه للكعبة )) بلام الجر .
(2) …في ( هـ) : سقط : (( تعالى )) .
(3) …الآية 144 من سورة البقرة. وفي ( هـ) : (( فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام )) . وهو تحريف ، لا توجد آية هكذا .
(4) …في النسخ بدون لام الجر ، والصحيح إثباتها .
(5) …الآية 6 من سورة المائدة.
(6) …الاستنجاء : النجو وهو الحدث بنفسه ويتضمن أيضا معنى الاستجمار لأنه وجه من الاستنجاء : ومعناه إزالة النجاسات ولا بد من الجمع بين الماء والأحجار لتخفيف العين عن الموضع ثم الماء للإنقاء ، وإزالة الأثر ، والدليل هو عمل أهل قباء وثناء الله عليهم في ذلك . الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج1 ، ص162 ـ القطب : شامل الأصل والفرع ، ج1 ، ص186 .
(7) …قال الله تعالى : (( وإن كنتم جنباً فاطهروا )) سورة المائدة 6 .
ومن كان على سفر ولم يجد الماء تيمم (1) صعيداً طيبا . يعني تعمد ترابا نظيفا . والتيمم : التعمد ؛ والصعيد : التراب ؛ والطيب : النظيف .
وبعض الناس يرى التيمم هو المسح بنفسه ، وليس هو من المسح ولكنه التعمد إلى التراب . ألا ترى أنه قال [15] { فَامْسَحُواْ } والمسح غير التيمم ، يقول فتعمدوا ترابا نظيفا ، { فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ } (2) وما يدل أن التيمم هو التعمد لا المسح قول الله : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } (3) . يقول ولا تتعمدوا الخبيث من أموالكم منه تنفقون .
والتيمم أن تعمد ترابا نظيفا ، وتضرب بيديك مرة ، ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك ، وتضرب مرة أخرى وتمسح بهما كفيك ، تبدأ باليمنى ، وكذلك في الوضوء . فإذا وجدت الماء اغتسل من جنابتك ، ولا تعد ما مضى من الصلاة .
[ حكم نسيان الصلاة ]
ومن نسي صلاة حتى يذهب وقتها (4) فليصلها حين يذكرها ، إلا حين تطلع الشمس أو حين تغرب ، إذا طلع منها شيء أو غاب منها شيء . وكذلك من صلاها بغير وضوء أو ثوب لا يصلى به .
[ كيفية الإغتسال ]
ومن أراد أن يغتسل فليبدأ بنفي كل ما أصاب جسده من النجاسة ، فإذا فرغ من غسل النجاسة صب الماء على يده اليسرى بيده اليمنى ثم يتوضأ وضوء الصلاة حتى عند رجليه ، ثم يسكب الماء على رأسه وسائر جسده ، وليبالغ في تنقية جسده ولا يقصر في شيء . جاء في الحديث : (( أن كل موضع لم ينعم غسله من الجنابة فإنه يبعث عليه يوم القيامة حيات تلدغه في تلك الأماكن )) (5) .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( يتيمم )) .
(2) …الآية 6 من سورة المائدة.
(3) …الآية 267 من سورة البقرة.
(4) …كذا في النسخ . والأنسب : (( حتى ذهب وقتا )) . وفي ( هـ ) : (( حتى تذهب واقتها )) .
(5) …ذكره في المدونة بلفظ : (( ... ولم يعم ..)) ، الخراساني : المدونة ، ج1 ، ص15 .
وليس في الغسل وقت دون الإنقاء وحسن الغسل . وليرو (1) الشعر وليبالغ في غسله فإنه جاء في الحديث (( تحت كل شعرة جنابة )) (2) .
وجاء في الحديث أيضاً أن : (( كل شعرة لم ينعم غسلها تشعل يوم القيامة ناراً )) (3) . وليبالغ في الغسل وليغسل إبطيه ومسربته (4) وسرته وبطنه ، وليمد بطنه إذا أراد غسلها . وليغسل رفغيه (5) ومأبطيه (6) .
فإذا غسل كل شيء تنحى (7) ولبس ثيابه وغسل رجليه وصلى إن لم ينتقض وضوءه بحدث (8) ، أو قطر ، أو مس المذاكر (9) أو قيء ، أو رعاف .
فإن حدث منه شيء يفسد وضوءه استأنف الوضوء . وإن صب الماء على رأسه وجسده قبل أن يتوضأ حين يفرغ من الاستنجاء أجزاه .
ومن ترك الغسل من الجنابة من غير عذر وهو يجد الماء حتى يذهب (10) وقت الصلاة ضل (11) في قول المسلمين .
[ الفصل الثالث فريضة الزكاة ]
__________
(1) …في ( د ) : (( وليروي )) . والصواب حذف حرف العلة لأنه مجزوم .
(2) …رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة )) . انظر مسند الربيع ، رقم : 139 . وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ : (( إن تحت كل ... )) وضعفه السيوطي .
(3) …ذكره في المدونة بلفظ : (( ... ولم يعم .. )) . الخراساني : المدونة ج1 ، ص15 .
(4) …مسربته : الشعر وسط الصدر إلى البطن ، مجرى الدمع ، مجرى الغائط ، ومخرجه .
(5) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( رفيقه )) والصحيح ما أثبت من ( د ) و( هـ) . ومعناه : أصول الفخذين .
(6) …في ( هـ ) : (( مايطيه )) . ومعناه أصول اليدين .
(7) …تنحى : إنتقل إلى ناحية أخرى .
(8) …في ( هـ ) : (( بحدثا )) . وهو خطأ .
(9) …في ( هـ ) : (( الذاكر)) .
(10) …في ( هـ ) : (( تذهب)) . وهو خطأ .
(11) …في النسختين ( ب) و( ج ) : (( أضل )) . وفي نسخة ( د ) و( هـ ) ما أثبت ، وهو الصواب .
فريضة الزكاة من التنزيل ، مقرونة (1) بالصلاة ، ثم فسرت السنة كيف كان قسمها (2) ، ومن كم تجب ؟ ومن أي نوع تجب ؟ وعلى كم ؟ والحول ... كل ذلك من السنة . وبين الله تعالى في التنزيل أهلها الذين فيهم تقسم .
[ في ماذا تجب الزكاة ]
إنما تجب الزكاة في الذهب والورق (3) ، والحبوب من البر والشعير والذرة والسلت والتمر والزبيب ، والغنم والإبل والبقر (4) .
[ زكاة الذهب والفضة ]
وزكاة الذهب والورق : يضم بعضها إلى بعض ، أن يعطي من مائتي درهم خمسة [16] دراهم ، فما زاد ففي كل أربعين درهما درهم ، فما لم يتم الأربعين فليس فيه شيء ؛ وما لم يبلغ من الدراهم (5) والفضة . والذهب مع الفضة مائتي درهم (6) فليس فيه زكاة ؛ وإن بلغت مائتين وبقيت عند صاحبها حولاً ففيها زكاة خمسة دراهم .
ومن كان عليه دين حط من حساب ماله بقدر ما عليه من الدين . والشريكان من الذهب والفضة ، فلا يجب على أحد زكاة بحصة غيره ، وتجب الزكاة فيما سوى الذهب والفضة باسم الشركاء (7) وما سوى الذهب والفضة لا تحط الديون منه في الزكاة .
فإذا لم تكن الفضة مع الذهب فزكاته من عشرين مثقالا نصف مثقال (8) ليس فيما دون شيء .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( في وقته)) .
(2) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( تقسيمها )) وفي نسختي ( د ) و( هـ ) : (( قسمها )) . ولعل الأصح : (( كيف تكون قسمتها )) .
(3) …الورق : الفضة .
(4) …لم يذكر الماعز لأن حكمه مثل حكم الغنم تماماً .
(5) …الدراهم جمع ، مفرده : درهم ، وهي قطعة من الفضة مسكوكة للمعاملة بين الناس ، أو هي مرادف النقود عموماً .
(6) …في ( هـ ) : (( دراهم )) .
(7) …المقصود هنا : يستتم الشريك بسهم الشريك .
(8) …المثقال = 5 غرامات ذهبا .
وما زاد على عشرين مثقالاً ففي كل أربعة مثاقيل عُشُر مثقال ؛ وما لم يتم فيه أربعة مثاقيل من الكسور ثلاثة ودون ثلاثة ، وفوق ذلك ما لم يتم مثاقيل (1) فليس فيه شيء .
وليس في اللؤلؤ والجوهر زكاة ، إلا من تطوع بخير ، ما لم يكن للتجارة ، وما كان للتجارة ففيه الزكاة : زكاة رأس ماله حتى يباع .
[ زكاة الحبوب ]
في القمح والشعير والذرة العُشُر فيما سقت السماءُ والعيون (2) إذا بلغ ثلاث مائة صاع بصاع النبي عليه السلام ، لا يضم نوع من ذلك إلى نوع إلا ما بلغ في نوعه (3) ؛ غير أن البر والشعير اختلف فيه الفقهاء ؛ وقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه أنه يضم البر إلى الشعير والشعير إلى البر ، وهو أخر كلام أبي عبيدة (4) رضي الله عنه (5) ؛ وكان أول قوله : لا زكاة في البر ولا في الشعير إلا ما بلغ ثلاث مائة صاع ، ولا يضم بعضه إلى بعض ، ثم رجع عن ذلك وقاسه بالذهب والفضة ، فقال : يضم الذهب إلى الفضة ، ويضم البر إلى الشعير(6) .
__________
(1) …كذا في النسخ والأنسب : (( المثاقيل )) .
(2) …لم يذكر السلت معها رغم أنه وارد في السنة . كما أنه عطف العبارة الأخيرة وأراد في النسختين ، والأنسب هو لعطف السلت إذا لا تتم السنة إلا بها .
(3) …أي من القمح الجيد والرديء مثلا وهكذا .
(4) …أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة عالم من الأعلام المؤسسين للمذهب الإباضي أخذ العلم عن التابعي الكبير جابر بن زيد الأزدي ، وتصدر المذهب الإباضي في المشرق الإسلامي ومغربه . ولم يترك كتبا كثيرة ، إلا رسالة في الزكاة ، وكتاب مسائل أبي عبيدة . توفي حوالي سنة 150هـ .
…انظر : علي يحي معمر : الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ، ص155 . سالم بن حمد الحارثي : العقود الفضية في أصول الإباضية ، ص139 . الشماخي : السير ، ص83 .
(5) …في ( هـ ) : سقط : (( عنه )) .
(6) …الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج2 ، ص22، 23، 24 .
وما لم يبلغ ثلاث مائة صاع فلا زكاة فيه إلا من تطوع بخير . والتمر والزبيب مثل ذلك . وما يسقى بالدوالي (1) والنواضح (2) والرشاء (3) والسواني (4) ففيه نصف العشر من كل عشرين واحد .
[ صدقة الإبل ]
__________
(1) …الدوالي : جمع دالية : الدلو الصغير وهو آنية متتابعة لها عارضة تجعلها تنصب في الحوض .
(2) …النواضح : جمع ناضحة : بعير السقي .
(3) …الرشاء : ج أرشية ، حبل الدلو .
(4) …السواني : جمع سانية : الدواب ، هي آنية تمتلئ وتصعد في دائرة بالدابة .
فليس فيما (1) دون الخمسة شيء ، فإذا بلغت خمسة ، ففيها شاة حتى تبلغ تسعة ؛ فإذا زادت واحدة وبلغت عشرة ، ففيها شاتان حتى تبلغ أربعة عشر ؛ فإذا زادت واحدة وبلغت خمسة عشر ، ففيها ثلاث شياه ، حتى تبلغ تسعة عشر ؛ فإذا زادت واحدة وبلغت عشرين ، ففيها أربعة شياه ، فإذا بلغت خمسا وعشرين ، ففيها بنت (2) مخاض . فإذا لم توجد ابنه مخاض ، فابن لبون ذكر ، حتى تبلغ خمسا وثلاثين ؛ فإذا زادت واحدة ، ففيها ابنه لبون ، حتى تبلغ خمسة وأربعين ؛ فإذا زادت واحدة ففيها حقة طروقة الفحل (3) ، حتى تبلغ ستين ؛ فإذا زادت واحدة ، ففيها جذعة حتى [17] تبلغ خمسة وسبعين ؛ فإذا زادت واحدة ، ففيها ابنتا لبون حتى تبلغ تسعين ؛ فإذا زادت واحدة ففيها حقتان ، حتى تبلغ عشرين ومائة ؛ فإذا زادت واحدة ، ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ ثلاثين ومائة ، ففيها حقة وابنتا لبون ؛ فإذا بلغت أربعين ومائة ، ففيها حقتان وابنه لبون ؛ فإذا بلغت خمسين ومائة ، ففيها ثلاث حقائق (4) فإذا بلغت ستين ومائة ، ففيها أربعة بنات لبون ، حتى تبلغ سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة ؛ فإذا بلغت ثمانين ومائة ، ففيها حقتان وابنتا لبون ؛ فإذا بلغت تسعين ومائة ، ففيها ثلاث حقائق وابنة لبون ؛ فإذا بلغت مائتين ، ففيها أربع حقائق ، أو خمس بنات لبون ، لأنه إذا كثر الإبل أخذ من كل أربعين ابنة لبون ومن كل (5) خمسين حقة .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( ما )) .
(2) …في ( هـ ) : (( ابنة )) .
(3) …طروقة الفحل : وهي الداخلة في السنة الرابعة .
(4) …في النسخ جمعت الحقة إلى حقائق ، وهو خطأ والصحيح إلى : حقق أو حقاق . وأثبتنا ما في الخطوط مراعاة للأمانة العلمية .
(5) …في ( هـ ) : (( ولكل )) .
وليس فيما لم يكمل العشرة بعد أن تزيد الإبل على العشرين ومائة شيء ؛ فإذا بلغت عشرة ومائتين ففيها أربع بنات لبون وحقة ؛ فإذا بلغت عشرين ومائتين ففيها حقتان وثلاث بنات لبون ؛ فإذا بلغت ثلاثين ومائتين ففيها ثلاث حقائق وابنتا لبون ؛ فإذا بلغت أربعين ومائتين ففيها أربع حقائق وابنة لبون ؛ فإذا بلغت خمسين ومائتين ففيها خمس حقائق ؛ فإذا بلغت ستين ومائتين ففيها أربع بنات لبون وحقتان ؛ فإذا بلغت سبعين ومائتين ففيها ثلاث حقائق وثلاث بنات لبون ؛ فإذا بلغت ثمانين (1) ومائتين ففيها أربع حقائق وابنتا لبون ؛ فإذا بلغت تسعين ومائتين ففيها خمس حقائق وابنة لبون ؛ فإذا بلغت ثلاث مائة ففيها ست حقائق . فإذا كثرت الإبل فعلى هذا الحساب : ففي كل أربعين ابنت لبون ، وفي كل خمسين حقة .
[ صدقة البقر ]
وصدقة البقرة مثل صدقة الإبل ، على عددها يؤخذ ما يؤخذ من الإبل من الغنم ما لم تبلغ خمسة وعشرين ؛ فإذا بلغت خمسة وعشرين فحولية نظيرة بنت مخاض .
ويؤخذ من البقر ما يؤخذ من الإبل غير أن أسنان الإبل كثيرة وأسنان البقر قصيرة عاجلة . ولكن يعد لها (2) من السنين ما يعد للإبل ، فيؤخذ مكان ابنة لبون في الإبل نظيرتها في السنين ، ويؤخذ مكان حقة نظيرتها ؛ وكذلك مكان كل سن من الإبل نظيرتها من البقر في السنين ، وإن اختلفت أسنانها .
فإن لم يجد المصدق في الإبل سن (3)
__________
(1) …في ( هـ ) : تكرار (( ثمانين )) .
(2) …في ( هـ ) : (( يدلها )) . وهو خطأ .
(3) …أما أعمار إبل الصدقة فهي كما يلي :
* بنت مخاض : وهي الداخلة في السنة الثانية .
* بنت لبون : وهي الداخلة في السنة الثالثة .
* حقة : وهي الداخلة في السنة الرابعة .
* جذعة : وهي الداخلة في السنة الخامسة .
فريضة الصدقة ووجد فوقها أخذها ورد فضل ما بينهما بقيمة عدل (1) ذهب أو فضة ، والصدقة من الحول (2) القمر (3) .
[ صدقة الغنم ]
لا يأخذ مما دون الأربعين شيئاً حتى تتم أربعين ، فإذا بلغت [18] أربعين وبقيت عند صاحبها سنة ففيها شاة ، حتى تبلغ عشرين ومائة ، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان حتى تبلغ مائتين ؛ فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه (4) حتى تبلغ تسعاً وتسعين وثلاث مائة ، فإذا زادت واحدة وكمل أربع مائة ففيها أربع شياه (5) ؛ ثم يستقيم بعد ذلك حسابها : لكل مائة تامة شاة ، وليس فيما لم يكمل المائة من التسع والتسعين بعد إذ جازت الغنم ثلاث مائة شيء .
ويأخذ المصدق من أوسط الغنم .
ويعد من الغنم من أولادها مع أمهاتها ما حمله الراعي واستغنى عن أمه . قال بعضهم : ما جاز الوادي ؛ وقال بعضهم : وإن حمله الراعي (6) ؛ ولكن من نأخذ عنه ممن أدركنا لا يرى الشاة إلا شاة استغنت عن غيرها (7) .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( على )) . وهو خطأ .
(2) …في ( هـ ) : إضافة : (( سنين )) .
(3) …كذا في النسخ ولعل الصواب تنكير كلمة حول . أي من الأشهر القمرية لا الشمسية .
(4) …في ( هـ ) : (( أشياه )) .
(5) …في ( هـ ) : (( أشياه )) .
(6) …في ( هـ ) : (( الرعي )) ، وهو خطأ .
(7) …زكاة الماعز هو نفس زكاة الغنم ولكن يمنع أخذ التيس والذكر من الغنم . الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج2 ، ص14 .
ومن أخر (1) زكاة ماله شهراً في شهر ألا يكفر ، ولا يضل في الحكم ، ما لم يدخل حول (2) في حول ، وقال من نأخذ عنه : وإن دخل حول (3) في حول لا يحكم عليه بالكفر ما لم يمت ولم يؤدها (4) ولم يوص ، إلا أن يكون مانعا فإنه يضل في حين ذلك . وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبته : (( ألا أنه لا صلاة لمانع الزكاة ، لا صلاة لمانع الزكاة ، والتعدي فيها كمانعها )) (5) .
[ زكاة الفطر حكمها ]
وزكاة الفطر يؤديها (6) من كان له ما يقوته سنة ، وهي سنة (7) ، الأخذ بها فضيلة ، وتركها ليس بخطيئة . والسنة سنتان :
* سنة في غير فريضة ، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة .
* وسنة في فريضة ، الأخذ بها هدى (8) وتركها ضلالة .
[ من ومِمّاذا ومتى تؤدى ]
أن يعطي فطرته (9) من أطيب ماله على جميع عياله ، والحر والعبد ، على كل رأس يوم الفطر ، صاعا بصاع (10) النبي عليه السلام ، من قمح ، أو تمر ، أو شعير أو ذرٍة ، أو زبيب ، أو لحم ، أو لبن حليب ما لم يخالطه ماء ، أو مما يأكل منه ، ويكون قوت عامة عياله ، أو يخلط من الأنواع .
__________
(1) …في النسخ : (( وخر )) . وصححناها على ما اعتيد عليه من الاستعمال .
(2) …في ( هـ ) : (( حولاً )) .
(3) …في ( هـ ) : (( حولاً )) وهو خطأ .
(4) …في ( هـ ) : (( يدها )) وهو خطأ .
(5) …رواه الربيع عن ابن عباس برقم 342 ، رواه الطبراني عن ابن مسعود موقوفا مع زيادة . قال الربيع : المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير اهلها .
(6) …في ( د ) و( هـ ) : (( يدَّيها )) وفي ( ب ) و(ج ) : يودَّها . والصواب ما اثبت .
(7) …في ( هـ ) : تكرار (( وهي سنة )) .
(8) …في ( هـ ) : (( هذا )) . وهو تصحيف .
(9) …في ( هـ ) : (( فرطته )) . وهو تصحيف .
(10) …في ( هـ ) : تكرار (( بصاع )) .
وليؤدها (1) بعد ما صلى الصبح (2) قبل أن يصلي صلاة العيد يوم الفطر أفضلها ، أو قبل نصف النهار .
[ الفصل الرابع فريضة الصيام ]
وصيام شهر رمضان فريضة من كتاب الله عز وجل على كل بالغ صحيح العقل إذا شهد الشهر في أهله .
{ وَمَن كَانَ مَرِيضًا } : في أهله ، { أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } (3) وفيها إضمار ، وإضمارها : فمن كان مريضا أو على سفر فأكل في مرضه أو سفره فعدة من أيام أخر ؛ ليس على كل من مرض أو سافر يكون عليه الإعادة إذا لم يأكل .
والمسافر إن شاء أكل وإن شاء صام ، فليس عليه الإفطار (4) بواجب ، ولكن إن صام فمأجور (5) وإن أكل فمعذور .
والصيام من الليل إلى الليل ، فإذا انفجر الفجر حلّت الصلاة ووجب الصوم ، وحرم الأكل والشراب .
سئل (6) ابن عباس رضي الله عنه : متى يحرم على الصائم (7) الطعام ؟ [19] قال رجل : ما لم تشك حتى تشك . قال : فقال ابن عباس كل ما شككت حتى لا تشك .
[ هل الاغتسال من الجنابة شرط في صحة الصيام ؟ ]
__________
(1) …في ( د ) و( هـ ) : (( وليدها )) .
(2) …في ( ب ) و( ج ) : (( بعد صلاة الصبح )) .
(3) …الآية 185 من سورة البقرة.
(4) …في ( هـ ) : (( الإفطار عليه )) .
(5) …في ( هـ ) : (( فمأجوز )) وهو تصحيف .
(6) …في ( هـ ) : (( س )) وهو تحريف .
(7) …في ( هـ ) : (( الصيام )) وهو تحريف .
واختلف الناس في الاغتسال من الجنابة ؛ فقال بعض : إنما جاء الاغتسال لعلة الصلاة ، ولم ينزل لعلة الصوم ، فمن أصبح ولم يغتسل لا يبطل ذلك صومه ، لأن الله أجاز لنا الأكل والشراب والمباشرة ـ وهي الجماع ـ حتى يتبين لنا الصبح . قلنا لهم : أما الأكل والشراب ليس(1) فيه تباعة تلحقهما ، والجماع له تباعه تلحقه ؛ وإنما أراد أن لا نصبح إلا ونحن على الحالة التي يجوز لنا بها الصوم ، كقوله تعالى : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ... } إلى آخر الآية (2) ؛ وإنما أراد أن لا نقوم إلى الصلاة إلا ونحن على الحالة التي تجوز لنا بها الصلاة ، ليس على أنا لا نتوضأ إلا إذا قمنا إلى الصلاة . قلنا لهم : أرأيتم (3) فقيهين (4) اختلفا لرجلين (5) ، فقال أحدهما : إذا اغتسلت ليلاً أجزاك ، وإذا أخرت إلى الصبح لا يضرك ، وقال آخر : إن اغتسلت ليلاً أجزاك ، وإن توانيت إلى الصبح أبطلت صومك ، وليس لك صوم ، أليس الوثاقة أن يحتاط لنفسه ، ويأخذ بالذي أجتمعا عليه أنه مجز ! وقول من نأخذ عنه من أصحابنا : من توانى بغسله حتى أصبح فلا صوم له يومه (6) ، ويستأنف (7) ما مضى من شهره . وقد كان يستحب إذا لعطك الصبح (8)
__________
(1) …كذا والأصح : (( فليس )) . بإضافة الفاء ، مثل قوله تعالى : (( أما السفينة فكانت لمساكين ...)) وقوله : (( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ... )) .
(2) …سورة المائدة الآية 6 . وتمام الآية : (( وأيديكم إلى المرفق ، وأمسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين ، وإن كنتم جنبا فاطهروا )) .
(3) …في ( هـ ) : (( رأيتم )) . وهو خطأ .
(4) …في ( د ) : (( فقيهن )) . وهو تحريف .
(5) …في ( هـ ) : (( أختلف الرجل )) . ولا معنى له .
(6) …في ( هـ ) : سقط (( يومه )) .
(7) …يستأنف معناه : يعيد لأنه يعتبر مضيعا ، والتضييع حكمه عند أصحابنا إعادة ما مضى من صومه . القطب اطفيش : شرح النيل ، ج3 ، ص342 .
(8) …كذا في النسخ ، ومعناه : من لعط يلعط : كواه في عرض عنقه ، أي ظهر بياض الصبح فجأة .
وقرب الفجر أن تشرب ولا تأكل ، لسرعة انقطاع تباعة الشراب ، والوطء أثقل تباعة .
[ الفصل الخامس فرض الحجَّ ]
فرض الله الحج في كتابه ، وتفسير بعض ذلك من السنة .
قال الله تعالى : { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } (1) .
[ ما معنى الاستطاعة في الحج ؟ ]
واستطاعة السبيل : الزاد والراحلة . ليس الناس إلى ملك الزاد والراحة بأحوج إليهم من أمان الطريق ؛ فإن وجدوا الزاد والراحلة ملكوا ذلك ، ووجدوا أمان الطريق ، مع كشف الآفات التي تحل بالجسم يكون منها الموانع ؛ فإذا اجتمع (2) لهم ذلك وجب عليهم الحج .
وأما الحج فلا يستطيعونه إلا بفعله ، وفي أيامه ومشاهده . واستطاعة السبيل غير استطاعة الحج . واستطاعة السبيل إنما هي المال وكشف الموانع ، وأما الحج إنما هو فعل الحاج حركة وسكوناً (3) من الفاعل في أيامه ومشاهده .
[ فريضة الحج والعمرة ]
ثم قال عز وجل : { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } وقولنا ـ والله المستعان ـ : أما الحج والعمرة [فـ] فريضتان ، وبهذا (4) نأخذ وعليه نعتمد ؛ وأما بعض الناس [فـ] يرون قول ابن مسعود : الحج فريضة والعمرة نافلة (5) ؛ وكان يقرأ فيما روي عنه : { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } (6) بنصب { الْحَجَّ } ورفع { َالْعُمْرَةَ } ، يقول : { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } وقع عليه الفعل فانتصب ، و(( العمرة )) مبتدأ مستأنف فارتفع ، يقول : والعمرة لله تطوع .
والعامة من العلماء : على أن الحج والعمرة فريضتان .
__________
(1) …الآية 97 من سورة آل عمران.
(2) …في ( هـ ) : (( اجتمعا )) . وهو خطأ.
(3) …في ( هـ ) : (( وسكون )) . وهو خطأ .
(4) …في ( هـ ) : (( وبها )) .
(5) …محمد رواس قلعة جي : موسوعة فقه عبد الله بن مسعود ، ص472 . هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 ، ص184 .
(6) …الآية 196 من سورة البقرة.
[ الإحرام : سننه ونواهيه ]
ووقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) مواقيت الحج (2) التي يحرم منها الناس ، لا يجاوزها أحد ، إذا أراد الحج والعمرة إلا وهو محرم ، وقت (3) لكل ناحية منهم علم .
وسن في الإحرام الطهر في الأجساد ، والنقاء في الثياب . ونهى الله في التنزيل عن الرفث للمحرم ، وهو غشيان النساء ، فمن فعل بطل إحرامه بحج أو بعمرة ، [20] أو بهما جميعاً ، وعليه البدل من عامه ؛ وإن لم يستطع من عامة فمن قابل وعليه هدي كفارة ، مع البدل .
ونهى عن الفسوق ، وهي المعاصي .
ونهى عن الجدال ، وهو المراء ؛ فمن فعل ومارى بالباطل حتى يَغضبَ (4) أو يُغضِب صاحبه فعليه كفارة . فمن جادل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا كفارة عليه .
[ حكم صيد الحرم وجزاؤه ]
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( صلى الله عليه وسلم )) .
(2) …في ( هـ ) : (( الإحرام )) .
(3) …في ( هـ ) : سقط (( وقت )) .
(4) …في ( هـ ) : (( يغضبا ويغضب )) .
ونهى عن قتل الصيد صيد البر في الحرم ؛ وجاءت الرخصة في السنة أن تقتل من قاتلك من السباع . والجراد من الصيد . وجاء عن النبي عليه السلام : (( مكة حرام لحرام الله ، لا يحل صيدها ، ولا يختلى (1) خلاؤها ، ولا يعضد شجرها ، ولا تحل لقطتها )) (2) . وهذا في الحرم الذي يقال له الجمع ، وهو الأمن الذي لا يزول تحريمه . ومن لجأ إليه وعليه الحد فإنه (3) لا يبايع ولا يجالس ، ولا يطعم ولا يؤوى حتى يخرج من الحرم ن فيقام عليه حد ما اجترم .
ومن أحدث حدثاً في الحرم فإنه يقام عليه حد ما أصاب ، ومن قتل صيد بر في الإحرام فعليه الجزاء ، وهو قول الله تعالى(4) في كتابه : { لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } : يعني صيد البر ، { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } (5) .
ومن أحرم من بلده أو موضع من المواضع قبل الحد الذي وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (6) لزمه إحرامه ، فليتق كل ما نهي عنه المحرم .
__________
(1) …اختلى خلاءه : سطا على منزله .
(2) …رواه الشيخان عن أبي هريرة . ورواه الربيع عن أنس بن مالك بلفظ : (( مكة حرام حرمها الله ، لا تحل لقطتها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يختلى خلاها )) فقال عمه العباس : (( إلا الإذخر يا رسول الله )) ، فقال : (( إلا الإذخر )) قال الربيع : لا يعضد : أي لا يقطع ، والخلا : الكلا ، والإذخر : نبت يصنع منه الحصر ، وتسقف منه البيوت . انظر : الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح ، ج2 ، ص105 ، 106 ، كتاب الحج باب [2] في المواقيت والحرم ، حديث رقم 389 .
(3) …في ( هـ ) : (( وعليه المدافنة )) وهو تحريف .
(4) …في ( هـ ) : سقط (( تعالى )) .
(5) …الآية 95 من سورة المائدة.
(6) …في ( هـ ) : (( عليه السلام )) .
والأفاكر (1) والضفادع وطير الماء من صيد البر ، ولا بأس بقتل النحل للمحرم .
وجزاء قاتل الصيد بحكومة ذوي عدل اثنان يحكمان فما حكما به عليه لزمه ؛ فإن كان الجزاء دماً فإنه لا يكون إلا بمكة ، لأن الله يقول : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةٍِ } (2) . وإن كان صياماً أو كفارة طعام فحيث ما أطعم أو صام أجزاه ، وهو مخير بين الهدي والإطعام والكفارة . ولا يأكل شيئاً لا من جزاء ولا من فدية ولا من كفارة ، ولا بأس أن يأكل الرجل من كفارة غيره ، إذا كان فقيراً ما لم يكون رفيقه (3) . وقال بعضهم يأكل من جزاء غيره وكفارته ما لم تلزمه نفقته (4) ، ولا يحكم في ذلك واحد ، ولا يحكم هو لنفسه وإن كان يعلم ذلك .
والسنة المجتمع عليها لا يغط الرجل رأسه . وإن نسي وغطى ، اجهر بالتلبية ونزع (5) وإن مر عليه يوم أو ليلة كفر بدم .
ولا يلبس الرجل المحرم الأطواق (6) ولا سراويلات ولا خفين إلا مضطراً ، وليقلب ساقيها (7) إلى الكعبين (8) .
ولا يتقلد سيفا ولا يحتزم الخائف ؛ ورخص له في سيفه يمسكه معه ، قال بعضهم : يتقلد الخائف ، وقال بعضهم : يمسكه ولا يتقلده .
__________
(1) …لم أجد معنى هذه الكلمة في القواميس اللغوية والعلمية ، ولعل الأنسب للسياق هو ، الفقمة ، وهو الحوت البري البحري المعروف .
(2) …الآية 95 من سورة المائدة.
(3) …قال رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( لا تأكل منه شيئاً ولا أحد من رفقتك )) . رواه أحمد ومسلم وابن ماجه عن ابن عباس . عامر الشماخي : الإيضاح ، ج1 ، ص336 .
(4) …في ( هـ ) : (( وكفاراته ما لم تلزمه نفقة )) .
(5) …في النسختين ( ب ) و( ج ) : (( ونرع )) بالراء ، والصحيح ما أثبت من ( د ) و ( هـ ) .
(6) …الأطواق جمع طوق : ما يلبس حول العنق وغيره .
(7) …في النسخ : (( ساقيهما )) . والصواب ما أثبت من ( هـ ) .
(8) …في ( هـ ) : (( الكعبتين )) .
ولا يلبس الرجل (1) المحرم الخاتم ، ولا يحتزم ، ولا يزر (2) عليه ثوبا . ولا يتطيب ولا يمس طيبا ، ولا يشمه (3) ؛ فإن فعل فدم يهريقه (4) ، ولا يكتحل بالأثمد (5) ، ولا يكتحل بالأنرروت (6) والمستكا (7) ، والأنرروت حب السودان ، ولا يدهن بلبان (8) ولا دهن ، ولا بأس أن يدهن (9) بما يتأدم منه ولا ينتف شعرا ولا يقلم ظفرا ، فإن آذاه ظفره وهو مكسور [21] نزعه ؛ ولا بأس أن ينزع المحرم الضرس إذا آذاه .
ولا بأس أن يحتجم وينصع بغيره (10) ، ويذبح المحرم ويتزوج ولا يباشر ، ويلبس من الثياب أيما (11) شاء وأي لون شاء ما لم يكن صبغها زعفران أو عصفر (12) ، وما كان من طيب فإنه لا يلبسه ؛ فإن غسل ولم ينتقص منه ولم يكن فيه ريح الطيب فلا بأس أن يلبسه .
ويلبس المحرم ما شاء من الثياب وإن لم يكن أحرم فيها ، إلا ما نهينا عنه (13)
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( الرجل )) .
(2) …في ( ب ) و( ج ) : (( يزور )) ، وفي ( د ) و( هـ ) : (( يزر )) . والصواب : (( يأتزر )) أو (( يتأزر )) . أي يلبس لباسا فيه أزرار .
(3) …في ( هـ ) : (( يسمه )) . وهو تصحيف .
(4) …كذا في النسخ ، ولعل الأصوب : (( يريقه )) أو (( يهرقه )) .
(5) …في ( هـ ) : (( الإثمد )) ، بتاء مثناه . وهو تصحيف . والإثمد : حجر يكتحل به .
(6) …في ( هـ ) : (( الأنزورة )) .
(7) …( ب ) و( ج ) : (( المشكا )) ، وفي ( د ) و( هـ ) : (( المستكا )) .
(8) …في ( هـ ) : (( بيان )) وهو خطأ .
(9) …في ( هـ ) : سقط (( أن يدهن )) .
(10) …أن يحتجم لنفسه ويحتجم لغيره . وفي ( هـ ) : (( بغير )) .
(11) …كذا في النسخ ، ولعل الصواب : (( أيها )) .
(12) …العصفر : السنبل لأنه ذو رائحة .
(13) …في ( هـ ) : (( نهيا )) . وهو خطأ .
…والثياب المنهي عنها يجمعها حديث ابن عمر ، أن رجلا سأل النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) عما يلبس المحرم من الثياب ، فقال : (( لا يلبس القمص ، ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانيس ، ولا الأخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فلبس خفين وليقطعهما أسفل الكعبين ، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس )) . رواه الربيع عن أبي سعيد الخدري برقم 406 ، وبلفظ المفرد . الجيطالي : قواعد الإسلام ، ج1 ، ص139 .
، وإن شاء المحرم باع ثيابه التي أحرم فيها ولبس غيرها .
[ إحرام المرأة ]
والمرأة في الإحرام مثل الرجل في كل شيء مما يحرم عليهما (1) ، إلا أن المرأة تلبس في الإحرام ما كانت تلبس قبل الإحرام ، إلا ما كان فيه طيب ، إلا البرقع (2) وتغطية الوجه ، ولا تلبس حريراً ولا خزاً (3) ، ولا تتزين ولا تكتحل ، ولا تنظر في مرآة إلا من علة ، وتنزع عنها حليها إلا ما خافت أن ينكسر بنزعه تركته إياه (4) .
[ المحرم والحشرات ]
ولا يقتل المحرم قملة (5) ولا يلقه من ثوبه ولا يطرحه عنه (6) ، ويطرح البرغوث (7) والقرادة (8) والحمنان (9) والحلمان (10) وكل ما ليس منه ، ولا يقتل من ذلك شيء .
وليدهن بعيره ويطليه (11) بالقطران (12) ويحكه ويقرده (13) .
[ فدية المحرم المريض ]
__________
(1) …في ( هـ ) : (( عليها )) . والأصوب ما أثبت من النسخ الأخرى .
(2) …ما تستر به وجهها وتبقي عينها .
(3) …في ( هـ ) : (( خراً )) . وهو تصحيف . والخز نوع من الحرير .
(4) …كذا في النسخ : إياه كلمة زائدة .
(5) …في ( هـ ) : (( قملة )) .
(6) …انظر جواز هذا في حديث ابن عباس . عامر الشماخي : الإيضاح ج2 ، ص267 .
(7) …برغوث : نوع من الحشرات .
(8) …القرادة جمع قردان : حشرة دموية تتعلق بظهر البعير ، مثل القمل للإنسان .
(9) …حمنان جمع حمنة : صغار القردان .
(10) …الحلمان جمع حلمة : صغير القردان .
(11) …في ( د ) : (( وليطليه )) ، كذا بإثبات حرف العلة ، والصواب حذفه . أو الصواب ما أثبت من ( هـ ) .
(12) …القطران : سيال دهني يؤخذ من شجرة الأبهل والأرز وغيرها .
(13) …يقرده : يلتقط منه القردان .
ونهى الله المحرم عن (1) الحلق حتى يبلغ الهدي محله ، فإن كان به أذى من رأسه فحلق ، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ، وفيها إضمار : { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ } فحلق ، { فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } (2) . وليس كل من مرض أو به أذى من رأسه تلزمه الفدية ، وإنما تلزمه الفدية إذا حلق ، وهذا اختصار من كلام العرب وهو معروف ، وقد ذكرته شعراء العرب ، وله نظير في كتاب الله مثل قوله لموسى : { أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ } ولم يقل : فضرب (3) ، ولكن لما قال : { أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ } على أنه قد ضربه فاكتفى وقصر (4) واختصر ، وهذا من أغرب (5) الكلام وأخصره . وهو مخير في الفدية بين الصيام والصدقة والنسك ، وهو شاة يذبحها .
__________
(1) …في ( هـ ) : (( على )) . وهو خطأ .
(2) …الآية 196 من سورة البقرة. وفي ( هـ ) سقط عبارة : (( وفيها إضمار : (( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه )) فحلق (( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك )) . وقد وقع للناسخ فيها انتقال النظر لتكرار عبارة كاملة )) .
(3) …في ( هـ ) : (( فضربه )) .
(4) …(( وقصر )) إضافة من ( هـ ) .
(5) …في النسخ : (( من أغراب )) . وأما في ( هـ ) : (( من إعراب )) ويبدو أن الصواب ما أثبتناه .
ومن (1) نتف شعرة أو شعرتين تصدق على مسكينين (2) ببر أو تمر ؛ ومن نتف ثلاث شعرات ولم يكفر حتى تلاحقت فدم (3) يهرقه . ومن نتف أكثر من ثلاث شعرات ثم لم حتى نتف شعر أخر فكفارة واحدة تجزيه دماً واحداً ما لم يفصل بينهما بكفارة ؛ وقال بعضهم : ذلك إذا (4) جمعه اليوم أو الليلة ، وما فرقة الأيام فكل يوم كفارة ، والأول أحب إلينا .
[ مستحبات الإحرام والتلبية ]
ومن أراد أن يحرم فليغتسل في بدء إحرامه ، وليلبس ثوبين جديدين أو غسيلين ، أو إزاراً أو رداء ، ثم يصلي صلاة مكتوبة إن كان حين الصلاة . ويستحب الإحرام دبر صلاة مكتوبة ؛ وإن [22] لم يوافق (5) حين صلاة مكتوبة صلى ركعتين ثم قال : (( اللهم إني أريد كذا )) لما أراد أن يحرمه ، ويسمي (6) حجة أو عمرة أو بهما جميعاً . والمسلمون يستحبون أن يبدأ بالعمرة قبل الحج ، وأيا ما فعل من ذلك فهو يجزي . غير أن أحسن الأمور وأفضلها أن يقدم العمرة . والتلبية فيهما والإحرام سواء ، فإن كان أراد العمرة فليقل : (( اللهم إني أريد العمرة ، فيسرها لي ، وتقبلها مني )) ثم يركع ركعتين ـ إن لم يكن حين مكتوبة ـ ويلبي ، والتلبية أن يقول : (( لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك )) ؛ فإذا لبى قال : (( لبيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك يا الله )) ، فلا يضرك بعد ذلك أن تلبي ولا تسمي (7) .
[ مناسك العمرة ]
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( من )) .
(2) …في ( هـ ) : (( على مسكين ببر أو ثمر ، ومن نتف ثلاث شعيرات ... )) . وقد تكرر فيها استبدال كلمة (( شعيرات )) بـ (( شعيرات )) . ولم نشر إلى ذلك لكثرتها .
(3) …في النسخ : (( بدم )) . والصواب ما أثبتناه من ( هـ ) .
(4) …في ( هـ ) : (( إذ )) .
(5) …في ( هـ ) : (( يوفق )) . وهو تحريف .
(6) …في ( هـ ) : (( ويسمين )) .
(7) …تسمي : أي تبين عـ ماذا تلبي عن عمرة أو حج ، عن نفسك أو عن غيرك .
وأكثر من التلبية كلما علوت شرفاً أو هبطت (1) وادياً أو لقيت راكباً ، وبالأسحار ، ولا يشغلنك (2) شيء من الحديث عن التلبية . ولا تقطع حتى تأتي الحجر الأسود ـ هذا للمعتمر ـ ثم يطوف بالبيت سبعة أشواط ، ثم يركع خلف المقام أو حيث يتيسر (3) له من المسجد ، وخلف المقام أفضل ؛ ثم يعود فيستقبل الحجر الأسود ، ثم يدعو بما فتح الله له (4) ، ثم يخرج إلى الصفا من الباب الذي يخرج منه ، ثم يأتي الصفا فيصعد عليه ، فيستقبل البيت ثم يكبر الله ويحمده ويهلله ، ويدعو بما فتح الله له بعد الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يهبط من الصفا إلى المروة ، ثم يصنع بها مثل (5) ما صنع على الصفا ، يطوف كذلك بينهما سبع تطويفات (6) ، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة ، ويسعى في بطن المسيل من العلم الأخضر إلى العلم الأخضر ، ثم يقص من رأسه ويأخذ من شاربه ولحيته وأظفاره ، فإذا فعل ذلك حل (7) له الحلال كله من الثياب والطيب والصيد ولحمه ، إلا ما حرم من صيد الحرم ؛ وحل (8) له النساء .
[ مناسك الحج ]
__________
(1) …في ( هـ ) : (( علوت وأهبطت )) .
(2) …في ( هـ ) : (( يشغلك )) .
(3) …في ( هـ ) : (( تيسر )) .
(4) …في ( هـ ) : سقط (( له )) .
(5) …في ( ب ) : سقط (( مثل )) .
(6) …في ( هـ ) : إضافة (( ثم )) .
(7) …في ( هـ ) : (( أحل )) .
(8) …في ( هـ ) : (( وانحل )) .
فإذا كان يوم التروية ، أتى المسجد فطاف بالبيت أسبوعاً (1) ثم يركع خلف المقام ، فإن (2) لبى وأحرم (3) بالحج من المسجد الحرام ، وإن شاء خرج إلى البطحاء ، فأحرم منها بالحج ، والمسلمون يستحبون الإحرام بالحج من البطحاء من المسجد الذي يقال له مسجد الجن ، فحيثما أحرم من حرم البطحاء أجزاه أو أحرم من الحرم ؛ فإنما يكون ذلك بالرواح (4) يوم التروية .
ولا يستحب التعجيل قبل الزوال (5) إلا لمريض أو ضعيف (6) ؛ ثم يخرج إلي منى ويبيت بها ليلة عرفة حتى يصبح ، ثم يرتحل إلى عرفات بعدما أصبح وينزل بها ، فإذا كان عند زوال الشمس اغتسل إن تيسر له ، وإلا فالوضوء يجزيه ، وليصب الماء على نفسه ، وليرفق بجسده ألا يدلكه إلا دلكاً رفيقاً (7) .
[ أنواع الغسل في الحج ]
وإنما يؤكد (8) في الغسل في المواطن التي (9) يذكر فيها الغسل في بدء الإحرامين :
__________
(1) …كذا في ( د ) و( هـ ) ، ولعل الصواب : (( سبعاً )) .
(2) …كذا في النسخ ولعل الصواب : فإن شاء لبى ... .
(3) …في ( هـ ) : (( وانحرم )) . وهو تحريف .
(4) …الرواح : العشي .
(5) …في ( هـ ) : (( زوال الشمس ، إلا للمريض أو ضعيف )) .
(6) …أو ضرورة تقتضي التخفيف على المسلم ، فتوافق مقاصد الشريعة في رافع الحرج .
(7) …لئلا ينزع شعراً أو جلداً فتلزمه فدية .
(8) …يوكد : بمعنى أنه سنة مؤكدة يجب فيها دم إن أهملت ، وقيل : يجزيه الوضوء .
…انظر : عامر الشماخي : الإيضاح ، ج2 ص247 .
(9) …في جمع النسخ : (( الذي )) ، والصحيح ما أثبتناه .
الإحرام من الحد (1) الأول حين يحرم بالعمرة ، ويوم التروية (2) حين يحرم بالحج ؛ وأما الغسل الذي يدخل به الحرم (3) ، [23] والغسل الذي يدخل به (4) المسجد الحرام ، وغسل عرفات ، وغسل المزدلفة ، وغسل الزيارة ، وغسل الوداع ، والوضوء في كل ذلك يجزي ، والغسل أفضل ، فإذا زالت الشمس جمع بين (5) الصلاتين : الأولى والعصر مع الإمام أو وحده ، ثم وقف (6) إلى أن تغيب الشمس ، ولا يفيض قبل غروب الشمس من عرفات ، وقبل أن يفيض الإمام (7) ، فإذا أفاض الإمام والناس فاض معهم ، فإذا أتى مزدلفة صلى بها المغرب ، والعشاء جميعا ثم يبيت بها ، فإذا أصبح وأسفر الصبح أفاض إلى منى ، وليكثر ذكر الله تلك الليلة ، كما (8) قال : { فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } (9) : وهو المزدلفة ، وهو جمع يجمع بها بين الصلوات ؛ فإذا أصبح وفاض الإمام والناس أفاض معهم حتى يأتي منى ؛ فإذا أتى جمرة العقبة أمسك عن التلبية بالحج ، ولا يمسك عن التلبية بالحج حتى يأتي جمرة العقبة حين أراد أن يرمي ، وليرمها من بطن الوادي بسبع حصيات ، ويكبر مع كل حصاة ، ولا يرميها من فوق العقبة ، ولا يرميها إلا بحصى الحرم ؛ ومن رمى بحصى غير (10) الحرم فعليه الإعادة ؛ وإن فاتته فعليه دم لكل جمرة كل يوم ؛ وإن وقع شيء من الحصى الذي يرمي به على إنسان أو دابة أو محمل أبدله .
__________
(1) …الحد : الميقات .
(2) …التروية : اليوم الثامن من ذي الحجة .
(3) …في ( هـ ) : (( يدخل في الحرم )) . وهو خطأ .
(4) …في ( هـ ) : إضافة (( في )) .
(5) …في ( هـ ) : سقط (( بين )) .
(6) …في ( هـ ) : (( يقف )) .
(7) …الإمام : يعني به إمام الظهور ، أي الخليفة أو أمير المؤمنين .
(8) …في ( هـ ) : سقط (( ثم )) .
(9) …الآية 198 من سورة البقرة.
(10) …في ( هـ ) : (( بغير حصا الحرم )) .
فإذا رمى جمرة العقبة ذبح إن كان متمتعاً أو قارناً ؛ وإن كان مفرداً بالحج وليس معه هدي حين حلق يرمي . فإذا ذبح (1) المتمتع أو القارن حلق رأسه ، فإذا حلق (2) حل له كل شيء إلا النساء والصيد حتى يزور البيت ، فإذا زار البيت حل له جميع الحلال (3) كله .
[ مواقيت الحج ]
ولا يحرم بالحج في غير أشهر الحج ، وأشهر الحج المعلومات التي ذكر الله : شوال وذو العقدة وعشرة (4) من ذي الحجة ، وإنما ذكر العشرة لأن (5) الإحرام يكون في بعض العشرة ، لأن يوم عرفة يوم التاسع ، فلا يكون الإحرام بالحج إلا قبل الوقت لمن ضاق به . وأما المتمتع عليه قدر ما يبلغه من ميقاته ، فإنه لا يجاوز الميقات من لم يحرم بعمرة إلا وهو محرم بالحج .
[ منهيات الإحرام ]
فإذا أحرم المحرم من الميقات أو قبل الميقات بالحج أو بالعمرة أو بهما جميعاً فليتق كل ما نهي عنه ، ولا يأكل صيد بر ـ وإن صاده غيره ـ وهو قول ابن عباس ، وبه أخذ أصحابنا ، وعليه اعتمدوا ؛ يقول : الآية مبهمة (6) : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } (7) يقول : مبهمة (8) في الأكل والقتل ، وأن غيره يفسر الآية على القتل لا على الأكل مثل الآية الأخرى : { لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } (9) ومن أكله فعليه الجزاء في قولنا :
__________
(1) …في ( هـ ) : (( أذبح )) . وهو خطأ .
(2) …في ( هـ ) : (( أحلق )) . وهو خطأ .
(3) …في النسختين : ( ب ) و( ج ) : (( الحليل )) .
(4) …في ( هـ ) : (( وعشرين )) .
(5) …في ( هـ ) : (( لأجل )) .
(6) …يقول هنا ، يعني ابن عباس في الرأي المعتمد .
(7) …الآية 96 من سورة المائدة.
(8) …في ( هـ ) : (( مبهم )) . وهو خطأ .
(9) …الآية 95 من سورة المائدة.
كفارة مثل ما أكل . ومن قتله خطأ يحكم عليه بالجزاء ، وكما يحكم [24] فيه بالعمد في قولنا الذي نأخذ به ، وإنما افترقوا في الإثم لا في الجزاء (1) ، وكذلك من قتل صيد بعد صيد يحكم عليه في قولنا بالجزاء ولا نأخذ بقول من يقول : لا يحكم عليه بالإعادة بالجزاء ويترك ونقمة الله ، لأن الله يقول : { وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ } (2) ؛ وعلماؤنا وأيمتنا أنهم يحكمون بالجزاء ، فإذا أحللت حل لك الحلال كله .
[ أحكام الإحرام ]
__________
(1) …يعني الذي قتل خطأ لا إثم عليه رغم أنه مكلف بالجزاء ، والذي تعمد أثم وكلف بالجزاء ، فرغم أن الآية تخصص الجزاء بالمتعمد فإن العلماء أوجبوه كذلك على المخطئ ، عملا بقاعدة : (( الخطأ لا يزيل الضمان )) . انظر : عامر الشماخي : الإيضاح ج2 ، ص373 وما بعدها . هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 ، ص497 .
(2) …الآية 95 من سورة المائدة.
والمحرم بالعمرة يحل إذا طاف بالبيت وركع وسعى بين الصفا والمروة وقصر . والمحرم بالحج لا يحل حتى يرجع من عرفات ، ويقف بالمشعر ويرمي جمرة العقبة يوم النحر ، ويذبح ويحلق إن كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج أو قارناً بحج وعمرة . وأما المفرد بالحج الذي لا يسوق الهدي فلا هدي عليه ، ولكن يرمي ويحلق ، فإذا حلق حل به كل شيء إلا النساء والصيد . والمتمتع والقارن يحلان إذا حلقا بعد الذبح ، يحلان من كل (1) شيء إلا النساء والصيد ، حتى يزورا (2) البيت . وكذلك المفرد إذا زار وطاف أسبوعاً (3) ركع وطاف بالصفا والمروة حل من النساء والصيد ، وحل المهل (4) بالحج .
والبيت الحرام لا يحل أبداً وما حوله من الحرم صيده ونباته إلا الإذخر (5) فإنه رخص فيه للبيوت والقبور والخضروات (6) التي يزرعها الناس في الحرم لا بأس بها من بقل أو شجر ، لأن مكة حرام لحرام الله يوم خلق السموات والأرض . ذكروا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( مكة حرام لحرام الله ، لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما حلت لي ساعة من النهار )) (7) يعني يوم فتح مكة .
[ مبطلات الحج ]
__________
(1) …في ( ج ) سقط (( كل )) .
(2) …في ( د ) و( هـ ) : (( يزوران )) . وهو خطأ ، والصواب حذف النون ، لأنه منصوب بأن مضمرة جوازاً بعد حتى .
(3) …كذا في ( د ) و( هـ ) ، والصواب : (( سبعاً )) . وفي ( هـ ) : (( زارا وطافا أسبوعاً ، وركعا وطافا بالصفا والمروة حلا )) بصيغة المثنى .
(4) …في ( هـ ) : (( المهمل )) . وهو تحريف واضح .
(5) …الإذخر جمع إذخرة : حشيش طيب الرائحة يسقف به البيوت فوق الخشب .
(6) …في ( هـ ) : (( الحضورات )) . وهو تحريف .
(7) …رواه الشيخان عن أبي شريح العدوي . والربيع رواه في خطبة عام الفتح برقم 419 .
ومن لم يلب فلا حج له ولا عمرة ، ومن لم يقف بعرفات فلا حج له (1) ، ومن لم يطف بالبيت فلا حج له ولا عمرة .
[ مخالفات الحاج وكفاراتها ]
ومن ترك من المشاهد سوى ما ذكرنا يكفّر له ، وذلك من لم يقف بالمزدلفة يهرق دماً .
ومن لم يرم الجمار يكفر ـ إن فاته رمي يوم النحر ، والجمرة الكبرى ـ بشاة يهرق دمها ويتصدّق .
ومن فاته الرمي في اليومين الأوسطين فليتصدق ، وليبدل الرمي في اليوم الثالث . ومن فاته آخر الرمي فشاة لكل جمرة . أعظم الرمي أوله وأخره .
ومن فاته الرمي كله فعليه لكل جمرة كل يوم شاة ، فذلك تسعة أشياه ، والشاة العاشرة لجمرة العقبة يوم النحر .
ومن فاته حضور ليلة من ليالي منى فعليه دم .
ومن تعجل فنفر (2) في اليوم الثاني فلا شيء عليه في رمي اليوم الثالث إذا نفر قبل الليل ، فإذا أدركه الليل ، في حد منى فلا ينفر (3) إلا في اليوم الثالث إلا أن يكون خائفا على نفسه ولا يرمي (4) قبل زوال الشمس في أوّل النهار إلاّ من فاته أمس قضاه أول النهار إن شاء ، [25] وإن شاء أخره إلى زوال الشمس .
ومن نقص من سبعة من الحصى أعاد تلك الواحدة ؛ وإن فاتته الإعادة فدم . ومن رمى حصاتين (5) معا فهي رمية يعدها حصاةً واحدة ، ويرم (6) بعدها ستة ؛ وإن فاته أهرق دماً . ومن زاد في الرمي فلا يضرّه ولا يفسد عليه .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط عبارة : (( ومن لم يلب فلا حج له ولا عمرة ، ومن لم يقف بعرفات فلا حج له )) , وقد وقع للناسخ فيها انتقال النظر لتكرار : (( ومن لم ... )) .
(2) …نفر : رحل إلى بلده مع جماعة من الناس .
(3) …في ( هـ ) : (( يفر )) , وهو تحريف .
(4) …في ( د ) و( هـ ) : (( ترمي )) . وهو خطأ ، والصواب ما أثبت .
(5) …في جميع النسخ : (( حصاة )) ، وفي ( هـ ) : (( خطاه )) ، وهو تصحيف ، والأنسب ما أثبت .
(6) …في ( هـ ) : ((ويرمي )) .
ومن رجع إلى بلده ولم يطف طواف الزيارة أبطل ؛ وعليه الطواف ، يعود من بلده فيقضيه ويكّفِر .
ومن رجع إلى بلده لم يطف طواف الوداع فعليه دم . (1)
ومن ترك ركعتي الطواف حتى يخرج من المسجد فليركعهما (2) ما دام في الحرم ؛ فإن خرج من الحرم فليركعهما حيث كان .
وإن أتى منزله فليهد شاة ، لتأخيره ركعتي الطواف .

الباب الثالث
مسائل في المعاملات
[ باب في تفسير المظالم والمحاربة ]
من أسلم ثم أشرك فإنه يقتل لقول الله تعالى : { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } (3).
[ تفسير المحاربة ]
قال الله تعالى : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ } (4) وذلك من حارب وقطع الطريق ، فأصاب في محاربته الأموال الأنفس ، أنه يقتل إذا قدر عليه ، ومن أصاب الأموال ولم يقتل قطعت يده ورجله (5) { مِّنْ خِلافٍ } : يده اليمنى ورجله اليسرى .
ومن قطع الطريق من أهل الشرك ثم قدر عليه ، وقد أصاب الأموال والأنفس فإنه يصلب . ولا يصلب أحد من أهل الإقرار (6) .
وإن جاء تائباً قبل أن يقدر عليه هدر (7) عنه ما أصاب في محاربته .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( دم )) .
(2) …في ( هـ ) : (( فليركعها )) .
(3) …الآية 217 من سورة البقرة.
(4) …الآية 33 من سورة المائدة.
(5) …في النسختين : ( ب ) و( ج ) : (( ورجلاه )) .
(6) …الإقرار : التوحيد . انظر : القطب اطفيش : تيسير التفسير ، ج2 ، ص74 .
(7) …هدر : أبطل .
ولا يهدر عن أحد من الإقرار ما أصابه في محاربته (1) ؛ فإن طلبه الإمام فامتنع فهو باغ ، لا يقارب ولا يترك حتى يسلم لحكم الله ، ويقاتل على امتناعه ؛ فما أصاب في امتناعه من الأنفس وما دونها من الجراحات يهدر عنه ولا يؤخذ به ، لأنه لا قصاص بينه وبين المسلمين ، لا يقيدوه من أنفسهم فيما أصابهم منه ، وكذلك لا يعطوه لأنّه إذا نزل قوم منزلة لا نعطيهم القصاص من أنفسنا فيما أصبنا (2) منهم .
كذلك لا نأخذ (3) منهم بما أصابوا . ولا يستقيم أن نستحل قوماً فنأخذ منهم القصاص , ولا نعطيهم مثل ذلك من أنفسنا .
وأما النفي الذي ذكره الله فهو أن يطلبهم الإمام والمسلمون بإقامة ما حكم الله بينهم وعليهم ـ من القتل والقطع والصلب ـ فيهربون فلا يؤمنون في شيء من بلاد (4) المسلمين ؛ وليس ذلك على معنى ما يقول من يقول : إن الإمام [26] فيهم مخير إن شاء قتلهم ، وإن شاء شلبهم ، إن شاء قطعهم ، وإن شاء نفاهم .
ولا يحل ما يقول من يزعم أن النفي هو الحبس ، ولكنه كما فسره العلماء : النفي أن يطلبوا بما حكمه (5) الله فيهم فيهربون ، فلا يؤمنون في شيء من بلدان المسلمين (6) .
[ أحكام القطع في الإسلام ]
قال الله تعالى في القطع : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (7) .
__________
(1) …في ( هـ ) : سقط (( ولا يهدر عن أحد من أهل الإقرار ما أصابه في محاربته )) . وقد وقع للناسخ فيه انتقال النظر لتكرار : (( في محاربته )) .
(2) …في النسخ : (( أصابنا )) ، والصحيح ما أثبت من ( ج ) .
(3) …في ( هـ ) : (( تؤخذ منهم فما أصابوا )) .
(4) …في ( هـ ) : (( بلدان )) .
(5) …في ( هـ ) : (( حكم )) .
(6) …انظر هذا المعنى في : هود بن محكم الهواري : تفسير كتاب الله العزيز ، ج1، ص467 . القطب اطفيش : تيسير التفسير ، ج2 ، ص75 .
(7) …الآية 38 من سورة المائدة.
القطع حكم جرى على الأحرار والعبيد والذكور والإناث والموحد والمشرك إذا أخرج المال من الحرز (1) .
يقطع إذا كان الذي أخرج من المال يساوي قيمة أربعة دراهم فصاعداً ، وقال بعضهم : خمسة دراهم . وقالوا : (( لا تقطع الخمس إلا في الخمس )) (2) ، وقال بعضهم : عشرة دراهم (3) ؛ وقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه : القطع في أربعة دراهم (4) . وقالوا لنا (5) : فمن أين جاز لكم في قولكم القطع في أربعة دراهم وأنتم قد جمعتمونا (6) على الأكثر ، فما حجتكم وما شاهدكم على الأقل ؟ وأنتم مدعون ؟! قلنا : فأي دليل وأي حجة أقوى من كتاب الله ؟! فإن الله يقول : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (7) ، فجاءت الآية مجيء عموم فلم يخرج (8) ولا يخرج من جملتها وحكمها ، إلا ما أجمع العلماء عليه أنّه خرج منها ، وإلا فالحكم حكم العام .
__________
(1) …الحرز : هو الموضع الحصين ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا قطع في التمر حتى يؤويه الحرز )) رواه ابن بركة العماني في جامعة ج2 ، ص473 .
(2) …هذا رأي المعتزلة . انظر : ابن بركة : الجامع ، ج2 ، ص478 .
(3) …وهو رأي أبي حنيفة . انظر : ابن بركة : الجامع ، ج2 ، ص478 .
(4) …استناداً إلى أن رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) قطع في مجن قيمته ربع دينار . وروي عنه ( - صلى الله عليه وسلم - ) عن طريقة عائشة أنها قالت : (( القطع في ربع دينار فصاعداً )) . رواه أبو داود والنسائي ومالك والربيع . انظر : ابن بركة : الجامع ، ج2 ، ص473 .
(5) …في ( هـ ) : (( قولنا )) . وهو خطأ .
(6) …في ( د ) و( هـ ) : (( جامعتمونا )) ، والصواب ما ورد في غيرها : (( جمتمونا )) : اتفقيتم معنا .
(7) …الآية 38 من سورة المائدة.
(8) …في ( هـ ) : سقط (( فلم يخرج )) . وقد كرر للتأكيد .
والوجه الثاني : إنما جاءت السنة في قطع يد السارق سرق مجناً (1) ، فاختلفوا في قيمة المجن فإن كنت إنما تنظر إلى موضع الدعوات فالذي يدعى الأكثر ـ من المختلفة ـ هو المدعي .
وإنما يقطع يده اليمنى ، وهذا من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . والسنة أن يقطع من أخرج من الحرز ؛ ولا يقطع إلا بإقرار أو بشاهدين (2) عدلين .
واختلفوا في إقرار العبد ، قال بعضهم : لا يجوز إقرار العبد على نفسه وهو مال ؛ وقال بعضهم : يجوز إقراره في إتلاف نفسه في القطع والقتل ولا يجوز إقراره في مالٍ .
[ أنواع السرقة وأحكامها ]
ولا يقطع المختلس ولا الخائن ولكن يعاقب (3) .
والمختلس الذي يسرق من المرعى أو من الجبال ، أو من البراري ، ما لم يخرج من المراح (4) والخزائن (5) والدوار (6) والمرابض (7) .
والخائن الذي يدخل بإذن ، فيخون الأمتعة فيسرقها ، أو سرق من أصحابه وهو معهم .
__________
(1) …المجن : الترس ، انظر : أبو غانم : المدونة الكبرى ، ج2 ، ص287 .
(2) …في ( هـ ) : (( وبشاهدين )) .
(3) …في ( هـ ) : (( يعاقبوا )) ، والصحيح ما أثبت . وفي ( د ) : تكرار (( الخائن )) .
(4) …كذا في ( د ) و( هـ ) ، وفي النسختين ( ب ) و( ج ) : (( المراج )) . ولعل الصحيح المروج وهي أرض واسعة فيها نبت كثير ترعى فيها الدواب .
(5) …كذا في النسختين ( د ) و( هـ ) وفي ( ب ) و( ج ) : (( الخزائل )) ، ولعل الصحيح الخمائل حسب السياق وهي غابة ذات أشجار كثيرة وكثيفة .
(6) …الدوار : المنازل .
(7) …في ( هـ ) : (( المرابظ )) ، وفي ( هـ ) : (( المرابط )) . ولعل الصواب : المرابض : وهو مأوى الغنم .
ومن سرق دابة لها راع يقطع يده ؛ فإن كابروه (1) فإنه يقطع يده ورجله من خلاف ؛ وإن سرق الدابة مع راعيها فإنه لا يقطع ، وقد خرج إلى حال الاختلاس أقرب وأشبه ، لأنه لم يكابر فيكون محارباً ، ولم ينزل الحرز فيخرج منه المال فيكون سارقاً .
ومن سرق صغيراً (2) فإنه يقطع ، ومن سرق كبيراً فإنه لا يقطع (3) .
[ باب [27] في القصاص ]
قال الله تعالى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (4) و { ... الْفَاسِقُونَ } (5) و { ... الْكَافِرُونَ } (6) تفسير ذلك أن نفس المؤمن تقتل بنفس المؤمن الحرّ ، إذا كان القتل عمداً .
ولا يقتل الحر بالعبد ، ولا المسلم بالمشرك ، ولكن الدية إذا كان معاهداً . ولا يقتل العبد المسلم بالمشرك ، ولا الحر بالمشرك ، ولكن الدية .
__________
(1) …كابروه : غالبوه مغالبة ، أي أثبتوا الحجة عليه .
(2) …في ( هـ ) : (( سغيراً )) . وهو تحريف .
(3) …هنا يشير إلى سرقة إنسان . والكبير يسير بمطاوعة .
(4) …الآية 45 من سورة المائدة.
(5) …الآية 47 من سورة المائدة.
(6) …الآية 44 من سورة المائدة.
ولا يقتل الرجل بامرأة حتى يؤدا (1) نصف الدية في قول بعضهم ؛ وقال بعضهم : يقتل . وذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ثلاثة في امرأة ، وقال : (( لو اشترك في قتلها أهل صنعاء لقتلتهم )) (2) . ولا يقتل عبد بعبد أفضل منه حتى يؤدوا فضل القيمة . والمرأة نصف الرجل (3) .
[ الديات أنواعها وأحكامها ]
ودية الرجل مائة من الإبل ؛ هذا من قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (4) . ودية العبد ثمنه ، وجراحاته على قدر ثمنه . وكل ما هو نصف في الحر فهو في العبد نصف ثمنه (5) فذلك إلى أقل قليل وأكثر كثير . واصطلح المسلمون أن دية الخطأ على العاقلة بقدر قربهم ، الرجال دون النساء ، لكل رجل منهم أربعة دراهم ؛ فإن فضل ، قسّم على الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ؛ فإن لم تتم أعيدت أيضاً كذلك ، فإن لم تتم أعيدت أيضاً كذلك .
__________
(1) …في ( د ) (( يدوا )) وهو خطأ .
(2) …نفس الكلام رواه مالك عن سعيد بن المسيب علي رجل لا على امرأة بلفظ " (( لو تمالاً عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً )) المطأ : كتاب العقول ، باب ما جاء في الغيلة والسحر ، رقم 13 .
(3) …قال أبو غانم الخراساني : (( هو قول أبي عبيدة ... وعلي بن أبي طالب )) . المدونة الكبرى ، ج2 ، ص302 .
(4) …رواه أبو داود عن جد عمرو بن شعيب . سنن أبي داود : حديث رقم 4541 . والربيع عن أبن عباس برقم 661 .
(5) …أي بعبارة أخرى : كل ما يمكن تنصيفه في الحر ـ مثل العينين ـ فهو في العبد كل نصف بنصف ثمنه في العبد .
ولا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ، وأما ما جنى المملوك (1) ؛ ولا تعقل ما دون الثلث ، وقال بعضهم : تعقل العاقلة ما فوق الموضحة (2) ، ولا تعقل ما دونها .
وتعقل دية الخطأ في ثلاثة أعوام : الثلثين في عامين ، والثلث في عام .
وقد أمر الله الطالب أن يطلب بالمعروف ، وأمر المطلوب أن يؤدي إلى صاحبه بإحسان ، وقال في ذلك : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } حيث جعل لهم أخذ الدية ، قال : { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (3) : يعني من قتل بعد أخذ الدية يقتل ، ولا يعفى عنه ولا يؤخذ منه الدية ؛ ولا عفو للقاتل بعد أخذ الدية . وإن عفى عنه ولي المقتول فالسلطان يقتله . ومن قتل بالدينونة (4) فهو إلى السلطان يقتله ، فلا يجوز فيه عفو الأولياء .
وكذلك من قطع الطريق بالمسلمين فأمره إلى السلطان ليس إلى الأولياء .
واختلف العلماء في قتل الغيلة ، فقال بعضهم : هو إلى السلطان وليس إلى أولياء المقتول ، ولا يعفى عنه ، ولا عفو له . وقال بعضهم : هو إلى الوالي .
[ تفسير الغيلة ]
وتفسير الغيلة : أن يغتال بالرجل فيدعى إلى طعام [28] أو إلى جماعة أو إلى خير يؤتى به إلى مكان مطمئن استمكنوه ، وهو مغتر لا يعلم ما يراد به ، فهذا وجه الغيلة .
[ تفسير الفتك ]
__________
(1) …كذا في ( د ) ، وفي النسختين ( ب ) و( ج ) : (( ولا اعترافا ما جنى المملوك )) ، ولعل الأنسب : (( ولا ما جنى المملوك )) . انظر : القطب اطفيش : شرح النيل ج15 ، ص138.
(2) …الموضحة : شجة كشفت العظم ولم تكسره .
(3) …الآية 178 من سورة البقرة.
(4) …يقصد به المرتد .
وأما الفتك : فهو أن يأتي بيته (1) في مكان غافلاً لا يرى أنه يراد به بأس ، فيقتله مفاجأة فذلك الفتك ، فهو الذي يقال فيه : (( قيد الإسلام الفتك ، لا يفتك مؤمن )) (2) . ولا فتك في الإسلام .
[ تفسير الغدر ]
وأما الغدر : فهو أن يعطيه الأمان ثم يقتله وهو أشر هذه الوجوه .. ( وأما العقص : فهو أن يضرب بحديد ثم يموت مكانه ) .
[ تفسير شبه العمد ]
وأما شبه العمد من الخطأ : فهو أن يضرب بما لا يقتل مثله ، ثم يموت مكانه ، ففيه وقع الخلاف ، قال بعضهم دية ولا قود (3) .
وقال بعضهم يقاد منه لأنه تعمد ضربه وإن لم يتعمد قتله ، ولا تعقله العاقلة .